قال علامة العصر: هو أبو سعيد أحمد بن محمد بن زياد الأعرابي البصري الدراوردي، روى عن الحسن بن محمد بن الصباح، وعنه محمد بن جعفر الشيرازي، والحديث أخرجه العقيلي في الضعفاء، وابن عدي في الكامل، والبيهقي في الشعب، وابن عبد البر في كتاب فضل العلم، كلهم عن أنس.
قال العزيزي: وهو حديث حسن لغيره، وأخرجه ابن عبد البر من حديث أنس وزاد بعد قوله: على كل مسلم، وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضاء بما يطلب، وفي أمالي المر شد بالله أخبرنا أبو سعيد بن زر، أنا أبوبكر الملجمي، ثنا محمد بن علي الفرقدي، ثنا إسماعيل بن عمر، ثنا سلام الطويل،عن زيد بن ميمون، عن أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((طلب العلم فريضة على كل مسلم)) وفيه أخبرنا أبو إسحاق البرمكي، ثنا محمد بن حسين الأزدي، ثنا أبو يعلى، ثنا هريل بن إبراهيم الحماني، ثنا عثمان، عن حماد ابن أبي سلمان، عن أبي وائل، عن عبدالله قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((طلب العلم فريضة على كل مسلم)).
إسماعيل الظاهر أنه إسماعيل بن نجيح البجلي الكوفي الأصبهاني إذ لم يذكر في الجداول من اسمه إسماعيل بن عمرو من رجال أصحابنا غيره، وقال: عده ابن حبان في الثقات، وقال الذهبي: إليه انتهى علو الإسناد بأصبهان، وأثنى عليه غيره.
توفي سنة سبع وعشرين ومائتين، روى له أبو طالب، والمرشد بالله، وفي المناقب.
وأما سلام فهو: سلام بن سليم التميمي السعدي، أبو سليمان المدائني الطويل، قال السيد إدريس في الكنز: وسلام ممن قال بالعدل والتوحيد.
توفي سنة سبع وتسعين ومائة، احتج به ابن ماجة، وروى له أئمتنا الثلاثة.
وأما محمد بن الحسين فهو: الأزدي، وفي الجداول الأودي أبو الفتح الموصلي، أهل الموصل يذمونه ولا يحمدونه.
توفي سنة أربع وسبعين وثلاثمائة.
وأما حماد فهو: حماد ابن أبي سليمان مسلم الأشعري، أبو إسماعيل الفقيه، أخذ عن أنس، وابن جبير وغيرهما، ووثقه النسائي.
توفي سنة عشرين ومائة، احتج به مسلم، والأربعة.
قال علامة العصر: كان ممن أرسله معاوية إلى دومة الجندل للقيا الأشعري.
روى له المرادي، والمؤيد بالله، والمرشد بالله، والحديث أخرجه ابن عدي، والبيهقي في الشعب عن أنس، والطبراني في الأوسط، والخطيب عن الحسين بن علي، والطبراني في الأوسط عن ابن عباس، وتمام في فوائده عن ابن عمر، والطبراني في الكبير عن ابن مسعود، والخطيب عن علي، والطبراني في الأسط، والبيهقي في الشعب عن أبي سعيد.
قال المناوي:وأسانيده ضعيفة لكن تقوى بكثرة طرقه،وقال العلقمي: هو صحيح لغيره.
قال بعض العلماء: المراد به هنا ما يجب لله، ومايجوز، وما يستحيل، وكذا للرسل، وكذا كل ما يتوقف عليه صحة عبادته، وإذا أراد بيعاً مثلاً يجب عليه معرفة ما يصححه فكل ذلك فرض عين، وفرض الكفاية كالتدريس، وما زاد على الاجتهاد المطلق سنة، وفي أمالي أبي طالب أخبرنا أبو عبد الله القزويني، ثنا علي بن إبراهيم القطان، ثنا محمد بن مزيد، ثنا هشام بن عمار، ثنا حفص بن سليمان، ثنا كثير بن شنظم، عن ابن سيرين، عن أنس قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((طلب العلم فريضة على كل مسلم، وواضع العلم عند غير أهله كمقلد الخنازير الجواهر واللؤلؤ والذهب)) وأخرجه ابن ماجة، وضعفه المنذري.
أما علي فهو: بن إبراهيم بن سلمة بن بحر القطان أبو الحسن القزويني، كان عالماً زاهداً عابداً.
توفي سنة خمس وأربعين وثلاثمائة، روى له أبو طالب، والمرشد بالله.
وأما محمد ابن يزيد فهو: ابن ماجة.
وأما حفص بن سليمان فهو: حفص بن أبي داود المقري الأسدي مولاهم الغاضري، وفي الخلاصة حفيص، قال البخاري: تركوه، وقال وكيع: ثقة، وفي الميزان والكاشف: وأما القراءة فهو فيها ثبت بإجماع. توفي سنة اثنتين وثمانين ومائة.
احتج به الترمذي، وابن ماجة، وروى له المؤيد بالله، وأبو طالب.
وأما كثير بن شنظم، فقال في الجداول: الصواب شنظير وهو الأزدي أبو قرة البصري.
قال ابن عدي: أرجو أن تكون أحاديثه مستقيمة، وقال أحمد وغيره: صالح الحديث، وعن يحيى أنه ثقة.
احتج به الجماعة إلا النسائي.
وفي الجامع الصغير عنه صلى الله عليه وآله وسلم : ((طلب العلم فريضة على كل مسلم، وإن طالب العلم يستغفر له كل شيء حتى الحيتان في البحر)) ونسبه إلى ابن عبد البر في كتاب العلم من حديث أنس.
قال الشيخ العزيزي: حديث حسن لغيره، وأخرجه البيهقي في الشعب، وابن عبد البر عن أنس بلفظ: ((طلب العلم فريضة على كل مسلم والله يحب إغاثةاللهفان)) وفي أمالي أبي طالب أخبرنا محمد بن علي العبدكي، ثنا محمد بن يزداد، ثنا الفضل بن العباس، ثنا الحسن بن عبد الله بن جعفر، ثنا أفلح بن محمد، عن محمد بن يحيى، عن جويبر، عن الضحاك، عن ابن عباس: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يا نبي الله علمني من غرائب العلم، فقال له: ((وماذا صنعت في رأس العلم حتى تسألني عن غرائبه؟)) فقال الرجل: وما رأس العلم يارسول الله؟ فقال: ((معرفة الله حق معرفته)) فقال: يارسول الله وما معرفة الله حق معرفته؟ فقال: ((أن تعرفه بلا مثل ولا شبيه، وتعرفه إلهاً واحداً صمداً أولاً آخراً ظاهراً باطناً لا كفؤ له ولامثل)).
أما العبدكي فهو: محمد بن علي العبدكي أبو أحمد، كان رأساً في علم الكلام يقال خلط في الإمامة وتنقل من قول إلى قول، وفي تاج العروس: محمد بن علي بن عبدك الجرجاني مقدم الشيعة، بها روى وحدث.
وأما محمد بن يزداد فهو: السلمي الأصبهاني، قال في الطبقات: الظاهر أنه صاحب المصابيح الذي عده المنصور بالله ممن قال بالعدل والتوحيد، وذكره في تاريخ قزوين. والله أعلم.
وأما الفضل ابن العباس والحسن ابن عبدالله فلم يبين حالهما في الجداول.
وأما أفلح فهو: ممن استشهد مع الحسين عليه السلام سنة ستين، ومحمد بن يحيى لا أعرفه.
وجويبر هو: ابن سعيد الأزدي، أبو القاسم البجلي، وقيل اسمه جابر روى عن علي عليه السلام وغيره.
توفي بعد الأربعين ومائة، تكلموا عليه بغير حجة.
احتج به ابن ماجة، وروى له أئمتنا الأربعة.
وأما الضحاك فهو: ابن مزاحم الهلالي الخراساني، وثقه أحمد، وابن معين، وأبو زرعة، وزاد أحمد: مأموناً، توفي سنة خمس ومائة.
احتج به الأربعة، وروى له أئمتنا الخمسة.
قال في الجداول: أينما ورد الضحاك، عن ابن عباس، وعن جويبر فهو ابن مزاحم، وقد ذكر بعض أصحابنا أن إسناد هذا الحديث موثوق به، وفيه تنبيه على أن الأهم أن يبتدئ الإنسان بما هو مطالب به، ولا يشتغل بتعلم نوادر العلم، بل يصحح أساس دينه ليمكنه أداء العبادات على الوجه الذي أمر بها، والمراد بالمعرفة العلم بالله، وبما يجب له من الصفات على الوجه الذي يجب اعتقادها عليه.
وفي أمالي أبي طالب أيضاً: حدثنا محمد بن علي العبدكي، حدثنا علي بن يحيى الآملي، ومحمد بن موسى الوضاحي، ثنا محمد بن شداد، ثنا عباد بن صهيب، وأبو بكر الهذلي، ثنا جعفر بن محمد سمعت أبي محمد يقول: سمعت أبى علياً يقول: سمعت أبي الحسين يقول: سمعت أبى علياً" يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: ((من أخذ دينه عن التفكر في آلاء الله والتدبر لكتابه والتفهم لسنتي زالت الرواسي ولم يزل، ومن أخذ دينه عن أفواه الرجال وقلدهم فيه ذهبت به الرجال من يمين إلى شمال، وكان من دين الله على أعظم زوال)).
علي بن يحيى ومحمد بن موسى لم يبين حالهما في الجداول.
أما محمد بن شداد فهو: المسمعي، قال الذهبي: كان معتزلياً، وقال في التقريب: مقبول، وفي التذكرة: كان مسنداً ببغداد في وقته.
توفي سنة ثمان وسبعين ومائتين، روى له أبو طالب، والمرشد بالله.
وأما عباد فهو: البصري الكلبي، قال يحيى: هو أثبت من أبي عاصم النبيل، وقال أبو داود: صدوق قدري، وقال أحمد: ما كان بصاحب كذب.
توفي بعد المائتين، وقد نال منه بعضهم.
وقال أبو طالب في الأمالي: أخبرنا العبدكي، ثنا ابن يزداد، ثنا الوليد بن أبي الوليد، ثنا أبو بكر بن العوام، ثنا إبراهيم بن عبد الحميد، عن جويبر، عن الضحاك، عن ابن عباس قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((خمس لا يعذر بجهلهن أحد معرفة الله أن تعرف الله ولا تشبهه بشيء ومن شبه الله بشيء أو زعم أن الله يشبهه شيء فهو من المشركين، والحب في الله والبغض في الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، واجتناب الظلم)) فهذه الأخبار كلها تدل دلالة صريحة على أن معرفة الله، ومعرفة صفاته ليست ضرورية إذ لو كانت ضرورية لما حسن الأمر بالطلب وإيجابه، والحث عليه، والترغيب فيه، والاستفهام عن حصول المعرفة ووصف من لم يعرف الله بالجهل؛ لأنه لامعنى لذلك، ولا فائدة فيه؛ إذ الضروري لايتوقف على شيء من جهتنا، ولا يكون لنا فيه اختيار.
واعلم: أن هذه الأدلة السمعية كما دلت على أن المعارف ليست ضرورية فهي أيضاً تدل على وجوب المعارف، وذلك واضح، فإن قيل: الاستدلال بالسمع في هذه المسألة لايصح؛ لأن العلم بالسمع يتوقف على العلم بالله تعالى، ومعرفة ما يجب له، وما يستحيل عليه، فالجواب من وجوه:
أحدها: أن ذلك من باب الاستظهار.
الثاني: أنَّ مقتضى مذهب الخصم صحة الاستدلال بالسمع لأن صحة الاستدلال به لاتتوقف إلا على معرفة الله، وهي حاصلة لكل مكلف من ابتداء تكليفه لأنها إذا كانت ضرورية فلا يتوقف حصولها على شيء، بل يجب فعلها في المكلف عند ابتداء تكليفه،، وإلا لم يجز التكليف، وإذا كان مذهب الخصم يقتضي صحة الاستدلال به جاز أن يستدل عليه بما يلتزمه.
الثالث: ذكره الإمام عز الدين وهو أن الاستدلال بالسمع ممكن لأنا متفقون نحن والخصم على حصول العلم بالله وبصفاته، وعدله وحكمته، وإنما وقع النزاع في أن حصول المعرفة من فعلنا، أو من فعله، ولا تتوقف صحة السمع على صحة واحد من القولين، ومن الأدلة على أن المعارف ليست ضرورية قول علي عليه السلام بعد أن ذكر آدم عليه السلام : (واصطفى من ولده أنبياء أخذ على الوحي ميثاقهم، وعلى تبليغ الرسالة أمانتهم لما يدل أكثر خلقه عهد الله إليهم فجهلوا حقه واتخذوا الأنداد معه، واجتالتهم الشياطين عن معرفته،واقتطعتهم عن عبادته،فبعث فيهم رسله، وواتر إليهم أنبياءه ليستأدوهم ميثاق فطرته، ويذكروهم منسي نعمته، ويحتجون عليهم بالتبليغ، ويثيروا لهم دفائن العقول، ويروهم الآيات المقدرة من سقف فوقهم مرفوع، ومهاد تحتهم موضوع، ومعائش تحييهم، وآجال تفنيهم، وأوصاب تهرمهم، وأحداث تتابع عليهم). رواه في النهج.
فهذا نص في أن معرفة الله ليست ضرورية إذ لوكانت ضرورية لما اتخذوا الأنداد شركاء له جل وعلا؛ إذ لا يعتقد جواز الشريك له تعالى في الإلهية إلا من جهله، ولم يعرفه حق معرفتة، والضروري لا ينتفي بشك ولا شبهة، وأيضاً لو كانت ضرورية لما أمكن الشياطين اجتيال العباد عنها، ولما كان لبعث الرسل ليدلوهم على النظر ويبينوا لهم طرقه فائدة، بل يكون عبثاً، قوله: اجتالتهم بالجيم: أي أدارتهم وصرفتهم تارة هكذا، وتارة هكذا، وواتر إليهم أنبياءه: أي جعل بين كل نبيين فترة، وقيل: ردفهم وتابعهم، والأوصاب: الأمراض.
ومن كلامه عليه السلام : (الحمد لله الذي لا تدركه الشواهد...) إلى أن قال: (الدال على قدمه بحدوث خلقه، وبحدوث خلقه على وجوده، وباشتباههم على أن لاشبه له). رواه في النهج، وهو نص في أنَّا لا نعرف قدمه ووجوده إلا بحدوث خلقه، ولا ننفي عنه مشابهة الخلق إلا باشتباههم، وهذا هو معنى النظر، وقد نص عليه السلام على أنه تعالى جعل حدوث الخلق واشتباههم دليلاً لنا، والدليل لا يحصل منه العلم بالمدلول إلا بالنظر، وكلامه عليه السلام في هذا المعنى كثير، وقد تضمن كتابنا هذا كثيراً منه.
احتج أهل المعارف بوجوه:
الوجه الأول: أنه لو كان العلم بالله تعالى نظرياً لجاز أن يختار أحدنا الجهل في الحالة الثانية من النظر؛ إذ من حق القادر على الشيء أن يكون قادراً على جنس ضده إذا كان له ضد، كما في مشي يمنةٍ ويسرةٍ، والمعلوم أنه لايقدر على اختيار الجهل في ثاني حال من أحوال النظر، وليس ذلك إلا لكون المعرفة ليست من فعلنا، وإذا لم تكن من فعلنا كانت ضرورية.
والجواب من ثلاث جهات:
أحدها: أنا نعارضهم بسائر الأنظار في المسائل الشرعية؛؛ إذ ليست ضرورية اتفاقاً، فما أجابوا به فيها فهو جوابنا هاهنا.
الثانية: أن امتناع اختيار الجهل؛ لأن العلم حصل بسبب موجب وهو النظر، والجهل يقع مبتدأ لاختيار الفاعل، وما كان حاصلاً عن سبب فهو أولى بالوجود؛ إذ حصول سببه يصيرهُ كالحاصل، وهذا مما لاشبهة فيه.
الثالثة: أن العلم ترتاح إليه النفس، ويميل إلى فعله الطبع، فكان وجوده أولى.
نعم: أما في الحالة الثالثة من النظر وما بعدها، فيصح من أحدنا اختيار الجهل بدلاً عن العلم؛ لأن العلم ليس بواجب الوجود حينئذ، وإنما يجدده الفاعل باختياره عند تذكره النظر المتقدم، وفي المعراج وقد ذهب أبو هاشم إلى أنه لا يصح اختيار الجهل مع حصول العلم من دون عارض، وقال أبو علي: يصح، ولا مانع من ذلك، وهذا الخلاف فيما إذا كان العلم مكتسباً،فأما إذا كان ضرورياً فالاتفاق على أنه لا يصح اختيار الجهل بمعلومه،واحتج ابن متويه لصحة ما قاله أبو هاشم بأن العالم من حقه أن يستمر على العلم إلا عند حدوث عارض، لاسيما والعلم مما يستروح إليه ويعد معدَّ المنافع، والعارض الذي يعرض من دون العلم ليس إلا ورود شبهة يختار المرء عندها الجهل.
قال الإمام عز الدين: وهذا الاحتجاج وإن صح فأكثر ما فيه أن العالم لا يدعوه الداعي إلى اختيار الجهل من دون شبهة ترد عليه، فلا يختاره مع عدم الشبهة لعدم الداعي،ولحصول الداعي إلى سكون النفس لما فيه من الاسترواح فأما أن يخرج القادر عن صحة فعل الجهل وعن قادريته عليه فلا،وإذا كان قادراً غير ممنوع صح منه فعله.
قال عليه السلام : إذا عرفت هذا فالأولى أن يقال: أما في الوقت الثاني من وجود النظر فلا يصح اختيار الجهل لما تقدم، ولعل أبا علي لا يخالف في ذلك، وأما من بعد ذلك وعند فعله للعلم ابتداءً غير موجب عن نظر، فيصح مطلقاً سواء وردت شبهة أو لم ترد، هذا من جهة القدرة، وإن لم تقع فلفقد الدواعي. والله أعلم.
الوجه الثاني: لأهل المعارف قالوا: لا يصح دخوله تحت التكليف؛ لأن المكلف إذا لم يعلم أن نظره صحيح مؤد إلى العلم لم يجز منه الإقدام عليه؛ إذ لايأمن أن يوقعه في خطر عظيم، ولأن الإقدام عليه والحال هذه كالإقدام على الجهل المطلق، والإقدام على الجهل، وما لا يؤمن قبحه قبيح، والتكليف بالقبيح لا يجوز، فثبت أن النظر لايصح أن يكون طريقاً إلى معرفة الله، وإذا لم يصح تعين أنه معلوم بالضرورة إذ لا واسطة تصح المعرفة بها.
والجواب: أنا نعارضهم بالتكسب فنقول: قد تقرر في العقول حسن تحمل المشقة لطلب الربح مع أن المسافر لايعلم ما يهجم عليه من نفع أو ضر، فما أجابوا به فهو جوابنا، ثم إنا لا نسلم أنا غير آمنين من الوقوع في الخطر، بل نحن آمنون من ذلك بدليل أن العقلاء يفزعون عند التباس الأمور إلى النظر، ويستحسنونه، بل يوجبونه في بعض الأحوال، وليس ذلك إلا لعلمهم بحسنه، وأنه يدلهم على الصواب.
قال السيد مانكديم: ولا يجب على المكلف أن يعلم أن نظره يؤديه إلى العلم كما لا يجب أن يعلم فيما يتصرف فيه من أحوال معائشه أنه يؤدي إلى المطلوب، بل يكفي أن يعلن على الجملة أن نظره حسن أو واجب، وأنه لو كان يؤدي إلى الجهل لم يحسن ولم يجب، قال: فعلى هذا الوجه يجوز أن يدخل تحت تكليفه، ولا يجب أن يعرف التفصيل الذي قالوه.
واعلم: أن هذا مبني على أن النظر قد يولد الجهل وسيأتي أنه لا يولد غير العلم، وعلى هذا فلا معنى لما ذكروه.
الوجه الثالث: قالوا: لو كان مكلفاً بالمعرفة لوجب أن يعرف صفتها من كونها مقدورة، وكونها اعتقاداً صحيحاً يقتضي إثبات الباري لوجوب كون المكلف عارفاً بصفة ما كلفه، وإلا كان من التكليف بما لايعلم، والمعلوم أنه حال النظر غير عارف، ولو حصلت المعرفة لم تكن مقتضية لسكون النفس؛ لأنها لا تكون إلا ظناً واتفاقاً.
فإن قلتم: هو يعلمها.
قلنا: لو علمها لم يكلف طلبها؛ لأنها هي المطلوب وقد حصلت، فثبت أن التكليف بالمعرفة لا يحسن، إما لأنه من التكليف بما لا يعلم، أومن طلب تحصيل الحاصل.
والجواب من وجوه:
أحدها: المعارضة بما عدا المعارف الإلهية من العلوم النظرية، فما أجابوا به فهو الجواب.
الثاني: ذكره ابن الملاحمي وهو أنه لا يعتبر في العلم بما كلفنا إلا معرفة جنس ذلك المكلف به، وأنه مقدور لنا، ولا يعتبر معرفة عينه، وأنه مقدور لنا، ونحن نعلم أن العلم جنس متميز عن غيره من الأجناس مقدور لنا يحصل لنا معه سكون النفس، وهذا كافٍ.
الثالث: أنه يعلم ماهية المعرفة تصوراً وإن كانت معدومة، وهو مكلف بتلك الماهية المتصورة في ذهنه.
الرابع: ذكره الغزالي وهو أن المكلف لا يكلف بمعرفة الله حتى يحصل له أولاً معرفة، ثم يكلف بالمعرفة بعدها، فأما أول الأمر فلا يكلف إلا بالنظر.
قلت: وفيه نظر؛ لأنه إن أراد بالمعرفة الأولى معرفة الله كان تكليفه بطلبها ثانياً من طلب تحصيل الحاصل، وإن أراد معرفة غيرها، فلا دليل عليها.
الخامس: وهو معتمد أصحابنا أن الواجب إذا كان له سبب يوجبه وعلم المكلف ذلك السبب صار كما لو علم المسبب؛ إذ المقصود الإتيان بالمسبب، وذلك ممكن إذا عرف سببه، وهذه المسألة من هذا القبيل فإن النظر سبب في المعرفة وهو معلوم متميز لنا، فتكون معرفته قائمة مقام العلم بالمعرفة؛ لأن الإتيان بها مع معرفته ممكن كما يمكن إذا عرفناها نفسها.
الوجه الرابع: أنه لا مشقة في المعرفة، بل يحصل بها الاسترواح لما فيها من الطمأنينة، وزوال الشك، ولا بد في المكلف به من المشقة، فكيف قلتم بأن المعرفة مكلف بها؟
والجواب: أن المشقة في سببها وهو النظر، فإن قيل: إنما يتأتى هذا الجواب في العلم المسبب عن النظر، فأما الذي يجدده أحدنا حالاً بعد حال فلا سبب له حتى يقال المشقة في سببه.
قيل: المشقة حاصلة فيما يتصل به، وهو توطين النفس على دفع ما يرد عليه من الشبه.