والجواب عن الوجه الثامن: أن نقول أما من يقول إن معرفة كنه ذات الباري تعالى وحقيقته غير ممكنة، وأنا غير مكلفين بمعرفة الحقيقة، وإنما كلفنا بإثباتها، فلا يرد عليهم هذا الإشكال، ولا يتوقف الواجب من معرفته على تصور ذاته جل وعلا، وإنما يعرف بالدليل، وقولهم: إذا لم تكن ذاته متصورة امتنع التصديق بثبوته وثبوت صفاته باطل، فإن العلم بأن للمصنوع صانعاً، والتصديق به لايستلزم وجوب معرفة كنه صانعه وحقيقة ذاته كالآثار المصنوعة في القفار، فإنا إذا رأيناها نعلم ضرورة أن لها صانعاً، موجوداً، حياً، قادراً، عالماً بما صنع، ويكفينا ذلك من غير احتياج إلى معرفة كونه ذاتاً معينة، بل ولا يحتاج إلى معرفة جنسه من كونه جنياً أو إنسياً، ولا نوعه من كونه ذكراً أو أنثى، فإذا كفانا هذا في الشاهد مع أنه قد يمكننا أن نعرفه على التعيين أو نحوه، فليكفنا في الغائب الذي لا نحيط به علماً بالأولى، وما الدليل على أنه لا يمكن العلم بالمعلوم والتصديق به إلا بعد تصوره، وأما قولهم أن العلم بالصفة تابع للعلم بالذات، فلو سلم لكان لنا أن نقول علمنا بأنه لا بد للمصنوع من صانع كاف في معرفة ثبوت الذات، ولا يشترط في معرفة الحقيقة كما مر، وإذا علمنا أنه لا بد من صانع، علمنا أنه لايكون إلا موصوفاً بتلك الصفات؛ لأنه لو لم يكن موجوداً حياً قادراً لم يصح منه الفعل، ولو لم يكن عالماً لم يصح منه إحكام فعله، ولو لم يكن قديماً لاحتاج إلى محدث، فثبت أنا لم نعلم الصفات إلا بعد العلم بالذات، ولا نسلم أن ذاته تعالى معلومة لنا بحسب اللوازم التي ذكروها من التنزيه ونحوها، وإنما علمت لنا بالدليل، وهو الأثر الدال بالضرورة على المؤثر، وأما قولهم إن الناس تحيروا في الإنسان، فهو حجة عليهم؛ لأن تحيرهم في معرفة حقيقة الإنسان لم يمنع من علمهم بثبوته قطعاً، وإنما اختلفوا في تعيين حقيقته ما هي، فما لهم لا يقولون إن عدم وقوفنا على حقيقة ذات الباري جل
وعلا لا يمنع من العلم بثبوته، هذا مع أنا لو سلمنا لهم أن التصديق متوقف على التصور فلا نسلم أنه متوقف على تصور الذوات، بل على ما يمكن تصوره كما ذكره علماء المنطق.
قال في شرح (الشمسية): استدعاء التصديق بتصور المحكوم عليه ليس معناه أنه يستدعي تصور المحكوم عليه بكنه الحقيقة حتى لولم يتصور حقيقة الشيء يمتنع الحكم عليه، بل المراد به أنه يستدعي تصوره بوجهٍ مَّا بكنه حيققته، وإما بأمر صادق عليه، فإنا نحكم على أشياء لا نعرف حقائقها كما نحكم على واجب الوجود بالعلم والقدرة، وعلى شبح رأيناه من بعد بأنه شاغل للحيز المعين، فلو كان الحكم مستدعياً لتصور المحكوم عليه بكنه حقيقته لم يصح منا أمثال هذه الأحكام، فهذا كلام من لا ريب في تقدمه في هذا الفن، ولم أقف على خلافه لأحد من علماء هذه الصناعة، ولا أظن القائل بخلافه إلا من يريد التلبيس، وإذا كان لا يشترط تصور الحقيقة فلا مانع من القول بالتصور منا في حقه تعالى بأمر صادق عليه، وهو كونه محدثاً -بالكسر- بأن نقول: قد ثبت أن كل محدث بالفتح لا بد له من محدث فيتصور المحدث -بالكسر- من حيث هو، ثم نحكم بثبوت محدث العالم جل وعلا بعد هذا التصور الجملي، وهذا لا محذور فيه؛ لأنه لا يمتنع في حقه تعالى إلا تصور حقيقته، وقد أجازوا تصور المستحيل بوجهٍ مَّا كما مر، هذا وأما القائلون بأنا مكلفون بمعرفة حقيقة ذاته، وأن معرفتها ممكنة فلهم في بيان كون معرفة ذاته ممكنة طرق: منها: ما ذكره الإمام المهدي عليه السلام ، وحاصلها أنا إذا جوزنا لذاته تعالى مزية يعلمها هو ولا نعلمها نحن، وليست تلك المزية إلا الصفة الأخص، ونحن قد علمنا ثبوتها له، وحكمها وهو أنه خالف بها مخالفه، واقتضت له وجوب الأربع، وأنها لا تتعلق بها المدركية لامنا ولا منه تعالى، وأنها ثبتت على سبيل الوجوب، وإذا علمناها كما ذكرنا فهو غاية ما يمكن من معرفة كنهها، ولهم في تقرير هذه الطريقة كلام مبسوط، وأدلة
كثيرة، وسيأتي الكلام عليها في موضعها إن شاء الله.
والمقصود هنا إبطال قول من قال: إن النظر لا يفيد العلم بالله تعالى لعدم إمكان تصور ذاته. والله الموفق.
وإذا ثبت بما قررنا أن النظر يولد العلم، فاعلم: أنه لايولده إلا إذا وقع في دليل، أو طريقة نظر.
فالأول: أن ينظر في ذات فيحصل له العلم بذات أخرى كان ينظر في العالم فيحصل له العلم بالصانع، أو ينظر في صفة لذات فيحصل له العلم بصفة لذات أخرى كالنظر في كوننا قادرين عند صحة الفعل فإنه يحصل لنا عنه العلم بكون الله تعالى قادراً.
والثاني: أن ينظر في صفة لذات فيحصل له العلم بصفة أخرى لتلك الذات كالنظر في كونه تعالى قادراً فإنه يولد العلم بكونه حياً، وإنما حصروا توليد النظر للعلم على تعلقه بهذين الأمرين؛ لأنه لا يمكن النظر في غيرهما؛ إذ لا يخرج النظر عن تعلقه بذات، أو بذات على صفة، أو بذات على حكم، ولتوليده للعلم شروط:
أحدها: أن يكون الناظر عاقلاً، ووجهه أنا نعلم من حال الصبيان والمجانين أنهم إذا نظروا لم يولد نظرهم العلم، ولا وجه لذلك إلا اختلال العقل.
فإن قيل: إنما لم يولد نظرهم؛ لأن من حق الناظر أن يعلم الدليل ووجه دلالته، وذلك لايتأتى منهم، فكان عدم التوليد لاختلال شرط غير العقل.
قيل: لو كان لأجل ما ذكرتم للزم فيما إذا كان العلم بالدليل ووجه دلالته ضرورياً أن يولد نظرهم العلم، والمعلوم خلافه، وأيضاً إذا تعذر توليد نظرهم للعلم لعدم علمهم الاستدلالي بالدليل ووجه دلالته، فإنما عدموا العلم بذلك، وتعذر التوصل إليه بالاستدلال لعدم العقل، فيكون عدم العقل مؤثراً في انتفاء توليد النظر للعلم، وإن كان بواسطة تعذر العلم بالدليل ووجه دلالته. والله أعلم.
الشرط الثاني: أن يكون عالماً بالدليل، والمراد أن يعلم بنفس الدليل لابكونه دليلاً؛ لأن ذلك يتأخر عن العلم المتأخر عن النظر؛ لأن الدليل ما يتوصل بصحيح النظر فيه إلى العلم بالمدلول، ولا يعلم أنه دليل يوصل إلى ذلك إلا عقيب العلم بالمدلول الحاصل عن النظر فيه، فإذا علم المدلول علم أنه دليل لحصول حقيقة الدليل فيه، ووجه اشتراط هذا الشرط أن اعتقاده الذي ليس بعلم لايكفي في توليد النظر للعلم، وأنه لا يتولد عنه اعتقاد ليس بعلم فضلاً عن أن يولد العلم.
الثالث: أن يعلم وجه دلالته؛ لأن وجه الدلالة هو التعلق بين الدليل والمدلول والرابطة بينهما فلولم يعلم الناظر وجه الدلالة لم يعلم التعلق بين الدليل والمدلول، فلم يكن نظره بأن يولد العلم بأولى من أن لا يولده، ولذا لم يولد نظر الملحد في الأجسام العلم بالصانع مع أنه يعلمها، وليس ذلك إلا لعدم علمه بوجه دلالتها وهو الحدوث.
المقام الثاني: في أن النظر المفيد للعلم غير مقدور لنا، واحتجوا عليه بوجوه:
أحدها: أن تحصيل التصورات غيرمقدور لنا؛ لأن طالب تحصيلها إما أن يكون عارفاً بها، أو غافلاً عنها، وأيهما كان استحال منه طلبها كما مر، لايقال هي معلومة من وجه، ومجهولة من آخر؛ لأنا نقول الوجه المعلوم غير المجهول ضرورة، وإذا كان كذلك فنقول: الوجه المعلوم يستحيل طلبه؛ لأنه من تحصيل الحاصل، والوجه المجهول يستحيل طلبه؛ لأن ما غفلنا عنه لا يكون مطلوباً، وإذا ثبت استحالة التصورات الكسبية، وأنها غير مقدورة لنا وجب أن تكون التصديقات البديهية غير كسبية؛ لأن عند حصول طرفي القضية البديهية في الذهن، إما أن يلزم من مجرد حضورهما الجزم بنسبة أحدهما إلى الآخر أوْ لا، إن لم يلزم لم تكن القضية بديهية بل مشكوكة، وإن لزم كان التصديق واجب الحصول عند حضور ذينك التصورين، وممتنع عند عدمه، وما توقف ثبوتاً وانتفاءً على ما لايكون مقدوراً وهو التصور يجب أن يكون كذلك، فثبت أن التصديقات البديهية غير كسبية، وإذا لم تكن كسبية لم يكن شيء من التصديقات كسبياً؛ لأن التصديق النظري إن لم يكن واجب اللزوم عند حصول التصديقات البديهية لم يلزم من صدق تلك المقدمات صدق ذلك المطلوب، فلم يكن ذلك استدلالاً يقينياً، بل إما ظناً، أو اعتقاداً تقليدياً، وإن كان واجب اللزوم كانت تلك النظريات واجبة الدوران نفياً، وإثباتاً مع تلك القضايا الضرورية، فوجب أن لا يكون شيء من تلك النظريات مقدوراً للعبد أصلاً، وحاصل هذا الوجه أن التصورات غير مقدورة لنا، وأن التصديقات البديهية لا تكون كسبية، وإذا لم تكن كسبية فهي غير مقدورة لنا، وإذا لم تكن كذلك فجميع التصديقات مثلها لا تكون كسبية، بل إما ظنية، أو بديهية، والبديهي غير مقدور، والظني ليس الكلام فيه، فوجب من هذا أن النظر المفيد للعلم غير مقدور.
الوجه الثاني: أن الإنسان إنما يكون قادراً على إدخال الشيء في الوجود إذا كان يمكنه تمييز المطلوب عن غيره، وإنما تميز عن الجهل بمطابقته للمعلوم، ولا تعلم المطابقة إلا إذا علم المعلوم على ماهو عليه، فإذاً لا يمكنه إيجاد العلم بالشيء إلا إذا كان عالماً بذلك الشيء، وذلك محال لاستحالة تحصيل الحاصل، فوجب أن لا يكون العبد متمكناً من إيجاد العلم ولا من طلبه.
والجواب من وجهين:
جملي، وتفصيلي.
أما الجملي فقد ثبت بالدليل أن النظر فعل قلبي من أفعالنا، وأفعالنا مقدورة لنا، وواقفة على اختيارنا.
قال الرازي: وأما الشبه التي تمسكوا بها في أن النظر غير مقدور فهي فاسدة؛ لأنهم مختارون في استخراج تلك الشبه فيبطل قولهم إنها ليست اختيارية.
وأما التفصيلي: فنقول: الجواب عن الوجه الأول من وجهين:
أحدهما: أنه مؤسس على القواعد المنطقية، وقد مر في المقدمة أن هذا الفن لايحتاج إليه في دين الإسلام، وأنه مشتمل على مفاسد قد أوضحنا بعضها ثمة، وهذا الوجه وما يشابهه مما يؤيد به القول بتحريم علم المنطق.
ثانيهما: أنا لانسلم أن تحصيل التصورات غير مقدورلنا، بل لم يقل به أحد فيما أعلم، فإن الذي نص عليه في الكتب التي طالعناها من فن المنطق والأصول، وعلم الكلام هو انقسام كل من التصور والتصديق إلى ضروري، ونظري بلانزاع في ذلك، ولم يحكوا فيه خلافاً، بل قيل: إن هذه القسمة بديهية لا تحتاج إلى تجشم استدلال، واحتج له في شرح الشمسية بأنه لو كان كل واحد من التصورات والتصديقات بديهياً لما احتجنا في تحصيل شيء من الأشياء إلى كسب ونظر، وهو فاسد ضرورة احتياجنا في تحصيل بعض التصورات والتصديقات إلى الفكر والنظر، ولا نظرياً أي ليس كل واحد منهما نظرياً، وإلا لزم الدور أو التسلسل، والدور توقف الشيء على ما يتوقف عليه ذلك الشيء من جهة واحدة.
إما بمرتبة كما لو قلت: زيد متوقف على عمرو، وعمرو متوقف على زيد، أو بمراتب كما لو قلت: زيد متوقف على بكر، وبكر على خالد، وخالد على عمرو، وعمرو على زيد، والتسلسل هو ترتب أمور غير متناهية، واللازم باطل فالملزوم مثله، أما الملازمة فلأنا إذا حاولنا تحصيل شيء منهما فلا بد من أن يكون حصوله بعلم آخر،وهذا الآخر نظري أيضاً لا يكون حصوله إلا بعلم آخر وهلم جرا، فإما أن تذهب سلسلة الاكتساب إلى غير نهاية، وهو التسلسل، أو يعود فيلزم الدور، وأما بطلان اللازم فلأن تحصيل التصور والتصديق لو كان بطريق الدور أو التسلسل لامتنع التحصيل والاكتساب، هذا حاصل ما في شرح الشمسية، وإذا بطل أن يكون كل منهما بديهياً وكونه نظرياً تعين أن كل واحد منهما منقسم إلى بديهي ونظري، وبه يبطل القول بأن التصورات غير مقدورة لنا؛ إذ النظري من جملة المقدورات كما مر، وما استند إليه من أنه إن كان عارفاً امتنع تحصيلها... إلى آخره فقد مر جوابه في المقام الأول.
قوله: الوجه المعلوم يستحيل طلبه والمجهول كذلك، قلنا: قد مر أن الممنوع كون المطلوب معلوماً من الوجه الذي يطلب بالنظر تحصيله لا من وجه آخر، والمجهول الذي لا يمكن طلبه ليس إلا المجهول المطلق.
قوله: الوجه المعلوم غير المجهول، قلنا: مسلم لكن لا يمتنع توجه النفس إلى ما جهل من وجه مع العلم به من وجه آخر، وما أمكن توجه النفس إليه فلا استحالة في طلبه ضررورة، وإنما يستحيل طلب المجهول المطلق، ألا ترى أنا لو رأينا شبحاً لعلمناه شاغلاً للحيز مع جهلنا بكونه إنساناً أو بهيمة، لكن بعد علمنا به كما ذكرنا لا يمتنع توجه النفس إلى معرفة شخصه، فإذا توجهت إليه النفس أمكن العلم به على التعيين، ولولا علمنا به من الوجه السابق لما أمكن توجه النفس إليه، ولا طلب معرفته، فثبت أن المعلوم من وجه، المجهول من آخر لا يستحيل طلبه، وبطل قولهم: إن التصورات كلها غير كسبية، وإذا بطل هذا بطل ما ترتب عليه من قولهم إنه يجب أن لاتكون التصديقات البديهية كسبية، هذا مع أن الملتزم أن التصديقات البديهية لايجوز مصيرها استدلالية إلا مع زوال العلم الضروري إذا لم يكن من علوم العقل كالعلم بأحوال أنفسنا، ومثال الذي لايعد من كمال العقل العلم بأن زيداً هو الذي كنا نشاهده من قبل، فهذا يجوز مصيره استدلالياً بأن يزول العلم الضروري، وهو علمنا بأنه الذي كنا نشاهده، والحجة على أن الضروري لا يجوز مصيره استدلالياً إلا بالشرط المذكور: هي أن ما علم استحال النظر فيه، لأن شرط النظر التجويز، وأما اشتراط أن لايكون من علوم العقل؛ فلأنه إذا كان منها استحال النظر من دونه؛ إذ من شرط النظر اجتماع علوم العقل، لكن القول بأن التصديق البديهي لا يصير كسبياً لا يدل على منع التصديق الاستدلالي، وقد ثبت بما مر انقسام التصديق إلى ضروري ونظري، فما هذه المجازفة والمغالطة.
قوله: لأن عند حصول طرفي القضية البديهية في الذهن إما أن يلزم من مجرد حضورهما الجزم ...إلخ.
قلنا: لا يلزم من مجرد حضورهما الجزم، وإنما يحصل الجزم بعد النظر والفكر، وهو ترتيب المقدمات المتصورة في الذهن، ولا يلزم منه أن تكون القضية غير بديهية.
قال في شرح الشمسية: والنظري يمكن تحصيله بطريق الفكر من البديهي؛ لأن من علم لزوم أمر لآخر، ثم علم وجود الملزوم حصل له من العلمين السابقين وهما العلم بالملازمة، والعلم بوجود الملزوم العلم بوجود الإلزام بالضرورة، فلو لم يكن تحصيل النظري بطريق الفكر لم يحصل العلم الثالث من العلمين السابقين؛ لأن حصوله بطريق الفكر.
قال: والفكر ترتيب أمور معلومة للتأدي إلى المجهول، كما إذا حاولنا تحصيل معرفة الإنسان، وقد عرفنا الحيوان والناطق رتبناهما بأن قدمنا الحيوان، وأخرنا الناطق حتى يتأتى الذهن منه إلى تصور الإنسان، وكما إذا أردنا التصديق بأن العلم حادث ووسطنا المتغير بين طرفي المطلوب، وحكمنا بأن العالم متغير، وكل متغير حادث فحصل لنا التصديق بحدوث العالم.
قال في الحواشي: وكون الفكر ترتيب أمور...إلخ، إنما هو عند المتأخرين، وأما عند المتقدمين فهو عبارة عن مجموع حركتين حركة من المطالب إلى المبادي، والثانية من المبادي إلى المطالب، بيان ذلك أنه يخطر أولاً بالعقل حدوث العالم فينتقل الذهن إلى المبادي، فيوقع الترتيب بينها، فينتقل من المبادي إلى المطالب، وبما ذكر تعلم أنه لا يلزم من عدم لزوم الجزم بمجرد حضور طرفي القضية كون القضية غير بديهية، وإن حصول النظري عن البديهي ممكن، وقد أوضح دليله بما لامزيد عليه.
قوله: وما توقف ثبوتاً وانتفاء ...إلخ.
قلنا: قد مر أن من التصور ما هو مقدورلنا.
قوله: وإذا لم تكن كسبية لم يكن شيء من التصديقات كسبياً.
قلنا: لا وجه للملازمة، وقد علم من ما مر أن التصديق ينقسم إلى ضروري وكسبي.
قوله: لأن التصديق النظري إن لم يكن واجب اللزوم ...إلخ.
قلنا: قد عرفت دليل لزوم صدق المطلوب لصدق مقدماته من كلام شارح الشمسية.
قوله: وإن كان واجب اللزوم كانت تلك النظريات واجبة الدوران.... إلخ.
قلنا:دورانها مع القضايا الضرورية لا يخرجها عن كونها نظرية لاحتياجها إلى الفكر كما مر.
والجواب عن الوجه الثاني: بأنه قد مر الدليل على إمكان توجه النفس إلى المجهول إذا كان قد علم من وجه آخر، وقررناه بما لامزيد عليه، فلا فائدة في التكرار.
المقام الثالث:في أنه لا يجوز الإقدام على النظر.
وحاصل كلامهم في ذلك أن النظر وإن أفاد العلم وكان مقدوراً للمكلف فإنه يقبح من الله الأمر به لوجوه:
أحدها:أنه في الأكثر يفضي بصاحبه إلى الجهل، فالمقدم عليه لا يأمن الجهل وهو قبيح، فالمؤدي إليه وهو النظر يجب أن يكون قبيحاً.
الثاني: أن الواحد منا مع ماهو عليه من النقص، وضعف الخاطر لا يجوز أن يعتمد على عقله في تمييز الحق من الباطل لعجزه عن التمييز بينهما، ويدل على ذلك أن أرباب المذاهب إذا تركوا التعصب وجدوا الأدلة متعارضة، وهذا يدل على عجز العقل عن إدراك هذه الحقائق.
الثالث: أن مدار الدين لو كان على النظر لما استقر إيمان عبد ساعة واحدة؛ لأن الناظر كلما خطر على باله سؤال أوشبهة صار شاكاً، فيلزم أن يخرج في كل ساعة من الدين بسبب هذه العوارض.
الرابع: أنه قد اشتهر في الألسنة أن من طلب الدين في الكلام تزندق.
والجواب من وجهين: جملي، وتفصيلي:
أما الجملي فنقول: قد ثبت وجوب النظر بما مر، وما ثبت وجوبه ثبت حسنه وانتفى قبحه، والشبه التي أوردوها في القبيح تناقض دعواهم لقبحه؛ لأنه إذا كان قبيحاً كان إيرادهم لهذه الشبه قبيحاً.
وأما التفصيلي فنقول:
الجواب عن الوجه الأول: أنا لانسلم أن النظر قد يفضي إلى الجهل، بل لا يولد إلا العلم، ولا يولد جهلاً ولاظناً، واحتج القرشي على ذلك بأنا نعلم حسن جميع الأنظار لعلمنا بحسن الإقدام عليها على الإطلاق، فلو كانت تولد الاعتقادات والظنون مع أن فيها ماهو قبيح قطعاً لما حسنت على الإطلاق؛ لأن قبح المسبب يقتضي قبح السبب، وقد أورد على هذا الدليل اعتراضان: