قال الإمام عز الدين: وإنما استوى الحال في المظنون والمعلوم لحكم العقل بذلك، فإنه لافرق عند العقلاء بين أن يشاهدوا السم في الطعام أو يخبرهم من خبره يورث الظن في وجوب تركه، وكذلك الأدوية فإنه يجب فعلها لظن الدفع، وذلك أمر موجود من النفس.
قلت: ويدل على ذلك أنهم يذمون من أقدم على طعام قد علم، أو ظن أنه مسموم، والذم خاصة الوجوب، ويتصل بهذا الوجه الكلام في فائدتين:
الأولى: في حقيقة الخوف.
والثانية: في بيان أسبابه.
الفائدة الأولى: [حقيقة الخوف]
في حقيقة الخوف، فقال القرشي: هو الظن لحصول ضرر أو فوت نفع في المستقبل، وهذا الحد اعتمده أكثر المتأخرين، وقال أبو هاشم: هو الظن أو الاعتقاد لنزول ضرر أو فوت نفع في المستقبل في الظان، أو المعتقد، أو فيمن يجري مجراه، والذي يجري مجراه هم أحبائه، وقرر هذا الحد ابن متويه وجرى عليه في الغياصة إلا أنه قيد الاعتقاد بأن يكون من غير سكون النفس، وفائدة هذا القيد واعتبار الظن الاحتراز عن الأمور المعلومة المقطوع بحصولها، فإن الإنسان القاطع بها لا يسمى خائفاً عند أهل اللغة.
فإن قيل: كيف قلتم إن الخوف لايكون علماً مع أنا نخاف الموت وهو مقطوع به؟
قيل: إنا لا نخاف الموت نفسه، وإنما نخاف وقته وهو غير مقطوع بتعيينه، بل يظن في أكثر الأوقات.
فإن قيل: فما تقولون في خوف الملائكة من العقاب مع أنهم يعلمون أنه لاينزل بهم في المستقبل؟
قيل: ليس خوفهم من العقاب نفسه؛ لأنهم قد علموا أنهم لايعاقبون لعصمتهم، وإنما خوفهم خوف توق وهو أنهم يخافون مواقعة ما يفضي إلى الضرر، وعلى هذا أول بعضهم قوله تعالى: {يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ}[النحل:50] وقيل: معناه يفعلون أفعال الخائفين، وقد ضعف في الغياصة الجواب في الموت والملائكة، وقال: إنه عذر غير محكم، وقال القرشي: الأقرب أنهم -يعني الملائكة- يخافون خوفاً حقيقياً؛ لأنهم مكلفون بمعرفة الله تعالى، وهي إنما تحصل عن النظر في حق كل مكلف، ووجه وجوب النظر هو الخوف من تركه في حق كل أحد، فلا بد أن يخافوا من ترك النظر ضرراً ليكون ذلك وجهاً، وقول أصحابنا أنهم يقطعون على أنهم لايعذبون هو صحيح، لكن إنما يقطعون على ذلك بعد معرفة الله، والخوف من ترك النظر مقدم عليها، واعترضه الإمام عز االدين بأن قوله تعالى: {يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ}[النحل:50] جاء بلفظ المضارع، وهو موضوع لإفادة الحال، وقد يؤتى بهذه العبارة لإفادة الاستمرار، وليس مما يدل على المضي، ومن المعلوم أنهم حال إخباره تعالى لنا بذلك عارفون له غير خائفين من ترك النظر في معرفته، وإن جعل يخافون حكاية حال ماضية ولم يحمل على ظاهره في إفادة الحال فقد قال: {يَخَافُونَ رَبَّهُمْ } وهم قبل النظر، وحال الخوف الحاصل قبله غير عارفين له، وذلك الخوف ليس خوفاً له.
واعلم: أنهم اعتبروا في الحد تعلق الظن بحصول ضرر أو فوت نفع؛ لأن تعلقه بعكس ذلك طمعٌ ورجاء، واعتبروا الاستقبال لأن ما قد وقع لايخاف، وفي منعهم أن يكون الخوف علماً دليل على أنه لايكون من فعل الله، وقد نص على ذلك القرشي، وعلله بأنه ظن، والظن لايحسن فعله، ولا الفعل لأجله، ولا الترك إلا إذا حصل عند أمارة صحيحة ينظر فيها فاعل الظن، والظن في الأمارة مستحيل على الله لأنه عالم لذاته، واشتراط الأمارة الصحيحة في حسن فعل الظن للاحتراز عن ظن السوداوي فإنه لا يحسن؛ لأنه صادر لا عن أمارة.
الفائدة الثانية: في بيان أسباب الخوف
اعلم: أن للخوف أسباباً لا بد للعاقل من أن يخاف عند حصول أحدها.
قال السيد مانكديم: حتى لو لم يخف البتة لم يكن مكلفاً ولا عاقلاً، إذ العاقل إذا خوف بأمارة صحيحة خاف لا محالة، وأسبابه كثيرة منها:
أن ينظر إلى نفسه وما في تركيبه من الحكمة والتدبير، فيقول لعل لهذا الصنع صانعاً إن أطعته أثابني وإن عصيته عاقبني فيخاف فينظر، ومنها: أن يرى افتراق الناس في الأديان وتضليل بعضهم لبعض، فيجوز أن يكون من الضالين، ومنها: سماع الوعظ، والأخبار، والكتب المنزلة، وما فيها من إثبات الصانع، والوعد، والوعيد فيجوز أن تكون حقاً فيخاف، ومنها: أن ينظر في كتاب فيرى فيه ما يخوفه من ذكر الثواب والعقاب ونحوهما، فإذا لم يحصل شيء من هذه الأسباب وجب على الله تعالى أن يفعل له الخاطر، والكلام على الخاطر يكون من ست جهات:
الجهة الأولى: في حقيقته، فقال الجمهور: هو كلام خفي يلقيه الله في باطن السمع، أو على لسان بعض ملائكته، والمراد بباطن السمع داخل صماخ الأذن.
قال في الغياصة: أو في ناحية صدره أى يخلقه الله تعالى، أو يلقيه الملك في ناحية صدره، واقتصر على كونه يخلق أو يلقيه الملك في ناحية الصدر في رياض الأفهام، ولم يذكر باطن السمع، ورواه عن أبي هاشم، وقاضي القضاة، وقال أبو علي: بل هو اعتقاد، وعنه أنه ظن، وعنه أنه كلام كالجمهور، وفي الغياصة عنه أنه فكر، وأجيب بأنه لا يجوز أن يكون اعتقاداً؛ لأنه إن طابق كان علماً ضرورياً لأنه قد وقع على أحد الوجوه التي إذا وقع عليها الاعتقاد كان علماً، وهو وقوعه من فعل العالم بالمعتقد، وإن لم يطابق كان جهلاً، وكلاهما باطل.
أما الأول: فلأن المعلوم بخلافه، وأما كونه جهلاً فلأن الجهل قبيح والله لا يفعل القبيح، ولا يجوز أن يكون ظناً، ولا فكراً؛ لأنا نفرق بين كوننا ظانين ومتفكرين وبين الخاطر، ولأن الله لايفعل الظن، ولأنه تخويف فيستحيل بغير الكلام.ذكره في رياض الأفهام.
فإن قيل: فهلا كان من فعل الملائكة فكراً كان أو ظناً، أو اعتقاداً.
قيل: إن الملك قادر بقدرة، فلا يصح منه تعدية الفعل إلى غيره إلا بالاعتماد، والاعتماد لايولد هذه المعاني، وإلا لولدها، وإن صدر من جهتنا.
الجهة الثانية: في حكمه فقال جماعة من العدلية من الزيدية، والمعتزلة منهم الإمام المهدي، والقرشي: الخاطر واجب على الله للمكلف، وقال أبو الهذيل: بل يلزمه النظر في الدينية، وإن لم يكن ثم خاطر ولا سمع، وقال الإسكافي، وابن حرب: يلزمه النظر من دونه في معرفة الصانع فقط، ثم بعدها إن خطر بباله شيء من مسائل التوحيد والعدل وغيرهما لزمه النظر ومعرفة الحق، وإلا فلا إلا مسألة الوعيد فعليه أن يجوز ولا يقطع، وقال ابن مبشر: بل يقطع أنه إن عصى عوقب دائماً؛ لأن الوعيد يعلم عقلاً عنده.
قال ابن المعتمر كأبي الهذيل، إلا أنه يجعل العلم متولداً عن النظر، بخلاف أبي الهذيل فعنده أن النظر لايولده، لكن الناظر يفعل العلم بعده، ومن الخلاف في وجوب الخاطر قول من قال: إن وجوب النظر لايعلم إلا سمعاً؛ لأن السمع حينئذ يكون كافياً عن الخاطر.
أجاب الأولون عن هذه الأقوال جميعها بأنه إذا عدمت الأسباب المتقدمة ولم ينبهه بالخاطر قبح بتكليفه؛ لأنه يصير في حكم الساهي، وقبح تكليف الساهي معلوم بضرورة العقل.
قال بعض المحققين: ولأنه إذا كان الخوف شرطاً في حسن التكليف حتى يقبح التكليف من دونه فأولى وأحرى أن يقبح تكليفه من دون الخاطر الذي هو أصل الخوف.
قال بعض أصحابنا: ووجوبه مشروط بعدم الأسباب كلها، ولا يجب إلا على قولنا بجواز انفصال التكليف العقلي عن السمعي، فأما من لم يجوز ذلك فدعاءُ الرسول كاف.
الجهة الثالثة: في كيفية وروده وهو يرد على أحد وجوه:
أحدها: أن يقول يا هذا قد ترى عظم هذه النعم، وقد تقرر في عقلك حسن الذم على القبيح فلا تأمن أن يكون لك صانع أنعم عليك بها، إن عرفته وأطعته أثابك، وإن جهلته وعصيته عاقبك، أو كلاماً يقرب من هذا، وحينئذ لا بد من أن يخاف وإلا لم يكن عاقلاً.
ثانيها: أن يخوفه بأمارة صحيحة نحو أن يقول: قد تقرر في عقلك حسن ذمك على المعصية ممن ينعم عليك، فلا تأمن أن تستحق من المنعم عليك أكثر من ذلك وهو العقوبة.
قلت: ذكر هذا في الغياصة، ومعناه: أنه يلقى إليه كلام يتضمن الأمارة كهذا الكلام فإنه متضمن الاستدلال على جواز العقاب من المنعم بالقياس على استحقاق الذم من غيره.
ثالثها: ذكره في الغياصة أيضاً أن ينبهه على جهة اللطف بأن يقول: ياهذا إنك إذا عرفت ربك كنت أقرب إلى فعل الطاعة والمعصية، واختلفوا هل يجب أن ينبهه الخاطر على الدليل كأن يقول انظر في الأعراض والأجسام، فقال أبو علي: لابد من ذلك، واختاره ابن متويه وهو أحد قولي القاضي، وادعى الإمام المهدي الاتفاق عليه وفي الغياصة عن أبي هاشم أنه لاحاجة إلى ذلك.
قال أبو علي: ويجب أن ينبهه على ترتيب الأدلة؛ لأن النظر فيها يلزمه مرتباً وجوز أن ينبهه عليها حالاً فحالاً على حسب ترتيبها، وفي حالة واحدة لحصول المقصود بكل من الوجهين، وقال أبو عبد الله: بل يجب أن يكون في حالة واحدة لئلا يتوهم أنه لم يكلف ذلك.
وقال القاضي: إن علم الدليل والترتيب فلا يجب أن ينبهه الخاطر عليه، وإلا وجب وصححه الحاكم، وقال أبو هاشم: وهو أحد قولي القاضي واختيار أكثر المتكلمين: لا يجب التنبيه على الدليل بل إذا حصل الخاطر وخاف فهو مشاهد للعالم فيقع نظره فيه. كذا في المعراج، وفي رياض الأفهام عن أبي هاشم: أنه لا يجب التنبيه على الترتيب، ولا على الدليل؛ لأنا نعلم ضرورة أن النظر في الطب لا يولد معرفة.
وأجيب: بأنه قد يلتبس عليه الترتيب فيحتاج إلى التنبيه.
الجهة الرابعة: في حكمه إذا عارضه الوسواس وفي الفرق بينهما.
أما المعارضة فالذي عليه أكثر أهل العدل أو كلهم أنه لا يجوز تساويهما، بل إذا تعارضا وفر الله تعالى دواعي العمل بما يدعو إليه الخاطر، مع أن المعلوم أن الإنسان إذا توارد عليه سبب خوف وسبب أمن، فإن استشعاره الخوف أكثر من استشعاره الأمن، كمن يكون فيه جراحة فقال طبيب: إن لم يداوها أهلكته، وقال له الآخر: لاضرر عليك فإنه يؤثر قول من خوفه، وينظر في فعل ما قاله، ونظير هذه المسألة ما إذا تعارض خاطران أحدهما دعا إلى النظر، والآخر دعا إلى الترك، فإن داعي الترك لايبطل وجوب النظرعند أبي هاشم، والقاضي، وصححه الحاكم، ولا يعد داعي الترك معارضاً عندهم؛ لأن الخاطر الداعي إلى النظر بَيَّن وجه الخوف، وهو أنه إن لم يعرف ربه، وثوابه، وعقابه كان إلى الانهماك في المعاصي وترك الطاعات أقرب، فيؤديه ذلك إلى العقاب الدائم، وذلك مقرر في العقول بخلاف الداعي إلى الترك فإنه لم يبين وجه خوف في النظر فكان وجوده وعدمه على سواء، وقال أبو علي: بل يتعارضان، لكن داعي الترك مدفوع؛ لأنه يدعو إلى خلاف ما في العقل، وذلك أن الأول داع إلى النظر ليزول الخوف، والآخر داع إلى تركه، والمقام على الحيرة فلاحكم له.
فإن قيل: إذا تعارض الخاطر والوسوسة، ثم إن الله تعالى قوى الخاطر كما قلتم، ثم ذهل المكلف عن الخاطر، فهل يجب على الله تعالى إعادته مرة بعد مرة حتى يخاف؟
قيل: ذكر في (الغياصة) أن ظاهر كلام أصحابنا يقضي بوجوب ذلك، قال: والأولى أن لا يجب؛ لأن الإنسان أتي من جهة نفسه، وأما الفرق بينهما فمن حيث أن الخاطر من جهة الله تعالى وداعياً إلى الخير، والوسوسة من جهة الشيطان وداعية إلى الشر.
قال في (الغياصة): والوسواس من الشيطان كلام خفي في باطن السمع وناحية الصدر، يهون الأمر على المكلف، ويقول: لاتنزل بنفسك مشقة النظر ولا غيره، فليس ثمّ أمر تخافه.
وقال في (المعراج): اعلم أن الخاطر والوسواس لا يسميان بذلك إلا إذا كانا كلاماً خفياً في باطن السمع أو ناحية الصدر، ولهذا يلتبسان بالفكر، وقد نص صاحب المحيط على أن الشياطين لا يقدرون على أن يُسْمِعُوْنَا كلامهم جهرة؛ إذ لو كان كذلك لعظمت الفتنة بهم، وكانوا يوقعون أسباب العداوة بين الناس بما يسمع منهم فيظن أنه من جهة الآدميين، وكلام الملائكة كذلك إلا ما كان في زمن الأنبياء " على جهة المعجز.
الجهة الخامسة: ذكر صاحب المحيط أنه لا بد من أن يكون الخاطر مقارناً لأول كمال العقل، وكذلك إذا كان الخوف لأحد الأسباب، فلا بد من المقارنة إلا أن يكون قد حصل أحدهان أو الخاطر قبل كمال العقل فخاف فيكفيه استصحاب ذلك الخوف عند كمال العقل.
الجهة السادسة: قال بعضهم: لا بد من خاطرين أحدهما يأمر بالإقدام، والآخر خاطر ترك يأمر بالكف ليحصل الاختيار، وقال الجمهور: بل يكفي واحد يدعو إلى النظر، واختلف القائلون بوجوب الخاطرين، فمنهم من قال: كلاهما من الله تعالى، ومنهم من قال: داعي الترك من الشيطان، حجة الجمهور أن المقصود حصول الخوف من ترك النظر، وقد حصل من دون الخاطر الثاني فلا حاجة إليه، ثم إنه لا حكم لحصوله ولا يعارض ما مر فما فائدته، ولو قدر حصوله فلا يجوز أن يكون من جهة الله تعالى؛ لأنه أمر بمعصيته، وذلك قبيح، فأما كونه من جهة نفسه ومن الشيطان فجائز غير شرط.
الوجه الثالث: في وجوب النظر ما ذكره القائلون بأن وجه وجوب المعرفة لأجل القيام بواجب الشكر، وقد مر تقريره في الموضع الأول، فهؤلاء قالوا: قد ثبت وجوب شكر المنعم، وتو جيه الشكر إليه مترتب على معرفته، وهي لا تحصل إلا بالنظر؛ إذ لا طريق إليها سواه لبطلان التقليد والظن، وامتناع المشاهدة، وإذا كانت المعرفة لا تحصل إلا بالنظر كان واجباً لما مر من أن ما لا يتم الواجب إلا به وجب كوجوبه.
قال في الأساس: وإلا وقع الخلل في الواجب، وقد قضى العقل بقبحه.
الوجه الرابع: أن الأدلة السمعية المعلومة صريحة في وجوب النظر، وقد مر في أثناء هذه المواضع شيء من الأخبار، وكلام الوصي، والقرآن مشحون بذلك، ومنه هذه الآية التي نحن بصددها، وقد مر وجه الاحتجاج بها في أول المسألة.
فإن قيل: ليس المراد من الآية إلا بيان الوجه في حسن التكليف بالعبادة والوجه في استحقاقه لها وهو كونه منعماً كما مر في المسألة الرابعة.
قيل: بل المراد منها الدلالة على وجوب النظر، وذلك أنه لما أمر بالعبادة وأوجبها، وكان الإتيان بها مترتب على معرفة المعبود عقبها بذكر الدليل على معرفته وهو خلق المكلفين، وما ذكر بعده، والاستدلال لا يكون إلا بالنظر فيما فيها من دلالة الحدوث، واحتياجها إلى المحدث، وما لا يتم الواجب إلا به وجب كوجوبه، ويكون ما أورده السائل مقصوداً على جهة التبع على أنه لايمتنع إرادة الأمرين معاً بالأصالة.
[شبه القائلين بأن أدلة جواز التقليد من عدمه متكافئة]
الفصل الثاني: في ذكر شبه القائلين بأن الأدلة متكافئة ومن ذكر بعدهم وإبطالها.
واعلم: أن شبه هؤلاء الخصوم على اختلاف طرائقهم مجتمعة في خمسة مقامات:
أحدها: أن النظر لا يفيد العلم.
الثاني: أن المفيد للعلم منه غير مقدور.
الثالث: أنه لا يجوز الإقدام عليه.
الرابع: أن الرسول ما أمر به.
الخامس: أنه بدعة، ونحن نأتي بما قرروا به كل واحد من هذه المقامات التي نبين فساده، ونسأل الله المعونة والتسديد. آمين.
المقام الأول: في أنه لايفيد العلم وقد قرروها بوجوه:
أحدها: أن علْمَنَا بكون الاعتقاد الحاصل عن النظر علماً إما أن يكون ضرورياً، أو نظرياً الأول باطل؛ لأنا نعلم أن علمنا بكون ذلك الاعتقاد علماً، ليس كعلمنا بأن الواحد نصف الإثنين، والثاني باطل أيضاً؛ لأن الكلام في هذا العلم الذي علمنا به كون ذلك الاعتقاد علماً كالكلام في الأول، فيلزم التسلسل وهو محال، فما أدى إليه يجب أن يكون محالاً.
الوجه الثاني: ذكره القائلون بأن النظر يوقع في الشك والحيرة وهو أن الناس قد اجتهدوا في النظر وحصل بينهم مع ذلك مالايخفى من الإختلاف حتى أن الواحد منهم قد ينظر ويحصل له الاعتقاد الجازم، ثم يظهر له أنه كان جهلاً، ولو كان يولد العلم لاتفق الناس فيه، واستمر الاعتقاد الحاصل بسببه.
فإن قيل: إنما اختلفوا ورجع الناظر عن اعتقاده لتقصير وقع في بعضهم في النظر، وذلك لا يوجب عدم توليده العلم من ذي النظر الصحيح.
قيل: إذا علمنا خطأ بعضهم جاز في الآخرين مثلهم، وإذا وقع الخطأ من الناظر في الأول جاز في النظر الثاني مثله، فلا يمكن الجزم بصحة شيء من العقائد المستفادة من جهة النظر.
الوجه الثالث:أن المطلوب إن كان مشعوراً به استحال طلبه لاستحالة تحصيل الحاصل، وإن كان غير معلوم كان الذهن غافلاً عنه،والمغفول عنه يستحيل طلبه.