قلت: ومن أقوى ما يبطل به قولهم ما مر من تعلق العلم بالمستحيل مع الاتفاق على أنه لايسمى شيئاً، وأما حكايتهم عن أهل اللغة أنهم يقولون: علمت شيئاً موجوداً، فليس الكلام في المعنى اللغوي؛ إذ لاخلاف في إطلاق لفظ شيء لغة على المعدوم، وإنما الخلاف في الاصطلاحي، وإذا عرفت هذا فالمنقول عن أهل اللغة، والآية وما في معناها محمول على المعنى اللغوي، ويجوز في الآية أن يحمل على المجاز من تسمية الشيء باسم ما يؤول إليه.
تنبيه
قد مر في أول المسألة الاستدلال بالآية على غير وجه الاستدلال بها هنا، وذلك أنا ذكرنا هنالك أنه تعالى أثبت القدرة على كل شيء، والموجود لا قدرة عليه... إلى آخر ما مر، والاستدلال بها على هذا الوجه في غاية الضعف لوجهين:
أحدهما: أنه لم يقل أحد بأن القدرة لا تتعلق بالمقدور إلا لإيجاده حتى يصح قولهم أن الموجود لا تتعلق به قدرة، بل كل من أقر بالصانع يقطع بأن قدرة الباري تعالى تتعلق بالممكن الموجود، من حيث أنه قادر على التصرف فيه بالصحة، والسقم، والزيادة، والنقص، والإماتة، وغير ذلك، وبالمعدوم من حيث الإيجاد، والإخراج من العدم، على أنه لا تعرض في الآية للمعدوم، بل هي في الدلالة على تعلق القدرة بالموجود أصرح من حيث السبب؛ لأن الله تعالى أوردها للإخبار بقدرته على إذهاب سمعهم، وأبصارهم مع الإخبار بالقدرة على غيرهما، وسمعهم وأبصارهم من الموجودات، وقد ذكر الأصوليون أن صورة السبب تدخل في العموم دخولاً أولياً.
الوجه الثاني: أنه يلزمهم أن ما لا يقدر الله عليه لايكون شيئاً، فالموجود لايكون شيئاً؛ لأنه غير مقدور بزعمهم.
احتج من لايسمي المعدوم شيئاً بوجوه:

أحدها: أن الخصم موافق في أن ذوات العالم هي العالم، وفي أن العالم محدث، وفي أن الحدث نقيض الأزل، فلو كان المعدوم شيئاً بالمعنى الحقيقي الذي زعموه للزم صحة وصف ذوات العالم بالمتناقضين، وهما كونها محدثة وثابتة في الأزل، والجمع بين النقيضين محال، فما أدى إليه يجب أن يكون محالاً.
الثاني: أنهم موافقون في استحالة وجود ذوات العالم في الأزل، فيلزم أن يستحيل ثبوتها في الأزل.
فإن قيل: الوجود غير الثبوت، فلا يلزم من استحالة وجود الذوات في العدم ووصفها به استحالة ثبوتها ووصفها به.
قيل: لانسلم الفرق بينهما، بل هما عند العرب مترادفان علم ذلك بالاستقراء، وتناقض قول القائل ثبت ولم يوجد أو العكس.
الثالث: أن في كتاب الله تعالى من الأدلة الصريحة الدالة على أن المعدوم لايسمى شيئاً ما لا يمكن دفعه، وسيأتي في مواضعه، ومنها قوله تعالى: {وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُنْ شَيْئاً}[مريم:9].
الرابع: أن السنة النبوية قد دلت على ذلك، فمنها مارواه المرشدبالله عليه السلام بسنده إلى ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((من قال لا إله إلا الله قبل كل شيء، ولا إله إلا الله بعد كل شيء، ولا إله إلا الله يبقى ربنا ويفنى كل شيء عوفي من الهم والحزن)) وفي المعراج عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم : ((وكان الله ولا شيء ثم خلق الذكر)) ورواه السيد حميدان، وعنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه ذكر في بعض خطبه: ((أن الله منشئ الأشياء)) رواه السيد حميدان.

الخامس: إنما ذهبنا إليه هو كلام أمير المؤمنين عليه السلام ، فإن في غضون كلامه مما يدل على أن لا شيء في العدم، ولا ذات في الأزل شيء كثير، وهو المبين للأمة ما اختلفوا فيه، فمن ذلك قوله عليه السلام : (الحمد لله الأول قبل كل أول، والآخر بعد كل آخر) وقوله: (هو الأول لم يزل، والباقي بلا أجل) وقوله: (لم يخلق الأشياء من أصول أزلية، ولا من أوائل أبدية) وقوله عليه السلام : (وإن الله سبحانه يعود بعد فناء الدنياء وحده لا شيء معه كما كان قبل ابتدائها، كذلك يكون بعد فنائها بلا وقت ولا مكان، ولا حين ولازمان، عدمت عند ذلك الآجال والأوقات، وزالت السنون والساعات، فلا شيء إلا الله الواحد القهار) وقوله: (أنشأ الخلق إنشاء، وابتدأه ابتداء) وقوله: (الحمد لله الدال على وجوده بخلقه، وبمحدث خلقه على أزليته) وقوله: (عالم إذ لامعلوم، ورب إذ لامربوب، وقادر إذ لامقدور). روى هذا كله في نهج البلاغة.
وقال عليه السلام : (الذي الحدث يلحقة فالأزل يباينه) رواه السيد حميدان، وقال عليه السلام : (الحمد لله الذي لامن شيء كان، ولا من شيء خلق ماكون)، رواه أبو طالب، وقال عليه السلام : (بل هو الواصف لنفسه، والملهم لربوبيته، والمظهر لآياته إذ كان ولاشيء كائن) رواه السيد حميدان، وكلامه عليه السلام قد تضمن إبطال جميع شبة الخصوم، فتأمله تعرف.
ألا ترى إلى ما تضمنه من إبطال قولهم إنه لايصح تعلق القدرة والعلم بالمعدوم عدماً محضاً، وقولهم: إنه لايصح إعادة الأجزاء الفانية إلا إذا كانت ذواتها ثابتة، وبالجملة إن كلامه عليه السلام حجة قاطعة في صحة ما ذهب إليه الأئمة، وإبطال قول من خالفهم.
وأما قول أبي القاسم، فقال الإمام عز الدين: لافرق بينه وبين قول من نفى الذوات في حال العدم؛ لأن مراده أن المعدوم شيء من جهة اللغة، ولاخلاف في ذلك، ولم يرد أنه ذات يصح العلم به على انفراده.
فائدة

قال الإمام عز الدين: ذهب جمهور المثبتين للذوات في العدم إلى أن الصفات الذاتية تثبت لها في حال عدمها، وقال أبو اسحاق بن عياش: مع اعترافه بأنها أشياء وذوات، لا تستحق في حال عدمها شيئاً من الصفات.
فائدة [في ذكر ما يجوز إطلاق شيءٍ عليه]
فيما يجوز إطلاقه على الشيء في حال عدمه عند القائلين بأن المعدوم شيء، فمن ذلك جوهر، ولون، وطعم، ورائحة، وتأليف، وكون، وغير ذلك من أسماء الأجناس التي لا تدل على الوجود، وإنما تفيد إبانة نوع من نوع، فإن قولنا جوهر لا يفيد إلا أنه شيء متحيز عند الوجود، ولون لايفيد إلا أنه شيء يكون هيئة لمحله عند وجوده، وكون لايفيد إلا أنه شيء يوجب كون محله في جهة عند وجوده، وكذلك سائرها، فأما ماكان يدل على الوجود، فإنه لايجوز إجراؤه، سواء دل عليه لفظاً ومعنى كموجود، أو معنى فقط كمحدث، وقديم، وباق، ومعاد، فإن هذه تفيد الوجود مع وجه زائد، فمحدث يفيد الوجود بعد عدم، وقديم يفيده في الأزل، وباق يفيد استمرار الوجود وقتين فصاعداً، ومعاد يفيد حصول الوجود بعد عدمٍِ تقدمه وجودٌ، وهكذا قولنا في التأليف إلتزاق ومماسة، وخشونة، ولين، وفي الشهوة جوع، وعطش، وعشق، فإن هذه تفيد الوجود على وجه، فلا يجوز إجراؤها على الشيء في حال عدمه، وكقولنا: قدرة على الكون فإن تعلقها بالكون يفيد وجودها إذ لا تتعلق به إلا بعد الوجود، وقد ذهب أبو الحسين الخياط إلى أن المعدوم يجوز تسميته جنساً، وعند قوم أنه يوصف في حال عدمه بأنه جسم وجرم، وبالمجيء، والذهاب، والأكل، والشرب.
قال الإمام عزالدين: وهذا إفراط في إثبات الذوات في العدم، وغلو جاوز الحد، وأعظم من ذلك تجويز بعضهم رجلاً راكباً على فرس في العدم.
قال عليه السلام : فأما أبو القاسم فقد ذهب إلى أنه لا يسمى في حال العدم جوهراً ولا عرضاً، بل يسمى شيئاً، ومعلوماً مخبراً عنه، ومقدوراً، ونحو ذلك، قال عليه السلام : وكلامه أرجح وأوضح. والله أعلم.

المسألة الخامسة [احتجاج جهم بهذه الآية]
احتج جهم بهذه الآية على أن الله تعالى لا يسمى شيئاً؛ لأنها تدل على أن كل شيء مقدور له تعالى، وذاته تعالى ليست من جنس المقدورات، فوجب أن لايكون شيئاً.
واعلم: أن هذه المسألة فيها خلاف من أربع جهات في جواز إطلاق هذا اللفظ على الباري تعالى، فمنعه جهم والباطنية، وأجازه الجمهور.
الجهة الثانية: اختلف في جواز إطلاقه على غير الباري تعالى، فمنعه الشيخ أبو محمد الناشي من العدلية، وقال لايسمى شيئاً إلا الله تعالى، وأما غيره فيسمى مشيئاً بصيغة اسم المفعول وأجازه الأكثر.
الجهة الثالثة: اختلف من أجاز إطلاقه على الباري تعالى في تقييده، وإطلاقه، فقال القاسم، والهادي: لا يجري عليه تعالى إلا مع تقييده بما يفيد المدح.
قال القاسم: إني إذا سميته شيئاً ذكرته بكلام آخر أصله به فيكون مديحاً كقولنا شيء واحد كريم، والله شيء واحد عزيز، والله شيء لا كالأشياء.
وقال الهادي في جواب السؤال عن الله أهو شيء، فقال: نقول إن ربنا جل وتقدس إلهنا شيء لا كالأشياء، وظاهر كلام الأكثر أنه يجوزمن غير قيد، كما تفيده عبارة الإمام المهدي في القلائد وشرحها.

الجهة الرابعة: اختلف المجوزون في دليل الجواز هل عقلي أم سمعي، فقال أبو هاشم، وهو ظاهر كلام الإمام المهدي: دليله العقل، والسمع، وهو المأخوذ من كلام القاسم والهادي، وقال أبو علي، وأبو عبد الله البصري: بل السمع فقط، وفائدة الخلاف أن دليله إذا كان عقلياً فلا يحتاج إلى الإذن في تسمية الباري تعالى، بخلاف ما إذا كان سمعياً، وإذ قد أتينا على ما يتعلق بالمسألة من الخلاف فلنأخذ في الاحتجاج على ترتيب ذكر الخلاف، فنقول: احتج جهم ومن وافقه بالعقل والسمع، أما العقل فلأن لفظ شيء لا يفيد المدح، وقد مر أنه لايجري عليه تعالى من الأسماء إلا ما تضمن مدحاً، وإنما لم يفد هذا اللفظ مدحاً؛ لأنه لفظ مشترك بين الشيء الحقير كالذرة، وبين أعظم الأشياء، وإذاكان كذلك كان مفهومه حاصل في أحسن الأشياء وأحقرها.
ألا ترى أنه يقال الكلب شيء، والحمار شيء، والإنسان شيء، فأين فائدة المدح والحال هذه.
وجه آخر: وهو أنه قد ثبت إطلاقه على المحدثات، وإذا كان كذلك لزم من إطلاقها على الباري تعالى التشبيه، وأما السمع فآيات منها هذه الآية التي نحن بصددها، وقد مر وجه الاحتجاج بها.
والجواب: أنه قد ثبت أن كل اسم يفيد معنى على الحقيقة وحصل ذلك المعنى في حق الله فإنه يجوز إجراؤه عليه تعالى، وهذا الاسم قد دل على معنى وهو ما يصح العلم به والإخبار عنه، وهذا المعنى حاصل في حق الله تعالى، ولا مانع منه، فوجب أن يصح إجراؤه عليه، وأما تعليلهم لمنعه بعدم إفادة المدح، فنقول: الدليل العقلي لم يشترط في صحة الإطلاق فيما حصل فيه المعنى إلا عدم المانع، على أنا لا نسلم خلوه من المدح والحال هذه، سيما على القول بأنه لا يطلق على المعدوم.

ألا ترى أنه إذا أريد المبالغة في تحقير شخص أو نحوه، أو الإستهانة به، قيل: هو لا شيء، أو هو سواء والعدم، وهذا يدل على أن وصف الشيء بما يدل على كونه موجوداً معلوماً، وكونه مما يصح الإخبار عنه يفيد مدحاً ما، سلمنا، فلانسلم أن عدم إفادته المدح يمنعه مطلقاً، بل إذا لم يقيد بما يفيد المدح، وقد عرفت أن وجوب تقييده بذلك مذهب بعض الأئمة على أن لقائل أن يقول: إن جميع أسماء الله وصفاته مقيدة في المعنى، فإن وصفه بقادر، وعالم مقيد في المعنى بأنه قادر لا كالقادرين، وعالم لا كالعالمين، فكذلك هذا نقول هو مقيد في المعنى بما يفيد المدح، وعنده يرتفع الإشكال، وأما قولهم إنه يلزم التشبيه، فباطل؛ لأن التشبيه لا يحصل بمجرد التسمية، فإنا لو سمينا شخصاً ناراً لم يوهم أنه مثل النار، وقد أطال القاسم بن إبراهيم عليه السلام الاحتجاج على أن إطلاق هذا الاسم على الباري تعالى لايلزم منه تشبيه.
وحاصل كلامه عليه السلام أنه إنما قيل هذا شيء، وهذا شيء لإثبات الأشياء بأنها موجودة وليست بمعدومة، والاشتراك في صفة الوجود لا يستلزم التشبيه ولا المماثلة، فكذلك ما هو في معناها، ولأنه يقال للذرة شيء، وللفيل شيء ولا يلزم من إطلاقه عليهما المشابهة بينهما، فكذلك إذا أطلقناه على الباري تعالى لايلزم منه تشبيه؛ إذ المراد منه إثباته موجوداً جل وعلا، وليس التماثل إلا في اللفظ لا في المسميات.
قال الإمام المهدي: على أنه لا خلل في التشبيه إلا حيث يوجب التماثل الذاتى لا العرضي، فإنما الممنوع تشبيه ذاته بذوات المحدثات في الماهية لا في العوارض التي ليست لازمة للذات، فإن المعلوم أنا قد شاركناه في كوننا أحياء قادرين موجودين لا تردد في ذلك، وإذا صحت الشركة المعنوية فاللفظية فرع عليها، فلا حرج في ذلك.

قلت: كلامه عليه السلام يوهم أن قادرية الباري تعالى، ونحوها ليست لازمة للذات، ويوهم أن صفاته تعالى الذاتية كالقادرية، والعالمية معنوية، وأنا نشاركه في ذلك، وكل ذلك غير صحيح فإنه تعالى لا مشاركة بينه وبين خلقه لا في الذات، ولا في الصفات، وليست صفاته تعالى معنوية، بل هي إما نفس الذات، أو استحقها للذات، وقد نص الإمام عليه السلام على هذا الأخير، والحاصل أنه لاشركة بيننا وبينه إلا في اللفظ، فإنه يطلق عليه، وعلينا لفظ قادر ونحوه، لكنه في حقه تعالى مقيد كما مر.
هذا، وأما احتجاجهم بالآية فجوابه:
أنها مخصوصة بضرورة العقل كمامر، وبالمخصص اللفظي، وهو قوله: قدير على رأي.
قالوا: التخصيص خلاف الأصل.
قلنا: يجوز العدول عن الأصل لدليل، وقد قام الدليل على جواز التخصيص.
قالوا:الأصل في التخصيص أن أهل العرف يقيمون الأكثر مقام الكل، وذلك إنما يجوز في الصورة التي يكون الخارج حقيراً قليلاً بحيث يجعل وجوده كعدمه، ويحكم على الباقي بحكم الكل، ولا شك أن أعظم الأشياء قدراً هو الله تعالى، فلا يجوز أن يقال أنه تعالى مخصص من هذه الآية، وإذا ثبت أنه غير مخصص منها وجب أنه لا يطلق عليه لفظ شيء.
قلنا: لا نسلم أن إقامة الأكثر مقام الكل لا يكون إلا فيما إذا كان الخارج حقيراً، بل هو فيما كان الباقي من أفراد العموم أكثر من الخارج من غير نظر إلى عظمة الخارج ولا إلى حقارته؛ لأن اللفظ بالنسبة إلى العظيم، والحقير على سواء، على أنا لانسلم أن الأصل في التخصيص ما ذكرتم من إقامة الأكثر مقام الكل كما هو مقرر في موضعه، ولهذا أجاز بعضهم التخصيص إلى أن لا يبقى إلا واحد.

احتج الأكثر على جواز إطلاقه على الباري تعالى من جهة العقل بما مر من أنه اسم يفيد معنى على الحقيقة، ولا مانع منه، فيجب أن يجوز إجراءه عليه تعالى، واستدلوا من السمع بآيات منها قوله تعالى: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ}[القصص:88] والمراد بوجهه ذاته، فلو لم يكن شيئاً لم يصح الاستثناء، ومن السنة ما رواه الرازي، عن عمران بن الحصين، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم : ((كان الله ولم يكن شيء غيره)) وروى الرازي أيضاً، عن عائشة أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: ((ما من شيء أغير من الله عز وجل))
احتج الناشي: بأن الشيء إنما وضع لما لم يؤثر فيه غيره، وليس كذلك إلا الباري تعالى.
والجواب: أنه واهم في ذلك، بل الشيء هو ما ذكرناه عن أهل اللغة، ولنا على إبطال قوله من الأدلة السمعية هذه الآية وغيرها مما لا يحصى كثرة، بل إطلاقه على غير الباري تعالى في حكم المعلوم ضرورة من أهل اللغة.
واعلم: أن الناشي قد جعل الموجود، والقادر، ونحوهما في حكم الشيء في أنها لا تطلق إلا على الباري للعلة المذكورة.
والجواب الجواب، احتج القاسم، والهادي بأنه قد ثبت بالإجماع أنه لا يطلق على الباري تعالى إلا ما أفاد المدح، وهذا الاسم إن لم يقيد بما ذكر لم يفد مدحاً، فلا يجوز إطلاقه، وأجيب بأنا لانسلم أنه لايطلق عليه إلا ما أفاد مدحاً، بل المعتبر في الحقيقي صحة المعنى وعدم المانع، سواء أفاد مدحاً أم لا، وكيف يصح الإجماع مع خلاف الموفق بالله، والإمام المهدي، وغيرهما، فإن ظاهر كلامهما عدم اشتراطه، فلو كان ثمة إجماع لما خالفوه، سلمنا فهو مقيد في المعنى كمامر.

احتج من لايشترط التقييد بأنه يفيد معنى، وهو كونه تعالى معلوماً، فو جب تسميته بذلك من غير قيد لما مر من أن الاسم إذاكان حقيقة في معنى وذلك المعنى يصح على الله تعالى فإنه يجوز إطلاقه من غير قيد، وأيضاً ورد السمع به بدون تقييد نحو ما مر، ونحو قوله تعالى: {قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ}[الأنعام:19] وقوله: {وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}[البقرة:282] وهو عالم بذاته قطعاً، فكان داخلاً في عموم الآية.
وأجيب بأنه قد قام الدليل على أنه لا يطلق عليه إلا ما تضمن مدحاً ولفظ شيءٍ مطلقاً لا يفيد المدح، وإفادة كونه معلوماً لا يكفي في جواز الإطلاق؛ إذ ليس المصحح للإطلاق في الأسماء دلالتها على كون المسمى معلوماً، وإلا لجاز إجراء اللقب عليه لأنه يفيد كون مسماه معلوماً، وهو ممنوع إجماعاً، ولا وجه لمنعه إلا أنه لا يتضمن مدحاً، وأما عدم التقييد في الآيتين فلأن لفظ الشيء فيهما عام للأشياء المتشابهة، والشيء الذي لا كالأشياء، وكل لفظ عام لماهو مقيد في المعنى وما هو غير مقيد إذا أتي به وأريد به العموم، فإنه لا يمكن ذكر القيد وإن كان مقصوداً، لكنا نقول: هو مقيد في المعنى، وإذا كان مقيداً في المعنى بطل احتجاجكم به على جواز الإطلاق.
قالوا: قد ثبت أن صحة المعنى وعدم المانع كافٍ في صحة الإطلاق فيما هو حقيقة، وقد مر حجتهم على ذلك في البسملة، وأما الإلزام بإجراء اللقب، فوهم؛ لأنه لا يدل على معنى في المسمى، وإنما هو علامة للذات، ومن حيث هو لابإزاء معنى فيها، ونحن نشترط في الإطلاق أن يدل الاسم على معنى في الباري تعالى كقادر وعالم بأن يطلق عليه لأجل ذلك المعنى الذي فيه، والمعلوم أن وضع الألقاب ليس لأجل معنى في المسميات، وإنما وضعت لتمييز الأشخاص وتعيينها.

157 / 329
ع
En
A+
A-