الوجه الخامس: قالوا: كيف يجب العلم بوجوب المعرفة ونحن لانعلم بصفة من أوجبها؟
والجواب: أن وجوبها ليس شرعياً حتى يرد هذا السؤال، وإنما علم وجوبها بالعقل والسمع مؤكد كما مر، والعقليات تجب لوجوه تقع عليها، فلا تحتاج إلى العلم بالموجب.
الوجه السادس: قالوا: لو كلف بالمعرفة لنهي عن الجهل؛ لأن الأمر بالشيء نهي عن ضده، ولو عرف الجهل لعرف المجهول فيكون من تحصيل الحاصل، وتحقيقه أنه لو نهى عن الجهل فلا بد أن يعرفه ليمكنه الاحتراز عنه، وإذا عرفه عرف المجهول لأنه إذا عرف أن اعتقاد أن لاصانع للعالم جهل فمعرفته لذلك لا تكون إلا مع معرفة الصانع، وإذا كان قد عرفه فلا يكلف بمعرفته.
والجواب: أنا لانسلم أن الأمر بالشيء نهي عن ضده، سلمنا فليس منهياً عن جهل معين، وإنما هو منهي عن كل اعتقاد لا يأمن كونه جهلاً، وذلك لايستلزم معرفة المجهول على التعيين، فهذه جملة الوجوه التي ذكرها أهل المعارف وهي كما ترى ما عدا الوجه الأول مبنية على عدم صحة التكليف بالمعرفة، وإذا لم يصح التكليف بها وقد حصلت تعين أن تكون ضرورية، وقد عرفت الجواب عن ذلك، ولهم من الأدلة السمعية نحو قوله تعالى: {أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ}[إبراهيم:10] ويمكن أن يجاب بأنه لقوة دلائل ثبوته جل وعلا ينزل منزلة الضروريات التي لا سبيل للشك إليها كما في قوله تعالى: {لاَ رَيْبَ فِيهِ}[البقرة:2] ويؤيد هذا أنه عقب نفي الشك بقوله: { فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ}[الأنعام:14] وهما من أقوى الأدلة على ثبوته تعالى فكأنه قال: {أَفِي اللَّهِ شَكٌّ}[إبراهيم:10] مع هذا الدليل الواضح والبرهان القاطع. والله أعلم.
ويشهد لهذا التأويل ماروي في بعض الآثار من قوله: ((وعجبت ممن يشك في الله وهو يرى أثر خلقه)) أو كما قال، وقد مر نحوه مرفوعاً، وأما ما ذهب إليه المؤيد بالله ومن وافقه فقد احتج له الإمام يحيى بأن الخوف من الله إنما هو على قدر المعرفة، ونحن نعلم تباين الخلق في الخوف، فخوف الأنبياء ليس كخوف الملائكة، وخوف الأولياء ليس كخوف الأنبياء، وخوف الأولياء ليس كخوف سائر الناس، فزيادة الخوف إنما هو لزيادة المعرفة، فلا يمتنع أن يزداد الخوف حتى ينتهي إلى رتبة العلم الضروري.
قال الإمام عز الدين: وكلامه عليه السلام لا يخلو عن نظر، فإنا نقطع باختلاف المكلفين في الخوف وإن كانت معارفهم مكتسبة، مع أنه لامعنى للتزايد فيها وهي مكتسبة، وكذلك فقد صرح باختلاف خوف الملائكة وغيرهم ممن يحكم أو يجوز أن معارفهم ضرورية، وأدلة الجمهور كما ترى من عدم القوة.
قال عليه السلام : (فالأولى أن يحكم بأنه لامانع من حصول العلم الضروري للأنبياء والأولياء) ولا دليل على ثبوته لهم، وهذا هو تحصيل مذهب السيد المؤيد بالله فإن الذي يحكي عنه أصحابنا جواز ذلك، وهو الصحيح، فأما الإمام يحيى فظاهر كلامه القطع بحصول ذلك لهم، ولادليل عليه. ذكره في المعراج.
وقد أبطل الجمهور تجويز كونها ضرورية في حق من ذكر بوجوه:
أحدها: أن المعرفة لطف فلا يجوز أن يخص الله بها بعضاً دون بعض، بل كان يجب أن يفعلها في الجميع، ويقبح التكليف باكتسابها.
قلت: وهذا ضعيف لأن لهم أن يقولوا المعرفة وإن كانت لطفاً فالألطاف تختلف باختلاف أحوال المكلفين، ولهذا قد يكون لطف بعضهم في الصحة، وبعضهم في السقم، فكذلك لامانع من أن يكون الله تعالى قد علم أن لطف بعضهم في المعرفة الضرورية فجعلها لهم، وبعضهم في النظرية فكلفهم بها، وقد ذكر الإمام يحيى معنى هذا وجعله دليلاً على صحة ما اختاره وكذلك ذكره في مراتب التوحيد فإنه ذكر أن مراتب التوحيد الحصول على معرفته تعالى وصفته بالعلم الضروري الذي لايعترضه شك، ولا شبهة، ولا يعتريه ريب، قال: وهذه هي درجة المقربين، وقد منع منه طوائف من المتكلمين، ولا دليل على المنع، فإن قيل: المعرفة الضرورية إذا كانت لطفاً لبعض المكلفين لزم أن تكون لطفاً لسائرهم؛ لأن الضروري أبلغ، والواجب في اللطف أن يكون على أبلغ الوجوه.
قيل: لا نسلم أنه يجب في اللطف أن يكون على أبلغ الوجوه سلمنا، فالمراد به أنه يجب أن يكون على أبلغ الوجوه في حق من علم الله أن ذلك لطف له، وليس المراد أنه يجب أن يفعل لكل مكلف أبلغ الألطاف؛ لأن بعضها لاتكون لطفاً لبعض المكلفين لاختلافها باختلافهم.
الوجه الثاني: مما أبطل به الجمهور قول هؤلاء ما تقدم من أنها لو كانت ضرورية لكانت بديهية يشترك فيها العقلاء.
الثالث: أن تجويز ذلك في حق الأنبيا، والأولياء يقتضي أنهم قد عرفوا الله قبل بالاكتساب وإلا لماصاروا صالحين؛ لأنهم لا يكونون كذلك إلا إذا عرفوا الله، وإذا قد عرفوه استدلالاً كان من البعيد أن يعرفوه من بعد ضرورة، واعترضه الإمام عز الدين فقال: كلام المؤيد بالله مستقيم إن أراد أنه يحصل لهم بعد أن صاروا أنبياء وأولياء، وبعد أن عرفوا الله استدلالاً، فلا مانع منه، ولا وجه لاستبعاده، فإن ذلك منحة وموهبة لمستحقها، ومن لله به مزيد عناية، وإن أراد أن هذا الذي علم الله أنه سيكون نبياً أو ولياً لطفه في المعرفة الضرورية فيخلقها عند بلوغه حالة التكليف، فذلك داخل في حيز الإمكان، ولا مانع منه.
الوجه الرابع: ذكره ابن متويه وهو أن هذا القول خارق للإجماع فإنه منعقد على استواء حالهم في ذلك، فمن قائل إنها ضرورية في حق الجميع، ومن قائل بأنها استدلالية مطلقاً، وإحداث قول ثالث خروج عن الإجماع، وأجيب بأنا لا نسلم الإجماع، سلمنا فإنما منعوا من إحداث قول ثالث إذا كان رافعاً للقولين، وهذا لا يرفعهما، بل أخذ من كل قول بنصيب، هذا وأما القائلون بأن العلم الجملي حاصل ضرورة، فقد مر وجه قولهم، وحاصله: أن العلم بأنه لا بد من مؤثر في العالم حاصل ضرورة، ولا يبعد الإجماع على ذلك، وقد تقدمت الإشارة إلى هذا في قوله تعالى: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}[الفاتحة:2] وأما ما ذهب إليه الصوفية، فقد أبطله الإمام يحيى بأن العقائد الحاصلة عن التصفية إما أن تكون من فعل الله تعالى أو من فعلنا، إن كان الأول لزم كونها ضرورية، وقد تقرر فساده، وإن كان الثاني فإما أن تكون تلك العقائد لازمة للعلوم الضرورية ومترتبة عليها فهي نظرية إذ لامعنى للعلم النظري إلا ذلك، أو لا فهي عقائد تقليدية لاعبرة بها، وبقي في المسألة قول آخر حكاه في إيثار الحق ولم يعين قائله وهو أن العلم بالله ليس نظرياً، ولا ضرورياً بديهياً، بل يحتاج إلى تذكر يوقظ من سنة الغفلة، كتذكر الموت الذي تقع الغفلة عنه وهو ضروري حتى قال الله تعالى: {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ}[الزمر:30] ونحوها.
قلت: ونظيره ما مر عن الإمام المهدي في أفعال العباد من أن العلم بكونهم الفاعلين لها ضروري يحتاج إلى أدنى تأمل، ويدل عليه قوله تعالى: {أَفِي اللَّهِ شَكٌّ}[إبراهيم:10]ونحوها مما أنكر الله فيه على من جحده سبحانه وتعالى فإنه قرنه بما يذكره، ويدفع الشبهة عنه من ذكر خلق السماوات والأرض وغيرهما، ومن كلام علي عليه السلام : (الذي تشهد له أعلام الوجود على إقرار قلب ذي الجحود). رواه في النهج، ومثله قوله عليه السلام : (وهل يوجد بناء من غير بان) وهو في النهج، وذلك كله يدل على أنه لابد من أدنى تأمل، ولذا قال بعضهم: عجبت لمن شك في الله وهو يرى أثر صنعه أو كما قال، ولوكان يعرف بالبديهة لما كان لاقتران الإنكار على الشاك في الله بالدليل المنبه فائدة. فتأمل.
تنبيه [في بيان هل المعرفة ضرورية في دار التكليف]
قد مر أن مذهب الجمهور أن الله تعالى لا يعرف ضرورة في دار التكليف، وقد عرفت أدلتهم على ذلك، وأما في الدار الآخرة فقالوا: إنه تعالى يعرف ضرورة، وكذلك المحتضر يعرفه تعالى ضرورة، ذكره السيد مانكديم، وخالف في ذلك أبو القاسم البلخي فقال: إنه تعالى لا يعرف إلا دلالة في الدنيا والآخرة، واحتج على ذلك بأن ما يعرف دلالة لا يجوز أن يعرف إلا دلالة، كما أن ما يعرف ضرورة لا يجوز أن يعرف إلا ضرورة.
والجواب: أن نقول ما أردت بقولك لا يجوز هل نفي الصحة، أم نفي الوجود، فإن أردت الأول فهو باطل لأنه قد ثبت أن العلم من أجناس المقدورات، فلا يخلو إما أن يدخل جنسه تحت مقدورنا أولا، إن لم يدخل وجب أن يكون الباري تعالى قادراً عليه وإلا خرج عن كونه مقدوراً أصلاً، وهو باطل، وإن دخل تحت مقدورنا فالباري بأن يكون قادراً عليه أولى، وإذا ثبتت قدرته عليه صح أن يوجده فينا، وإذا أوجده كان ضرورياً، وإن أردت الثاني وهو نفي الوجود، فهو باطل أيضاً؛ لأن أهل الآخرة إن كانوا من أهل الجنة فلا بد من أن يعرفوا الله تعالى، وإلا لم يعرفوا استحقاق الثواب من جهته، فيحصل تجويز انقطاع نعيمهم، وفي ذلك تنغيص وهو منفي عنهم، وإذا كان لابد من المعرفة وجب أن تكون ضرورية لأنها لو كانت نظرية لكان فيها تتنغيص ومشقة، فإن قيل: لا مشقة لأنهم يعرفون بتذكر النظر والاستدلال السابق.
قيل: لو كان كذلك لكانت معارفهم اختيارية، وحينئذ يجوز إن يقال أن الواحد منهم يختار من المعرفة ما يبلغ به ثواب الأنبياء، والمعلوم خلافه، وإن كانوا من أهل النار، فكذلك لابد من المعرفة، وإلا جوزوا انقطاع عقابهم، وفي ذلك راحة لهم وهي منفية عنهم، وإذا كان لا بد من المعرفة لم يجز أن تكون نظرية، لأنها والحال هذه تكون موقوفة على اختيارهم، فيجوز منهم ترك النظر فلا تحصل المعرفة، وإذا انتفت جوزوا انقطاع العقاب، وفيه راحتهم، وذلك لا يجوز، وأيضاً من حق الناظر أن يكون مجوزاً فيلزم أن يكونوا قبل النظر وحاله قبل حصول العلم مجوزين لانقطاع العقاب، وذلك يقتضي أن لا يخلص عقابهم من كل روح وراحة، وذلك لا يجوز، لا يقال يعرفونه بتذكر النظر السابق؛ لأنا نقول لا نظر لهم سابق فيتذكرونه، وإلا لما وقعوا فيما وقعوا فيه.
قلت: وهذا ضعيف فإن منهم من له نظر صحيح ومعرفة تامة، وإنما استوجب دخول النار لاتباع الهوى، وتأثير الحياة الدنيا، والأولى أن يقال لو كلفوا بالنظر لوجب أن يكون لهم انتفاع بالتكليف، ولا نفع لهم إلا قبول توبتهم إذا تابوا، وذلك يؤدي إلى خروجهم من النار وهو باطل، أو تخفيف العذاب عنهم، وهو باطل أيضاً لقوله تعالى: {وَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا}[فاطر:36] وأما شبهته فجوابها: أنه جمع بين الاستدلالي والضروري من دون علة جامعة، وأيضاً لا نسلم أنما يعلم ضرورة لايعلم إلا كذلك، فإن فيه ما يجوز أن يعلم استدلالاً فإن العلم بزيد، يجوز أن يكون عن مشاهدة فيكون ضرورياً، وأن يكون بخبر نبي فيكون استدلالياً.
قال السيد مانكديم: على أن العلم بالمشاهدات وغيرها من الأمور التي قاس عليها من كمال العقل، والنظر، والاستدلال لايتأتى إلا ممن هو كامل العقل، فلذا لم يجز في هذه الأمور أن تعلم استدلالاً، وهذا غير ثابت في الأمور المكتسبة ففارق أحدهما الآخر.
فائدة [في معرفة الضروري لغة وعرفاً واصطلاحاً]
في حد الضروري لغة، وعرفاً، واصطلاحاً.
أما في اللغة: فهو كل أمر وقع بغير اختيار، والمضطر قد يُسمى مكرهاً وملجأً، فالمكره من يكون الحامل له على الفعل عاقلاً عالماً مع تخويفه إياه بتلف نفس، أو ما في معناه، ولا بد أن يكون المخوِّف قادراً على فعل ما توعد به، وأما الملجئ فلا يعتبر فيه ذلك، بل قد يكون من جهة السباع والصواعق ونحوها، وقد يكون من جهة النفس كشدة الجوع، والعطش، ويقال في جميع ذلك هو مضطر إلى الهرب من السبع، وإلى الطعام إذا ألجئ إليه، ومضطر إلى الخمر إذا أكره عليه، فتحصل أن الألفاظ المستعملة فيما كان من غير اختيار ثلاثة: إلجاء، وإكراه، واضطرار، وهو أعمها.
وأما في العرف: فلا بد من أن تكون الضرورة حاصلة من جهة الغير، والمراد بالعرف عرف أهل اللغة، أوعرف الزمان، فحقيقة الضروري عرفاً: ما يحصل فينا لا من قبلنا، واشترط الجمهور في تسميته ضرورياً أن يكون جنسه داخلاً تحت مقدورنا، ولذا يقال حركة ضرورية لما كان جنسها داخلاً تحت مقدورنا، ولا يقال لون ضروري، وقال أبو علي: لايشترط ذلك فيقال لون ضروري.
قيل: وكلام الجمهور أقرب وأصح؛ لأن للعرف شبهاً بالوضع اللغوي، والضرورة في اللغة: الإلجاء، والإكراه، وهما لا يستعملان إلا فيما يدخل جنسه تحت مقدورنا.
وأما في اصطلاح المتكلمين: فالضروري عندهم قسم من أقسام العلم، وقد اختلفوا في حده، فقال قاضي القضاة: هو العلم الذي يحصل فينا لا من قبلنا، ولا يمكننا نفيه عن النفس بوجه من الوجوه، قيل: وفيه تكرار؛ لأن الحاصل لا من قبلنا هو الذي لا يمكننا نفيه، والذي لا يمكننا نفيه هو الحاصل لا من قبلنا، فكان الواجب الاقتصار على أحد الطرفين، وقد اقتصر على الطرف الأول بعضهم، وقيل: هو العلم الذي لايمكن العالم به نفيه عن نفسه بشك ولا شبهة، وإن انفرد واحترز بقوله وإن انفرد عن العلم المكتسب إذا قارنه ضروري فإنه لا يمكن نفيه، لكن عدم إمكان نفيه إنما هو لاقترانه بالضروري بحيث لو انفرد لأمكن نفيه بشك أو شبهة، واعترِضَ بأن النفي مذكور فيه، والنفي لا يتصور إلا فيما يبقى، والعلم مما لا يبقى، وأجيب بأن المراد بالنفي هنا أن أحدنا لا يمكنه أن يخرج نفسه عن استمرار كونه عالماً، لا النفي الذي لايتصور إلا في الباقيات، واعترض أيضاً بأن فيه ذكر الشك، والشك ليس بمعنى، وأجيب بأنه لو حذف لم يحصل في الحد خلل على أن بعض العلماء قد جعله معنى.
قلت: ولأجل السلامة من هذين الاعتراضين حده بعضهم بأنه العلم الذي لايمكن العالم به إخراج نفسه عن استمرار كونه عالماً بمعلومه، وقيل: هو العلم الذي لايمكن العالم به نفيه عن النفس بوجه من الوجوه.
قال السيد مانكديم: وهذا صحيح، وقال ابن الملاحمي: الضروري علم لا يقف على استدلال العالم إذا كان يصح منه الاستدلال، واحترز بهذا القيد عن كونه جل وعلا عالماً.
قال الإمام عز الدين: والذي يقابل الضروري المكتسب، وحقيقته العلم الحاصل فينا من قبل أنفسنا، وقيل: الذي يمكن العالم به إخراج نفسه عن العلم بما تناوله، وقال ابن الملاحمي: علم يقف على استدلال العالم به.
واعلم: أن العلم الضروري ينقسم إلى ما يحصل فينا مبتدأ وهو كالعلم بأحوال النفس من كوننا مريدين وكارهين، وما شاكل ذلك وإلى ما يحصل فينا عن طريق، أو ما يجري مجراه.
فالأول: كالعلم بالمدركات فإن الإدراك طريق إليها.
والثاني: كالعلم بالحال مع العلم بالذات، فإن العلم بالذات أصل للعلم بالحال، ويجري مجرى الطريق إليه، والفرق بينهما أنما يحصل عن طريق يجوز أن يبقى مع عدم الطريق إليه، وما يحصل عن ما يجري مجرى الطريق لا يجوز فيه ذلك.
قال السيد مانكديم: ولهذا يصح من الله تعالى أن يخلق فينا العلم بالمدركات من دون الإدراك، ولم يصح أن يخلق فينا العلم بالحال من دون العلم بالذات، ثم الحاصل فينا مبتدأ ينقسم إلى ما يعد في كمال العقل، وإلى ما لا يعد في كماله، والأول ينقسم إلى ما يستند إلى الخبرة، وإلى ما لا يستند إليها.
فالأول: كالعلم بتعلق الفعل بفاعله، وما يتصل بذلك من أحكام الفعل من حسن وقبح وغيرهما.
والثاني: كالعلم بأن الذات إما أن تكون موجودة، أو معدومة، والموجود إما قديم، أو محدث.
قال السيد مانكديم: وأما المشاهدة فهي الإدراك بهذه الحواس، هذا في الأصل، وفي الأغلب أن ما يستعمل في الإدراك بحاسة البصر، قال هذا إذا كان مطلقاً، فأما إذا أضيف إلى العلم فقيل: علم المشاهدة، فالمراد به العلم المستند إلى الإدراك بهذه الحواس، وفي الأغلب إنما يستعمل في العلم المستند إلى الإدراك بحاسة البصر فقط.