قلت: ولأن المطلوب بالتكليف الامتثال وهو الاتيان بالفعل على قصد الطاعة، ولا ريب في استحالة هذا الامتثال ممن لا يفهم الخطاب، وأما مؤاخذة السكران بطلاقه عند من قال به، فليس من قبيل التكليف، بل من قبيل ربط الأحكام بأسبابها، فيقال:وجد سبب الفراق وهو اللفظ بالطلاق، فوجب وقوع المسبب الذي هو الفراق،كما قيل: من الصبي إذا قتل غيره، فإن قتله سبب في وجوب الدية من ماله على وليه مع أنه غير مكلف، وقد قيل: إن العلة في صحة طلاقه المعصية تغليظاً عليه، فعلى هذا ينفذ ما عليه فيه خسر كالطلاق، والعتاق، والهبة لا ما فيه نفع له كالنكاح ونحوه، وقيل: العلة في ذلك أن زوال عقله إنما يعلم من جهته فلا يقبل قوله في زواله لفسقه، فيقع ظاهراً لا باطناً، وأي العلتين كانت فلا يصح لهم الاحتجاج بوقوع ذلك منه على مطلوبهم.

المسألة الثالثة [في الرد على من أنكر التكاليف]
في الآية رد على من أنكر التكاليف إذ كلف فيها بالعبادة، وقد تمسكوا بشبه واهية.
منها: أنه لو ورد الأمر بالتكليف للزم تكليف مالا يطاق، لأن التكليف إن توجه على العبد حال استواء دواعيه إلى الفعل والترك كان محالاً لكون حالة الاستواء مانعة من حصول الترجيح لما بين الاستواء والترجيح من المنافاة، وإن توجه إليه حال رجحان أحدهما على الآخر كان محالاً أيضاً، لأن الراجح واجب الوقوع، والمرجوح ممتنع الوقوع، وإذا ثبت هذا كان وقوع التكليف تكليفاً بما لايطاق، أما مع استواء الداعيين فلامتناع حصول الترجيح، وأما مع رجحان أحدهما فلأن التكليف إن كان بالراجح كان تكليفاً بما يجب وقوعه، وإن كان بالمرجوح كان تكليفاً بما يمتنع وقوعه، وكلاهما تكليف بما لايطاق، ومنها: أن المكلف به إن كان قد علم الله وقوعه فلا يجوز تخلفه، أوعلم عدم وقوعه فلايجوز وقوعه، وإن لم يعلم هذا ولا ذاك لزم أن يكون الباري تعالى جاهلاً، تعالى الله عن ذلك، ومنها: أن التكليف لا يكون إلا لفائدة، والفائدة لايجوز أن تكون لله تعالى؛ لأنه الغني الذي لايحتاج، ولا للعبد لأن الفائدة محصورة في اللذة ودفع الألم، والله قادر على تحصيلها للعبد من دون توسط هذه المشاق فيكون توسطها عبثاً والله منزه عنه، ومنها: أن العبد غير موجد لأفعاله فإن أمره بالفعل حال ما خلقه فيه كان أمراً بتحصيل الحاصل، وإن أمره قبل أن يخلقه فيه كان أمراً بالمحال، ومنها: أن المقصود بالتكليف تطهير القلب، فلو قدرنا إنساناً مشتغلاً بالله تعالى بحيث لو اشتغل بهذه الأفعال الظاهرة كان عائقاً عن الاستغراق في معرفة الله تعالى، وجب أن تسقط عنه هذه التكاليف.

والجواب:أما الشبهة الأولى فمبنية على أن الفعل لا يقع إلا لداع، وإن ذلك الداعي موجب، وقد أبطلنا ذلك في المقدمة، وفي المسألة السابعة مما يتعلق بقوله تعالى: {خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ}[البقرة:7] وأما الثانية فقد مر جوابها في السادسة من مسائل قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ...} الآية[البقرة:6]، وقررنا ثمة أن العلم لايؤثر في المعلوم، وأما الثالثة فقد أوضحنا في المقدمة، وفي سياق قوله تعالى: {الْحَمْدُ لِلَّهِ} أن الفائدة للعبد، وأنه لا يحسن الثواب من دون توسط المشقة، وأما الرابعة فقد استوفينا الدلالة على أن العبد الموجد لفعله في مواضع من كتابنا هذا، وبسطنا القول فيها في الاستعاذة، وأما الخامسة فقد تقدم لهم نظيرها في الحمد، وأجبنا هنالك.

المسألة الرابعة [في أن العبادة شكر]
ظاهر الآية أنه تعالى إنما كلف بالعبادة شكراً على ما ذكره من نعمة الخلق، وما بعده، وفي المسألة خلاف، فقال الإمام شرف الدين، والإمام القاسم بن محمد: إن وجه وجوب الواجبات الشرعية كونها شكراً على النعم العظيمة، وهو ظاهر قول أبي القاسم البلخي، وقال في الجواب المختار: هو إجماع قدماء العترة".
وقال الإمام المهدي، وبعض الزيدية، وكثير من المعتزلة: بل وجه وجوبها كونها ألطافاً في الواجبات العقلية، ومعنى ذلك أن فعل الواجب الشرعي كالصلاة والصوم، وسائر الواجبات الشرعية يكون مسهلاً لفعل الواجبات العقلية، وأما المندوبات فإنما شرعت لكونها لطفاً في مندوبات عقلية، ومسهلة للواجبات الشرعية، وليست لطفاً فيها وإلا لوجبت، وأما المكروهات فإنما كرهت لكونها مسهلة لترك القبائح العقليه، وليس فعلها مفسدة فيها وإلا لقبحت، وعن أبي علي أنه قال: وجبت الواجبات الشرعية لكونها مانعة من القبائح، وقبحت القبائح الشرعية لمنعها من الواجب.
احتج الأولون بأن ذلك غير ممتنع عقلاً فإن من أخذ غيره من قارعة الطريق فرباه وأحسن تربيته فإنه يجوز له أن يكلفه فعلاً تلحقه به مشقة، نحو أن يقول: ناولني هذا الكوز، ولا يجب عليه أن يغرم له في مقابلة ذلك شيئاً آخر، وإذا ثبت هذا في الواحد منا فكذلك في القديم تعالى.
واحتجوا أيضاً من السمع بآيات كقوله تعالى: {اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْراًً}[سبأ:13] وقوله تعالى: {إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً}[الإنسان:3] ومن السنة ما رواه في أمالي أبي طالب، قال: أخبرنا محمد بن بندار، ثنا الحسن بن سمعان، ثنا عبد الله بن عون، ثنا محمد بن بشير، ثنا مسعر، عن قتادة، عن أنس، قال: قام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى تورمت قدماه، أو ساقاه، فقيل له: أليس قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر قال: ((أفلا أكون عبداً شكوراً)).

أما ابن عون فهو: عبد الله بن عون بن أبي عون الهلالي أبومحمد البغدادي، الخراز، وثقه عبدالله بن أحمد، وأبو زرعة، وصالح بن محمد، وقال أحمد: مأمون.
توفي سنة اثنين وثلاثين ومائتين، احتج به النسائي، وروى له أبو طالب.
وأما شيخه فلم يبين حاله في الجداول.
وأما قتادة فهو: ابن دعامة السدوسي أبو الخطاب البصري الأكمه.
احتج به الجماعة، وعده المنصور بالله من العدلية.
توفي سنة سبع أوثمان عشرة ومائة، روى له أئمتنا الخمسة، والنرسي، والسيلقي، والحديث أخرجه ابن عساكر، وأبو يعلى.
وفي أمالي أبي طالب أيضاً أنا ابن عدي الحافظ، ثنا أحمد بن محمد، ثنا محمد بن خراش، ثنا سيف بن محمد، ثنا سفيان ومسعر، عن عطية، عن أبي سعيد، قال: كانت مريم تصلي حتى ترم قدماها، وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يصلي حتى ترم قدماه، فقيل: يا رسول الله أليس قد غفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر، قال: ((أفلا أكون عبداً شكوراً)).
أحمد بن محمد هو السياري أبو عبد الله البصري.
قال الذهبي: شيعي جلد له تأليف، وشيخه محمد ابن خراش: لا أعرفه.
وأما سيف فهو: ابن محمد الثوري نزيل بغداد.
قال في الجداول: تكلموا فيه بغير حجة، وحسن له الترمذي، واحتج به أبو داود.
وأما سفيان فهو: الثوري.
وأما عطية فهو: ابن سعيد بن جنادة العوفي الجذلي أبو الحسن الكوفي.
قال ابن معين: صالح، وحسن له الترمذي أحاديث عداده في ثقات محدثي الشيعة، احتج به البخاري في الآداب، والأربعة إلا النسائي.
توفي سنة إحدى عشرة ومائة، وفي الباب عن جماعة من الصحابة، وسيأتي في سورة الفتح إن شاء الله.

وفي أمالي أبي طالب: أخبرنا يحيى بن الحسين الحسني، ثنا علي بن محمد بن مهرويه القزويني، ثنا داود بن سليمان الغازي، ثني علي بن موسى الرضا، عن أبيه، عن جده جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده علي بن الحسين، عن أبيه، عن جده علي عليه السلام ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((يقول الله عز وجل يابن آدم ما تنصفني أتحبب إليك بالنعم وتتمقت إلي بالمعاصي، خيري إليك منزل وشرك إلي صاعد، ولا يزال ملك كريم يأتيني عنك في كل يوم وليلة بعمل قبيح، يابن آدم لو سمعت وصفك من غيرك وأنت لا تدري من الموصوف لسارعت إلى مقته)) .
أما علي بن محمد فوصفه الذهبي بالصدق، وهو من مشائخ أبي العباس الحسني.
توفي سنة خمس وثلاثين وثلاثمائة، وقد نيف على المائة، روى له الأخوان.
وأما داود فتكلم عليه ابن معين، والذهبي بلا حجة إلا روايته لأحاديث الشيعة وموالاته لآل محمد، وهو ممن روى صحيفة علي بن موسى الرضا، وأخذ عنه، وروي أنه كان مختفياً في داره مدة لبثه بقزوين، واحتجوا من كلام الوصي بقوله: (وإن قوماً عبدوا الله شكراً فتلك عبادة الأحرار)، وقوله عليه السلام : (لو لم يتوعد الله على معصيته لكان يجب أن لايعصى شكراً لنعمته)، واحتجوا أيضاً بإجماع أهل اللغة على أن الشكر إقرار باللسان، واعتقاد بالجنان، وعمل بالأركان.

احتج أهل القول الثاني بأن من أنعم على غيره، ثم أمكنه أن يستخدمه على وجه لا تلحقه به مشقة، فإنه يقبح منه أن يعدل إلى استخدامه على الوجه الشاق لأجل النعم السابقة؛ إذ هو بمنزلة من أنعم على غيره بعشرة دنانير، ثم جعل يضربه ضرباً عنيفاً لمكان ذلك الإحسان، وإذا قبح ذلك في الشاهد، فكذلك في الغائب إذ العلة واحدة، وكذلك من أنعم على غيره نعمة، ثم كلفه لأجلها الاشتغال بمدحه والثناء عليه لا لوجه سوى ذلك، فإن العقلاء يذمونه، وينسبونه إلى إحباط إحسانه، ولأنه لو كان التكليف لأجل النعم السابقة للزم اختلاف التكليف باختلاف النعم، ونحن نجد من تكليفه أشق، والإنعام عليه أقل، ولأنه لا نفع لله في التكليف فيلزمنا به لأجل إنعامه علينا ولا لنا؛ لأنه مشقة لا يقابلها جزاء فيكون عبثاً، وبهذه الحجج تعرف بطلان ما استدل به الأولون من الدليل العقلي، وهو قولهم إن من أنعم على غيره بأنه يجوز له أن يكلفه إلى آخره، وقد نص السيد مانكديم على أن ذلك لا يحسن إلا فيما ليس فيه كثير مشقة، قال: وليس كذلك ما كلفنا الله تعالى ففي ذلك ما يتضمن الجود بالنفس، والمخاطرة بالروح، فلا يقاس ما أورده -يعني أبا القاسم- بما ذكرناه، ولهذا فلو كلف المنعم الذي وصفه المنعم عليه بما يتضمن المشقة العظيمة نحو المواظبة على خدمته، والقيام بين يديه آناء الليل والنهار، وما شاكل ذلك لم يحسن البتة، وقد أورد القرشي وغيره وجوهاً يقررون بها مذهبهم، ويبطلون به مذهب خصومهم، منها: أن مثل هذا القدر من النعم لايقابل إلزام المشاق، وإنزال العقاب على الإخلال به، ومنها: أن حسن التكليف مشروط بأصول النعم فلا يصح أن يكون في مقابلها التكليف، واعترضه الإمام عز الدين بأنه ليس اشتراط أصول النعم في حسن التكليف يدفع أن يكون ما كلف المكلف به ساقطاً ثوابه لأجل تلك النعم، وهي وغيرها لا تمنع من ذلك، بل تناسبه فإنه يقال لولا حصول تلك النعم التي تتوجه على العبد لأجلها

تلك الطاعات لما حسن من الحكيم إلزامه إياها.
ألا ترى أن الشكر لايحسن إلا مع تقدم النعمة التي تستدعيه فحسنه مشروط بحصولها، ولا يمنع ذلك من أن يكون في مقابلها، ومن كون المنعم لا يجب عليه للشاكر ثواب وجزاء غير ما تقدم منه من الإنعام، ومنها: أن الشرعيات وردت على كيفيات مختلفة من قيام، وقعود، ومشي، ووقوف وغير ذلك، ونعمة السيد على عبده لا تقتضي ذلك الاختلاف قطعاً إذ لا فائدة لاختلاف الفعل المشكور به، وإنما يقتضيه كونها ألطافاً، ورده في الأساس بأن النعمة تقتضي الامتثال من المنعم عليه للمنعم بفعل ما أوجبه عليه، ومطابقة مراده في تأديته على تلك الكيفية؛ إذ العقل يقضي بتحريم مخالفة المنعم، ولذلك وجبت تلك الواجبات، ولو كانت لطفاً لم تجب لأنها ليست مقصودة بالوجوب عندهم، وإنما الواجب الحقيقي هو العقليات، والعبد متمكن من الإتيان بها من دون الشرائع، والمعلوم أن الله تعالى قد أوجبها وهو حكيم لا يوجب ما لا يجب -يعني ولا وجه لوجوبها إلا كونها شكراً- ومنها: أنه يؤدي إلى أن يسقط وجوب شكر نعمة الله علينا؛ لأنا قد فعلنا ما يقابلها، بل كان يلزم أن لا يبقى له علينا نعمةٌ، وخلافه معلوم، واعترضه الإمام عز الدين بأن الشكر من جملة الواجبات المستحقة لأجل نعمة الله، فلا معنى لإلزام سقوطه، وأما قولهم بل كان يلزم أن لا يبقى له علينا نعمة، فقال عليه السلام : في رده ليس مقابلتنا للنعمة بما يجب لأجلها من الشكر، وما يجري مجراه يلزم منه انتفاؤها ومصيرها في حكم العدم، بل يلزم منه قيامنا بحقها، ومقابلتها بما تستدعيه ويسقط الواجب عنا في ذلك، ومنها: أن جعل التكليف نعمة مستقلة أولى من جعله في مقابلة النعمة ومسقطاً لها، ويجاب بأن جعله في مقابل النعمة لا يخرج عن كونه نعمة لما فيه من التعريض على الخير الذي لايتفضل الله علينا إلا بسببه، وأما جعله مسقطاً للنعمة، فكلام ساقط لما مر على أن الظاهر من كلام القائلين بأن

العبادات ليست شكراً أنهم يقولون أنها جارية مجرى الشكر، وأنه لا يستحقها إلا مولي أعظم النعم، وعلى هذا فهي في التحقيق لا تكون إلا في مقابلة نعمة؛ لأنها لاتكون شكراً عندهم، وقد تقدم في {إِيَّاكَ نَعْبُدُ}[الفاتحة:5] أنه لا يستحقها إلا مولي أعظم النعم، وممن نص على أنها جارية مجرى الشكر السيد مانكديم فإنه ذكر أن الشكر قد يكون باللسان، وقد يكون بالقلب، ثم قال: وقد يكون بضرب من الأفعال المخصوصة نحو هذه العبادات التي يتقرب بها إلى الله من صلاة، وصيام، وحج، وجهاد فإنها جارية مجرى الشكر لله تعالى على نعمه وأياديه؛ لأن هذا الضرب من الشكر لا يستحقه إلا الله تعالى؛ لأنه إنما يؤدى على نهاية ما يمكن من التذلل والخضوع، وذلك لايستحق إلا على أصول النعم، والقادر على أصول النعم ليس إلا الله تعالى.
قلت: والسيد رحمه الله ممن يقول بعدم جواز التكليف لأجل النعم السابقة كما مر.
وقال القرشي: إن من شرط حسن التكليف أن يكون المكلف منعماً على المكلف بما معه يستحق الطاعة والعبادة، وهي أصول النعم التي هي خلق الحي، وحياته، وقدرته، وشهوته، وتمكنه من المشتهى، والعقل الذي به يميز بين الحسن والقبيح.
قال: فحينئذ يستحق العبادة، ويجري ذلك مجرى الشكر المطلق على النعمة في الشاهد، وحكى الرازي عن القاضي أنه قال الآية -يعني قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ}[البقرة:21]- تدل على أن سبب وجود العبادة ما بينه من خلقه لنا، والإنعام علينا.

[خصائص العبادة]
وقال الإمام عز الدين: اعلم: أن العبادة توافق الشكر في أمرين: الاستحقاق لأجل النعمة، ومقارنة التعظيم والإجلال، وتفارقه في وجوه:
أحدها: أنه لا يستحقها إلا المنعم بأصول النعم.
وثانيها: تأديتها على نهاية ما يمكن من التذلل والخضوع.
وثالثها: أنها يتغير حكمها بتغير الأحوال والأزمان، ويرد عليها النسخ.
ورابعها: وجوب إظهارها على سبيل الاستمرار في أوقاتها، والشكر لا يجب إظهاره إلا عند تهمة.
وخامسها: أنها لا تتزايد بتزايد النعم، والشكر يتزايد بتزايدها.
وسادسها: أنه لا يعلم وجوبها إلا بالشرع، ووجوبه معلوم بالعقل.
قلت: وبما ذكرنا تعلم أن العبادة لاتكون إلا مسببة عن النعمة اتفاقاً بين العدلية، وإنما الخلاف هل هي من جملة أنواع الشكر، وداخلة في مسماه أم لا؟ فالأولون جعلوها من جملة الشكر، والآخرون أجروها مجراه، وفرقوا بينهما بماذكر هرباً مما سيأتي من لزوم عدم استحقاق الثواب عليها، ومما مر من عدم حسن تكليف المنعم للمنعم عليه لأجل النعمة السالفة، وجعلوا الشكر مجرد الاعتراف بالنعمة مع ضرب من الإجلال، والتعظيم.

163 / 329
ع
En
A+
A-