الوجه الرابع: أن العلم بكون النظر مفيداً للعلم؛ إما أن يكون ضرورياً أو نظرياً، وكلاهما باطلان، أما الأول فلأنه لو كان كذلك لاشترك العقلاء فيه، وأما الثاني فلأنه يؤدي إلى إثبات الشيء بنفسه وهو محال، وبيانه أن العلم بإفادة النظر العلم فرد من أفراد العلم الثابت بالنظر، والماهية التي نريد إثباتها بذلك الفرد موجودة في ذلك الفرد، فلزم إثبات الشيء بنفسه، ويلزم منه أيضاً اجتماع النفي والإثبات؛ لأن هذا الفرد من حيث أنه وسيلة إلى الإثبات يجب أن يكون معلوماً، ومن حيث أنه مطلوب يجب أن لا يكون معلوماً.
الوجه الخامس: أنه لا ينتج إلا المقدمتان، واجتماعهما في الذهن دفعة واحدة محال؛ لأن الخاطر إذا توجه نحو معلوم استحال في ذلك الوقت توجيهه نحو معلوم آخر.
الوجه السادس: ذكره القائلون بأن الأدلة متكافئة، وهو أن كل أهل مذهب استدلوا بمثل دليل مخالفهم، ورجح كل منهم مقالته بمثل ما رجح به خصمه، فلا مزية لدليل على دليل.
الوجه السابع: أنه لو أوصل إلى العلم لما عدل عنه أحد.
الوجه الثامن: أن النظر وإن أفاد العلم في الجملة، فهو لا يفيده في الإلهيات لوجهين:

أحدهما: أن حقيقة الإله غير متصورة، وإذا لم تكن متصورة استحال التصديق بثبوته، وثبوت صفاته بيان عدم تصور حقيقته أن المعلوم عند البشر أنه ليس في جهة، ولا شاغلاً للحيز، والمعلوم عندهم أيضاً أنه موصوف بالعلم، والقدرة، والعلم بهذين ليس علماً بذاته، أما تنزهه عن الجهة فهو قيد سلبي وليست حقيقته نفس هذا السلب فلم يكن العلم بهذا السلب علماً بحقيقته، وأما كونه موصوفاً بالعلم والقدرة فهو عبارة عن انتساب ذاته إلى هاتين الصفتين، وليست ذاته نفس هذا الانتساب، وبيان استحالة التصديق به وبصفاته أن التصديق متوقف على التصور فإذا استحال التصور استحال التصديق، لا يقال ذاته تعالى وإن لم تكن متصورة بحسب الحقيقة المخصوصة، فهي متصورة بحسب لوازمها من التنزيه، ووجوب الوجود ونحوهما، فيحكم على هذا المتصور؛ لأن نقول: هذه الأمور إما أن تكون نفس الذات وهو محال، أو أمور خارجة عنها فلا يمكن العلم بكونها موصوفة بها؛ لأن العلم بالصفة تابع للعلم باللذات.
ثاني الوجهين: أن أظهر الأشياء عندنا ذات الإنسان المشار إليها بقولنا أنا وقد تحير الناس فيها كما مر، فكيف بأبعد الأشياء مناسبة عنا وعن أحوالنا.
والجواب من وجهين:
أحدهما: في إقامة البرهان على أن النظر الصحيح يولد العلم، لأن بثبوته يبطل ما ذهبوا إليه لما مر في المقدمة من أن الدليلين إذا كانا في طرفي نقيض، وثبت أحدهما فإنه يبطل الآخر، والذي يدل على إفادته العلم أن العلم يقع بحسبه في القوة والجلى، فمن كان نظره أكمل كان العلم في حقه أجلى، ويدل عليه أيضاً أن العقلاء يفزعون عند التباس الأمور إلى النظر، فلو لا أن العلم متولد عنه لما وقع بحسبه ولما فزع العقلاء إليه.
فإن قيل: فهلا كان النظر طريقاً إلى العلم لامولداً له.

قيل:طريق العلم تتعلق بما يتعلق به العلم كالإدراك بحاسة البصر فإنه طريق إلى العلم بالمشاهد، وهما يتعلقان معاً بالمشاهد، بخلاف النظر فإن متعلقه الدليل، ومتعلق العلم المدلول، فلا يصح أن يكون طريقاً إليه، وكذلك لايصح أن يكون داعياً إليه؛ لأن الداعي يختص بشيء بعينه، والنظر ليس كذلك؛ إذ ليس دعاؤه إلى اعتقاد المدلول على صفة أولى من غيرها، وإنما الناظر يستكشف به عن حال ما ينظر فيه، وأيضاً الداعي علم الإنسان،أو ظنه،أو اعتقاده بأن له في الشيء جلب نفع، أو دفع ضرر، وليس هذا حال النظر،لا يقال فقد جعلتم التذكر للنظر داعياً مع أنه، وليس بأن يدعو إلى صفة أولى من غيرها؛ لأنا نقول بل هو يدعو إلى صفة معينة، وهو أنا نصير إلى مثل الصفة التي كان عليها من قبل.
فإن قيل: فهلا كان شرطاً؟
قيل: لأن من حق الشرط المقارنة، والنظر متقدم على العلم.
فإن قيل: هو شرط اعتيادي كما قال الجاحظ كالحفظ عند الدرس.
قيل: فكان يجوز اختلاف العادة فيه كالحفظ، فإن أحدنا قد يدرس ولا يحفظ، أو لا يحفظ إلا بدرس كثير، والآخر قد يحفظ بالدرس القليل، والمعلوم أن النظر بخلافه فإن الناظرين إذا استويا في صحة النظر واستحضار مقدماته ولد نظرهما العلم في الوقت الثاني، وإذا حصل لأحدهما العلم دون الآخر أو قبله، فإنما هو لكون نظر أحدهما صحيحاً، ولا يولد العلم إلا النظر الصحيح، أو لتمكنه من استحضار المقدمات قبل الآخر فيحصل له العلم قبله؛ لأن القلب خلق آلة لذلك، والآلات تختلف في سرعة الفعل.
فإن قيل: لوكان النظر سبباً في حصول العلم لصحة مقارنته له؛ لأن الأسباب تصح مقارنتها للمسببات، وتؤثر في وقوعها فقط لا في وقوعها على وجه، وليس هذا حال النظر.
قيل: أما عدم صحة المقارنة؛ فلأن شرط النظر التجويز وهو لايقارن العلم، وأما تأثيره في وقوع مسببه على وجه فهو شيء اختص به النظر دون سائر الأسباب لقيام الدليل.
الوجه الثاني: وفيه مسلكان:

جملي، وتفصيلي؛ فالجملي هو أن الشبه التي ذكروها إما أن تكون ضرورية، أو نظرية.
الأول: معلوم البطلان، والمدعي له مكابر.
والثاني: يبطل مذهبهم لما فيه من المناقضة؛ لأن علمهم بأن النظر لايولد العلم متولداً عن النظر، وأما التفصيلي فنقول:
الجواب: عن الوجه الأول باختيار كون علمنا بذلك ضرورياً كما ذهب إليه أبو عبد الله فإنه يذهب إلى أن علمنا بسكون النفس الذي هو الطريق إلى معرفة كون الاعتقاد علماً عند الجمهور ضروري، سواء كان الاعتقاد المقتضي له ضرورياً، أم استدلالياً، وقواه القرشي، والحجة على ذلك أنه لا يمكن الإشارة إلى أمر نجعله دليلاً على أن أنفسنا ساكنة، ولا ريب في أنا نقطع بسكونها فتعين أن العلم بذلك ضروري، وأيضاً لو لم يكن ضرورياً لصح أن ينظر أحدنا في الدليل على الوجه الذي يدل فيعلم المدلول، ولا يعلم أن نفسه ساكنة بأن لا ينظر في كونها ساكنة، أم لا، أو ينظر لا على وجه الصحة،والمعلوم أن أحدنا عند أن يحصل له العلم لا يشك في سكون نفسه من دون نظر، وأما قوله: إن علمنا بكون ذلك الاعتقاد علماً ليس كعلمنا بأن الواحد نصف الإثنين، فلا نسلمه، بل هما سواء لأنهما راجعان إلى أمر موجود في النفس، سلمنا فلا يشترط استواء العلوم الضرورية لما مر من أن منها ما يحصل فينا ابتداء، وهذا أقواها وأجلاها، ومنها ما يحصل عن طريق، وهذا يتفاوت بتفاوت طرقه، وباختيار الثاني، وهو كون العلم به استدلا لياً كما ذهب إليه الجمهور، فإنهم يقولون إن كان المقتضي له ضرورياً فهو معلوم ضرورة، وإن كان المقتضي له استدلالياً فهو استدلالي، واحتجوا بأنه إذا كان الاعتقاد استدلا لياً فبالأولى ما هو مقتضى عنه؛ لأنه كالفرع له، وبأنه لو كان ضرورياً لم يصح زوال العلم الاستدلالي بعد حصوله؛ لأنا مضطرون فيه إلى سكون النفس، وأجابوا عن لزوم التسلسل بأنه غير لازم؛ لأن الدليل الذي يحصل به العلم بالمدلول والعلم بسكون النفس واحد، وكذلك النظر

واحد، ولا يلزم التسلسل إلا لو اختلف الدليل بأن يكون دليل سكون النفس غير دليل حصول العلم؛ لأنه حينئذ يحتاج علمنا بكون ذلك السكون علماً إلى دليل، وهلم جرا كما ذكره الخصم، وكذلك لو احتاج علمنا بسكون النفس إلى نظر آخر، فلما لم يكن شيئٌ من ذلك انتفى التسلسل، وقد اعترض دليل الجمهور بأن كون سكون النفس مقتضى عن علم استدلالي لا يمنع كونه معلوماً بالوجدان، فإن أرادوا بكونه استدلالياً أن النظر الأول يولده، وأنه يحصل بنظر مستأنف، فمحل النزاع.
وأجيب: عن قولهم لو كان ضرورياً لم يصح زوال العلم ...إلخ، بالتزام صحة زواله، لكن إذا زال لزم منه زوال ما هو مقتضى عنه، وهو سكون النفس، وإذا زال سكون النفس زال العلم الضروري المتعلق بسكون النفس؛ لأن الله تعالى لا يجدد فينا اعتقاداً ضرورياً يتعلق بشيء لا على ما هو به، واعترض جوابهم عن لزوم التسلسل بأنه يلزم عليه أن يكون النظر مولداً لعلمين مختلفين، العلم بالمدلول، والعلم بسكون النفس إليه، وقد سبرنا الأنظار، واختبرناها فلم نجد أنفسنا طالبة للعلم بسكون النفس حال النظر، نعم وبقي لنا وجه ثالث في الجواب، وهو أنا نعرف كون ذلك الاعتقاد علماً بسلامة طرقه كما يقوله أبوعلي، وسيأتي تحقيقه بعد هذا.

والجواب عن الوجه الثاني: أنا لم ندَّع في كل نظر أنه يوصل إلى العلم، وإنما يوصل إليه الصحيح، وأما الاختلاف فهو لا يدل على مطلوبهم؛ لأنه قد يقع لشبهة تدعو إلى الجهل، أو لضرب من اللبس كما في الإدراك فإنا متفقون على أنه طريق إلى العلم مع أنه يختلف الحال فيه كمن يرى الشراب فيلتبس عليه بالماء، وكاختلاف الشخصين في الحساب فيدعي كل منهما أنه المصيب، ثم ينكشف لأحدهما خطؤه، وأما قولهم إذا علمنا خطأ بعضهم جاز في الآخرين مثلهم، فباطل لأنه إنما يلزم ذلك لو لم يكن لنا ما نعرف به كون الاعتقاد علماً، وليس كذلك فإنا نعرفه إما بسكون النفس على ما قاله الجمهور، وقد مر أن علمنا بذلك إما ضروري، أو استدلالي على الخلاف، وإما بسلامة طرقه من الانتقاض على ما يقوله أبو علي؛ لأن الجاهل قد يكون ساكن النفس كما قاله الجاحظ، وكذلك المقلد مع أن اعتقادهما ليس بعلم، وما قيل في الرد عليه بأن في العلوم ما لا طريق إليه كالبديهي وغيره، وإنما يعرف كونه علماً بأمر يرجع إليه، فمدفوع بأنه إنما جعل ذلك طريقاً في المكتسب، وكل علم مكتسب فله طريق أي دليل، وهذا هو المطابق لحكاية قاضي القضاة عنه فإنه لم يحك عنه إلا أنه يجعل تميز العلم المكتسب عن غيره بسلامة طريقه ودليله، وهذا هو الذي يتصور منه، قالوا: لا تعرف سلامة طريقه إلا بعد معرفة كون الاعتقاد الحاصل عنها علماً، ويجاب بأنا لا نسلم ذلك، بل الأمر بالعكس، وهو أنه إنما يعرف ماذكرتم بعد علمه بسلامة طرقه بأن تكون مقدماتها صحيحة، واستنادها إلى أصول معلومة بالضرورة، ومن أدلة أبي علي أنا لا نتمكن من تعريف الغير بأن اعتقادنا علمٌ دون اعتقاده إلا ببيان سلامة طريقنا دون طريقه، وأجيب بأنه لاحجة له في ذلك؛ لأنا لا نتمكن من تعريف الغير بسكون النفس إلا بذلك،ولو كان يمكن بغيره لكان هو الواجب، وليس الكلام في تعريف الغير،وإنما هو فيما به يعرف المرء أن اعتقاد نفسه علم، وأما كلام الجاحظ

فواضح السقوط؛لأن الواحد منا يجد من التفرقة بين اعتقاده كون زيد في الدار عندما شاهده فيها، أو خبر الصادق بذلك، وبين أن يخبره رجل من آحاد الناس ما لا يجده الجاهل، وكذلك المقلد، وإنما يتصوران بصورة ساكن النفس، ولذا لو شكك عليهما لاضطربا في الاعتقاد، وإذا تقرر لك هذا علمت أن لنا سبيلاً إلى معرفة كون الاعتقاد علماً على اختلاف الأصحاب في ذلك السبيل كما عرفت، وإذا ثبت أن لنا إلى معرفته سبيلاً بطل ما ذكره الخصوم في الوجه الثاني. والحمد لله.
والجواب عن الوجه الثالث: أن الممنوع كون المطلوب معلوماً من الوجه الذي يطلب بالنظر تحصيله، فأما العلم به من وجه آخر فيجب ليمكن طلبه؛ إذ المجهول المطلق لا يمكن طلبه، ولا محذور في طلب ما هومعلوم بوجه من الوجه المجهول؛ إذ الامتناع في تو جه النفس إليه لكونه معلوماً ببعض عوارضه، والحاصل أنه يجب أن يعلم إجمالاً بوجه ما.
فإن قيل: فما الوجه الذي علم به الباري تعالى إجمالاً حتى يمكن توجه النفس إلى معرفته بالنظر؟
قيل: هو ما ينبه عليه الخاطر ونحوه من حدوث العالم، وأنه محتاج إلى محدث؛ لأنه إذا حصل هذا العلم علم أن محدث العالم شيء، فتتوجه النفس إلى معرفة ذلك الشيء.
والجواب عن الوجه الرابع: أن العلم بذلك ضروري، وهو ما قدمناه من أن العلم يقل أو يكثر بحسب قلة النظر وكثرته، وأنه إذا وقع على وجه الصحة يوجب حصول العلم أن العقلاء لو لم يعلموا أنه يوصلهم إلى الصواب لما فزعوا إليه عند التباس الأمور وارتباكها، والمعلوم أنهم عند التباس الأمور يفزعون إلى النظر ويذمون تاركه، وهذان الدليلان ضروريان بلاشك، والمخالف مكابر فلا يعتبر بخلافه، ولا يقدح في كونه ضرورياً.

والجواب عن الوجه الخامس: أنه مبني على ما يذكره الفلاسفة، ومن مال إلى علومهم من أنه لا يوصل إلى العلم إلا الدليل المركب من الأشكال الأربعة، وقد مر في المقدمة إبطال مذهبهم، وأن الدليل هو ما إذا نظر الناظر فيه نظراً صحيحاً أوصله إلى العلم بالغير، سواء تركب من تلك الأشكال أم لا.
قال بعض المحققين: الدليل عندنا على إثبات الصانع هو العالم، وعند المنطقيين أن العالم حادث، وكل حادث له صانع، فالدليل عندهم هاتان القضيتان مع هيئة الترتيب العارضة لهما، ثم إنا لو سلمنا لهم ذلك فمن أين لهم منع المقدمتين في الذهن دفعة واحدة، ولا أظن أحداً يقول بهذا من الحكماء، فإن علماء المنطق قد نصوا على عكسه، ففي الشمسية وشرحها وما عليها من الحواشي: أن العلم النظري يحصل بالفكر، قالوا: والفكرة ترتيب أمور معلومة حاصلة في الذهن للتأدي إلى المجهول كما إذا حاولنا تحصيل معرفة الإنسان، وقد عرفنا الحيوان الناطق رتبناهما بأن قدمنا الحيوان، وأخرنا الناطق حتى يتأدى الذهن منه إلى تصور الإنسان، فهذا نص منهم على أنه لا بد من استحضار المقدمتين في الذهن قبل ترتيبهما، ويؤيد ذلك أنهم لم يمنعوا استحضار المتعددات في الذهن إلا إذا كانت لا نهاية لها، وإنما منعوا استحضار ما لانهاية لها إذا كان استحضارها دفعة واحدة، أو في زمان متناه، فأما إذا كان في أزمنة غير متناهية فقد نص على جوازها في حواشي الشمسيه، وإذا عرفت هذا عرفت أنه لا وجه لمنع استحضار المقدمتين دفعة واحدة، وإن كلام أئمة الفن قاض باشتراطه ليمكن ترتيب المقدمات، وقد مر عن أبي عبد الله أنه يجب التنبيه على الأدلة في حالة واحدة، وأما قوله إن الخاطر إذا توجه إلى معلوم...إلخ، فمغالطة ظاهرة؛ لأنا لو سلمنا ذلك فليس توجهه إلى المقدمتين ليعلمهما؛ لأن حصولهما في الذهن قبل التوجه إليهما لابد منه كما مر، وإنما توجه إليهما ليستدل بهما، وقد صارتا بالتركيب كالشيء الواحد، ولذا قال

المناطقة: إن الترتيب في اصطلاحهم جعل الأشياء المتعددة بحيث يطلق عليها اسم الواحد، وإذا كان التوجه إلى المقدمتين من حيث الاستدلال بهما ومصيرهما دليلاً واحداً لم يكن التوجه إليهما إلاتوجهاً واحداً، على أن توجه الخاطر إلى شيئين والنظر فيهما لا يمتنع عند أبي هاشم، ومنعه أبوعلي بناء على تضاد الأنظار.
وأجيب: بأن شرط التضاد فيها اتحاد المتعلق، وأن يكون التعلق متعاكساً، ولو سلم له ذلك فلا نسلم امتناع النظر في شيئين إذ لا تضاد، ولو امتنع فهو لفقد الداعي إلى الجمع بينهما، كما يمتنع فعل النظر مع كراهته لفقد الداعي لا لتضاد بينه وبين الكراهة.
والجواب عن السادس: كالجواب عن الثاني، ويقال لهم أيضاً: هذه الأدلة المتكافئة إما أن توصل كلها إلى العلم حتى يكون جميع المذاهب حقاً، وهذا باطل؛ لأنه لا يكون إثبات الصانع ونفيه حقاً، وإما أن لا توصل، وفي هذا خروجها عن كونها أدلة فضلاً عن كونها متكافئة فكيف سميتموها أدلة مع أن الدليل ما أوصل إلى العلم، وإما أن يوصل بعض دون بعض، فهو المطلوب، لكن ما أوصل فهو الدليل، وما لم يوصل فهو شبهة، ولا تكافؤ بين الدليل والشبهة.
والجواب عن السابع: بأنه قد يعدل عن النظر لسبب من الأسباب، والأسباب الصارفة عن الخوض في هذا العلم، والتشاغل عن النظر والفكر كثيرة، منها: إيثار الدعة والراحة، والتشاغل باللذات.
قال الحاكم: وهذه عادة كثير من الناس، وذلك مما لا يخفى فساده؛ لأن صلاح أمر الدنيا لا يحصل مع تلك الآفات فكيف الثواب، وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم : ((حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات)) ومنها: تجويز التقليد.
قال الإمام عز الدين: اعلم أن التقليد الذي يصرف عن النظر والفكر، والبحث والتأمل، والعلاج الشديد في إدراك الحق ووجدانه على ضربين:
أحدهما: تقليد الآباء والنشأ على مذهبهم، وموافقة أهل بلده وجهته.

قال الحاكم: لأنه إذا اعتاد ذلك واستمر عليه تتعذر عليه مفارقته، ولهذا قالوا: {إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ}[الزخرف:22]
وثانيهما: أن يشاهد أكثر الناس على مذهب فيعتقد أنه الحق لذهاب الأكثر إليه، فيستكفي بذلك عن النظر المستلزم للمشقة، ولا ينظر إلى قوله تعالى: {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ}[النحل:75] {وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ}[الأنعام:116] {وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِي الشَّكُورُ}[سبأ:13] وقول أمير المؤمنين: (الحق لا يعرف بالرجال...) الخبر، ومنها أن النظر في الأدلة، والخوض فيها قد يؤدي إلى الزندقة، والفساد في الدين فيجعل ذلك سبباً للامتناع منه على ما يعتقده بعض المتفقهة، وهذا غلط فاحش؛ لأنه لو كان كذلك لكان الله تعالى لا يدعو عباده إلى النظر، ومنها: أن يكون له رئاسة، أو يؤمل ذلك ويخاف فوتها إن اشتغل بالنظر وخاض في الكلام فيعدل عنه إلى غيره من العلوم والآداب.
قال الحاكم: وهذا أمر أكثر المتفقهة، لأنهم يؤملون نيل رئاسة يخافون فوتها إن خاضوا في الكلام، ولذلك ترى كثيراً منهم يعدل عنه مع البصيرة بأنه واجب حتى يتعلم سراً ويظهر خلافه جهراً، وما عليه أصحاب الحديث من أنهم لو خاضوا في علم الكلام لفارقوا طريقة السلف، ولذلك تراهم يحتجون بقول فلان وفلان، ويعدلون عن الحجج، ومنها: ما يصرف عن العلم الحاصل بالنظر، وذلك إما لشبهة تطرأ عليه فلا يمعن النظر في حلها، أو يتقاعد عنه تكاسلاً، وإما للتعصب للأسلاف فيعرض عما يخالفهم وإن قاد إليه النظر كما هو حال كثيرمن المخالفين، وإما لاتباع مذهب يكون له به رئاسة، ويصير به قدوة وإن كان باطلاً.
قال في المعراج: روي عن الأشعري أنه قال: أحب إلي أن أكون رأساً في الباطل ولا ذنباً في الحق.

172 / 329
ع
En
A+
A-