قال القرشي: وهو معلوم على الجملة ضرورة، فإن العقلاء يصفون من أمكنه أن يفعل، وأن لايفعل بحسب اختياره بأنه قادر، ويوجهون إليه المدح والذم، وقال غيرهم من أئمتنا وغيرهم: بل العلم بذلك استدلالي، واستدلوا عليه بالقياس بأن أقاسوا الغائب وهو القديم تعالى على الشاهد وهو الواحد منا بعلة جامعة بينهما، وتحرير ذلك القياس أن يقال: إنا وجدنا في الشاهد حيين أحدهما صح منه الفعل وهو الصحيح السليم، والآخر تعذر عليه ذلك الفعل وهو المريض المدنف، فالذي صح منه الفعل يفارق من تعذر عليه ذلك بمفارقة لولاها لما صدر منه ما تعذر على الآخر، وتلك المفارقة معللة، وهذا الحكم ثابت في القديم تعالى، فيجب أن يكون قادراً لأن طرق الأدلة لا تختلف شاهداً وغائباً.
فإن قيل: ما الدليل على ثبوت المفارقة بين من صح منه الفعل ومن تعذر عليه؟
قيل: ذلك معلوم ضرورة.
فإن قيل: صحة القياس مبنية على أن المفارقة معللة، فما الدليل على ذلك، فإنا نجد كثيراً من المفارقات لا تعلل؟
قيل: الدليل على ذلك أنا نظرنا في الطرق المقتضية للتعليل فوجدنا علماء الكلام قد اختلفوا حتى صارت بحسب اختلافهم ثلاث طرق، ونظرنا في هذه المفارقة فإذا هو يجب تعليلها على كل واحدة من هذه الطرق، ونحن نأتي بتلك الطرق، ثم نبين التعليل على كل واحدة منها، فنقول:
الطريقة الأولى: ذكرها قاضي القضاة، وهي أن تعرض الحكم على وجوه التعليل فإن قبل التعليل وجب تعليله، وإلا فلا، ووجوه التعليل المؤثرات وهي الفاعل، والسبب، والعلة، وما يجري مجرى المؤثر وهو المقتضي، والشرط، والداعي.
الطريقة الثانية: طريقة أبي رشيد وهي أن كل حكم أو صفة إذا لم يعلل بطل، وعاد على أصل ثبوته بالنقض فإنه يجب تعليله، وكل حكم أو صفة إذا علل بطل فإنه لا يجوز تعليله، وكل حكم أو صفة لايبطل سواء علل أم لا، فإنه لا يجب تعليله، وهل يجوز؟ أم لا؟
قال المتأخرون: إن كان في تعليله فائدة زائدة، وإن لم تتعلق بتلك المسألة جاز لتلك الفائدة.
مثاله: تعليل حاجة أفعالنا إلينا بالحدوث، فإن حاجتها إلينا لا تبطل سواء عللنا أم لا لأن الحاجة معلومة، ولكنا عللنا لفائدة زائدة في غيرنا وهي قياس الأجسام المحدثة على أفعالنا في حاجتها إلى المحدث، ويحصل من ذلك إثبات الصانع.
قلت: ومقتضى هذا وجوب هذا التعليل وإن كانت الفائدة في الغير، إلا أنا نقول لا يجب إلا لولم نجد دليلاً على إثبات الصانع إلا هذ القياس.
الطريقة الثالثة: ذكرها المتأخرون، وهي أن موجبات التعليل ثلاثة:
أحدها: الثبوت بعد أن لم يكن، كثبوت وجود الذوات بعد عدمها، فإنه لابد من أمر أثر في الوجود.
ثانيها: الحصول مع الجواز كاحتراك المتحيز في حال كان يجوز أن يسكن فيها، فلا يجوز أن يكون لغير مؤثر.
ثالثها: الافتراق بعد الاشتراك كمسألتنا فإن الحيين اشتركا في كونهما حيين، ثم صح من أحدهما ما تعذر على الآخر، قالوا: فهذه الأمور الثلاثة أي واحد منها حصل وجب تعليله، إذا عرفت هذا، فنقول: هذه المفارقة يجب تعليلها على كل واحدة من هذه الطرق:
أما الأولى: فإنا عرضنا هذه المفارقة على وجوه التعليل، فوجدناها قابلة للتعليل بالمقتضي وهوكونه قادراً.
وأما الثانية: فلأنه إذا لم يعلل بطل؛ لأنه إذا لم يكن في الصحيح أمر يتميز به عن المريض لم يكن الفعل من الصحيح بأن يصح بأولى من المريض.
وأما الثالثة: فالافتراق بعد الاشتراك فإن الحيين لما اشتركا في كونهما حيين، ثم افترقا فصح من أحدهما ماتعذر على الآخر، وجب أن يكون فيمن صح منه أمر، وإلا لما فارق المريض في ذلك، فثبت بما ذكرنا أن هذه المفارقة معللة، هذا وأما الإمام المهدي، فقال: إن وجوب تعليل المفارقة معلوم ضروة، وبيان ذلك أَن الذي يعلم ضرورة افتقاره إلى العلة أمران:
أحدهما: الحصول مع الجواز فإنا نعلم ضرورة فيما حصل مع جواز أن لا يحصل أنه لابد من مؤثر لأجله حصل، وإلا لم يكن حصوله بأولى من أن لا يحصل، وقد أوضحنا هذا في الفاتحة في أدلة حدوث العالم.
والثاني: افتراق الأمرين في حكم بعد اشتراكهما في الماهية التي يتميزان بها عن غير جنسهما كافتراق الحيين في صحة الفعل من أحدهما دون الآخر، فإن اشتراكهما في المصحح للحكم وهو كونهما حيين معاً يقتضي جواز ثبوت ذلك الحكم، وهو صحة الفعل لكل منهما، فإذا علمنا ثبوته لأحدهما دون الآخر علمنا أنه لابد من أمر غير الأمر الذي اشتركا فيه، اختص به الذي ثبت له الحكم دون الآخر، وعِلْمُنَا بأنه لابد من مؤثر ضروري وإن افتقر إلى أدنى تأمل ومرا جعة النفس فافتقاره إلى ذلك لا يخرجه عن كونه ضرورياً، فبعض الضروريات تفتقر إلى ذلك، هذا حاصل كلامه عليه السلام ، وقد ذكر نحوه السيد مانكديم، فإنه قال بعد أن استدل على التعليل: على أن هاهنا طريقة ملجئة إلى التعليل؛ لأن هذين الحيين إذا صح من أحدهما الفعل وتعذر على الآخر مع استوائهما في باقي الصفات، فلا بد أن يكون هناك أمر له ولمكانه صح من أحدهما الفعل، وتعذر على صاحبه، وإلا لم يكن هو بصحته أولى منه بالتعذر، ولا صاحبه بالتعذر أولى منه بالصحة، وليس ذلك الأمر إلا صفة راجعة إلى الجملة وهو كونه قادراً.
فإن قيل: لو ثبت أن المفارقة معللة فلا نسلم أنها معللة بأمر يرجع إلى الجملة، فلا يصح لكم قياس الغائب على الشاهد، وإلا فدلوا على ذلك.
قيل: الذي يدل على ذلك أنه لولم يكن راجعاً إلى الجملة فلا يخلو إما أن يرجع إلى النفي، أو إلى الإثبات، الأول باطل؛ لأن النفي لا اختصاص له، فليس بأن يصح الفعل لأجله من الصحيح بأولى من أن يصح من المريض؛لأنه معهما على سواء،ولأن صحة الفعل تتزايد من القادر،وتزايد الأثر يدل على تزايد المؤثر،والنفي لا تزايد فيه، فوجب أن يكون التعليل بأمر ثابت،وذلك الأمر لايخلو إما أن يخرج عن القادر وصفاته،أم لا،إن خرج عن ذلك،فليس إلا الفاعل أو العلة باطل أن يكون بالفاعل،ويعنون بذلك أنه باطل أن يكون أثر المؤثر إنما حصل بفعل فاعل آخر،كأن يكون صحة حصول الفعل من زيد لأمر يرجع إلى عمرو وتأثيره، والذي يدل على بطلان ذلك أن صحة الفعل حكم صدر عن الجملة، فالمؤثر فيه يجب أن يكون راجعاً إليها، والفاعل خارج عن تلك الجملة؛ لأن صحة الفعل لو صدرت من فاعل آخر لما وجب وقوع الأفعال بحسب قصد الصادرة عنه، ولأنه يؤدي إلى التسلسل؛ لأن ذلك الفاعل لا يصح منه الفعل الذي هو الصحة إلابفاعل آخر كالأول، فإن قلتم يصح منه الفعل لأجل صفة ترجع إليه، وجب في الأول مثله، فلا يحتاج إلى هذا الفاعل؛ إذ لافرق، ولأن من حق ما أثر الفاعل في ثبوته أن يؤثر في صحته، وصحة الفعل لا صحة لها تؤثر في الفاعل، وباطل أن يكون بالعلة؛ لأنها إن كانت معدومة أو غير حالة فيه، فلا اختصاص لها به، وإن حلته لم تؤثر؛ لأنها تختص بمحلها والمعلوم أن الفعل صادر عن الجملة، فثبت أن المؤثر في صحة الفعل من القادر ليس أمراً خارجاً عن ذاته وصفاته، وإذا لم يكن خارجاً عن ذلك، فاعلم: أنه لا يجوز أن يصح منه الفعل لمجرد الذات، وإلاَّ لزم في كل ذات مثله حتى الجمادات، ولا لوجود مزية زائدة على الذات؛ لأن تلك المزية إن كانت حكماً لم يصح لأنه لا يعلم إلا بين غيرين أو غير، وما يجري مجرى الغير، ونحن نعلم القادر قادراً، وإن لم نعلم غيراً ولا ما يجري مجراه، وإن كانت صفة راجعة إلى آحاد
الجواهر لم يصح أيضاً، وإلا لزم في كل واحد من الجواهر أن يكون قادراً، وأن لايفترق الحال بين القادر والعاجز، وأن لا يخرج الجسم عن كونه قادراً ما دام موجوداً؛ لأن جواهره باقية، ويلزم أيضاً أن تكون الجملة بمنزلة أحياء قادرين ضم بعضهم إلى بعض، فكان يجب أن لا يحصل منها الفعل بداع واحد، ويلزم أيضاً أنه إذا دعا أحد الأجزاء الداعي إلى الفعل، وصرف الآخر عنه صارف أن يو جد ولا يوجد دفعة واحدة، وهو محال، ويلزم أيضاً أن يتأتى الفعل بكل جزء ابتداء حتى بشحمة الأذن، والمعلوم خلافه، فثبت أن المؤثر في صحة الفعل أمر يرجع إلى الجملة.
فإن قيل: إذا ثبت ذلك، فما الدليل على أن ذلك الأمر هو كونه قادراً؟
قيل: الدليل على ذلك أن الصفات الراجعة إلى الجملة عشر، وليس شيء منها يؤثر في صحة الفعل إلا كونه قادراً، بيان ذلك أن الصحيح والمريض قد يشتركان في جميع الصفات الراجعة إلى الجملة، خلا كونه قادراً، فيكونان حيين، عالمين، مريدين، كارهين، مشتهيين، نافرين، ظانين، ناظرين، مدركين، ويصح مع هذا الاشتراك من الصحيح ما لايصح من المريض، فدل على أن المؤثر في ذلك صفة غير ماذكرنا، وهو كونه قادراً إذ لا صفة ترجع إلى الجملة غير ذلك.
فإن قيل: إذا ثبت في الشاهد كونه قادراً للمفارقة المذكورة، فمن أين ثبت لكم بذلك أن الباري تعالى قادر؟
قيل: ثبت ذلك بالقياس القطعي، بيانه أنه قد تقرر بما ذكرنا أن الذي دل على كون الواحد منا قادراً أنه قد صح منه من الأفعال ما تعذر على غيره، وقد ثبت أن الله تعالى قدصح منه ما تعذر على غيره، فوجب أن يكون قادراً، وها هنا أصل وفرع، وعلة، وحكم، فالأصل الواحد منا، والفرع الباري تعالى، والعلة صحة الفعل، والحكم كونه قادراً، فإذا شارك الفرع الأصل في العلة وجب أن يشاركه في الحكم، وإلا لما صح أن تكون علةً. هكذا حرره جماعة من المتكلمين.
قال في الغياصة: والأولى أن يقال إذا شارك الباري تعالى الواحد منا في صحة الفعل، وجب أن يشاركه في كونه قادراً؛ لأن الفعل مقتضى عن كونه قادراً، وكونه قادراً مقتضيه لأن الاشتراك في المقتضى بصيغة اسم المفعول يوجب الاشتراك في المقتضي بصيغة اسم الفاعل، ثم نقول: هاهنا أصل، وفرع، ومقتضى بالفتح، ومقتضي -بالكسر- فالأصل الواحد منا، والفرع الباري تعالى، والمقتضى صحة الفعل، والمقتضي لذلك كونه قادراً، فإذا شارك الفرع الأصل في المقتضى بالفتح وهو صحة الفعل وجب أن يشاركه في المقتضي لذلك، ولا يبطل كون صحة الفعل حكماً مقتضى عن كونه قادراً، والمقتضى لا يحصل إلا بعد حصول المتقضي بالكسر لأنه موجب له، وإنما اختار هذه الطريقة لأن المقتضي بالكسر موجب، بخلاف العلة فإنها غير موجبة، وإنما هي معرفة موصلة، ولقائل أن يقول: إن العلة وإن لم تكن إلا معرفة وكاشفة، فإن ذلك لا يضعف الاستدلال بها، وإيصالها إلى القطع؛ لأنها إذا قد كشفت عن صفة الأصل وعرفتنا بها وجب أن تكشف عنها في الفرع؛ لأنها قد حصلت فيه على الوجه الذي تحصل معه الدلالة، فيجب أن تكشف عن المدلول وهو ثبوت الصفة للفرع، وإلا لخرجت عن كونها علة.
قلت: إلا أن طريقة التعليل وإن كانت قطعية فما ذكره في الغياصة أولى على أصولهم لما ذكره من الإيجاب، ولذا إن الإمام المهدي لما أورد على نفسه سؤالاً يفيد تجويز الفارق بين الواحد منا، والباري تعالى من حيث أن صحة الفعل من أحدنا يجوز أن تكون مقتضاة عن القادرية دون الباري تعالى، أجاب بأن الاشتراك في المقتضى بالفتح يوجب الاشتراك في المقتضي بالكسر ضرورة،ولفظ السؤال هو أن يقال: إن صحة الفعل في الغائب واجبة أزلية،وفي الشاهد متجددة،فإذا اختلفا في ذلك جاز أن يخلتفا في أن أحدهما يفتقر إلى مؤثر غير المؤثر الآخر كما نقول في قادريتنا وقادرية القديم تعالى،وحينئذ يجوز أن صحة الفعل في حقنا مقتضاة عن القادرية، ولا يجب مثل ذلك في صحة الفعل من القديم تعالى، وأجاب بأن صحة الفعل إذا دلت في الشاهد على القادرية بطريقة الاقتضاء لزم مثل ذلك في القياس، فإن الاشتراك في المقتضى يوجب الاشتراك في المقتضي.
ألا ترى أن الاشتراك في التحيز يوجب الاشتراك في الجو هرية، والاشتراك في المدركية يوجب الاشتراك في كونه حياً معلومٌ بالضرورة، وأن من كان مدركاً لزم كونه حياً، وما كان متحيزاً كان من جنس الجواهر.
واعلم: أن بعضهم قد جعل هذا القياس ظنياً زاعماً أن علته غير قطعية، وقد عرفت بما قررنا أنها قطعية، سيما على طريقة الاقتضاء فلا يهولنك ما يشنع به الخصوم ويزخرفونه من الكلام في رد نحو هذا القياس، وقد أوضحنا في المقدمة، وقررنا في الفاتحة صحة قياس الغائب على الشاهد إذا كان تركيب القياس صحيحاً، فارجع إلى تلك القواعد تعرف صحة هذا القياس، على أن لنا أن نركب هذا الدليل على غير طريقة القياس، وذلك بأن نرده إلى كلية، وهي أن من صح منه الفعل فهو قادر.
قال النجري: وعرفنا هذه الكلية بأن صحة الفعل لا بد لها من مقتضي بالكسر، وذلك المقتضي هي الصفة التي عبرنا عنها بالقادرية، وإنما ذكرنا الشاهد على وجه التقريب والتمثيل، فإنها إذا ثبتت في الشاهد صفة زائدة على الذات بالدليل أمكن ثبوتها في الغائب صفة زائدة بمثل ذلك الدليل، وكان أصل الدليل أن يقال قد صح منه الفعل، وكل من صح منه الفعل فهو قادر، أما المقدمة الأولى فمعلومة، وأما المقدمة الثانية وهي الكلية فلأن صحة الفعل لا تصح أن تكون ذاتية؛ لأنها حكم، والأحكام لا تكون ذاتية، وإذا لم تكن ذاتية لم يكن لها بد من مؤثر، وليس هو مجرد الذات وإلاَّ لزم في كل ذات أن يصح منها الفعل، فهو حينئذ صفة زائدة على الذات متعلقة بالمقدور؛ لأنا نعلم بين القادر والمقدور تعلقاً، وتلك الصفة هي المرادة، والمسماة بالقادرية، فصح أن الله تعالى قادر، وأما ما ذهب إليه الباطنية وغيرهم من المخالفين، فيكفي في إبطاله صحة ماذهبنا إليه؛ لأنهما في طرفي نقيض إذا ثبت أحدهما بطل الآخر، ولا بأس بالتعرض لشبههم، فنقول: أما قول الباطنية بأنه يؤدي إلى التشبيه والتعطيل، فنقول: لا يؤدي إلى التشبيه إلا وصفه بصفات المخلوقين كإثبات المعاني القديمة، ولذا قال أمير المؤمنين عليه السلام : (وكمال الإخلاص له نفي الصفات عنه لشهادة كل صفة أنها غير الموصوف، وشهادة كل موصوف أنه غير الصفة، فمن وصف الله سبحانه فقد قرنه، ومن قرنه فقد ثناه، ومن ثناه فقد جزأه، ومن جزأه فقد جهله). رواه في النهج، وقال في موضع آخر منه: (لا يوصف بشيء من الأجزاء، ولا بالجوارح، والأعضاء، ولا بعرض من الأعراض، ولا بالغيرية والأبعاض) فبين في هذا الكلام أن المنفي عنه صفات المخلوقين؛ لأنها التي تقتضي التشبيه دون ما يليق به من الصفات التي أثبتها لنفسه، ودل عليها في كتابه، كما قال عليه السلام : (فما دلك القرآن عليه من صفته فأتم به). رواه في النهج وغيره.
ولا يذهب إلى قولهم إلا من ينكرحكم العقل والكتاب، وإلا فالعقل قد عرف أنه تعالى قادر كما مر، وأما الكتاب فهذه الآية ونحوها، ومن بلغ به الحال إلى مخالفة هذين الدليلين فلا جدوى في الكلام معه، وأما برغوث فيجاب عليه بأن كونه قادراً حكم ثابت، والثابت لا يعلل بالنفي، وأما المطرفية فإبطال نسبة التأثير إلى الطبائع كاف في الرد عليهم، وأما الفلاسفة فشبهتهم أن الوصف يقتضي التكثير.
والجواب:
أولاً: أنا لانسلم أن الباري تعالى جل وعلا علة، وقد أبطلنا أن يكون المؤثر في العالم علة في سياق قوله تعالى: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}[الفاتحة:2].
ثانياً: أن دعواهم لزوم التكثير باطل، وإنما يلزم ذلك لو وصف بأوصاف المخلوقين، ونحن لم نصفه بذلك سبحانه وتعالى، وأما ماحكاه عنهم القرشي من الإقرار بأنه قادر، ودعواهم أنه موجب لفعله، فقد أبطلنا تأثير الإيجاب في الفاتحة.
تنبيه [في صفة القدرة]
اعلم: أن هذا الدليل المركب من القياس، وما ذكره النجري مبنيان على ما ذهب إليه الأكثر من أن هذه الصفة أمر وجودي زائد يدل على الذات، وأما على ماذهب إليه الأئمة ومن وافقهم ممن ينفي الأحوال، فالدليل عندهم على قادريته تعالى ما مر من أن العلم بأن صحة الفعل لا تكون إلا من قادر ضروري، ومن قال منهم أنه استدلالي قال: إن القادر من يصح منه الفعل، وفسر الصحة بعدم الاستحالة، فكأنه قال: القادر من لا يستحيل منه الفعل، والباري تعالى لا يستحيل منه الفعل بدليل وقوعه منه، والوقوع فرع الصحة، فيجب أن يكون قادراً.
قلت: وهذا هو دليل المجبرة على قادريته تعالى؛ لأنه لا يمكنهم القياس على الشاهد على أصلهم، وهو نفي قادرية العبد وفعله.
فائدة: الصحة تستعمل في معان:
أحدها: أن يراد بها ماقابل الاستحالة، يقال العالم يستحيل وجوده في الأزل، ويصح فيما لايزال أي ليس بمستحيل.
الثاني: إمكان الفعل والترك بالاختيار، وهذا يقابله الإيجاب، يقال: فلان يقع منه الفعل على سبيل الصحة أي باختياره لا على سبيل الإيجاب أي عدم الاختيار.
الثالث: بمعنى البرء من المرض، يقال: صح من مرضه.
الرابع: بمعنى اعتدال المزاج، يقال: فلان صحيح أي معتدل الطبائع والمزاج.
الخامس: أن تكون اسماً للتأليف الذي تحله الحياة.
السادس: بمعنى الإجزاء، يقال: صلاته صحيحة أي مجزئه.
السابع: بمعنى تكامل الشرائط الشرعية، كما يقال: عقد صحيح أي إن الشرائط المعتبرة مجتمعة فيه.
الثامن: بمعنى الصدق، يقال: كلام فلان صحيح، أي صدق، والمراد هنا الثاني، إلا عند من ينفي الأحوال فالظاهر أنهم يعنون بالصحة هنا المعنى الأول.
الفصل الثاني: في أدلة المختلفين في الجهة الثانية، وهي هل للقادر بكونه قادراً صفة راجعة إلى الجملة أو لا.