الثاني: أن منها ماهو شرعي محض كالإمامة، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والمنزلة بين المنزلتين، ومنها ما تطابق فيه العقل والشرع كنفي الثاني، فإذا ثبت ذلك كان وجه وجوبها كالوجه في وجوب الواجبات الشرعية، وهو كونها ألطافاً في التكاليف العقلية العملية، فصح أن وجه وجوب جميع مسائل أصول الدين واحد وهي كونها لطفاً، فإن قيل: إذا لم تجب المعارف إلا لكونها وصلة إلى المطلوب الذي هو العلم باستحقاق الثواب والعقاب فلم أطلق كثير من المتكلمين القول بأنها ألْطَافٌ؟
فالجواب من وجهين:
أحدهما: ما روي عن قاضي القضاة من أنه ما من شيء من هذه المعارف إلا وله حظ في اللطف، ألا ترى أنه لو لم يعلم أن الله تعالى قادر لجوز أن لايقدر على عقابه مع استحقاقه لذلك، ولو لم يعلم أنه تعالى عالم لجوز أن لا يعلم أنه ممن يستحق العقاب وإن كان مستحقاً له، ونحو ذلك في سائر المسائل أو أكثرها.
قال الإمام عز الدين: وهو كلام حسن وإن منع منه أكثر المتأخرين، وصرحوا بأن اللطف ليس إلا العلم بالثواب والعقاب.
وثانيهما: أن تسميتها لطفاً على جهة المجاز من تسمية الشيء بما يؤدي إليه، وهي تؤدي إلى العلم باستحقاق الثواب والعقاب بمعنى أنه لايمكن إلا معها.
قال الإمام عز الدين: ولا يلزم تسمية النظر لطفاً؛ لأن المجاز لايقاس عليه، ولأنها سميت بذلك تفخيماً لها لتعلقها بذات الله تعالى، وصفاته، وعدله، وحكمته، ووعده ووعيده، ولا كذلك النظر.
قلت: وتسميتها لطفاً على جهة المجاز هو الظاهر من حكاية صاحب الغياصة عن المتكلمين، فإنه ذكر أن للطف على التحقيق على ما ذكره المتكلمون هو العلم بالثواب والعقاب، وأما مجرد المعرفة فلا حظ لها في اللطف، قال: ولهذا لو عرف العبد ربه ولم يعلم وعد الثواب، ولا وعيد العقاب لم يدعه شيء من ذلك إلى شيء من التكاليف، بل ربما وقع في نفسه أنه يعاقب على ذلك لإتعاب نفسه التي هي ملك غيره.
وأما الأصل الثاني، وهو أن تحصيل ما هو لطف للمكلفين بما كلفوه واجب، فدليله أن تحصيله يجري مجرى دفع الضرر عن النفس، فإنه إذا فعل الطاعة دفع عن نفسه ضرر العقاب، ولا يحصل فعل الطاعة إلا بعد معرفة المطاع، فكان تحصيل المعرفة واجباً؛ لأن وجوب دفع الضرر عن النفس معلوم ضرورة مظنوناً كان أو معلوماً، إلا أن وجه الوجوب في المعلوم هو كونه دفعاً للضرر، وفي المظنون هو الظن لدفع الضرر، فإن قيل: لم جعلوا تحصيل المعرفة جارياً مجرى دفع الضرر ولم يجعلوه دفع ضرر في نفسه؟
قيل: لأن الذي يدفع الضرر في الحقيقة هو فعل الطاعة وترك المعصية، ولذا لو حصلت المعرفة من دونهما لم يندفع الضرر، لكن لما يتم الفعل والترك إلا بعد المعرفة أجري تحصيلها مجرى دفع الضرر، وإنما قالوا إنه لايتم فعل الطاعة وترك المعصية إلا مع المعرفة؛ لأن المطيع من فعل ما أراده المطاع، والطاعة فعل ذلك مع القصد إلى طاعته، ولا يمكن القصد إلى طاعته إلا مع معرفته.
فإن قيل: ما الوجه في استواء الحال في المظنون والمعلوم؟
قيل: حكم العقل بذلك، فإنه لافرق عند العقلاء بين مشاهدة السم في الطعام، وخبر من يورث خبره الظن في وجوب الترك، وكذلك الأدوية فإنه يجب فعلها لظن الدفع، وذلك أمر موجود من النفس.
فإن قيل: لم قالوا إن وجه الوجوب في المظنون هو ظن الدفع ولم يجعلوه نفس الدفع كما في المعلوم؟
قيل: لأن الدفع غير مقطوع به إذا لم يكن الضرر معلوماً؛ إذ من الجائز أن لا يكون ثابتاً في نفس الأمر، والعلم بالوجوب فرع على العلم بوجه الوجوب، والظن في نفسه معلوم، فكان هو الوجه للعلم به دون الدفع، وإلى هنا انتهى الكلام على هذين الأصلين، وبثبوتهما يثبت أن معرفة الله واجبة، وأن وجه وجوبها كونها لطفاً.
فإن قيل: إذا كانت لطفاً فهلا وجب على الله فعلها؛ لأن اللطف يجب على المكلف -بكسر اللام- للمكلف -بفتحها- لإزاحة العلة مع أن الضروري أجلى وأقطع للشك، وقد مر أن اللطف إذا كان مقدوراً لله وجب فعله، وإذا فعله وجب أن يفعله على أبلغ الوجوه، وفعل المعرفة مقدور لله تعالى.
قيل: لو وجب عليه تعالى لفعله إذ لا يخل بواجب، ولعله قد علم أنه من فعلنا أبلغ، وقد ذكر الشيخ أبو عبد الله أن المعرفة إذا حصلها العبد بنظر و اكتساب كان إلى الثبات إلى ماهي لطفاً فيه، والتمسك به أقرب من أن ينالها بلاكد ولا كلفة، ومن شأن اللطف أن يجب على أبلغ الوجوه، ولا عبرة في كونه أبلغ بكونه أجلى، قال: ولمثل هذا فإن من يكتسب الأموال بكلفة ومشقة يكون تمسكه بها أقرب مِنْ تمسكِ من ينالها بإرثٍ أو نحوه مما لامشقة فيه.
واعلم: أنه قد روي في وجه وجوب المعرفة قول ثالث وهو أن وجه وجوبها قبح تركها وهو الجهل، والظن ونحوهما مما يمنع من وجودها كالشك وغيره، وهذا القول رواه السيد مانكديم عن أبي علي، وروي في وجه وجوبها قول رابع وهو أنه ورد بها الشرع، وهذا قول المجبرة، رواه عنهم الإمام عز الدين، وهو بناء على نفي الحكم العقلي، وقد مر إبطاله، وأما أبو علي فقد أبطل قوله هذا السيد مانكديم بأنه لايستقيم إلا لو لم يمكن الانفكاك عن القبيح إلا إلى المعرفة، فأما وهو يمكن الانفكاك عنه إلى غيرها بأن لايفعلها، ولا يفعل ما يضادها وهو الجهل وغيره، فلا يستقيم كلامه، وهذا يشبه قولنا في الصلاة أنه لايجوز أن يجعل وجه وجوبها قبح تركها من الزنا وغيره؛ لأن ذلك إنما يصح لو لم يمكن الاحتراز عن الزنا مثلاً إلابالصلاة، فأما وهو يمكن الانفكاك عن الأمرين جميعاً فلا، وحاصله أنه لايصح القول بأن وجه وجوب المعرفة ما ذكره أبو علي إلا إذا كانت المعرفة قد منعت من وقوع القبيح، ولا يكون ذلك إلا إذا لم ينفك عن المعرفة إلا إلى القبيح، والعكس، لكنه قد ينفك عن الأمرين جميعاً، فلا يصح جعل ما ذكره وجهاً في وجوبها.
قال الإمام عز الدين: اعلم أنه إذا ثبت أن للمعرفة تروكاً كثيرة لم يتأت على أصل أبي هاشم أن يكون وجه وجوبها قبح تركها؛ لأن عنده أن الواجب إذا كان له تروك كثيرة لم يقبح شيء منها، وإنما يقبح إذا كان له ترك واحد لا يمكنه الانفكاك من الواجب إلا إليه.
قيل: ومثاله أن يكون المكلف بين صفيحتين من حديد بينهما من الفرق ما يتسع لجسمه فقط، وهو قائم مستند الظهر إلى صفحة أخرى، واللبث هنالك واجب عليه، فإنه لا يمكنه فعل شيء يشتغل به عن الواجب، ويكون تركاً له إلا المشي أمامه لاغير، فأما إذا أمكن الانفكاك من الواجب، ومنه لم يقبح، وهذه حال المعرفة، وهذه التروك فإنه يمكن الانفكاك منها، ومن كل واحد على انفراده، فلا يقبح على ما قاله أبو هاشم، ولكن مذهب الجمهور: إن كل ترك للواجب اشتغل به عنه فهو قبيح، وإن أمكن الانفكاك عنه، وعن الواجب بأن يكون للواجب تروك غيره.
قال الإمام عزالدين: وقد روي الخلاف في المسألة على غير هذه الصورة، فقيل: إن كان الواجب المتروك لا يمكن فعله إلا بجارحة كالكلام، فإن تركه وهو السكوت يكون قبيحاً؛ لأنه فعل ما لايتم الكلام معه وهو السكوت، وإن كان يمكن فعل الواجب بجوارح كرد الوديعة فإنه يمكن ردها بجوارح ومن جهات، والفعل الذي يشتغل به عنها كذلك، فهاهنا وقع الخلاف، فقال أبو هاشم، وأبو عبد الله:لا يكون شيئٌ مما يشتغل به عن الرد قبيحاً، وقال أبو إسحاق، وقاضي القضاة: تقبح هذه التروك جميعها، وتكون بمنزلة الترك الواحد، هذا مع إجماعهم على استحقاق تارك الواجب للذم والعقاب على إخلاله به، سواء كان له ترك أو تركان أو تروك، وإنما الخلاف في الفعل الذي يشتغل به عن أداء الواجب هل يستحق عليه عقاباً أم لا.
قلت: وبما ذكرنا عن السيد مانكديم، وأبي هاشم تعرف ضعف قول أبي علي، فإن قيل: إن مذهب أبي علي أن التروك أفعال، وأنه لا يمكن القادر بقدرة الخلو عن فعل الشيء، وفعل ضده فمن لم يفعل المعرفة فقد فعل ضداً لها، وهو المسمى تركها، فيكون الترك قبيحاً حقيقة، وأنتم تقولون: أن الترك كالقبيح من حيث أنه جهة كافية في استحقاق الذم، وإذا كان كذلك فقد صار أحدنا لاينفك عن المعرفة إلا إلى ما يستحق به الذم.
قيل: أما قوله إن الترك فعل، فغير مسلم، فقد أبطل الجمهور قوله أن القادر بقدرة لا يخلو من فعل الشيء وفعل ضده، بأن أحدنا قد لا يريد تصرفات الناس في الأسواق ولا يكرهها، فقد خلا عن الشيء وضده، لايقال أنه لا يخلو عنهما إلا إلى ثالث، وهو الإعراض؛ لأنا نقول الإعراض ليس بمعنى؛ إذ لا يوجد من النفس ولا دليل عليه، وأما قوله إن الترك كالقبيح...إلخ.
فجوابه: أنه وإن كان كذلك، فإنا نقول إنما يكون عدم فعله للمعرفة كالقبيح إذا ثبت وجوبها، فلا يصح جعله وجهاً في وجوبها؛ لأنه دور.
قال في المعراج: واعلم أن لأبي علي مذهباً آخر في وجه وجوب المعرفة، وهو أنها وجبت لدفع ضرر العقاب.
قلت: إن أراد أنها جارية مجرى دفع الضرر كان كقول القائلين بأن وجه وجوبها كونها لطفاً، وإن أراد أنها دفع للضرر ورد عليه ما مر من أن الذي يدفعه فعل الطاعة، وترك المعصية.
تنبيه: [في وجه وجوب المعرفة وكونها لطفاً]
ظاهر قول القائلين بأن وجه وجوب المعرفة كونها لطفاً للمكلفين فيما كلفوه العموم، وهو أنها لطف في كل تكليف عقلي، أو شرعي، وليسوا كذلك، وإنما تسامحوا في العبارة، وإلا فليس مرادهم إلا أنها لطف في التكاليف العقلية العملية فعلاً كقضاء الدين، وتركاً كرد الوديعة، فأما التكاليف الشريعة فليست لطفاً فيها؛ لأن من حق اللطف أن يكون زائداً على التمكين، والشرعيات لا يمكن تأديتها إلا بعد المعرفة، فإن من المعلوم أن عبادة من لايعرف غير ممكنة، وكذلك ليست بلطف في التكاليف العقلية العلمية كمسائل أصول الدين للوجه الذي ذكرنا (وقيل): بل العبارة على ظاهرها من العموم، وذلك أن للمكلف في معرفته تعالى حالتين:
إحداهما: في ابتداء التكليف كأول علمه بالله تعالى، وما يلي ذلك إلى وقت إمكان الشرعيات فاللطف في هذه الحال لا يكون إلا في التكاليف العقلية العملية.
الحالة الثانية: ما بعد ذلك كالحالة التي يجدد فيها العبد المعرفة بالله بعد معرفة الشرعيات، وإمكان ذلك فالمعرفة المتجددة لطف في جميع التكاليف؛ لأن المكلف قد صار متمكناً من معرفة جميع التكاليف، فيصح إجراء العبارة على العموم نظراً إلى هذه الحال، وقد يقال اللطف في التحقيق العلم بالثواب والعقاب، أو باستحقاقهما كما مر، والعلم بذلك لطف في التكاليف الشرعية، كما في العقلية العملية، ومعرفة الله لم نجعلها لطفاً إلا لكونها وصلة إلى اللطف الحقيقي، فيصح جعلها لطفاً في العقلية العملية، وفي الشرعيات بهذا الاعتبار. والله أعلم.
الموضع الثاني: في أن معرفة الله ليست ضرورية، فالذي عليه الجمهور أن الله تعالى لايعرف ضرورة في دارالتكليف، وخالف في ذلك أهل المعارف وهم أبو علي الإسواري، والجاحظ، وغيرهما، فهؤلاء قالوا: المعارف ضرورية كما مرت الحكاية عنهم، ثم اختلفوا، فمنهم من قال: أن المعرفة تحصل إلهاماً فلا يجب النظر أيضاً وهو قول الإسواري ومن تابعه، ومرادهم بالإلهام أنها واقعة لا لأمر ولا عند أمر، وإنما هي كالبديهيات، ومنهم من قال: بوجوب النظر؛ لأنه شرط اعتيادي يفعل الله تعالى المعرفة عنده، وهذا مذهب الجاحظ، واختاره صاحب الجوهرة، وروي عن المؤيد بالله، والإمام يحيى بن حمزة أن المعرفة قد تحصل ضرورة في الدنيا لبعض المكلفين كالأنبياء، والأولياء، وحكي مثله عن الفقيه حميد بن أحمد المحلي، ورواه في البدر الساري عن الإمام عز الدين، وفي حواشيه عن الهادي بن إبراهيم، والإمام محمد بن القاسم، والقاسم العياني، ورجحه الشرفي، ورواه عن الإمامين، وقيل: العلم الجملي حاصل ضرورة، فإنا نعلم ضرورة أن المطر لا بد له من منزل، وأن السحاب لابد له من منشئ، وأن النبات لا بد له من منبت.
وأما التفصيلي: فلا يحصل إلا دلالة، وهذا المذهب مال إليه الفقيه حميد أيضاً فيكون له قولان، وحكى الإمام يحيى عن الصوفية القول بأن المعرفة تحصل بالتصفية للنفس عن العلائق الجسدانية، والهيئات البدنية، فمتى خلت عن هذه الأمور حصلت لها عقائد يقينية.
واعلم: أنه قد مر في الفاتحة ذكر الخلاف في هذا الموضع، إلا أنه غير مستوفى، ولا مدلول عليه بالدليل العام، فلهذا أعدنا ذكره هنا.
احتج الجمهور بوجوه:
أحدها: أن هذه المعارف تحصل بحسب نظرنا على طريقة واحدة مستمرة، فيجب أن تكون متولدة عن النظر، وإذا كانت كذلك فالنظر من فعلنا، فيجب أن تكون المعارف من فعلنا؛ لأن فاعل السبب فاعل المسبب، وإذا كانت من فعلنا لم يجز أن تكون ضرورية؛ لأن الضروري هو ما يحصل فينا بغير اختيارنا، فإن قيل: فيلزمكم في اللون الحاصل عند الضرب أن يكون من فعلكم لحصوله بحسب فعلكم الذي هو الضرب.
قيل: قد مر الجواب عن هذا السؤال في الاستعاذة، وتحريره: أن هذا اللون ليس بحادث عن الضرب، وإنما هو لون الدم انزعج بالضرب؛ لأن الدم كان مستوراً بين أجزاء اللحم فوقع بالضرب افتراق تلك الأجزاء فجرى الدم ورؤي من تحت البشرة العلياء لرقتها، ومما يدل على ذلك أنه لو ضرب الجماد، أو الجسم الثخين لما ظهر اللون مع احتمالهما للألوان.
قال الإمام عز الدين: وقد جرى لأبي هاشم أنه لا يمتنع أن يكون هذا اللون حادثاً بمجرى العادة، أما أبو القاسم ومن تبعه فقد جعلوه متولداً عن الضرب من فعل الضارب، فلا يرد عليهم هذا السؤال.
فإن قيل: وما دليلكم على أن فاعل السبب فاعل المسبب حتى يصح لكم هذا الوجه؟
قيل: دليلنا أن المسبب يقف على اختيار فاعل السبب بواسطة السبب، وإن فاعل السبب يمدح ويذم على المسبب.
الوجه الثاني: أنها تقع بحسب قصودنا ودواعينا، وتنتفي بحسب كراهتنا وصوارفنا، فيجب أن تكون من فعلنا، وهذا هو أصل دليلنا في أفعال العباد كما مر، فإن قيل: فيلزمكم أن يكون العلم بمخبر الأخبار المتواترة من فعل المخبرين لأنه حاصل بحسب قصدهم، ودواعيهم، وواقف على اختيارهم.
قيل: لا يلزمنا ذلك؛ لأن الذي وقف على اختيارهم ووقع بحسب قصدهم هو الإخبار لا العلم فهو من جهة الله تعالى بخلقه فينا عند خبرهم، ولو وقف العلم على اختيارهم لوجب حصوله عند كل خبر بأن يختاروه، وأن لا يحصل إن لم يختاروه.
الوجه الثالث: أنه يلزم أن يكون العادم للمعرفة معذوراً، و هذا الوجه قد تقدم ذكره في الثالثة من مسائل قوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ...} الآية[البقرة:8].
الوجه الرابع: لو كان العلم بالله ضرورياً لكان بديهياً لتعذر ما عداه من الضروريات، وتحقيق هذا الوجه أن العلوم الضرورية تنقسم إلى ما يحصل لا عن طريق،وإلى ما يحصل عن طريق،الأول البديهي،والثاني إما أن تكون طريقه المشاهدة،أو الأخبار المتواترة، أو الخبرة، أو التجربة، ولا يجوز أن تكون طريق علمنا بالله تعالى المشاهدة لما سيأتي من أنه تعالى لا تجوز عليه الرؤية، ولا الخبرة، ولا التجربة لأنه لا بد من تقدم المشاهدة في حصول العلم عن الخبرة فلم يبق إلا أن يكون بديهياً، وهو باطل؛ إذ البديهيات مما يجب اشتراك العقلاء فيها؛ لأنه من كمال العقل، ومعلوم أنهم مختلفون في الباري تعالى، فمنهم من نفاه، ومنهم من أثبته، واعترضه الإمام عز الدين بأن قال: لانسلم أنه يجب في كل علم بديهي أن يشترك العقلاء فيه، ولا أن كل البديهيات من كمال العقل فإن العلم بأن زيد هو الذي شاهدناه من قبل بديهي؛ إذ ليس بحاصل عن طريق، وليس من علوم العقل، ولا يجب اشتراك العقلاء فيه، فهلا كان العلم بالله بديهياً ولا يجب اشتراك العقلاء فيه.
قلت: في كلام ابن متويه ما يدل على أن نحو العلم بأن زيداً هو الذي شاهدناه من قبل قسم برأسه معدود من كمال العقل، وذلك أنه قال بعد أن ذكر زوائد على علوم العقل العشرة، وعدها من علوم العقل ما لفظه: ويجب أن يثبت ولده، أو صديقه، وقد صحبهما، وعاشرهما الدهر الطويل إذا غابا عنه ثم رآهما.
الوجه الخامس: أن الله تعالى قد مدح العلماء في غير موضع من القرآن، وأمر بالمعرفة في قوله تعالى: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ}[محمد:19] وذلك يقتضي أن المعرفة من فعلنا؛ إذ لا يمدح أحد على فعل غيره، ولا يأمر الله بما لايطاق، وفي السنة النبوية من الأخبار الدالة على وجوب طلب العلم عموماً، وعلى جوب معرفة الله خصوصاً شيء يعجزنا حصره، وهو يدل على أنا مكلفون بالمعرفة، والتكليف بها لا يجوز إلا إذا كانت من فعلنا، وفي ذلك إبطال كونها ضرورية.
من ذلك ما رواه المرشد بالله في الأمالي قال: ثنا أبو نصر الفرحان الشافعي، أنا عبد الكريم بن أحمد بن محمد الدراوردي، أنا جدي، أنا أحمد بن محمد الأعرابي، ثنا الحسن بن علي الزعفراني، ثنا الحسن بن عطية، عن ابن عاتكة، عن أنس قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((اطلبوا العلم ولو بالصين فإن طلب العلم فريضة على كل مسلم)).
الفرحان هو: ابن أحمد الفرحان أبو نصر الشافعي القزويني.
وعبد الكريم بن أحمد هو: الشيرازي الدراوردي، وهو ابن بنت بشر الحافي، وجده هو أبو عبدالله محمد بن جعفر.
وأما الأعرابي فهو: أحمد بن محمد بن زياد.
قال في الطبقات: هو اسم أبي سعيد الأعرابي، راوي سنن أبي داود عن إبراهيم بن أحمد، وعنه أحمد بن موسى.