اعلم:أن الأكثر قد احتجوا في الفصل الأول على رجوعه إلى الجملة بقولهم: لو لم يرجع إلى الجملة فلا يخلو، إما أن يرجع إلى النفي أو إلى الإثبات... إلى آخره، وهذا الدليل عندهم قد أبطلوا به كل ما يقدر التعليل به من الأمور التي ليست راجعة إلى الجملة، وأما أبو الحسين، ومن وافقه من أئمتنا" وغيرهم ممن ينفي الأحوال شاهداً وغائباً، فقد ذكرنا في البسملة في مسألة موجود أن الوجود ليس أمراً زائداً على الموجود، بل هو ذات الموجود، وأوضحنا الأدلة على ذلك، ومنه يؤخذ دليل هذه المسألة،وكيفية تركيبه في القادرية، سيما على ما ذهب إليه الأئمة" من أن صفات الله تعالى كلها هي الذات؛ إذ لافرق بين الموجود والقادر، وسيأتي لذلك مزيد تحقيق عند ذكرنا لكيفية استحقاقه تعالى لصفاته، وقد استدل أبو الحسين على أن المرجع في هذه الصفة في الشاهد إلى البنية المخصوصة بأن رجوعها إلى الجملة باطل؛ إذ لم يقع الفعل بكل الجملة لعلمنا أن البطش مثلاً واقع باليد فقط، فإن قلتم إن معنى رجوعه إلى الجملة أن يقع بحسب كون الجملة مريدة، ومعتقدة، ونحو ذلك، فهو لا يمنع وقوعه باليد فقط؛ لأنه يجوز أن تعلم الجملة نفعاً في فعل اليد وتريده، فيقع باليد لا بالجملة، يوضحه أنه لا بد من استعمال محل القدرة، ومن كونه مبنياً بنية مخصوصة، وإذا وقفت صحة الفعل على بنية اليد، فهلا كفى ذلك من دون اعتبار صفة راجعة إلى الجملة، وأجيب بأن المراد بصدورها عن الجملة ماهو المعقول عند جميع العقلاء من قولهم: فعل زيد، وقال: زيد ونحو ذلك، ولم يقولوا فعلت يد زيد، ولا قال لسانه، ولهذا يتوجه المدح والذم إلى الجملة، ولسنا ننكر أن الفعل وقع باليد، لكنها آلة للجملة، فالفعل وقع من الجملة بآلتها، والآلة لابد من استعمالها، هذا مع أنه لو كان صادراً من بعض أبعاض الحي لكان الحي بمنزلة أحياء قادرين، فيلزم ما مر ذكره من اللوازم على هذا، ويلزم أيضاً تعلق المدح والذم بذلك البعض،

والمعلوم خلافه، ويمكن أن يقال إن نسبته إلى الجملة من حيث أنها هي البنية المخصوصة لا من حيث أن هذه الصفة أمر وجودي زائد على الذات، كما هو مرادكم برجوعه إلى الجملة، والنسبة يكفي فيها أدنى ملابسة، وإذا كانت النسبه من هذه الحيثية ثبت ماذهب إليه أبو الحسين وموافقوه من أن المرجع بكونه قادراً إلى البنية المخصوصة. والله أعلم.
وأما ماذهب إليه برغوث، والنجار فقد مر جوابه، وأما قول أبي القاسم إن المرجع بها إلى الصحة، واعتدال المزاج، فقال السيد مانكديم: إن أريد بذلك صفة ترجع إلى الجملة، فهو الذي نقول، وإن أريد اعتدال الطبائع الأربع التي هي الحرارة، والبرودة، واليبوسة، والرطوبة فهو فاسد؛ لأنها علل متضادة، والعلل الكثيرة المتضادة لاتجتمع على إيجاد حكم واحد.
قلت: في كلام القاسم بن إبراهيم عليه السلام مايدل على أن المرجع بها في الشاهد إلى الصحة، فيكون كقول أبي القاسم، وما أجاب به السيد مانكديم من أنه إذا أريد اعتدال الطبائع ... إلخ.
ففيه نظر؛ لأن العلة ليست هذه الأمور المتضادة، بل اعتدالها، وهو أمر مغاير لها. فتأمل.
الموضع الرابع: فيما يجب معرفته من هذه المسألة، فالذي يلزم المكلف معرفته فيها هو أن يعلم أن الله تعالى قادر فيما لم يزل وفيما لايزال، ولا يجوز خروجه عن هذه الصفة في حال من الأحوال، ونعلم أنه قادر على جميع أجناس المقدورات، ومن كل جنس على ما يتناهى فلا تنحصر مقدوراته جل وعلا جنساً، ولا عدداً، فهذه خمسة أصول، ولا بد من الدليل على كل واحد منها:
الأول: أنه قادر فيما لم يزل، ودليله أنه لو لم يكن كذلك ثم حصل قادراً بعد أن لم يكن للزم أن يكون قادراً بقدرة محدثة، متجددة، وبطلانه معلوم.
الثاني: أنه قادر فيما لايزال.

الثالث: أنه لا يجوز خروجه عن هذه الصفة في حال، ودليل هذين الأصلين أنه يستحق هذه الصفة لذاته، أو لما هو عليه في ذاته على الخلاف، أو لأنها نفس الذوات على قول الأئمة، والمو صوف بصفة ذاتية لا يجوز خروجه عنها في حال من الأحوال، وإلا لم تكن ذاتية.
الرابع، والخامس: أنه قادر على جميع أجناس المقدورات إلى آخر ما مَرَّ، ودليله ماذكرنا من أنها صفة ذاتية، والصفة الذاتية مع جميع المقدورات على سواء، ولأن المقدورات إن لم تدخل تحت مقدورنا وجب أن يختص بالقدرة عليها الباري تعالى، وإلا خرجت عن كونها مقدورة، وإن دخلت فالله تعالى بالقدرة عليها أولى، وأيضاً فالذي يحصر المقدورات في الجنس والعدد هو القُدَرُ، والباري تعالى ليس قادراً بقدرة.
فإن قيل: كيف تقولون إن الله تعالى قادر على جميع أجناس المقدورات، والمعلوم أنه تعالى غير قادر على الظن؛ إذ لاظن إلا عن أمارة، والأمارة مستحيلة في حقه تعالى.
قيل: قد مر نحو هذا السؤال في الفاتحة و جوابه، ونقول هنا: أما على قول أبي هاشم أنه من جنس الاعتقاد فلا إشكال أنه قادر على جنسه، وأما على قول الأكثر أنه جنس برأسه فهم لايمنعون صحة تعلق قادريته تعالى به، إلا أنهم قالوا: إنه لما كان يستحيل وجوده من دون أمارة استحال وقوعه من الباري تعالى لاستحالة الأمارة في حقه تعالى؛ لأنه يعلم الأشياء على وجهها، ولم يمنعوه لكون جنسه غير مقدور، فإن جنسه مقدور عندهم، وذلك أن الظن ترجيح، والترجيح جنس يدخل تحته الظن، والعلم مقدور له تعالى، ونظيره: قولهم إن الله تعالى قادر على جنس الأكوان، وإن كان بعضها مستحيلاً من جهته تعالى، وهو ما تعلقت به قدرة قادر آخر.
ويلحق بالمسألة فائدتان:
الأولى: هي أن يقال: هل عدم المقدور شرط في القادرية أم لا؟

قال في الغياصة: ولا خلاف بينهم أنه شرط في صحة الفعل، وأما القادرية فالذي عليه المتقدمون أنه شرط فيها حتى أن القادر لو وجد منه جميع مقدوراته خرج عن كونه قادراً شاهداً وغائباً، وأما المتأخرون فقالوا: كذلك في الشاهد، وأما الغائب فعدم مقدوراته غير شرط في قادريته؛ لأنها وإن وجدت فهو تعالى قادر على إفنائها وإعادتها، فتبقى قادريته متعلقة بذلك.
قيل: وكلام المتقدمين هو الصحيح؛ لأنا لو فرضنا تقدير أن مقدورات الباري وجدت فهو لا يعدمها إلا بضد يفعله، أو ما يجري مجرى الضد، وقد فرضنا المسألة أن مقدوراته قد وجدت فلا شيء منها معدوم يوجده، فإذا كان كذلك لم يتهيأ منه على هذا التقدير إعدام ولا إيجاد، فيزول تعلق القادرية بالمقدورات، وإذا زال التعلق فقدت الصفة؛ لأن تعلقها ملازم لثبوتها نفياً وإثباتا.
قلت: وفي جواز تجويز خروجه تعالى عن هذه الصفة نظر، كيف وقد مر أنه لا يجوز خروجه عن هذه الصفة بحال من الأحوال، وتجويز الخروج يقتضي الجواز على أنهم بنوه على أمر لا يسلمه لهم من خالفهم، وهو أن الإفناء لايكون إلا بخلق ضد وهو الفناء، أو ما يجري مجراه، وكيف يبنون على هذا الأصل الذي يؤدي إلى جواز خروج الباري تعالى عن صفته الذاتية، لا سيما على قول الأئمة": إن صفاته ذاته، فهل من الجائز أن نجوز أمراً يؤدي إلى خروج الباري عن ذاته تعالى عن ذلك علواً كبيراً، على أن فرض المسألة لا يتصور إلا على وجه يؤدي إلى المحال، وهو الجمع بين الضدين لأنهم بنوه على أن مقدوراته تعالى المتضادة وغيرها قد وجدت، وهذا لا يصح لأن اجتماع الضدين محال، والفرض أنه قد وجد الموجود وضده الذي هو الفناء، فإن قالوا: إن الفناء يعدم لأجله الموجود فلا يجتمع ضدان إذا عدم، لأجله تعلقت القدرة بإعادته؛ لأن الفناء لا يبقى.

فإن قالوا: يخلق فناء آخر، قلنا: الفرض أن لا موجود يضاده الفناء، ثم إن الفناء يقل لبثه، فيلزم أن تتعلق القدرة بفناء بعد فناء إلى ما لا نهاية له.
فيلزم من ذلك عدم تناهي مقدورات الباري تعالى وهو المطلوب، فثبت أن فرض المسألة لا يتصور بحال.
الفائدة الثانية: [في الأسماء المرادفة للقدرة]
فيما يجري عليه من الأسماء بمعنى كونه قادراً وهي القادر، وقد عرفت معناه، والقدير، والمقتدر، وفيهما مبالغة لإفادتهما استحالة المنع، ويفهم من تفسير الشرفي للقدير أنه بمعنى قادر، فعلى هذا لامبالغة فيهما، وهو قوي لأن صفات الله تعالى الذاتية لا يتصور فيها مبالغة، والقوي.
فإن قيل: القوي ليس بمعنى قادر، وإنما هو الشديد فإنهم يقولون: حبل قوي أي شديد.
قيل: استعماله في الشديد مجاز تشبيهاً بالقادر الذي يصعب منعه، والذلك لا يطرد، فلا يقال ريشة قوية.
فإن قيل: لو كان معناه ومعنى قادر واحد لصح أن يجري كلاً منهما على الشديد تجوزاً.

قيل: لايلزم صحة ذلك، فإنه لا يبعد التجوز بأحد اللفظين المترادفين في موضع دون الآخر، ألا ترى أنه يتجوز بالغائط عن الحدث، ولا يتجوز عنه بالأرض المطمئنة مع أن معناهما واحد، فيقال: جئت من الغائط أي عن الحدث، ولا يكنى عنه بالأرض المطمئنة، فيقال: جئت من الأرض المطمئنة، ومما يدل على أن معناهما واحد أنه لا يجوز أن يقال: فلان قوي على كذا وليس بقادر عليه، أو العكس فلولم يكن معناهما واحداً لما امتنع ذلك، وملك، ورب، وقد مر الكلام عليهما، والخلاف في ذلك، وكذا في مالك، والجبار، ومعناه أنه إذا أراد فعلاً من أفعاله لم يصح أنه يمنع فيلحقه ذلة، وضيم، وهو مأخوذ من قولهم: نخلة جبارة إذا فاتت اليد وامتنعت أن تنال، وقيل: هو من استمر وكثر منه سد حاجة المحتاجين، فكأنه تعالى لماكان منه استمرار سد حاجة المحتاجين وصف بأنه جبار، وقيل: أنه مأخوذ من الجبر وهو الإصلاح، فيكون صفة فعل، وإنما كان ذماً في أحدنا لأنه يدعي ما ليس له، ويتشبه بمن يستحق هذا الوصف، والصمد ومعناه أنه يقصد في قضاء الحوائج، والعزيز، والكبير، والعلي، والعالي، والمتعال، والقاهر، والظاهر، وهذه الأسماء وما في معناها قد تضمنها كتاب الله، وسيأتي الكلام على كل واحد منها في موضعه إن شاء الله، والإله وقد مر، والمستولي، فيقال: هو مستول على الأشياء أي قادر عليها، ولا يوصف بما في معناه، وهو المستوي لإيهامه الاستقرار، أو استواء الأجزاء، أو استقامتها.
قال الموفق بالله: ولا يوصف في الحقيقة بأنه رفيع وشريف؛ لأنه يفيد رفعة المكان وشرف الشأن، وذلك محال في حقه تعالى؛ لأنه من صفات الأجسام، ولا يوصف بأنه شديد، ولا متين، و لا صلب لأن كل ذلك عبارة عن تأليف واقع على وجه مخصوص، وقوله تعالى: {ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ}[الذاريات:58] مجاز يقر حيث ورد، ولذلك لا يطرد فلا يقال: إرادته متينة.

قيل: ويوصف بأنه مستطيع حقيقة، ومعناه قادر بدليل {هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ}[المائدة:112] ولا يوصف بأنه مطيق؛ لأنه يفيد الكد، والمشقة، والجهد، ولذا يقال: لا يطيق النظر إلى زيد، وإن كان قادراً عليه، وإنما أراد أنه يلحقه بالنظر إليه مشقة، فلو جاز إطلاقه بمعنى قادر لتناقض، قوله: لا يطيق النظر إلى زيد وكونه قادراً على النظر إليه، ولا يوصف بأنه مطلق ومخلى؛ لأنهما يفيدان جواز المنع عليه.
قال الموفق بالله عليه السلام : ولا يجوز أن يطلق، فيقال لا يقدر الله على الجمع بين الضدين أو اختراع مثله؛ لأنه يوهم أنه مما يجوز دخوله تحت قدرة قادر، بل يقال: لا يوصف بالقدرة، ولا يوصف بأنه شجاع ولا صبور؛ لأنه يفيد قوة القلب، وذلك مستحيل في حقه تعالى، ويوصف بأنه سيد، ومولى، ومعناهما مالك. ذكره في المنهاج.

البقرة: (22،21)
قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ، الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلاَ تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ}[البقرة:21،22]
الخلق لغة: التقدير، خلقت الأديم أي قدرته، ويستعمل في إبداع الشيء على غير مثال ولا احتذاء، وقال قطرب: الخلق هو الإيجاد على تقدير وترتيب، وقال أبوحيان: معنى الخلق والإيجاد، والإحداث، والإبداع والاختراع، والإنشاء متقارب، وجعل: لفظ عام في الأفعال كلها، وهو أعم من صنع، وفعل، وسائر أخواتها. قاله الراغب، وقال: إنه يتصرف على خمسة أقسام:
أحدها: بمعنى صار، وطفق فلا يتعدى نحو: جعل زيد يقول كذا.
والثاني: بمعنى أوجد فيتعدى إلى واحد نحو: {جَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ}[الأنعام:1].
قلت: وهذا بمعنى خلق، نص عليه القرطبي.
الثالث: بمعنى إيجاد شيء من شيء وتكوينه منه نحو: {جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاًً}[النحل:72].
الرابع: بمعنى تصيير الشيء على حالة دون حالة نحو: {الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً}[البقرة:22].
قلت: وفي كلام غيره أنها في الآية بمعنى خلق.
الخامس: بمعنى الحكم على الشيء بالشيء حقاً كان نحو: {وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ}[القصص:7] أو باطلاً نحو: {وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالأَنْعَامِ نَصِيباً}[الأنعام:136] والأرض: الجرم المقابل للسماء، والفراش: الوطأ الذي يقعد عليه وينام، ويتقلب عليه.

قيل: وما ليس بفراش كالأوعار والبحار فهي من مصالح ما يفترش منها؛ لأن الجبال أوتادا،والبحار تركب إلى سائر المنافع، والسماء: كل ما علاك فأضلك، ومنه قيل: لسقف البيت سماء، ويطلق على المطر مجازاً، وكذلك على الطين والكلاء، وظهر الفرس، والثمرة: ما تخرجه الشجرة من مطعوم، أو مشموم، والند: الكفء والمثل.
وقال أبو عبيدة: أنداداً أي أضداداً، وقال أبو حيان: الند المقاوم المضاهي مثلاً كان أو ضداً، أو خلافاً، وفي هذه الجملة مسائل:

المسألة الأول‍ى [في خطاب المشافهه]
قد مر في الفاتحة أن الجمع واسم الجمع المعرف بلام التعريف يفيد العموم عند الجمهور، وإذا كان للعموم كان قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ} عاماً لكل الناس، فيتناول الموجود، والمعدوم، والعبيد، والكفار، وقد خالف في تناوله للمعدوم وما بعده جماعة، ولنفرد لكل واحد من هذه الأمور الثلاثة بحثاً نذكر فيه ما يتعلق به من الخلاف فنقول:
البحث الأول: اختلفوا في خطاب المشافهة، وهو الوارد في زمن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم نحو: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ}، {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} هل يدخل فيه من سيوجد من المكلفين أم لا؟ فقال: الأكثر لا يتناول إلا الموجودين في زمنه صلى الله عليه وآله وسلم فقط، بل قيل: إنه لا يتناول من الموجودين إلا الحاضرين في مهابط الوحي.
وقالت الحنابلة، وبعض الحنفية، واختاره الإمام القاسم بن محمد عليه السلام : بل يعم الموجود والمعدوم إلى انقطاع التكليف.
احتج الأولون بأن خطاب المشافهة مع المعدوم لا يجوز لأن معناه توجيه الكلام نحو الغير للإفهام، ولا فهم للمعدوم قطعاً، ولأن المعدوم لا يكون إنساناً، ولا مؤمناً، فكيف يدخل تحت هذا الخطاب، وأيضاً امتنع خطاب الصبي والمجنون بمثله مع وجودهم لقصورهم عن الخطاب، فالمعدوم أولى.
قلت: وهذا الوجه ضعيف؛ لأن عدم تو جيه الخطاب إليهم إنما كان لوجود المخصص، والتخصيص لا ينافي تناول اللفظ، فالأولى الاحتجاج بالوجه الأول فقط.
فإن قيل: لا نسلم امتناع خطاب المعدوم مطلقاً، بل إذا توجه إليه الخطاب خاصة، فأما مع الموجودين فلا مانع منه، ويكون من باب التغليب، وهو فصيح شائع.

161 / 329
ع
En
A+
A-