ألاترى أن التحيز لما كان واجباً للجوهر في حال الحدوث وجب في حالة البقاء، فصح أنه لو لم يستغن حالة الحدوث لما استغنى حالة البقاء، ولما كان المعلوم استغناؤه عن القدرة حالة البقاء وجب مثله في حالة الحدوث، لما ذكرنا من استوائهما في ثبوت الأحكام، والخصم قد وافقنا في حالة البقاء فيجب أن يوافق في حالة الحدوث، وتكون الآية مخصوصة في هذه الحالة كما هي مخصوصة في حالة البقاء، وأما ما ذكره من أن قدرة الباري تعالى تتعلق بالموجود حال بقائه لإعدامه فهو مذهب قاضي القضاة، ومن اتبعه من أصحابنا فإنهم يقولون أن الباري تعالى قادر على إفنائه وإعادته، فيوصف بأنه قادر عليه، وقال أبو عبد الله: لايوصف بذلك إذ القادرية لاتتعلق به، قال الحاكم: والخلاف لفظي.

المسألة الثامنة [دلالة الآية على قدرة الله]
دلت الآية الكريمة على أن الله تعالى قادر، وأن هذا الصفة ثابتة له، ولا يقال هذه من الاستدلال بالسمع، والاستدلال بالسمع على إثبات الصانع وصفاته الذاتية لا يصح كما مر في المقدمة؛ لأنا نقول: ليس الاستدلال به في هذا ممنوع مطلقاً، بل إن لم يكن مثيراً لدفائن العقول كمامر، وهذه الآية من ذلك القبيل، ألا ترى أن الله سبحانه أتبعها بما يدل على القدرة البالغة بقوله: {الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ...} الآية[البقرة:21]، ولذا قيل: إن هذه الآية -أعني قوله: {الَّذِي خَلَقَكُمْ...} إلخ- من أدلة وجوب النظر.
واعلم: أن هذه المسألة تحتاج إلى تحقيق، وتوضيح الدليل عليها، ورد الشبه الواردة من أهل الإلحاد ونحوهم، ولأجل هذا جعلنا الكلام عليها في أربعة مواضع:
الأول: في حقيقة القادر، والمقدور.
الثاني: في بيان الخلاف في المسألة .
الثالث: في ذكر الدليل على أن الله تعالى قادر، ورد شبه المخالفين، وبيان بطلانها.
الرابع: فيما يلزم المكلف معرفته في المسألة.

[حقيقة القادر والمقدور]
الموضع الأول في حقيقة القادر: فقيل هو من يصح منه الفعل مع سلامة الحال، وهذا الحد ذكره ابن الملاحمي،وهو بناء على ما يذهب إليه هو، و أبو الحسين،واتباعهما من أن صدور الفعل من الفاعل على سبيل الصحة والاختيار يعلم منه ضرورة أنه يقتضي قادريته عليه، وقال المتقدمون من المتكلمين: هو المختص بصفة لكونه عليها يصح منه الفعل مع سلامة الأحوال، فقوله: المختص بصفة جنس الحد، وقوله: لكونه عليها أي لأجل اختصاصه بها، وقوله: يصح منه الفعل فصل يخرج ما تناوله الجنس، والمراد بالصحة ما كان على وجه الاختيار، لا الصحة التي تقابل الاستحالة فإنها لا تدل على القادرية كالمسببات، وقوله: مع سلامة الأحوال يعني ما لم يكن ثم مانع ولا ما يجري مجراه، وقد ورد على هذا الحد أسئلة:
أحدها: أن من حق الحد أن يكون أجلى من المحدود، وإن من علمه علم المحدود، والمعلوم أن نفاة الأحوال يعلمون القادر قادراً وإن لم يعلموا اختصاصه بصفة، وأجيب بأن الحقيقة توضع على اصطلاح واضعها، واعتقاده من دون اعتبار للمخالف، ثم إنا لا نسلم أن نفاة الأحوال يعلمون القادر تفصيلاً، وإنما يعلمونه إجمالاً.
الثاني: أنكم ذكرتم صحة الفعل، والفعل لا يكون فعلاً إلا بعد حصوله، والصحة له متقدمة عليه، فكيف يقال يصح منه الفعل، وبعد حصوله لا صحة إذ قد خرج عن كونه مقدوراً، وأجيب بأن تسميته قبل وجوده فعلاً من باب تسمية الشيء باسم ما يؤول إليه يجوز، وفيه نظر، والأولى أن يقال المراد بالفعل الإيجاد لا الموجد وهو حقيقة فيه.

الثالث: أن فيه إحالة لأنهم ذكروا الفعل في حد القادر، والقادر في حد الفعل، وهذا يؤدي إلى التو قف في فهم معنييهما، وأجيب بأن الفعل قد يراد به الإيجاد وهو الحقيقة، وقد يراد به الموجود وهو مجاز، فالأول معلوم ضرورة لا يحتاج إلى تحديد؛ لأن الوجود على الجملة معلوم ضرورة، وهذا هو المقصود في حد القادر فكأنه قال: هو المختص بصفة لكونه عليها يصح منه الإيجاد، وهذا خلل فيه، وأما الفعل الذي ذكر القادر في حده فالمراد به الموجود لا الوجود؛ لأنه لا يتصف بالوجود إلا الموجود دون الوجود؛ إلا أنه كان ينبغي أن ينصبوا قرينة في حد الفعل تصرف لفظ الفعل إلى معناه المجازي.
فإن قيل: ومن أين لكم أن الفعل قد يطلق ويراد به الإيجاد؟
قيل: الذي دلنا على ذلك أنه لو قال: فعلت هذا وما أوجدته لعد مناقضاً، وكذلك لو قال أوجدته وما فعلته.
الرابع: أنه لم يبين في الحد أن المراد بسلامة الأحوال أن لايكون هناك مانع، ولا ما يجري مجراه، ومن حقه البيان؛ لأن الغرض بالحد إبانة المحدود، وأجيب بأن الحدود مبنية على الاختصار، سيما في مختصرات الكتب وتبيين معانيها، وما تخرجه فصولها موكول إلى الشيخ الحافظ، والكتب البسيطة، وليس الاختصار في الحدود إلا كالاختصار في الكتب التي يتوقف فهم جملة معانيها على الشروح والمشائخ، والمقصود من الحد التقريب.
قال في الغياصة: ومثال المنع أن يريد أحدهما حمل شيء فيعتمد عليه من هو أكبر منه قدراً، فالمنع هو الضد لفعلك، والضد: هو ما فعله الأقوى من السكون، والذي يجري مجرى المانع القيد والحبس فإنهما يمنعان من كثير من الأفعال، وهما جاريان مجرى الضد لكونه يتعذر الفعل معهما كما يتعذر عند حصول الضد.
السؤال الخامس: أنكم قد فسرتم سلامة الحال بأن لايكون مانع، والمنع إنما يكون منعاً في حال حدوث الفعل فإذ كان المنع إنما منع الحدوث، فكيف تحترزون عنه وأنتم لم تذكروا الحدوث في الحد، وإنما ذكرتم الصحة؟

وأجيب بأن المنع حالة الحدوث يكشف أن ذلك المقدور الذي منع مانع من حدوثه لم يكن يصح من القادر قبل إحالة الحدوث، وهذا الجواب مستقيم إن صح أن المنع من الحدوث يكشف عن عدم الصحة، لكن في كلام بعضهم أن ذلك لا يكشف.
السادس: أن المنع لا يكون إلا بكثرة الأضداد وكونها أكثر من مقدورات الممنوع، ولاشك أن مقدورات الله تعالى غير متناهية في الوجود، بل لا شيء منها يفعله إلا وفي مقدوره الزيادة عليه، فلا يتصور في حقه المنع، فلا يكون الحد جامعاً لخروج الباري تعالى عنه.
وأجيب بأن المنع يتصور في حقه تعالى، وذلك بأن تريد قدراً معلوماً من الأفعال، فإن الواحد منا يمكنه المنع بأن يفعل أكثر مما أراد الله تعالى إيجاده من أضداد تلك الأفعال.
قال في الغياصة: وهذا معلوم إلا أن إطلاق العبارة أن الله تعالى ممنوع يوهم الخطأ، وأنه لا يقدر على الزيادة، فلم يجز إطلاقها.

واعلم: أن للقادر حدوداً كثيرةً غير ما ذكرنا ذكرها علماء الكلام، منها ما حكاه الإمام المهدي، عن المتأخر ين وهو أنه المختص بصفة لكونه عليها يصح منه الفعل ما لم يكن ثم مانع، أو ما يجري مجراه، ولم يكن الفعل مستحيلاً في نفسه لوجوده فيما لم يزل، وهو كالأول، إلا أنهم زادوا ولم يكن مستحيلاً لأنه لم يخرج بقولهم ما لم يمنع مانع لما عرفته من تفسير المانع، وما يجري مجراه، ويرد عليه ما ورد على الأول إلا السؤال الرابع ونحوه في الغياصة إلا أنه قال: يصح منه إيجاد مقدوره، ولم يقل يصح منه الفعل ليسلم من السؤال الثاني والثالث، وقيل: هو الذي إن شاء فعل، وإن لم يشأ لم يفعل، وهذا الحد لا يرد عليه شيء مما سبق، ويجري على جميع المذاهب؛ لأن المشيئة تقع من القادر، سواء قلنا إنه إنما كان قادراً لاختصاصه بصفة أم لغير ذلك، وهو إلى الحد الأول أقرب، وفي شرح القلائد لمؤلفها عليه السلام عن ابن الملاحمي أنه قال: هو المتميز تميزاً لأجله يصح منه الفعل مع سلامة الأحوال، وأنه لا يكون مستحيلاً في نفسه، قال: ولا يقال إنه يعلم القادر من لا يعلمه هذا التمييز؛ لأن هذا التمييز معلوم لكل أحد، وإنما الكلام هل التميز بصفة أم بالذات.
قال الإمام المهدي: وهو كحد المتأخرين إلا أنهم فصلوا وهو أجمل، والإجمال مطعون فيه؛ لأن المطلوب فيه تفصيل المحدود.
وأما المقدور فهو ما يصح إيجاده، والمراد بالصحة الامكان أي ما يمكن إيجاده ليخرج المستحيل إيجاده.
قال الإمام المهدي: وإن شئت قلت هو إيجاد الممكن.
قلت: والفرق بين هذا وبين الأول أنه في الأول جعل المقدور الممكن، وفي هذا جعله الإيجاد.
واعلم: أن بعض أصحابنا يتبعون حقيقة القادر والمقدور بحقيقة الفعل والفاعل لما بينهما من التلازم والارتباط، ونحن قد ذكرنا حقيقتهما في الاستعاذة فلا فائدة في التكرار.

قال بعض المحققين: والفرق بين الفاعل والقادر أنا نصف القادر بأنه قادر وإن لم يفعل، ولا نصف الفاعل بأنه فاعل حتى يفعل، ولهذ يتصف القديم تعالى بأنه قادر فيما لم يزل ولا نصفه بأنه فاعل فيما لم يزل لأنه يؤدي إلى قدم المفعول.

[ذكر الخلاف في مسألة القدرة]
الموضع الثاني: في ذكر الخلاف، والخلاف في المسألة من جهتين:
الأولى: في كونه تعالى متصفاً بالقادرية.
والثانية: في كونها صفة زائدة على الذات شاهداً وغائباً أم لا.
أما الجهة الأولى: فذهب أهل الإسلام، وأكثر الفرق الخارجة عنه إلى أن الله تعالى قادر، وقالت الباطنية: لا يوصف بأنه قادر ولا غير قادر؛ لأن وصفه بذلك يقتضي تشبيهه، ونفيه عنه يقتضي تعطيله، وهذا مذهبهم في سائر الصفات، وقال برغوث: لا مزية له بكونه قادراً، وإنما المرجع به إلى أنه ليس بعاجز، و ألزمت المطرفية أن لا يوصف بذلك؛ لأنهم أضافوا التأثيرات إلى الطبائع، وجعلوها موجبة، فسدوا على أنفسهم طريق معرفة كونه تعالى قادراً؛ إذ لا طريق إلى ذلك إلا حدوث هذه الحوادث من جهته، فإذا أضفناها إلى غيره من طبع أو غيره جوزنا في الطبع كذلك، وأنه صادر عن موجب فتنسد الطريق إلى القادرية.
قال الإمام المهدي: وفي هذا الإلزام نظر، فإن لهم أن يقولوا: إنا قد علمنا حدوث الحوادث فلابد من انتهائها إلى فاعل مختار، وإلا لزم قدمها إن كان موجبها قديماً، أو وقوف وجودها على وجود ما لا يتناهى من الواجبات لاستلزامه بطلان وجودها.
قلت: وحاصل كلامه عليه السلام أنه لا يصح الإلزام إلا لو قالوا: العالم كله حاصل بالطبع أصوله وفروعه، وأما على القول بأنه تعالى خلق أصوله، فلا يصح الإلزام؛ لأنهم يقولون أن حدوث الحوادث ينتهي إلىخالق الأصول وهو فاعل مختار، وقالت الفلاسفة الإسلاميون: الرب الذي هو العلة عندهم لا توصف بأنها قادرة ولاغيرها من الصفات؛ لأن وصفها بذلك يقتضي تكثيرها وهي غير متكثرة. هكذا في الغياصة ونحوه، وفي الدرر ولم يقيد الفلاسفة بالإسلاميين، بل أطلق الحكاية عنهم، وأما القرشي فقال: إن الفلاسفة يقولون: إنه قادر، ولكنه موجب لفعله.

وأما الجهة الثانية: فقال في الغياصة: الذي عليه الزيدية، وجمهور المعتزلة وغيرهم أن للقادر بكونه قادراً صفة راجعة إلى جملته، يعني أنها أمر وجودي زائد على الذات كما صرح به النجري، ونسبه إلى الأكثر، وقال برغوث، والنجار: المرجع بها إلى النفي فقط، وهو أنه ليس بعاجز، وقال أبو القاسم: المرجع بكونه قادراً إلى الصحة، واعتدال المزاج، وقال أبو الحسين، وابن الملاحمي: المرجع بها إلى البنية المخصوصة في الشاهد من اللحم، والدم، وما يصحب ذلك من العصب، والرطوبة واليبوسة، وفي الغائب إلى ذات الباري المخصوصة.
قال ابن حابس: هذا هو مذهب جمهور أئمتنا، بل إطباق قدمائهم على ذلك؛ لأن الصفات عندهم هي الذات، وقد غفل الدواري في إطلاق الروا ية عن الزيدية.
قلت: وفي قول ابن حابس أن قول الأئمة كقول أبي الحسين نظر، فإنهم يقولون إن صفات الله تعالى هي الله، وليس ثم أمر زائد، ولا مزية، ولا غيرها، وأبو الحسين لم يوافقهم إلا في صفة الوجودية، وأما غيرها، فقال: هي مزايا لاهي الله، ولا هي غيره كما في الأساس، وحكى النجري عنه، وعن ابن الملاحمي أن القادرية في حق الله ليست صفة وجودية، بل هي مزية وخصوصية للذات على غيرها من الذوات، وهذا كما ترى مخالف لمذهب الأئمة، اللهم إلا أن يكون ابن حابس بنى كلامه هنا على ما ذكره الشرفي من أن أبا الحسين، ومن تبعه لا يثبتون المزية إلا في العالمية، والمدركية فقط، قال: على ما حكاه عنهم الإمام يحيى.
الموضع الثالث: والكلام فيه في فصلين:
الأول: في ذكر الدليل على أن الله تعلى قادر، وإبطال شبه المخالفين.
الثاني: في ذكر أدلة المختلفين في الجهة الثانية.

الفصل الأول: في الدليل على أن الله تعالى قادر، والذي يدل على ذلك أنه تعالى قد صح منه الفعل، وصحة الفعل لاتكون إلا من قادر، أما أنه قد صح منه الفعل فلأنه قد وقع، وقد أوضحنا الدلالة على ذلك حيث دللنا على أن العالم محدث، وأن محدثه هو الله، وذلك مستوفى في الفاتحة في المسائل المتعلقة بالحمد لله رب العالمين، وإذا ثبت وقوعه ثبت صحته؛ إذ لو كان مستحيلاً لما وقع.
فإن قيل: هلا جعلتم دليل القادرية وقوع الفعل، وما منعكم من ذلك حتى جعلتم الدليل هو الصحة؟
قيل: لأن مجرد الوقوع لا يدل على كونه قادراً، ألا ترى أنه لو وقع الفعل على جهة الوجوب لم يدل على القادرية.
فإن قيل: فما تدفعون به قول من قال إن وقوع الفعل وهو العالم كان على جهة الإيجاب، فلا يصح لكم الاستدلال بالوقوع على الصحة.
قيل: ندفعه بما مر من إبطال كون وقوعه على جهة الإيجاب، فارجع إلى فاتحة الكتاب ترى ما يزيل الشك والإرتياب.
فإن قيل: فلم احتجتم إلى الاستدلال بالوقوع على الصحة، ولم تستدلوا بالصحة من أول الأمر؟
قيل: لأنا لم نجد طريقاً إلى صحة الفعل من الله إلا الوقوع، وإما أن صحة الفعل لا تكون إلا من قادر، فقال الإمام القاسم بن محمد ومن تبعه: إن العلم بذلك ضروري، ألا ترى أن الإنسان لما لم يقدر على الطيران لم يصح منه إيجاده، والمقعد لما لم يقدر على المشي لم يصح منه إيجاده ونحو ذلك.

159 / 329
ع
En
A+
A-