وأما قولكم: إن الآيتين مقيدتان في المعنى، فدعوى مجردة، ثم إنه إذا جاز التقييد فيهما بالمعنى فهلا يجوز في اللفظ المفرد، بل هو في التحقيق، وجميع صفات الله تعالى مقيدة في المعنى كما مر، ولم أوجبتم التقييد في اللفظ هنا ولم تو جبوه في قادر ونحوه، مع أنه يلزم من إطلاقها من الإيهام والتشبيه ما يلزم من إطلاق لفظ شيء، بل أعظم لتبادر المعاني منها، وأيضاً هي مع عدم القيد لا تفيد مدحاً يليق بجلال الله عز وجل إلا مع اعتبار تقييدها في المعنى فما الفرق.
احتج القائلون بأن جواز إطلاقه عقلي بما مر من أنه يفيد معنى، وهؤلاء قالوا: العقل بمجرده كافٍ في جواز ذلك كما في غيره من الحقائق، وورود السمع به إنما هو للتأكيد.
احتج القائلون بأن دليله سمعي فقط بأنه كاللقب لم يفد معنى ولا صفة، وما كان كذلك لم يجز إطلاقه إلا بإذن سمعي، وقد ورد، وهو ما مر، وأجيب بأنه جار مجرى المفيد.
قال الإمام عز الدين: هو يشبه المفيد، ويفارق اللقب من وجه، ويفارق المفيد من وجه.
أما الأول: فمن حيث أنه لا يجوز تغييره مع بقاء اللغة بحالها الأول بحيث أنه لو استعمل فيما لايصح العلم به والخبر عنه لكان في ذلك تغييراً للغة،وهذا حال المفيد،واللقب يجوز تغييرٌ، واللغة لم تتغير فيصح تسمية زيد بعمرو ولا يكون في ذلك تغييرٌ للغة.
وأما الثاني: فمن حيث أنه لايقع به إبانة نوع من نوع.
قلت: يعني أنه لا يفيد أمراً ثبو تياً يقع به التمييز بين الأنواع، ولذا جاز إطلاقه على الأشياء المختلفة كالإنسان، والفرس فإنه يقال لهذا شيء، ولهذا شيء.
قال الموفق بالله عليه السلام : ولا يختلف أصحابنا أنه لا يفيد إثباتاً؛ لأنه لا يميز نوعاً من نوع، ولا جنساً من جنس، ولا قبيلاً من قبيل، ونص في الإحاطة أيضاً على أن المفيد هو الذي يحصل به التمييز المذكور، وقد ذكرنا كلامه في البسملة، ثم قال: وما يفيد هو المستعمل، وذلك مثل قولنا: قادر، وعالم.

قال: ومنه ما لا يفيد، كقولنا: زيد، وعمرو فإنه لا إفادة له صحيحة، وإنما وضعت عند الغيبة لتنوب مناب الإشارة عند الحضور، وكذلك قولنا شيء لأنه لا يميز نوعاً من نوع، ولا جنساً من جنس، ولا قبيلاً من قبيل، وفي النفي يفيد ذلك كقولنا: مارأيت شيئاً؛ لأنه يفيد أنه ما رأى شيئاً ما على وجه ما، وإذا قال: رأيت شيئاً لم يفد لأنه لم يفهم به ما رآه إذالم يحصل تمييز جنس، ولا نوع، ولا قبيل، وممن قال: إنه إنما يشبه المفيد القرشي، وحاصل كلامهم: أن المفيد هو ما تميز به جنس، أو نوع، أو قبيل، والظاهر أن المراد بالقبيل الذات أي ما يميز ذاتاً عن ذات من حيث الوضع، كقولنا: جوهر لما يشغل الحيز، وعرض لما لا يشغله، ولما كان لفظ شيء لا يميز به شيء مما ذكرنا لم يجعلوه مفيداً، وإنما جعلوه جارياً مجرى المفيد من حيث أنه يدل على كون المسمى به معلوماً من حيث الوضع، وهذا بخلاف اللقب فإنه وإن كان المسمى به معلوماً فليس من حيث الوضع،ولذا يجوز تغييره وتسميته بغيره، ولا يمكن في لفظ شيء التغيير بحيث يكون زيدٌ معلوماً لا يصح أن يطلق عليه هذا اللفظ، فتنبه لهذا الفرق، وبه تعلم أن إطلاق القول بأنه مفيد لمعنى ليس إلا تجوزاً، وإنما هو جار مجرى المفيد.
واعلم: أنا قد أشرنا إلى تقسيم الأسماء في مباحث البسملة، وجعلناها تسعة أقسام من حيث هي، ووعدنا بالتنبيه على ما يجوز إجراؤه على الله منها عند عروض مايطلق عليه تعالى من الأسماء، وهذا الاسم -أعني لفظ شيء- هو من القسم الرابع.
فائدة
قد عرفت مما مر أن معنى كونه تعالى شيئاً كونه معلوماً على انفراده، وهذا عند من يطلق الشيء على المعدوم والموجود، وأما من يخصه بالموجود، فمعناه عنده أنه موجود كما مر عن القاسم.

وقال الهادي عليه السلام : نريد بقولنا شيء إثبات الموجود، ونفي العدم المفقود؛ لأن الإثبات أن تقول شيء والعدم أن لا تثبت شيئاً؛ لأن من أثبت شيئاً فقد أثبت صانعاً مدبراً، ومن لم يثبت شيئاً كان في أمره ذلك متحيراً، ودخل عليه ضد الإقرار وهو النفي، والشك، والإنكار، وفي كلامه عليه السلام رد لما حكاه الموفق بالله من أنه لايفيد إثباتاً؛ لأنه عليه السلام قد جعل معناه الإثبات، غايته أن لا يحصل به تمييز المثبت إلا مع قرينة تمييزه كقرينة المدح في حق الباري تعالى. والله أعلم.

المسألة السادسة [في قدرة العبد]
قال الرازي: احتج أصحابنا بهذه الآية على أن مقدور العبد مقدور لله تعالى خلافاً لأبي علي، وأبي هاشم، ووجه الاستدلال بها أن فعل العبد شيء، والآية عامة لكل شيء، فو جب بحكم العموم دخوله، وهذه هي مسألة مقدور بين قادرين، وبين المتكلمين فيها نزاع شديد، فقال أكثر المعتزلة: مقدور بين قادرين محال، فلا تتعلق قدرة قادر بنفس ما تعلقت به قدرة قادر آخر، بل إنما تعلق بجنسه، وسواء في ذلك القادر بقدرة والقادر للذات، فلا يقدر الباري تعالى على نفس ما قدر عليه العبد فيكون ذلك الفعل من الله تعالى ومن العبد، بل إنما يقدر على جنسه فقط، وبه قال بعض متأخري الزيدية، وبعض أئمة العترة، منهم الإمام المهدي وغيره.
وقال الإمام يحيى، والإمام القاسم بن محمد، وأبو الحسين، ومن تابعهم من العدلية: بل يصح وليس بمحال. ورواه في القلائد عن النجارية، والكلابية.
قال النجري: بل هو قول أكثر المجبرة، وهو ظاهر حكاية الرازي هنا.
قال في الأساس: ومقدور بين قادرين متفقين ممكن، وقال الإمام المهدي: أما الأشعرية فالظاهر من قول الرازي وغيره مثل قولنا حيث منعوا مخلوقاً لخالقين، واستدلوا بمثل دليل منع مقدور بين قادرين.
احتج الأولون بحجج:
الحجة الأولى: أنه لو صح مقدور بين قادرين لصح أن يريده أحدهما ويكرهه الآخر؛ لأنا نعلم ضرورة أنه يصح من القادرين منا أن يريد أحدهما ما يكرهه الآخر، فلو كان لهما مقدور واحد فكره أحدهما وجوده لزم عدمه، وإلا لم يكن قادراً عليه؛ إذ القادر من وقف وجود الفعل وعدمه على اختياره، وإذا أراده الآخر عند كراهة صاحبه لزم وجوده، وإلا لم يكن قادراً عليه، وإذا لزم وجوده وعدمه كان موجوداً معدوماً في حالة واحدة، وهو محال، فما أدى إلى تجويزه وهو مقدور بين قادرين يجب أن يكون محالاً، وهذا الدليل يحتاج في تقريره إلى بيان خمسة أصول:

الأول: أن من حق القادر على الشيء وجوب وجود مقدوره عند محاولة إيجاده وزوال المانع، وهذا معلوم ضرورة؛ إذ القادر إذا حاول الإيجاد ولا مانع حصل مقدوره ضرورة، وإذا لم يحصل علمنا ضرورة أنه غير قادر عليه، وكذلك إذا كرهه وانصرف عنه استحال وجوده ضرورة؛ لأنا كما نعلم ضرورة أنا إذا أردنا وجوده وجد، فإنا نعلم ضرورة أنه لايوجد حيث كرهناه وانصرفنا لا فرق بينهما.
الأصل الثاني: أن من حق كل قادرين صحة اختلاف مراديهما.
الثالث: أن ذلك يستلزم إذا كان لهما مقدور واحد أن يجب وجوده عند محاولة أحدهما، وانتفاؤه عند كراهة الآخر، فإذا اتفق منهما وقوع الكراهة والإرادة في حالة واحدة لزم أن يكون في تلك الحال موجوداً معدوماً.
الرابع: أن كون الشيء موجوداً معدوماً في حالة واحدة محال، وهذه الثلاثة الأصول معلومة بالضرورة، إلا أن بعضها بديهي، وبعضها تحتاج إلى مراجعة النفس بأدنى تأمل.
الأصل الخامس: أن ذلك يقتضي إحالة مقدور بين قارين، فدليله أن تصحيحه يقدح فيما علم بالضرورة وهي الأصول المتقدمة، وما قدح في الضروري وجب القطع بنفيه.
فإن قيل: أتقولون أن مخالفكم جاحد للضرورة؟
قيل: لانقول ذلك لأن الأصل الخامس ليس بضروري، بل استدلالي كما بينا، وما اعترض به بعضهم على هذه الحجة من أن المحال وجود الشيء وعدمه بالنظر إلى ذاته، وأما بالنظر إلى الغير فالإستحالة بأن يوجد من جهة ما أراده، ويعدم من جهة ما كرهه كما أن ما يوجده زيد غير ما يوجده عمرو، فمدفوع بأن المسألة مفروضة في فعل واحد تعلقت به الإرادة والكراهه في وقت واحد، وهذا لا شك في استحالته.

الحجة الثانية:أنه لوصح ذلك لصح أن تتفق إرادتهما على إيجاده في حالة واحدة ضرورة، فإذا كان إيجاده فإما أن يؤثر في إيجاده قادريتاهما معاً، وهو باطل؛ لأنهما إن أثرا في وجود واحد لزم أن يكون وجود الذات الواحدة متبعضاً فيكون لها نصف وجود وثلث وجود، وذلك باطل اتفاقاً بيننا وبين الخصم بالضرورة، سواء قلنا الوجود زائد على الذات، أم هو نفس الموجود، ثم إنا لو سلمنا تبعضه فقد حصل غرضنا، وهو أنه لا مقدور بين قادرين إذ البعضان متغايران، وإن أثرتا في وجودين لزم أن يتعدد الوجود للذات الواحدة، والخصم يمنع ذلك؛ لأنه جعل الوجود ما هية الموجود، ومن المحال أن تكون للماهية الواحدة ماهيات متعددة، ثم إنا لو سلمنا تأثيرهما في وجودين فقط حصل المطلوب، وإما أن لا يؤثر في إيجاده فهو باطل؛ لأنه يؤدي إلى خروجه عن كو نه مقدوراً لهما وهو خلاف الفرض، وإما أن تؤثر فيه إحداهما فقط، فباطل أيضاً لتأديته إلى كون الذي لم تؤثر فيه قادريته غير قادر، وإذا بطلت هذه الأقسام لزم بطلان صحة مقدور بين قادرين؛ لأنه إذا علم ضرورة أنه إذا صح استحال خلوه من تلك الأقسام، وقد علم ضرورة استحالة ثبوتها له ثبت بالضرورة لزوم بطلان ذلك المقدر صحته وهو مقدور بين قادرين؛ لأن ما أدى إلى باطل فهو باطل.
الحجة الثالثة: أنه لوجاز لجاز معلول لعلتين أو أكثر، وذلك يفتح باب جهالات كثيرة، والجامع بين المقدور والمعلول حاجة كل واحد منهما إلى المؤثر؛ لأن الحكم وهو استحالة تعلق المعلول بغير ما أوجبه ثبت بثبوت تأثير علته فيه، وانتفى بانتفائه، ولا طريق إلى العلة سوى ذلك، فقطعنا أنه لا علة له غير التي أوجبته.

الحجة الرابعة: أنه لو صح ذلك لصح أن يريد أحدهما وجوده في محل، ويريد الآخر وجوده في محل آخر، فإن وجد مرادهما معاً لزم حلول الذات الواحدة في محلين، وهو محال، وإما أن لايوجد مرادهما معاً لزم خروجهما عن كونهما قادرين، وإما أن يوجد مراد أحدهما فقط فمن وجد مراده فذلك المراد مقدور له دون الآخر فلم يكن مقدوراً لهما، وبهذا يعلم بطلان مقدور بين قادرين، وهذه الحجة مبنية على أن الحلول بالفاعل.
احتج أهل القول الثاني بحجج:
الأولى: أن مقدور العبد ممكن، والباري تعالى قادر على كل ممكن فيجب أن يكون قادراً عليه، ويتأيد هذا الدليل بعموم الآية، وأجيب بأنا لا نسلم أنه ممكن إلا من جهة من تعلقت به قادريته ويستحيل من غيره، والآية مخصوصة.
الحجة الثانية: قالوا: لوحرك قادران جوهراً فإما أن يوجدا فيه حركتين، أوحركة واحدة.
الأول: باطل لاستحالة اجتماع المثلين، سلمنا فلا وجه لاختصاص أحدهما بإحدى الحركتين دون الأخرى، وحينئذ يجب أن يقال كل واحدة منهما مستندة إلى كل واحد من القادرين، ففيه غرضنا لأن كل واحدة منهما مقدورة لقادرين.
والثاني: وهو أن يو جد فيه حركة واحدة لاتخلو إما أن تستند إلى أحدهما، وهو باطل؛ إذ لا اختصاص له بإيجادها، وإما أن لا تستند إلى أيهما، وهوباطل أيضاً لأنها تكون فعلاً لا فاعل له، فتعين أن تكون مستندة إليهما معاً، وهو المطلوب، وأجيب بأن المثلين يصح اجتماعهما في المحل الواحد، وعلى هذا فيقال: هما يوجدان حركتين كل واحدة منهما مختصة بقدرة معينة، فلا يلزم ما ذكروه.
الحجة الثالثة: قالوا لو لم يقدر الباري تعالى على عين مقدورنا لكان نقصاً في قادريته، كما لو لم يعلم عين معلومنا، وأجيب بالفرق، وهو أن تعلق القدرتين بمقدور واحد محال لما مر، وتعذر المحال ليس نقصاً في حق القادر كتعذر الجمع بين الضدين، بخلاف العالميتين فلا إحاله لتعلقها بمعلوم واحد.

الحجة الرابعة: أن منع ذلك يؤدي إلى تناهي مقدورات الباري تعالى، وأجيب بأنه لا يؤدي إلى ذلك مع القول بأنه يقدر على ما لا يتناهى من كل جنس.
الحجة الخامسة: قالوا: يلزم أن يقدر أحدنا على تحريك جسم لطيف وحال تحريكه لايقدر الباري جل وعلا على تحريكه، وأجيب بأنا لا ننفي تعلق القدرة به على كل حال، فنقول: هو يقدر على تحريكه حركة غير الحركة الذي أو جدها الواحد منا.
الحجة السادسة: أن تحريك الجماعة نحو الخشبة حركة واحدة في وقت واحد، وكسرهم نحو العود كسراً واحداً كذلك لا ينكره عاقل، وذلك دليل واضح على ما ذهبنا إليه؛ لأن الفعل وهو التحريك، والكسر فعل واحد، ومقدور واحد، وقد اشترك فيه جماعة علم ذلك ضرورة.
فإن قالوا: قدرة كل واحد تعلقت بغير ما تعلقت به قدرة الآخر، وإن لم يتميز مقدور كل منهم فكل واحد له مقدور.
قلنا: هذا باطل، بل تعلقت قدرة كل واحد بنفس ما تعلقت به قدرة الآخر وهو تحريك الخشبة، وكسر العود؛ لأنه المقدور الذي حصل بمجموع فعلهم، والتحريك، والكسر شيء واحد لا يتبعض، ولا يتجزأ، وهو مقدور واحد بين قادرين، ولا يلزم من اجتماع القدر، وضم بعضها إلى بعض تعدد المقدور إذ لا ملازمة بينهما وذلك واضح.
وأجيب بأنه لو اتحد المتعلق للزم تبعض الوجود أو تعدده للذات الواحدة، وهو باطل كما مر، فما أدى إليه يجب أن يكون باطلاً.
قال ابن لقمان: واعلم أن ثمرة الخلاف هي أنه هل يقدر الله تعالى على أعيان أفعال العباد أم لايقدر إلا على أجناسها، فمن قال يجوز مقدور بين قادرين، قال بأن الله تعالى يقدر على أعيان أفعال العباد، وأنه يجوز أن تكون حركة المتحرك وسكون الساكن من الله ومن العبد، ولا مانع من ذلك إلا أن ذلك لم يقع؛ لأن أفعال العباد منهم، ولا يلزم من عدم الوقوع عدم الجواز، ومن قال لا يجوز مقدور بين قادرين قال لا يجوز ذلك، ولا يقدر الله تعالى إلا على أجناس أفعال العباد لا على أعيانها.

قلت: وقد نبهنا على هذه الثمرة في أول المسألة، وإنما ذكرنا ماهنا لزيادة الإيضاح، والتحقيق لمحل الخلاف وفائدته. والله الموفق.

المسألة السابعة [استطراد في ذكر القدرة]
قال الرازي: احتج أصحابنا بهذه الآية على أن المحدث حال حدوثه مقدور لله تعالى خلافاً للمعتزلة، ثم قال وبيان استدلال الأصحاب أن المحدث حال وجوده شيء، وكل شيء مقدور، وهذا الدليل يقتضي كون الباقي مقدوراً ترك العمل به فيه، فيبقى معمولاً به في محل النزاع لأنه حال البقاء مقدور على معنى أنه قادر على إعدامه، وأما حال الحدوث فيستحيل أن يقدر الله على إعدامه لاستحالة أن يصير معدوماً في أول زمان وجوده، فلم يبق إلا أن يكون قادراً على إيجاده.
قلت: حاصل كلامه أن عموم الآية يقتضي أنه قادر على إيجاد المحدث حال إحداثه، وإعدامه في تلك الحال، خصصنا الإعدام بالعقل لاستحالته، فيبقى محل النزاع وهو تعلقها به حال الحدوث للإيجاد داخلاً تحت العموم، وأما قدرته عليه حال البقاء فليس من محل النزاع لأن القدرة لا تتعلق به للإيجاد لاستحالة إيجاد الموجود، فلم يبق إلا تعلقها به للإعدام ونحوه.
واعلم: أن ما ذكره عن المعتزلة صحيح فإنهم يقولون أن الفعل يستغني عن القدرة حال حدوثه فلا تتعلق به، ومرادهم بحالة الحدوث أول أوقات الوجود، ولا أعلم بينهم في ذلك خلافاً إلا ماروي عن أبي الهذيل من الخلاف في أفعال القلوب، وأجيب بأنه لا وجه للفرق، واحتجوا على أن حالة الحدوث حالة استغناء بأن قالوا: لو لم يستغن عن القدرة حالة الحدوث لما استغنى حالة البقاء، والمعلوم خلافه، فإذا ثبت استغناؤه حالة البقاء وجب مثل ذلك حالة الحدوث؛ لأن كل حكم يثبت للذات في حالة الحدوث لعلة من العلل ثبت مثله في حالة البقاء لتلك العلة.

158 / 329
ع
En
A+
A-