قال الحاكم في شرح العيون: أصحاب الجمل من يعرف الله بصفاته، وعدله، والثواب، والشرائع جملة لا على سبيل التفصيل، ويعلم ذلك بالأدلة نحو:أن يعلم أن العالم محدث لأنه لا يخلو من الحوادث وله محدث؛لأن المحدث يحتاج إلى محدث لأجل حدوثه،كما أن أفعالنا تحتاج إلينا لأجل حدوثها،وهو تعالى قادر لصحة الفعل منه،عالم لصحة الفعل المحكم منه، حي لكونه قادراً عالماً موجودٌ لتعلقه بالفعل وصحته منه، قديم لأن الحوادث تنتهي إليه، سميع بصير يدرك المدركات؛ لأنه حي لا آفة به، لايشبه شيئاً من الأجسام والأعراض؛ إذ لو أشبهها لجاز عليه من دلالة الحدوث ما يجوز عليها، وهو غني؛ لأن الحاجة من خصائص الجسم، وعلى هذا فقس.
قال الإمام عز الدين: لكن الأقرب ما ذكره الإمام يحيى من تعذر إدراك العلوم هذه وغيرها عليهم.
قلت: وسيأتي كلام الإمام يحيى، ولقائل أن يقول: لا نسلم أن إدراك هذه العلوم متعذر عليهم فإنها مقررة في عقولهم، وإنما المتعذر التعبير عنها وهو غير معتبر.
قال القرشي: وأدلتها يعني الجملة المكلف بها مقررة في عقولهم، وعجزهم عن التعبير عنها لايدل على أنهم غير عالمين بها فإن كثيراً من العقلاء يعلم ما لا يحسن العبارة عنه، ألا ترى أنك لو سألت رجلاً عاقلاً عن العقل ما هو لما درا كيف يجيبك، ومتىعددت العلوم المذكورة لقال أما هذه فأنا أعلمها، يزيده وضوحاً أن الذي يذكره العالم للمتعلمين في هذا الفن إنما هو التنبيه على وجوه الاستدلال، وعلى ما هومقرر في عقولهم.

قلت: ويؤيده قوله عليه السلام : (ويثيروا لهم دفائن العقول) وقد احتج القائلون بجواز تقليد المحق وهم القاسم، وأبو القاسم، ورواه ابن لقمان عن الإمام يحيى بأن اعتقادهم إذا كان مطابقاً للحق كان كافياً في السلامة، والخروج من زمرة أهل الضلال بدليل أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يقبل إسلام الأعراب مع أنهم ليسوا على يقين من علومهم، وإنما اتبعوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وكبار أصحابه في المعارف الإلهية وغيرها.
قلت: قد مر في المقدمة أن النظر ليس مقصوداً لذاته، فإذا حصل للمكلف معرفة الحق من دونه فلا يحتاج إليه، فارجع إلى ما ذكرناه هنالك فإنّ فيه فوائد تتعلق بهذا الموضع، وتفصيل، وتوضيح.
[مراتب التوحيد]
واعلم: أن للإمام يحيى كلاماً في مراتب التوحيد، ذكره في التمهيد، والشامل، وقد تضمن فوائد متعلقة بما تقدم في هذا الموضع من تضعيف بعض الأدلة، وتقوية أخرى، ورد شبهة، وتوضيح عبارة، ولنذكر هنا رواية الشامل فهي أبسط، وأوضح، فنقول:
قال عليه السلام : اعلم أن الناس بالإضافة إلى معرفته تعالى على خمس مراتب:
الأولى: الإقرار بها باللسان من غير اعتقاد لها لاعن دلالة، ولا غيرها، بل النطق باللسان فقط، وفائدة الإقرار هو البراءة عن الشرك، وإحراز الرقبة عن القتل، وتحصين الأموال عن الأخذ إلا بحقها، ويثبت لقائلها أحكام الإسلام في الظاهر وحسابهم على الله.
قال ابن لقمان: وهذه حال المنافقين، وقال الشرفي: لا شك في هلاك هذه الطائفة.
قلت: ويسمى هذا النطق توحيداً، وقد نص عليه في التمهيد، واحتج بأنه يفيد أن الله واحد قال: وزعم عباد أن قول لاإله إلا الله ليس بتوحيد، قال: ولو كان توحيداً لوجب دوامه؛ لأن التوحيد يجب أن يكون مستداماً قال عليه السلام : وهذا خطأ لأنه لا يمتنع أن يكون توحيداً وإن لم يكن دائماً، ثم ذكر من الفائدة في ذلك نحو ما تقدم.

المرتبة الثانية: اعتقاد مضمون هذا الإقرار بالتقليد، وهذا حال كثير من الخلق ممن قصر عن بلوغ مراتب النظر، والوصول إلى حقيقته، وهؤلاء هل يكونون سالمين في الآخرة أم لا؟ فيه خلاف بين المتكلمين، فالأكثر منهم على أنهم ناجون، ومنهم من قطع بهلاكهم، قال: والمختار عندنا أنهم ناجون لأنهم مصدقون بالله، ورسوله، واليوم الآخر، وجازمون بصحة هذه الأمور وإن عدموا السكون للقلب والطمأنينة.
قلت: واحتج في التمهيد على نجاتهم بأن صاحب الشريعة صلى الله عليه وآله وسلم كان يقبله من الأعراب، قال: ولو كلفهم العلم اليقين لعجزوا عن إدراكه لقصور أفهامهم، وزاد في التمهيد شرطاً لسلامتهم وهو سلامة اعتقادهم عن الزلل، وهذا معنى قول القاسم عليه السلام أن مقلد المحق ناجٍ.
المرتبة الثالثة: العلم بهذه الأصول على سبيل الجملة، وهذا هو الذي يكون من أصحاب الجمل فإنهم يعلمونها بأوائل الأدلة ومبادئها، وهذا كاف في إحراز المعرفة في حقهم، فإذا علم أحدهم ما يحصل في العالم من أنواع الحوادث، والأمطار وأصناف الحيوانات، وأنواع الثمار، والنبات، وجري الشمس، والقمر، واختلا ف الليل والنهار، وغير ذلك مما يعلم بالضرورة أنه لابد لهذه الأمور من صانع مؤثر على القرب؛ لأن العلم بالصانع هو علم قريب يحصل بأدنى تأمل، وهكذا القول في سائر صفاته نحو القادرية، والعالمية، وما يجب له، ويستحيل عليه، فإن علمهم الجملي كاف في حقهم؛ لأن الخوض في تفاصيل هذه العلوم يتعذر تحصيله على أكثر الخلق.
قلت: وهذه المرتبة لم يذكرها في التمهيد، بل اقتصر فيه على أربع كما في المعراج، ويدل على مضمونها قول علي عليه السلام : وهل يوجد بناء من غير بان.

المرتبة الرابعة: العلم بمقدمات النظر بحقيقة ذاته، وصفاته، وحكمته، وصدق رسله على سبيل التفصيل، وأنه تعالى واحد لاشريك له، وهذه الحالة هي حالة العلماء والأفاضل الذين توصلوا بحقائق الأدلة، وأنوار البراهين، فحصلوا على انشراح الصدور، وطمأنينة النفوس، وهؤلاء هم قليلون لأن معرفتهم بهذه التفاصيل بالدلائل القطعية متوقفة على معرفة شروط البراهين، وكيفية ترتيبها، وهي صعبة وعسيرة، والزلل فيها كثير إلا على من وفقه الله تعالى.
ثم ذكر عليه السلام المرتبةَ الخامسة: وهي الوصول إلى معرفة الله وصفاته بالعلوم الضرورية، وقد ذكرنا هذه المرتبة، وما احتج به هو وغيره عليها في الموضع الثاني.
قال الإمام عز الدين بعد أن ذكر المراتب الأربع التي ذكرها في التمهيد ما لفظه: إذا عرفت هذا ففيه طرف من الأخذ بقول من أجاز التقليد كما سبق له من موافقة من أجاز حصول العلم الضروري، وقوله عليه السلام : ولو كلفهم العلم اليقين لعجزوا عن إدراكه هو القريب من أحوال من ذكره من الأعراب، والعبيد، والنساء أو أكثرهم، وإن كان الحاكم قد ذكر في شرح العيون أنه ما من عامي إلا ويمكنه أن ينظر في الدقائق ويعلمها، قال: وذلك يظهر في معاملاته وأفعاله، فإن عامياً لو اشترى كوزاً، واشترى غيره كوزاً مثله فقال البائع للعامي: كوزه بدرهمين، وقال للآخر: بدرهم لم يقبله العامي، بل يقول: هما من جنس واحد، والقدر واحد، والوقت واحد، والصفة واحدة؛ فالفضل لابد أن يكون لأمر.

قال: وذكر الشيخ أبو رشيد أن جميع ما يتعلق بالحِجَاجِ تعرفه العامة، ألا ترى أن من استام ثوباً فقال البائع له: بعشرة، فيقول المشتري: لم؟ فيقول: لأني اشتريته بثمانيه وأستربح درهمين، فالمشتري طالب بالوجه والثاني أبان عنه، فإذا قال المشتري: لم فإن مثل هذا يوجد بأقل مما ذكرت، فيقول البائع: لأن هذا أجود منه، فقاس المشتري على الأصل والبائع فرق، وليس الحِجَاج إلا هذا، وإنما اشتبه الأمر لأن العوام اشتغلوا بأمور أخرى فحققوا في ذلك، ألا ترى أنهم يعرفون في صنائعهم الدقائق مالا ينقص عن المسائل الدقائق، هذا معنى ما ذكره الحاكم.
فائدة [التعليق على ما روي عن الإمانم القاسم في جواز التقليد]
اعلم: أن من أصحابنا من أبطل ماروي عن القاسم بن إبراهيم عليه السلام من جواز تقليد المحق؛ لأن نصوصه عليه السلام في كتبه تقضي بخلافه، وأنه لا يعرف الحق إلا بالنظر من ذلك ماذكره في كتاب الدليل الكبير بأن معرفة الله تعالى لا تحصل إلا من طريقتين:
إحداهما: ما ظهر من الأشياء من آثار الحكمة المتقنة التي لاتكون إلا من مؤثر متقن.

والثانية: طريقة خلافه للأشياء كلها فإن العقول تعلم ضرورة أن لكل محسوس ومعقول مما خلقه الله خلافاً متيقناً معلوماً، وذلك الخلاف هو الله تعالى؛ لأن الخلاف الذي بينه وبين الأشياء كلها فروعها وأصولها لايوصف به إلا الله تعالى، قال: وهي الصفة التي لايشاركه فيها مشارك، ولا يملكها عليه مالك، لأنه وإن وقع بين الأشياء اختلاف في بعض الصفات فقد تتوافق في صفات أخرى، فإن المحسوسين إذا اختلفا في لون، أو طعم اتفقا في مالهما من حدود الجسم، وكذلك يقال في المعقولين إذا اختلفا من فعل أوهمة اتفقا فيما يعقل من أصولهما كالملائكة، والإنس، والشياطين التي أصولها في النفسانية متفقة فهممها وأفعالها مختلفة، فهمم الملائكة الإحسان والتسبيح، وهمم الشياطين الطغيان والقبيح، وَهِمَمُ نفوس الإنس مختلفة فتحسن تارة وتسيء أخرى، ثم قال: ولا بد من النظر لمن أراد يقين المعرفة بالله في تصحيح كل ما وصفنا في معرفة الله ليأتي معرفة الله تعالى من بابها، وليسلم بذلك من شكوك النفس وارتيابها فإنه لن تزكو نفس ولن تطيب، ولن يهتدي امرؤ ولن يصيب، اعتلج في صدره با الله ريب مريب، ولا كان فيه لشكٍ في الله نصيب، هذا تلخيص كلامه عليه السلام وهو نص في وجوب النظر، وأنه لا طريق إلى اليقين بالله تعالى غيره، وأن التقليد غير كاف في ذلك بدليل قوله: (ليسلم بذلك من شكوك النفس ...) إلخ، فإنه نفى الهداية عن الشاك، والمعلوم أن المقلد لا يسلم من الشك، وقد بين عليه السلام صحة الطريق الثانية، وليس هذا موضع ذكره.

قال السيد أحمد بن محمد الشرفي: لعل الرواية عن القاسم عليه السلام لا تصح؛ لأنه قال في كتاب العدل والتوحيد: فهذه جملة التوحيد المضيقة التي لا يعذر عن اعتقادها والنظر في معرفتها عن كمال الحجة أحد من العبيد، فمن تمكن بعد بلوغه وكمال عقله وقتاً يكمل فيه معرفة العدل ويمكنه، وتعدى إلى الوقت الثاني وهو جاهل بهذه الجملة فقد خرج من حد النجاة، ووقع في بحور الهلكات حتى يستأنف التوبة، ويقلع عن الجهل والغفلة بالنظر في معرفة هذه الجملة، وأما التأويل فذكره صاحب المحيط، وهو أنه أراد أن المعرفة الجمليه كافية، وإن لم يتمكن من تحرير الأدلة، وحل الشبهة، وكذلك تأول ما روي عن البلخي من جواز التقليد بمثل هذا التأويل، والمراد بالجملي أن يعلم أن للعالم محدثاً، وأن من صح منه الفعل فهو قادر، ونحو ذلك مما مرت الإشارة إليه.
قلت: والذي يظهر أن القاسم عليه السلام أراد بجواز تقليد المحق الاقتفاء باتباعه فيما قد نظر فيه إذا كان قد علم كونه محقاً بدليل آخر، كما أمر علي عليه السلام ولده الحسن بالاقتفاء بنظر سلفه، وقد مر كلامه عليه السلام في المقدمة وشرحناه شرحاً نافعاً، وذكرنا أن المراد به فيما عدا إثبات الصانع، فراجعه فإنه ينفعك في هذه الأبحاث، والله الموفق.
هذا وأما القائلون بالاقتفاء بالظن في معرفة الله تعالى فهم الإمامية، والبكرية وبعض أهل الحديث، ورواه في المعيار عن العنبري، ولعل حجتهم أن الظن كاف في الفروع، فكذلك يكفي في الأصول.

والجواب: بالفرق وهو أنه دل الدليل على جواز العمل به في الفروع دون الأصول، ويؤيده أن الأصل تحريم العمل بالظن مطلقاً كما قد يدل عليه قوله تعالى: {إِنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً}[النجم:28] ونحوه خصص من ذلك مسائل الفروع بدليل، وبقي في دلالته على تحريم العمل به في الأصول على أصله، وأيضاً التكليف بالظن إما أن يراد به الظن كيف كان،أو الظن المطابق لما في نفس الأمر، والمطابق لأقوى الأمارات، إن أرادوا الأول لزم إصابة من ينفي الصانع وينكر النبوات، وإن قالوا بالثاني قلنا:كيف يعلم أن ظنه مطابق للواقع، وإن قالوا بالثالث، قلنا: ما تريدون بأقوى الأمارات، فإن قالوا: قول الآباء والأسلاف لزم إصابة أهل كل ملة، وإن قالوا: قيام الأدلة، ففيه رجوع إلى وجوب النظر وهو المطلوب؛ لأنها حينئذ توصل إلى المعرفة، وهاهنا وجه آخر يعرف به الفرق بين الفروع والأصول ذكره القرشي وهو:
أن التكليف بالظن مع إمكان العلم قبيح في باب الأصول؛ لأن كون الباري تعالى مرئياً، أو غير مرئي مثلاً أمر ثابت في نفس الأمر لا يحصل بحسب الظن، ولهذا يخالف الفروع؛ لأن المصلحة فيها يجوز أن تحصل بحسب الظن.
قال الإمام عز الدين: فإن الوجوب والندب والتحريم ونحوها أمور تحصل بحسب الظن، فمن ثبت له الظن بوجوب شيء صار واجباً عليه، وإذا حصل لغيره ظن تحريمه كان محرماً عليه فافترقت الحال.
قلت: وهو مبني على أن الحق ليس بواحد في الفروع.

الموضع الرابع: في أدلة وجوب النظر في طريق معرفة الله وفي وجه وجوبه خلاف، فمنهم من أوجبه، ومنهم من لايوجبه، واختلف الموجبون في وجه وجوبه، فقال الجمهور: وجهه أنه يولد العلم بالله، وقيل: بل لأنه شرط اعتيادي كما مر، والذين قالوا: ليس بواجب منهم من منعه؛ لأن العلم بالله ضروري، أو لأن التقليد كاف، أو لأن المعرفة ليست واجبة، وقد ذكرنا هذه الأقوال، ومنهم من منعه؛ لأن الأدلة متكافئة فلا يولد العلم، ومنهم من منعه؛ لأن الإسلام لم يرد إلا بالسيف، ومنهم من قال: لأنه يورث الحيرة والشك، ومنهم من قال: بل لأن النظر بدعة وأطلق، وجعل القرشي القول بأن الإسلام لم يرد إلا بالسيف، وأن النظر بدعة قولاً واحداً.
قيل: وهذه الأقوال وهو القول بأن الأدلة متكافئة، وما بعده متفقة على أن النظر قبيح، وإن اختلفوا في التعليل، ونسب القول بأنه بدعة في الأساس إلى التعليمية، وفي تفسير الرازي إلى الحشوية، إذا عرفت هذا، فنقول: أمَّا المانعون لوجوبه لأجل كون المعرفة ضرورية والاكتفاء بالتقليد، أو لأن المعرفة ليست بواجبة فقد مر إبطال ما قالوه، وأما الباقون فالكلام فيما ذكروه يكون في فصلين:
الأول: في أدلة الجمهور.
والثاني: في شبه الخصوم وإبطالها.
[الأدلة على وجوب النظر]
الفصل الأول: في الدليل على وجوب النظر وهو من وجوه:
أحدها: أنه قد ثبت وجوب معرفة الله تعالى من غير شرط، وأن التقليد والظن ليسا طريقاً إليها فلم يبق إلا النظر؛ لأن ما لا يحصل الواجب المطلق إلابه يجب كوجوبه، فهذه ثلاثة أصول:
أما الأولان: وهما وجوب المعرفة، وبطلان كون التقليد، والظن طريقاً إليها فقد تقدم.

وأما الثالث: وهو أن ما لا يحصل الواجب إلا به يجب كوجوبه، فهو معلوم ضرورة، على الجملة فإن من معه وديعة ولا يتم له ردها إلا بالقيام، والسير، وفتح الباب فإن العقلاء يقضون بوجوب هذه الأفعال عليه، ويذمون على تركه، ولا وجه لذلك إلا كون الواجب لايتم إلا بها بدليل أنه لو تم بغيرها لما وجبت، وقلنا: من غير شرط احترازاً مما يكون وجوبه مشروطاً بما لا يتم إلا به كالحج، وكما إذا قال السيد لعبده: اصعد السطح إذا كان السلم منصوباً فإنه لا يجب الحج إلا بالاستطاعة، والصعود إلا إذا كان السلم منصوباً؛ لما كان الموجب قد شرط ذلك في الوجوب، فأما لو لم يشرطه وجب تحصيله.
الوجه الثاني: أن المكلف عند كمال عقله لا بد أن يخاف من ترك النظر ضرراً، ولا يحصل له الأمان إلابالمعرفة، والمعرفة لا تحصل إلا بالنظر، وما لا يتم الواجب إلا به كان واجباً كوجوبه، وهذا الدليل هو الذي يسميه المتكلمون دليل الخوف وهو معتمد المتقدمين، والأول يسمى دليل المعرفة، وذكره المتأخرون، ودليل الخوف هذا مبني على أربعة أصول كما ترى:
الأصل الأول: أنه لا بد من الخوف عند كمال العقل، والذي يدل عليه أنه لا بد أن يكلفه الله عند كمال العقل، وإلا كان خلقه تعالى للعقل عبثاً، وإذا كلفه فلابد أن يخاف، وإلا كان تكليفه كتكليف الساهي والنائم، وهو قبيح.
الأصل الثاني: أَنه لا يحصل له الأمان إلا بالمعرفة، ودليله أنه لا يحصل الأمان، ويزول الخوف إلا إذا كان على يقين من أمره، وعارف بالصانع، وثوابه، وعقابه، فيفعل طاعته، ويتجنب معصيته.
الأصل الثالث: أن ذلك لا يحصل إلا بالنظر، ودليله ما مر من أنه لا طريق إلى العلم بالله إلا النظر.
الأصل الرابع: أنما لا يتم الواجب إلا به يجب كوجوبه، وقد مر دليله، فإن قيل: هذا الوجه مبني على أن دفع الضرر عن النفس واجب، ونحن لا نسلمه.
قيل: قد مر أن وجوب ذلك ضروري، وأنه يستوي في الوجوب الضرر المظنون والمعلوم.

170 / 329
ع
En
A+
A-