وأما القسم الثاني: وهو ما لا يعد في كمال العقل، فذلك كالعلم بأن زيداً هو الذي شاهدناه من قبل فإنه علم مبتدأ من جهة الله تعالى، ولا يعد من كمال العقل، ولهذا تختلف أحوال العقلاء، فمنهم من يثبته إذا شاهده، ومنهم من لايثبته.
الموضع الثالث: في أن التقليد في معرفة الله لا يجوز، وأنه لايكتفى فيها بالظن، وفي هذا الموضع خلاف، فذهب الحشوية إلى جواز التقليد في الأصول والفروع، ورواه في الغياصة عن أبي القاسم البلخي.
قال: ورواية عن المؤيد بالله متأولة أنه يجوز التقليد مطلقاً، وقال جعفر بن حرب، وجعفر بن مبشر من معتزلة بغداد: لا يجوز مطلقاً، وقالا: يجب على العالم أن يطلع العامي على الأدلة.
وقال الجمهور: لا يجوز في أصول الدين، ويجوز في الفروع، ومسائل أصول الفقه، وغير ذلك سواء كان قطعياً أو ظنياً. كذا ذكره الإمام عزالدين في المعراج.
والذي في الغياصة عنهم المنع في أصول الدين، والجواز في الفروع، ولم يذكر أصول الفقه، وقول أبي علي كقول الجمهور، إلا أنه استثنى ما كانت دلالته قطعية من مسائل الفروع فلم يجز التقليد فيه كغسل الوجه.

وقال عبيد الله بن الحسن العنبري: إنه يجوز التقليد في أصول الدين، ولا يجوز في الفروع، وفي الغياصة عن أبي إسحاق ابن عياش، وأبي القاسم البلخي: أنه يجوز التقليد لمن غفل عن طريق النظر كالنساء، والعبيد، والعوام، ومثله عنهما في المنهاج إلا أنه قيد الجواز عندهما بتقليد المحق، وروي عن القاسم بن إبراهيم جواز تقليد المحق مطلقا، أي سواء كان المقلد غافلاً عن طريق النظر أم لا، والذي في الأساس وشرحه للشرفي عن أبي إسحاق والعنبري وغيرهما، ورواية عن المؤيد بالله: أنه يجوز التقليد مطلقاً أي لم يشترطوا تقليد المحق، بل أطلقوا، وفيهما عن هؤلاء، وعن أبي القاسم البلخي، ورواية عن القاسم عليه السلام مغمورة: أن النظر فرض كفاية، وفي الشرح عن العنبري أنه يصوب أهل القبلة في جميع معتقداتهم في الديانة، والذي ينبغي الكلام عليه في هذا الموضع هو ما يتعلق بالتقليد في أصول الدين إلا أنا قبل ذكر الحجج نبدأ بذكر حقيقة التقليد فنقول: التقليد لغة: مصدر قلد يقلد، ويستعمل في جعل القلادة في عنق الحيوان، وقلادة كل حيوان بحسب ما يعتاد أن يوضع في عنقه في كل وقت وموضع، فقلادة المرأة من الخرز ونحوه، والإبل من الصوف أو غيره، واصطلاحاً: قبول قول الغير من غيرحجة ولاشبهة زائدة على حاله، ولفظ القبول يشمل القبول بالقول، والظن، والاعتقاد، وقلنا: من غير حجة ولا شبهة للاحتراز من قبول أهل الحق لأقوال علمائهم في المسائل الإلهية لأجل ما يلقونه إليهم من الحجج، فإن ذلك لايسمى تقليداً، وكذلك قبول أهل الباطل لأقوال علمائهم لما يلقونه إليهم من الشبه فإنه لايسمى تقليداً، وقلنا زائدة على حاله أي على حال المقلد للاحتراز عن شبهة حاله فإنه لا بد منها، وهي الحال التي هو عليها من العلم، والورع، فإن اتباعه لأجل هذه الشبهة لا يخرج العامي عن كونه مقلداً له؛ لأنه لم يحصل بها احتجاج على المسألة، ولا تصوير للدليل، فلم تكن زائدة على الحال الذي العالم

عليها، ولا يكاد يتبع أحد أحداً إلا لشبهة ترجع إلى حاله وأوصافه.

[التقليد في أصول الدين]
إذا عرفت هذا فنقول: احتج الجمهور على أنه لا يجوز التقليد في الأصول بالعقل، والنقل، أما العقل فمن وجوه:
أحدها: أن المقلد إما أن يقلد أرباب المذاهب جملة، وهو باطل؛ لأنه يؤدي إلى اجتماع الاعتقادات المتضادة، وإما أن يقلد بعضاً دون بعض كان ذلك تحكماً، فإن قالوا نقلد الزهاد فلتقليدهم مزية، قيل: ليس الزهد من أمارات الحق؛ بدليل أن في اليهود والنصارى زهاداً ورهباناً وهم على غير الحق؛ ولأنا لا نجد طائفة إلا وفيهم زهاد وعباد، فإما أن يقلدهم جميعاً، أو يقلد بعضاً دون بعض، وعلى أيهما يلزم مامر، وأيضاً فإن الزاهد قد يرجع عن زهده إلى خلافه، وغير الزاهد قد يرجع زاهداً، والعقيدة بحالها فينقلب الحق باطلاً، والباطل حقاً، وذلك محال فما أدى إليه يجب أن يكون محالاً، فإن قالوا نقلد الأكثر فللكثرة مزية.
قيل: الكثرة لاتدل على الحق لأن الله تعالى قد ذم الأكثرين في غير آية، ومن أراد استقصاءها فعليه بكتاب (مدح القلة وذم الكثرة) للإمام الشهيد زيد بن علي عليه السلام ، ويدل على ذلك قول علي عليه السلام لما قال له الحارث بن حوط: أترى يا أمير المؤمنين أن أهل الشام مع كثرتهم على الباطل، وأن أهل العراق مع قلتهم على الحق: (ياحارث إنه لملبوس عليك، الحق لايعرف بالرجال، وإنما الرجال يعرفون بالحق فاعرف الحق تعرف أهله قلوا أم كثروا، واعرف الباطل تعرف أهله قلوا أم كثروا) رواه السيد مانكديم في الشرح، وهو في النهج.
فإن استدلوا على أن للكثرة مزية بما روي عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((عليكم بالسواد الأعظم)).

قيل: الخبر آحادي فلا يحتج به في قطعي، وأيضاً هو مصادم بحسب ظاهره للقرآن من حيث أن القرآن ورد بذم الكثرة ومدح القلة، ولئن صح فليس على ظاهره، بل محمول على اتباع الإجماع لأنه لاسواد أعظم منه، أو الأعظم عند الله وهم أهل الحق، ولكن لا يعرفون إلا بعد معرفة الحق كما قاله الوصي عليه السلام ، فكأنه أمر بالنظر ليكونوا مع السواد الأعظم.
الوجه الثاني: أن المقلد لايخلو إما أن يقلد الجاهل وهو ظاهر البطلان، أو العالم، فلا يخلو ذلك العالم إما أن يكون قد علم ما قد علمه ضرورة وهو باطل لما مر أن الله تعالى لايعرف ضرورة، أو علمه تقليداً وهو باطل أيضاً؛ لأن الكلام فيه كالكلام في الأول فيؤدي إلى ما لايتناهى من المقلدين بفتح اللام ومقلديهم، وما أدى إلى التسلسل فهو محال فلم يبق إلا أن ذلك العالم يعلمه دلالة، وفي ذلك بطلان التقليد، فإن قيل: وما أنكرت أن يكون التقليد طريقاً لبعض والاستدلال لآخرين فلم حكمت ببطلان التقليد؟
فالجواب من وجهين:
أحدهما: أن عند أكثر من يجيز التقليد أنه لا طريق سواه؛ إذ قد صرحوا بالمنع من النظر، وقد صح بما ذكرنا أنه لا بد من أن ينتهي التقليد إلى من علم ما علمه غير تقليد دفعاً للتسلسل.
وثانيهما: أنه يبطل من حيث أنه لم يحصل الاكتفاء به مطلقاً، بل لابد من العلم على كل حال.

الوجه الثالث: أن المقلد لا يأمن خطأ من قلده، وأن يكون جهلاً، والإقدام على ما لا يؤمن قبحه قبيح، وأما الأدلة النقلية فقد ذم الله التقليد في عدة آيات، نحو قوله تعالى: {إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ}[الزخرف:22] ومن السنة ما مر في الموضع الثاني فإنه أوجب الطلب، وحذر من التقليد بقوله: ((مالت به الرجال من يمين إلى شمال...)) الخبر، وفي معناه أخبار كثيرة منها: ما رواه أبو طالب في الأمالي قال: أخبرنا العبدكي، ثنا ابن يزداد، ثنا محمد بن عبيد، وعمر بن أحمد، ثنا محمد بن يزيد الرفاعي، ثنا محمد بن الفضيل، ثنا الوليد بن مجمع، عن أبي الطفيل، عن حذيفة بن اليمان قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((لا تكونوا إمعة تقولون إن أحسن الناس أحسنا، وإن أساءوا أسأنا، ولكن وطنوا أنفسكم على أنه إن أحسن الناس أن تحسنوا، وإن أساءوا فلا تظلموا)).
أما محمد بن عبيد فهو: ابن واصل.
وأما الرفاعي فهو: محمد بن يزيد الرفاعي أبو هشام الكوفي، أخذ عن حفص بن غياث، ووكيع، ويحيي بن يمان، وعبد الرحمن بن مهدي، ويحيى بن آدم، وخلق، وعنه المرادي، ومسلم، والترمذي، وابن ماجة، وابن صاعد، وأبو كريب وطائفة.
قال البرقاني: أمرني الدار قطني أن أخرج حديثه في الصحيح، وقال العجلي: لابأس به، توفي سنة ثمان وأربعين ومائتين، وضعفه بعضهم، روى له الناصر، وأبو طالب، والمرادي، والحديث أخرجه الترمذي.
والإمعة: المحقب دينه الرجال، كذا في المنهاج، وقال في المعراج: الإمعة والإمع: الذي يكون لضعف رأيه مع كل أحد، ولا يقال امرأة إمعة لأن ذلك لا يقال للنساء، قال: والمحقب دينه المردف له أي الحامل محقباً أي مردفاً، وروى في أنوار اليقين عن ابن عباس قال: كان أمير المؤمنين عليه السلام كثيراً ما ينشد:
إذا المشكلات تصدين لي .... كشفت حقائقها بالنظر
ولست بأمعة في الرجال .... أسائل هذا وذا ما الخبر
ولكنني مدرة الأصغرين .... أقيس بما قد مضى ما غبر

[آثار التقليد في أصول الدين]
وكل ذلك يدل على قبح التقليد ووجوب النظر، قال الحاكم في شرح العيون: قال أبو هاشم: المقلد يستحق عقوبتين:
إحداهما: لكونه أقدم على ما لايأمن كونه جهلاً.
والثانية: على ترك النظر، وكل واحدة من المعصيتين كبيرة، وقال في المنهاج: يقال لأهل التقليد هل يجب شكر المنعم فلا بد من قولهم بلى، فيقال: وكيف يجب شكر من لانعرفه، ويقال لهم أيضاً: هل يجب الاعتراف بالنبوات، والشرائع، وهل تجب العبادات فلا بد من قولهم بلى، فيقال: إذا لم يعرف المعبود فكيف يعرف وجوب العبادات ونبوة الأنبياء.

[القائلون بجواز التقليد في أصول الدين]
احتج القائلون بالتقليد مطلقاً بوجوه:
أحدها: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يكن يدع الناس إلا إلى الإقرار بالشهادة ولم يأمرهم بطلب دقائق علم الكلام، ولم يقاتلهم إلا عليها، بدليل ما رواه المرشد بالله في أماليه قال: أخبرنا ابن عبد الرحيم، قال: أنا ابن حبان، أنا ابن أبو بكر الهاشمي، ثنا منجاب، عن شريك، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن جابر رفعه: ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لاإله إلا الله فإذا قالوها حرمت علي دماؤهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله)) وفيه أخبرنا ابن ريذة، أنا الطبراني، ثنا عبد الله ابن أحمد، ثنا محمد المقدمي، ثنا فضيل، عن أبي مالك، عن الأشجعي، عن أبي ه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: ((من قال لاإله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله حرم الله ماله ودمه وحسابه على الله)) وفي أمالي أبي طالب: أخبرنا أبو محمد القاضي، أنا علي بن الحسن، أنا أبو داود، ثنا سعيد الطالقاني، ثنا عبد الله بن المبارك، عن حميد، عن أنس قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، وأن يستقبلوا قبلتنا، وأن يأكلوا ذبيحتنا، وأن يصلوا صلاتنا فإذا فعلوا ذلك حرمت علينا دماؤهم وأموالهم إلا بحقها لهم ما للمسلمين، وعليهم ما على المسلمين)) والحديث في الجامع الصغير عن أبي هريرة بلفظ: ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله)) وعزاه إلى البخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجة، ثم قال: وهو متواتر وهو نص في الاكتفاء بالتقليد؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قبل منهم النطق بالشهادة، ولم يوجب عليهم النظر وتعلم الأدلة.

والجواب: أن الحديث إنما دل على أنه لا يقاتلهم بعد إظهار الشهادتين والتمسك بالإسلام عملاً بما يقتضيه الظاهر من إسلامهم؛ لأن الإكراه على العقيدة لا يتصور، وليس فيه أنه لا يجب عليهم النظر، وتعلم الأدلة، كيف والكتاب، والسنة، وكلام أمير المؤمنين مشحونة بالحث على النظر وذم تركه، بل لقائل أن يقول: هذا الحديث حجة على وجوب النظر لأنه أخبر فيه أن ما أظهروه لا ينفعهم إلا في الأحكام الدنيوية، وأما الأخروية فهي مبنية على مطابقة الظاهر والباطن، وذلك هو معنى إيجاب النظر؛ إذ تحصيل العلم في الباطن والجزم به لا يكون إلا مع النظر الصحيح، فتأمل، ولو كان التقليد كافياً لما قال وحسابهم على الله.
الوجه الثاني: قالوا: قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا} [الأحقاف:13] فأخبر أن الإقرار كاف.
والجواب: أن المراد أنهم قالوا ذلك عن علم، بدليل قوله تعالى: {إِلاَّ مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُون}[الزخرف:86] وقوله تعالى: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ}[محمد:19] وما تقدم من أن الاعتقاد أحد أركان الإيمان، وغير ذلك من أدلة وجوب العلم بالله، والعلم لا يحصل إلا عن نظر.
الوجه الثالث: قوله تعالى: {فَبَشِّرْ عِبَادِ ، الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ}[الزمر:17،18] فلم يشترط النظر والاستدلال.
والجواب: أن معرفة صحة القول وحسنه تقف على معرفة الله، وعدله، وحكمته.
الوجه الرابع: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمر باتباع السواد الأعظم وهو معنى التقليد، والجواب عنه قد مر.
الوجه الخامس: أنكم قد أجزتم التقليد في الفروع فأجيزوه في الأصول.
والجواب: أنه فرق بينهما الدليل، ولهذا يكتفى بالظن في الفروع.
الوجه السادس: أنكم قد جوزتم تقليد الرسول عليه السلام .

والجواب أن أتباعه عليه السلام ليس تقليداً لأنه عن دليل، فهذه أدلة من يجيز التقليد مطلقاً أي من دون تقييد بكونه من أهل الغفلة، ولا يكون من يقلده محقاً، وأما غيرهم فمنهم من قد دخلت شبهته فيما ذكرنا كالعنبري القائل بجواز التقليد في الأصول دون الفروع، ومنهم من يحتاج إلى دليل يخصه باعتبار ما ذكره من القيد وهم القائلون بأنه يجوز التقليد للعوام، والقائلون يجواز تقليد المحق، فأما الأولون فاحتجوا بأنه لو كلف العوام والنساء بهذه الأصول، والاستدلال عليها بالأدلة الغامضة،ودفع الشبه مع علمنا أنهم لم يفعلوا ذلك لوجب علينا الحكم بكفرهم، وإجراء أحكام الكفر عليهم، والمعلوم عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وعن باب مدينة علمه، وعن السلف والخلف من أهل البيت" وغيرهم خلافه.
الجواب: من وجهين:
أحدهما: أن نقول لا يخلو حالكم من أن تجيزوا التقليد مع جواز الخطأ أو لا، إن كان الأول لزمكم صحة تقليد سائر الملل الكفرية؛ إذ لا فرق بينها وبين ملة الإسلام عند المقلد في جواز الخطأ، وإن كان الثاني فهو باطل لأنه كيف يعلم أنه لا يجوز عليه الخطأ، هذا الجواب على جهة الإلزام، والإبطال للقول بالتقليد من أصله.
الوجه الثاني: في إبطال هذه الشبهة، وحلها، وهو أنا لم ندع أنهم كلفوا ما كلفه المبرزون وأهل النظر الدقيق، وإنما كلفوا جملاً يسيرة يسهل اكتسابها.

169 / 329
ع
En
A+
A-