واعلم: أنهم قد استدلوا على أن الوجه في وجوب العبادات كونها لطفاً من السمع، بآيات منها: قوله تعالى: {إِنَّ الصَّلاَةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ}[العنكبوت:45] ووجه الاستدلال بها أنه تعالى عقب الأمر بها ببيان فائدتها، وهو النهي المذكور، وليس ذلك إلا لكونها مسهلة لترك القبيح فكأنها ناهية عنه، وهذا هو معنى اللطف، وإذا ثبت في الصلاة ثبت في غيرها من الواجبات؛ إذ لافارق، وفي معناها من السنة مارواه أبو طالب في أماليه قال: حدثنا أبو سعيد عبيد الله بن محمد الكرخي، قال: حدثنا أحمد بن يوسف بن خلاد، قال: حدثنا الحارث بن محمد بن أبي أسامة، قال: حدثنا أبو النظر، قال: ثنا بكر بن قيس، عن محمد القرشي، عن ربيعة بن يزيد، عن أبي إدريس الخولاني، عن بلال، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((عليكم بقيام الليل فإنه دأب الصالحين قبلكم، وإن قيام الليل قربة إلى الله، وتكفير للسيئات، ومنهاة عن الإثم، ومطردة لداعي الحسد)).
الكرخي وشيخه لم يبين حالهما في الجداول؛ إلا أنه قال: إن وفاة ابن خلاد سنة تسع وخمسين وثلاثمائة، وقالوا: هو النصيبيني.
وأما الحارث فهو: ابن محمد بن أبي أسامة داهر، أبو محمد التميمي الحافظ البغدادي، صاحب المسند، وثقه إبراهيم الحربي، وأبو حاتم، وابن حبان، وقال الدارقطني: صدوق، وقال في الميزان: تكلم فيه بلاحجة.
قال علامة العصر:عداده في ثقات محدثي الشيعة، روى حديث المناشدة عن أبي الطفيل.
توفي سنة اثنتين وثمانين ومائتين، روى له أبو طالب، والمرشد بالله، وولداه: الموفق بالله، والنرسي.
وأما بكر فهو: ابن حبيش الكوفي، ثم البغدادي، قال ابن عدي: هو ممن يكتب حديثه، وفي رواية عن ابن معين: شيخ صالح لابأس به، مات في عشر الثمانين بعد المائة.

روى له المرادي، والناصر، وأبو طالب، والموفق بالله، والمرشد بالله، والحديث في الجامع الصغير، ونسبه إلى أحمد، والترمذي، والحاكم، والبيهقي في السنن عن بلال، وإلى الترمذي، والحاكم، والبيهقي عن أبي أمامة، وإلى ابن عساكر عن أبي الدرداء، وإلى الطبراني في الكبير عن سلمان، وإلى ابن السني عن جابر.
قال العزيزي: وهو حديث صحيح، إلا أن لفظ الجامع: ومطردة للداء عن الجسد بالجيم، ومعناه أنه قربةٌ تطرد الداء عن أجسادكم كما ذكره الشارح، وفي أمالي المرشد بالله أخبرنا ابن ريذة، أنا الطبراني، ثنا بكر ابن سهل، ثنا عبد الله ابن صالح، ثنا معاوية ابن صالح، عن ربيعة، عن أبي إدريس، عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((عليكم بقيام الليل فإنه دأب الصالحين قبلكم وإنه قربة لكم إلى ربكم، ومكفرة للسيئات،ومنهاة عن الإثم)) وفي أمالي أبي طالب أخبرنا ابن عدي، ثنا محمد بن محمد بن الأشعث الكوفي، ثنا موسى بن إسماعيل بن موسى، عن أبيه، عن جده موسى بن جعفر، عن أبيه جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده علي بن الحسين، عن أبيه، عن جده عليٍّ عليه السلام ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((لا يزال الشيطان هائباً مذعوراً من المؤمن ما حافظ على الصلوات الخمس، فإذا ضيعهن تجرأ عليه فألقاه في العظائم)) وفيه: أخبرنا أبو الحسين علي بن محمد النجري، ثنا الحسين بن علي المصري أخو الناصر للحق، ثنا أحمد بن يحيى الأودي، ثنا يحيى بن طلحة، ثنا أبو معاوية، عن الليث، عن طاووس، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد بها من الله إلا بعداً)) وأخرجه الطبراني في الكبير.

قال العزيزي: وإسناده حسن، وفي الباب أحاديث تؤدي هذا المعنى، وهو أن وجه شرعية العبادات لما فيها من اللطف، وقد تأول في الأساس الآية بأن المراد أن الصلاة سبب للتنوير الذي أراده الله تعالى في قوله: {إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَاناً}[الأنفال:29] أي تنويراً في قلوبكم تفرقون به بين الحق والباطل، فهي كالناهي عن القبيح لما كانت سبباً لحصول التنوير الزاجر عنه، وذلك لايخرجها عن كونها شكراً إلى كونها لطفاً؛ إذ لامنافاة بين المعنى المذكور وبين الشكر.
قلت: وهذا التأويل يجري في الأخبار المذكورة، لكن قد اعترضه السيد أحمد بن محمد بن لقمان بأنه نفس مذهب المخالف فإنهم لايريدون بكونها لطفاً؛ إلا أنها سبب في الانزجار، والتنوير الذي ذكره هو نفس اللطف.
قال: فلو قيل: إن وجه وجوب الواجبات الشرعية هو المعنيان معاً عملاً بمقتضى الآيتين المذكورتين -أعني التي احتج بها من قال: إن وجه الوجوب كونها شكراً- والتي احتج بها من قال: كونها لطفاً لم يكن فيه بعد، وتسلم الآيتان من التأويل؛ إذ لا منافاة بين الوجهين المذكورين حتى يقال إنه لايصح اجتماعهما، ولا مانع من أن تكون الصلاة التي هي شكر لله تعالى سبباً في ترك القبائح العقلية من الظلم والكذب، وفي فعل الواجبات العقلية من شكر المنعم، ورد الوديعة، ونحوهما مسهلاً لذلك، فليتأمل. والله أعلم.

المسألة الخامسة [احتجاج أصحاب الرازي بهذه الآية على عدم استحقاق العبد للثواب بفعله]
قال الرازي: اعلم أن أصحابنا يحتجون بهذه الآية على أن العبد لايستحق بفعله الثواب؛ لأنه لما كان خلقه إيانا، وإنعامه علينا سبباً لوجوب العبادة، فحينئذ يكون اشتغالنا بالعبادة أداء للواجب، والإنسان لا يستحق بأداء الواجب شيئاً، فوجب أن لايستحق العبد على العبادة ثواباً على الله تعالى.
واعلم: أن الخلاف في هذه المسألة من جهتين:
إحداهما: بين العدلية والمجبرة، والثانية اختص بالخلاف فيها العدلية فيما بينهم.
أما الجهة الأولى: فقالت المجبرة: إن الثواب لايجب على الله، وذلك بناء منهم على أصلهم أنه لايجب على الله واجب، ولايقبح منه قبيح، وفي أن فعل العبد فعل لله تعالى أوجده في العبد، ولا تأثيرله في وجوده، وإذا كان كذلك، فلا معنى لاستحقاق الثواب عندهم وهم مصرحون بذلك، وقدحكى الإمام المهدي عن الرازي أنه قال مامعناه: إن استحقاق الثواب والعقاب إذا بني على بطلان التحسين والتقبيح ظهر بطلانه.
قال الإمام المهدي: فظهر لك أنهم يسقطون الثواب، وهو موافق لأصولهم، وإذا عرفت هذا علمت أن احتجاجهم بالآية غير جار على قواعدهم، وإنما أوردوه على جهة الإلزام للعدلية لما قالوا إن سبب وجوب العبادة الإنعام علينا، وقد تقدم في المسألة العاشرة من مسائل الحمد لله بيان مذهبهم في نفي الوجوب، وما بنوه عليه وإبطاله، وتقدم في الفاتحة، وفي الاستعاذة بيان بطلان قولهم بأنه لايقبح من الله قبيح، ونسبتهم أفعال العباد إلى الله تعالى.

وأما الجهة الثانية: فالخلاف بين العدلية فيها مترتب على الخلاف في المسألة التي قبل هذه، فمن قال إن وجه وجوب الواجبات الشرعية كونها ألطافاً في العقليات قال بوجوب الثواب على الله تعالى، ومن جعل وجه الوجوب كونها شكراً، قال: لايجب الثواب، والقائلون بذلك أبو القاسم وأتباعه، والإمام القاسم بن محمد وأتباعه، وهو ظاهر روايته في الجواب المختار عن قدماء الأئمة".
قال أبو القاسم: وإذاقلنا بوجوبه فإن المعنى أنه وجوب جود وتفضل، بمعنى أن جوده وكرمه يقتضي بأنه ينعم علينا بالثواب لا أنه حق لنا عليه، وخلافه لفظي لأنه يوافقنا في أن الله تعالى لابد أن يفعله، ولا يجوز تخلفه، وإنما منع من إطلاق الوجوب على الله تعالى فقط، وقيل: بل معنوي لأنه يقول لو أخل به لم يستحق عليه ذماً، ولأن الطاعات في حكم المستحقة علينا بما له علينا من سابق النعم فهي بمنزلة الشكر له، فكما أن الشكر مستحق كذلك طاعة المنعم بأصول النعم وفروعها، وإذا كانت مستحقة امتثالاً لأمره، وذلك الامتثال شكر على نعمة لم يستحق عليها جزاء، كما لا يستحق من قضى دينه جزاءً من المقضي، وحكى في الغياصة عن أبي القاسم وأتباعه نحو ما هنا من عدم الوجوب، إلاًّ أنهم يقولون يجب لنا على الله من جهة الأصلح بناء على أصلهم.

قال: لأن الأصلح واجب على الله -يعني عندهم- وهو ما نفع الحي ولا مفسدة فيه، وأما الإمام القاسم بن محمد فكلامه محتمل لأن يكون خلافه لفظياً؛ لأن عنده أن الثواب لابد من وقوعه قطعاً وإن كان تفضلاً لأن الله قد وعد به وهو لا يخلف الميعاد، ولأن الشرفي علل القطع بفعله بأنه تعالى قد أخبر به، وقضت به حكمة العدل، وما قضت به حكمة العدل لا يجوز تخلفه، ولأن الإمام استدل على أنه لايقال إنه واجب بأنه يوهم التكليف، وظاهر هذا أنه إنما منع من إطلاق لفظ الوجوب فقط مع الموافقة في قبح الإخلال به، ويحتمل أن خلافه معنوي لاستدلاله بأن الطاعات شكر، والأول أظهر؛ لأنه قد نص على أن الثواب مستحق عقلاً، وهذا يدل على قبح الإخلال به عنده. والله أعلم.
احتج الأولون من جهة العقل بأن الله تعالى ألزمنا الشاق وهو هذه التكاليف، فلو لم نستحق ثواباً عليها لكان إلزامه لنا إياها قبيحاً؛ لأن إلزام الشاق كإنزاله، فكما أن إنزاله بنا لا لنفع ولا استحقاق يقبح، كذلك إلزامه لا لنفع ولا استحقاق مع كونه يمكنه أن يجعل فعل ماكلفنا به غير شاق بأن يزيد في قوانا، ويصرف شهواتنا إلى الحسن، ويجعل نفرتنا عن القبيح، فلما علمنا خلاف ذلك عرفنا أنه إنما كلفنا لتحصيل نفع لا يحسن منه الابتداء بمثله وهو الثواب.
فإن قيل: لم لا تقولون بأنه كلفنا لدفع مضرة؟
قيل: لأنه يحسن منه دفع المضرة عنا من دون واسطة فعل منا، فلا يكون للتكليف حينئذ فائدة فيكون عبثاً، وأما من جهة السمع فلأن الله تعالى قد سمى الثواب جزاء حيث قال تعالى: {لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ}[فاطر:30] وهذه العبارة تقتضي أنه كالدين؛ لأن الوفاء لا يعبر به إلا عن ما هو مستحق، ولا يسمى التفضل وفاء، ويقتضي أيضاً أنه شيء قد علم قدره كالأجرة المعلومة، ولوكان تفضلاً لم يعبر عنه بالإيفاء، وأيضاً لايسمى أجراً إلا ما كان مستحقاً.

قال الموفق بالله: الأجر على الشيء لايكون إلا استحقاقاً لا تفضلاً، ألا ترى أن من تفضل على فقير بدرهم لايقال أنه آجره، وإذا عمل له عملاً فأعطاه في مقابلة عمله، قيل: إنه آجره إذا استحق عليه لعمله، قال: وكذلك قوله تعالى: {جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}[السجدة:17] والجزاء لا يكون إلا في مقابلة مستحق يكون جزاء عليه، فما يكون تفضلاً يفعله ابتداء لا في مقابلة استحقاق لم يكن جزاء.
احتج أهل القول الثاني بوجوه:
أحدها: أن في إطلاق الوجوب على الله إيهام التكليف، وهو ضعيف، وقد بينا ضعفه في الفاتحة.
الثاني: أنه قد ثبت فيما مر أن الطاعات شرعت شكراً، وجارية مجرى الشكر على النعم السابقة، وإذا كانت كذلك كان الثواب الموعود به عليها تفضلاً محضاً، وإن كان في مقابلة الطاعة؛ إذ لا يجب على المشكور على النعمة السابقة نعمة أخرى توازي شكر الشاكر له.
الثالث: أن القرآن ناطق بأن الجزاء والثواب تفضل منه، قال تعالى: {لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْ فَضْلِهِ}[الروم:45] وقال تعالى حاكياً عن أهل الجنة: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ ...} إلى قوله: {...مِنْ فَضْلِه}[فاطر:34،35] وقال: { إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ...} إلى أن قال: {...فَضْلاً مِنْ رَبِّك}[الدخان:51-57] إلى غير ذلك من الآيات، وهذا يدفع قول الأولين إن الأجر لا يكون تفضلاً.

الوجه الرابع: ورود السنة النبوية بأن الثواب تفضل، قال في الجواب المختار: روى أبو طالب في الأمالي بإسناده إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال في حديث طويل: ((وبالعفو تنجون، وبالرحمة تدخلون، وبأعمالكم تتسمون)) وروى عليه السلام في الأمالي أيضاً بإسناده إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((إن الله يجمع فقراء هذه الأُمَّةِ ومياسيرها في رحبة باب الجنة، ثم يبعث منادياً فينادي من بطنان العرش: أيما رجل منكم وصله أخوه المؤمن في الله ولو بلقمة من خبز فيأخذ بيده على مهل حتى يدخله الجنة، قال: وهم أعرف بهم يومئذ منهم بآبائهم وأمهاتهم، قال: فيجيء الرجل منهم حتى يضع يده على ذراع أخيه المكرم له والواصل له فيقول: يا أخي أما تعرفني ألست الصانع كذا وكذا فيعرفه كل شيء صنعه به من البر والتحفة فقم معي فيقول: إلى أين؟ فيقول: لأدخلك الجنة فإن الله قد أذن لي في ذلك، فينطلق به آخذاً بيده لايفارقه حتى يدخله الجنة بفضل رحمة الله لهما ومَنِّهِ عليهما)) وروى الحاكم في السفينة عن جابر، قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: ((خرجت من خليلي جبريل آنفاً فقال: يامحمد والذي بعثني بالحق إن لله عبداً من عباده عبَد الله خمسمائة سنة على رأس جبل عرضه وطوله ثلاثون ذراعاً في ثلاثين ذراعاً والبحر محيط به أربعة آلاف فرسخ من كل ناحية فأخرج الله له عيناً عذباً بعرض الأصبع كذا ينبض بماء عذب فيستنقع في أسفل الجبل وشجرة رمان تخرج له في كل ليلة رمانة فيصوم يومه فإذا أمسى نزل فأصاب في الوضوء وأخذ تلك الرمانة فأكلها، ثم قام لصلاتة فسأل ربه عند وقت الأجل أن يقبضه ساجداً وأن لا يجعل للأرض ولا لشيء عليه سبيلاً حتى يبعثه وهو ساجد ففعل فقال: نحن نمر عليه إذا هبطنا وإذا صعدنا فنجده في العلم يبعث يوم القيامة فيقف بين يدي الله فيقول له الرب ادخل عبدي الجنة برحمتي فيقول: بل بعملي، فيقول الله للملائكة: قايسوا

عمل عبدي بنعمتي عليه فيؤخذ عليه نعمة البصر قد أحاطت بعبادته خمسمائة عام وبقية نعمة الجسد فضلاً عليه... )) الخبر بطوله.
الوجه الخامس: مارواه في الجواب المختار، وشرح الأساس عن علي عليه السلام أنه قال:(ولكنه جعل حقه على العباد أن يطيعوه، وجعل جزاءهم عليه مضاعفة الثواب تفضلاً منه وتوسعاً بما هو من المزيد أهله) وهو في النهج، وفي شرح الأساس، والجواب المختار عنه عليه السلام أنه قال: (وتا الله لو انماثت قلوبكم انمياثاً، وسالت عيونكم من رغبة إليه ورهبة دماً، ثم عمرتم في الدنيا ما الدنيا باقية ما جزت أعمالكم ولو لم تبقوا شيئاً من جهدكم أنعمه عليكم العظام وهداه إياكم إلى الإيمان).
قال في الجواب المختار: وقال عليه السلام : (رافق بهم رسله، وأزارهم ملائكته، وأكرم أسماعهم أن تسمع حسيس نار أبداً، وصان أجسادهم أن تلقى لغوباً ونصباً) {ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ}[الحديد:21] وأما ما احتج به الأولون من الدليل العقلي.

فجوابه: أنا لانسلم أن إلزام الشاق يوجب الثواب؛ لأن للمالك المنعم أن يلزم عبده الشاق الممكن، وإلا لما وجب على العبد الامتثال، ووجوب امتثال أمر المالك المنعم مما لاينبغي النزاع فيه؛ إذِ الامتثال شكر، والشكر واجب عقلاً وسمعاً، وأما الآيات المتضمنة لذكر الجزاء، والأجر، وما في معناها مما رتب فيه الثواب على العمل فقد أجاب عنها الإمام القاسم بن محمد في الجواب المختار، وقال: معناها كمعنى الزيادة التي ذكرها الله تعالى في قوله: {لَئِنْ شَكَرْتُمْ لاََزِيدَنَّكُمْ}[إبراهيم:7] لأن الزيادة جعلها تعالى في مقابلة الشكر تفضلاً، وكذلك الثواب جعله في مقابلة الأعمال تفضلاً. قال عليه السلام : بل مذهب آبائنا" أن الثواب من جملة الزيادة التي ذكرها الله تعالى في قوله: {لَئِنْ شَكَرْتُمْ لاََزِيدَنَّكُمْ}[إبراهيم:7] كما صرحوا بذلك في كتبهم، وقد ذكر ذلك أمير المؤمنين عليه السلام وذكره الهادي عليه السلام في الأحكام، وفي كتاب الديانات، والحسين بن القاسم عليه السلام في تفسيره.

164 / 329
ع
En
A+
A-