قلت: ولقائل أن يقول كون الطاعات شكراً لايمنع من استحقاق العبد للثواب على الله تعالى بحيث أنه يقبح الإخلال به؛ لأنه تعالى لما ألزمهم أن يشكروه بما فيه عليهم مشقة كان لهم عليه من الحق الجزاء الجزيل على تلك المشقة، وإلا لكان في تكليفهم إياها جور وظلم؛ لأنه كان يمكنه أن يستوفي ما يجب له عليهم من الشكر من دونها كما مر، وهذا هو الظاهر من كلام أمير المؤمنين عليه السلام ، ومشاهير أئمة العترة، وقد مر من كلامه عليه السلام مايدل على ذلك في العاشرة من مسائل الحمد لله، وفيه تصريح بوجوبه عليه تعالى، وذكر الهادي عليه السلام ذلك في البالغ المدك، وقد مر بعض كلامه في الرابعة من مسائل قوله تعالى: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ}[الفاتحة:4] وقال الإمام أحمد بن سليمان عليه السلام : الجزاء إتمام العدل ونظامه قال: ولولا ذلك لكان خلق الدنيا، وما فيها عبثاً تعالى الله عن ذلك، ذكره في الحقائق وصرح فيها بأنا نعلم علماً عقلياً ضرورياً أن العدل الحكيم سيحدث داراً للجزاء يثيب فيها المطيعين، ويعاقب فيها العاصين.
وقال عليه السلام : (اعلم أن جزاء العمل موجب والزيادة على الجزاء فضلٌ من الله تعالى ورحمة فصرح بوجوب الجزاء مع أنه يقول بأن الطاعات شكر، واستدل على أن الجزاء واجب بحديث ابن عمر مرفوعاً: ((الأعمال عند الله سبعة، عملان موجبان...)) الخبر ذكره في الحقائق، وهو في أمالي أبي طالب مسنداً.
قال: أخبرنا محمد بن بندار، ثنا الحسين بن سفيان، ثنا إبراهيم بن يعقوب، ثنا سعد بن سليمان ثنا يحي بن المتوكل، ثنا عمر بن محمد عن ابن دينار، عن ابن عمر قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((الأعمال عند الله سبعة عملان موجبان، وعملان بأمثالهما، وعمل بعشرة أمثاله، وعمل بسبعمائة، وعمل لايعلم ثوابه إلا الله، فأما الموجبان فمن لقي الله يعبده مخلصاً لايشرك به شيئاً وجبت له الجنة، ومن لقي الله قد أشرك به وجبت له النار،ومن عمل سيئة جزيَ مثلها، ومن أراد أن يعمل حسنة ولم يعمل بها جزيَ مثلها،ومن عمل حسنة جزي عشراً،ومن أنفق ماله في سبيل الله ضوعفت له نفقته الدرهم بسبع مائة والدنيار بسبعمائة، والصيام لايعلم ثواب عامله إلا الله تبارك وتعالى)) ونقل في البدر الساري عن جماعة من قدماء العترة" القول بوجوب الثواب مع القول بأن التكاليف شكر، منهم: علي عليه السلام ، وفاطمة الزهراء، والقاسم، والهادي، والمرتضى، وصرح في الأساس بأن الثواب والعقاب يستحقان عقلاً، وهذا هو معنى الوجوب، فثبت بما قررنا أن كون التكاليف شكراً لا يمنع لوجوبه، كما أن كونها لطفاً لا يمنع ذلك عند القائل بها مع أنها عندهم في مقابلة النعم كما مر، وقد أورد القرشي على القائلين بأنها ألطاف مع القول بأنها لأجل الإنعام بأصول النعم السابقة إلزام عدم استحقاق الثواب، وأجاب عنه بأنه إذا كانت نعمة الله تعالى السابقة من قبيل التفضل، ثم كلفنا الشاق ولم يجبره بنفع صارت هذه العبادة في مقابلة تلك النعم فخرجت عن كونها نعما متفضلاً بها، وصارت كتقديم أجرة الأجير على عمله، ثم قال: وعلى الجملة إذا جعل التكليف شاقاً فلا بد وأن يجبره بنفع، وإلا فقد كان يمكنه تأدية شكره من دون مشقة بأن لايخلق شهوة القبيح ونفرة الحسن كما في أهل الجنة، وهذا الجواب الأخير -أعني قوله وعلى الجملة إلى آخره- هو الذي استحسنه الإمام عز الدين، وأما الأول فقال: فيه تكلف لاحاجة
إليه، ومقصودنا من إيراد هذا الجواب الاستدلال به على أن كون العبادة شكراً لاينافي وجوب الثواب. والله أعلم.
المسألة السادسة [التعليق على لفظة {اعبدوا}]
قوله: {اعبدوا} ورد مطلقاً، وقد اختلف العلماء في الأمر إذا ورد بمطلق كهذه الآية فإن الأمر فيها بالعبادة ورد مطلقاً من دون تعيين لعبادة مخصوصة هل المطلوب الجزئي المطابق للماهية؟ أم الماهية نفسها؟ فذهب أصحابنا، وأكثر الفقهاء، وابن الحاجب إلى أن المطلوب الفعل الجزئي الممكن المطابق للماهية المشتركة بين الجزئيات لا الماهية نفسها، وقال بعض الشافعية: بل الماهية هي المطلوبة، والأمر إنما تعلق بها لابشيء من جزئياتها.
احتج الأولون بأن الماهية يستحيل وجودها في الأعيان، وذلك يوجب امتناع طلبها؛ لأنها لو وجدت فالموجود إما هي فقط، ويلزم وجود الأمر الواحد بالشخص في أمكنة مختلفة، واتصافه بصفات متضادة وهو محال، وتحقيقه أن الموجود الخارجي متميز عن غيره تميزاً يمنع وجود الشركة فيه،فلو وجدت الماهية في الخارج لكانت كذلك مع أنها مشتركة بين الأفراد،متمكنة في أماكن مختلفة، ومتصفة بصفات متضادة فيلزم المحال المذكور.
قال ابن الحاجب: ويلزم أن تكون كلياً جزئياً وهو محال، ويعني به أنها من حيث كونها موجودة تكون مشخصة جزئية، ومن حيث أنها الماهية الكلية تكون كلية وهو محال، أو يكون الموجود هي مع أمر آخر زائد عليها، فإن اتحد وجودهما فإما أن تقوم بكل واحد منها، أو بالمجموع، وعلى أيهما يلزم المحال.
أما الأول: فلأنه يلزم قيام الشيء الواحد بمحلين.
وأما الثاني: فلأنه يلزم منه أن لايكون كل منهما موجوداً وإنما الموجود المجموع، ووجود الكل بدون الإجزاء محال، وإن تعدد وجودهما لم يمكن حملها على المجموع أي الإخبار بها عنه مع أنه ممكن، فإنه يقال زيد حيوان.
فإن قيل: وما الدليل على أن التعدد يمنع الحمل؟
قيل: لأن الموجودات الخارجية المتغايرة إذا اجتمعت لم يمكن أن يقال: إن هذا المجموع هو أحدها كأن يقال هذا المجموع من الزاج والعفص هو الزاج، أو العكس كأن يقال: هذا الزاج هو المجموع منه ومن العفص.
احتج الآخرون بأن المطلوب مطلق، والجزئي مقيد، والمطلق لايدل على المقيد، فوجب أن يكون المطلوب هو المشترك وهو الماهية، وأجيب بأنا قد بينا استحالة طلب الماهية، وطلب الشيء يتوقف على إمكانه إما لأن طلب المحال قبيح كما هو مذهب المعتزلة، وإما لأن طلب الشيء يتوقف على تصوره، وتصوره فرع إمكانه.
قال في شرح الغاية: على أنا لانسلم عدم استلزام المطلق للمقيد فيما نحن فيه؛ لأن من لوازم الماهية طلب فرد منها لاستحالة وجودها في الخارج من دون فرد بالإجماع، إذا عرفت هذا فالمطلوب من قوله: {اعبدوا} إيجاد فعل ممكن لاماهية العبادة، لكنه يقال: هل تدل هذه الصيغة على الأمر بكل عبادة أم لا؟ اختار الرازي أنها لا تدل؛ لأن المعنى أدخلوا هذه الماهية في الوجود، فإذا أتوا بفرد من أفراد الماهية فقد أدخلوها في الوجود لاشتمال الفرد عليها، فيخرجون عن العهدة بالإتيان بالفرد.
قلت: وهذا مع عدم القرينة المقتضية للتعدد، فأما هنا فالقرينة الدالة على تعدد العبادات وتقررها معلومٌ كتاباً وسنة.
وأما الرازي فقد جعله من الأمر المعلق على علة، وهو يتكرر بتكررها اتفاقاً، وحاصل كلامه أن الأمر بالعبادة إنما كان لأجل كونها عبادة؛ لأن ترتب الحكم على الوصف يشعر بعلية الوصف، لاسيما إذا كان الوصف مناسباً كما هنا، فإن كون العبادة عبادة يناسب الأمر بها لأنها تعظيم لله وخضوع له، وكل ذلك مناسب في العقول، وإذا ثبت أن العلة ذلك وجب في كل عبادة أن تكون مأموراً بها؛ لأن العلة إذا حصلت وجب حصول الحكم لا محالة.
قلت: ولقائل أن يقول: لانسلم أن وجه شرعية العبادة كونها عبادة، بل هو باطل من وجوه:
أحدها: أنه لا دليل عليه.
الثاني: أن الله تعالى إنما كلفنا ليعرضنا على الخير ولو كان الأمر كما ذكره لم يكن التكليف إلا لكونه عبادة فقط، وذلك باطل؛ لأنه لو كان كذلك لكان ظلماً وعبثاً لأن التكليف شاق، والمعلوم أن الباري تعالى لا ينتفع بتكليفنا الشاق، وإذا كان لمجرد كونه عبادة لزم أن لا نفع لنا فيه، فيكون ظلماً، وعبثاً لمشقته من دون فائدة، وكلاهما قبيح لايجوز من الله تعالى فعله.
الثالث: أنه قد ثبت بما مر أن وجه وجوب الواجبات كونها شكراً، أو ألطافاً على الخلاف بين العدلية، وفي ذلك إبطال كون الوجه كونها عبادة، اللهم إلا أن يقال لم يرد بكون العلة ما ذكره مجردة، بل مع كونها مسببة عن النعم السابقة، فتكون شكراً، أو جارية مجرى الشكر، وقد أشار إلى هذا فيما حكيناه عنه قريباً، لكن أصولهم تأباه؛ لأن مسألة وجه شرعية التكاليف مؤسسة على مسألة الحسن والقبح العقلي، وهم ينفونها، وقد مر أن قوله إن النعم إذا كانت سبباً في وجوب العبادة لم يجب الثواب إنما هو على سبيل الإلزام. والله أعلم.
المسألة السابعة [وجوب النظر]
قيل: في هذه الآية دليل على وجوب النظر؛ لأنه تعالى أردف الأمر بالعبادة بما يدل على وجود الصانع، وهو خلق المكلفين وما ذكر بعده، وذلك يدل على أنه تعالى لايعرف إلا بالنظر والاستدلال؛ إذ لو كان معلوماً ضرورة لما كان لذكر ذلك فائدة.
واعلم: أن مسألة وجوب النظر مسألة عظيمة في المعارف الإلهية، ولأجل ذلك جعلنا الكلام عليها في أربعة مواضع؛ إذ لايحصل العلم بها على وجه لايبقى معه شك ولاشبهة إلا بذلك:
الموضع الأول: في أن معرفة الله واجبة.
الثاني: أنها ليست ضرورية.
الثالث: أن التقليد فيها لا يجوز، وأن الظن لايكفي.
الرابع: في أدلة وجوب النظر.
[المعرفة]
الموضع الأول: في أن معرفة الله تعالى واجبة، فالذي عليه الجمهور من العدلية، وأكثر فرق الإسلام: أنه يجب على كل مكلف أن يعلم الله تعالى على الجملة، وما يجب له، وما يستحيل عليه، وما يحسن منه ويقبح، والخلاف في ذلك لأهل المعارف وهم القائلون بأن المعارف ضرورية، وسيأتي الكلام عليهم في الموضع الثاني، فهؤلاء قالوا: لا تجب علينا المعرفة على الإطلاق لا في الدنيا ولا في الآخرة؛ لأنها من فعله تعالى فهي غير داخلة في التكليف، وحكى عنهم في سائر مسائل أصول الدين المتعلقة بالتوحيد، والعدل، والوعد، والوعيد مثل ذلك، هذا وبينهم في كونها ضرورية ضرب من الاختلاف، وسيأتي تحقيقه، ومن الخلاف في ذلك القول بجواز التقليد في المسألة، وكذلك القول بأن الظن كاف فيها، وسيأتي ذلك كله، واختلف القائلون بالوجوب في وجهه، فقال الإمام القاسم بن محمد، وحكاه الشرفي، وابن لقمان عن قدماء أهل البيت، وهو في البدر الساري عن عامة الآل: إن وجه وجوب المعرفة لأجل القيام بواجب شكره تعالى على نعمه، وهو قول أبي علي، ورواه في البدر الساري عن البغدادية، وتوضيح هذا الدليل أنه قد ثبت بالعقل وجوب شكر المنعم، وجهل المنعم سيلزم الإخلال بشكره؛ لأن توجيه الشكر إلى المنعم مترتب على معرفته ضرورة، والإخلال بالشكر قبيح عقلاً، فوجبت المعرفة لذلك، واعترضه السيد مانكديم بأن شكر الله لا يجب إلا بعد معرفته، ومعرفة أنه قصد وجه الإحسان، وشبه ذلك بمن اجتاز بحياض، أو نحوها فشرب من مائها فإنه لا يجب عليه أن يعرف بانيها ليشكره، بل إن عرف أنه قصد بها وجه الإحسان شكره، وإلا فلا، فكذلك في هذه المسألة إن عرف الله وعرف أنه قصد بهذه المنافع الإحسان شكره، وإلا فلا.
قال القرشي: وإن وجب الشكر أمكن تأديته مشروطاً وإن لم تحصل معرفته، وقال السيد مانكديم، والإمام المهدي: بل إنما وجبت المعرفة لكونها لطفاً، وهو قول سائر المعتزلة، ورجحه السيد العلامة محمد بن عز الدين المفتي، ورواه عن المؤيد بالله.
وهذا الدليل مبني على أصلين:
أحدهما:أن المعرفة لطف للمكلفين في القيام بما كلفوه.
الثاني: أن تحصيل ما هو لطف بهذه الصفة واجب، أما الأصل الأول فيدل عليه أن اللطف ما يكون المكلف عنده أقرب إلى أداء الواجب، وترك القبيح، ومعرفة الله بهذه المثابة، فإن المعلوم أن المكلف إذا عرف أن له صانعاً إن أطاعه أثابه، وإن عصاه عاقبه كان أقرب إلى فعل ما كلف به.
قال السيد مانكديم:واللطف عند التحقيق هو العلم باستحقاق الثواب والعقاب؛ لأنه هو الذي يدعو ويصرف، لكنه لما ترتب على العلم بالله بحيث لايتم إلا به عد العلم بالله لطفاً،وحكى في الغياصة عن كثير من المعتزلة،والزيدية: أن اللطف في التحقيق هو العلم بالثواب والعقاب، ثم قال: والأولى أن يقال إن اللطف في الحقيقة ليس هو الثواب والعقاب، ولا العلم بهما، وإنما هو كون هذا الفعل، أوهذ الترك مما يستحق بفعله أو تركه ثواباً أو عقاباً كما صرح به القرشي.
قلت: الذي صرح به القرشي هو العلم ولفظه: اللطف في الحقيقة هو العلم بأن هذا الفعل مما يتحقق عليه الثواب والعقاب؛ لأنه الذي يدعو ويصرف.
قال الإمام عز الدين: إنما لم يجعل اللطف العلم باستحقاق الثواب والعقاب كما ذكره السيد الإمام؛ لأنه قد اعترض بأن من أصولكم بأن اللطف إذا كان معلوماً فاللطف نفس المعلوم، وإن كان مظنوناً فاللطف نفس الظن؛ إذ المظنون قد يكون لا ثبوت له فكان الظن اللطف، فيلزم على هذا الأصل أن يكون اللطف نفس الثواب والعقاب لأنهما معلومان، ولايصح أن يكون لطفاً لتأخرهما عن فعل المكلف به، ومن حق اللطف التقدم على الملطوف فيه، فحينئذ جعل اللطف ماذكره، ولايلزم عليه مالزم على جعله العلم باستحقاق الثواب.
قلت: إلا أنه لم يظهر لي الفرق بين قول السيد مانكديم، بأنه العلم باستحقاق الثواب والعقاب،وبين قول هؤلاء بأنه العلم بكون هذا الفعل مما يستحق عليه ذلك، فلا يرد هذا الاعتراض على السيد، وإنما يرد على من قال بأن اللطف هو العلم بالثواب والعقاب، وإنما ورد عليهم لما مر من تأديته إلى كون اللطف متأخراً عن الملطوف فيه، وأما العلم بالاستحقاق فليس بمتأخر. فتأمل.
وبما قررنا ثبت أن المعرفة إنما سميت لطفاً؛ لأن العلم بالاستحقاق لايتم إلا بمعرفة المثيب والمعاقب،فسمي الجميع لطفاً،فإن قيل:إذا كان الوجه في تسمية المعرفة لطفاً كون العلم بالاستحقاق لايتم إلا بها،فما تقولون فيما لايتوقف العلم باستحقاق الثواب والعقاب عليه من المعارف كنفي الرؤية، ونفي الثاني،ومسألة الإمامة،والشفاعة، وغيرها من مسائل أصول الدين؟
قيل: قد أجيب عن هذا من وجهين:
أحدهما: أن نقول لكل واحدة من تلك المسائل حظ في الدعاء والصرف فتكون ألطافاً، ولا نسلم قول من يقول إن اللطف ليس إلا مجرد العلم باستحقاق الثواب والعقاب.