[الخلاف في ثبوت ذوات العالم في الأزل]
الموضع الثاني: في الخلاف في ثبوت ذوات العالم في الأزل، فقال القرشي، وحكاه عن الجمهور: أن ذوات العالم ثابتة في الأزل، وقالوا: لا نهاية لها،وفسر الإمام عز الدين الجمهور بجمهور الزيدية، والمعتزلة.
وقال أئمتنا"، وأبو الحسين،وابن الملاحمي، وأبو الهذيل، وأبو القاسم ابن شبيب التهامي،والبرذعي،وهشام بن عمرو،والمجبرة بأسرهم: لا ثبوت للذوات في العدم، بل العدم نفي محض، وهو قول الدهرية، والفلاسفة المتقدمين، وبعض الفلا سفة الإسلاميين. رواه عنهم الإمام عز الدين.
قلت: وما حكيناه عن أئمتنا" فهو الذي رواه في الأساس، ومجموع السيد حميدان عنهم، ولا يخفى ما في إطلاق الرواية عنهم من النظر لظهور خلاف بعض المتأخرين، ولعل المراد قدماءهم"، وممن جنح إلى هذا القول من متأخريهم الإمام يحيى، ورواه عن المحققين.
قال في التمهيد: ذهب المحققون من جماهير العلماء إلى أن المعدوم ليس بشيء، ولا عين، ولا ذات في حال عدمه، وإنما هو نفي محض، والله تعالى هو الموجد للأشياء، والمحصل لذواتها وحقائقها.
قال الإمام عز الدين: وهذا هو الحق الذي لا ريب فيه.
احتج الأولون بوجوه:
أحدها: أن للقادر العالم تعلقاً بمقدوره ومعلومه، وإذا لم تكن ذوات العالم ثابتة في الأزل لم يصح تعلق القدرة والعلم بها لاستحالة تعلق القدرة والعلم بالمعدوم المحض، وتو ضيح ذلك أن يقال: معنى تعلق القادر بمقدوره أن يصح إيجاده له، وهذا التعلق حكم يعلم بين القادر والمقدور، فلا بد أن يكون المقدور ذاتاً أو صفة ليعلم الحكم بينه وبين القادر، وباطل بالاتفاق أن يكون صفة فتعين أن يكون ذاتاً، وإلا كان الحكم قد علم لا بين غيرين، ولابين غير وما يجري مجراه، وهكذا يقال في تعلق العالم بالمعلوم؛ إذ معنى تعلقه به أنه يعلمه على ما هو به، وهذا التعلق حكم إلى آخره.
والجواب من وجهين:

أحدهما: أنه ليس من شرط الحكم أن يكون المقدور، والمعلوم ذاتاً أو صفة في الحال كما يفيده كلامكم، فإن صحة وجود المقدور حكم علم بينه وبين الوجود مع عدم ثبوت الوجود في الحال.
الثاني: أن معنى التعلق هو أن القادر العالم يصح منه لذاته أو لاختصاصه بصفة على الخلاف أن يجعل ذاتاً، وأن يعلم ما سيجعل؛ لا أن في العدم ذاتاً معينة يصح إيجادها، والعلم بها.
الوجه الثاني: أن أحدنا يفصل في حال عدم الأشياء بين ما يقدر عليه، وبين ما لا يقدر عليه، ولو لم يكن المعدوم ذاتاً لما صح هذا التمييز؛ لأن الفصل بين الأشياء راجع إلى ذواتها.
والجواب: أن التمييز يرجع إلى تصور حقائقها وما هيتها، وهو لا يقتضي كونها ذواتاً ثابتة في العدم.
قال في المعتمد: تصور المعدوم كتصورنا ثاني القديم، والبقاء، والإدراك، ومعلوم أن تصور هذه الأشياء لا يقتضي كونها ذواتاً.
قالوا: لانسلم صحة تصور ثاني القديم، وسائر ما ليس بشيء؛ لأن التصور علم بصور الأشياء وما هيتها، وليس لثاني القديم ماهية يمكن تصورها.

قلنا: لا نسلم أن التصور يشترط فيه العلم بصور الأشياء وما هياتها، بل يكفي التصور بوجه ما، كما ذكره المحققون في تصور المستحيل، وليس للخصم أن يدعي أن المستحيل شيء؛ لأنه ليس بشيء اتفاقاً، ولا أن يقول: أن العلم لا يتعلق به، فإن انكار ذلك مكابرة؛ لأن كل عاقل يجد من نفسه العلم باستحالة اجتماع النقيضين والضدين، قال بعض المحققين: المستحيل لا تحصل له صورة في العقل، فلا يمكن أن يتصور شيء هو اجتماع النقيضين والضدين، فتصوره إما على جهة التشبيه بأن يعقل مثلاً بين السواد والحلاوة أمر هو الاجتماع، ثم يقال مثل هذا الأمر الذي عقلناه لا يمكن حصوله بين السواد والبياض أو نحو ذلك، وحاصله أن تصور ما لا وجود له في الخارج صحيح، وأن التصور بوجه ما كاف، و لو على جهة الفرض، فيكون تصور نفي ثاني القديم، وسائر ماليس بشيء صحيح وبه يصح جوابنا، وقولنا: إن التمييز راجع إلى تصور الحقائق ويبطل اعتراضهم،وما أحسن ما قاله بعض أهل التحقيق حيث قال: إن الذي لا وجود له في الخارج وأنت قصدت الحكم عليه بنفي الوجود مثلاً لا يحتاج إلى تصور مورد النفي على وجه يجوز ثبوته في الخارج، بل يكفيك تصوره على وجه الفرض، فإذا قصدت أن تحكم على الضدين بنفي الاجتماع تتصور لهما اجتماعاً كاجتماع المختلفات الغير المتضادة ثم تنفيه.
الوجه الثالث: أن القادر يقصد إلى الجوهر دون السواد مثلاً، فلو لم يكونا ذاتين لم يصح القصد إلى أحدهما دون الآخر.
والجواب: أن القصد إليهما لا يترتب على كونهما ذاتين، وإنما يترتب على العلم بهما، والعلم عندنا يتعلق بالنفي المحض.
الرابع: أن إعدام المكلفين صحيح، وإعادتهم للجزاء صحيحة، ولا يجوز أن يكون المعاد غير الأجزاء الفاعلة للطاعة والمعصية، وإذا كانت هي المعادة، فنقول: هل هي متعينة في حالة العدم ليصح القصد إلى إيجادها بعينها، فهو الذي نقول، أو ليست بمتعينة فبما ذا نعلم أنها هي بعينها؟ وكيف يصح القصد إليها؟

والجواب: أن في كيفية الإعادة خلاف ليس هذا موضع ذكره، إلا أنا نقول: إن أردتم بتعينها كونها معلومة لله تعالى، فهو قولنا، ولسنا ننفي علمه تعالى بما سيوجد، وإن أردتم به ثبوت أعيانها، فهو باطل، ولا نسلم أن العلم بتلك الأعيان متوقف على الثبوت والتعيين.
احتج الآخرون بوجوه:
أحدها: ما مر قريباً من تعلق العلم بالمستحيل، مع أنه ليس بشيء ولا ذات.
الثاني: أن الذوات المعدومة لا يجوز أن تكون متناهية، وإلا لزم أن تكون مقدورات الباري تعالى متناهية، ولا يصح منكم القول بأنها غير متناهية؛ لأنه لا بد عند خلق العالم أن تكون الجواهر المعدومة أقل مما كانت لما ينضم إليها من الزيادة عند الخلق، وكلما دخلته الزيادة والنقصان فهو متناه، فيلزم منه تناهي مقدورات الباري تعالى، وهو باطل، فما أدى إليه يجب أن يكون باطلاً، وهذه حجة قوية لا يمكن دفعها.
الثالث: أن السواد إذا طرأ على البياض، فإما أن أن يبطل ذاته، أو يبطل وجوده، إن قلتم بالأول، فهو قولنا؛ لأنه إذا أبطل الذات فلا ثبوت لها أصلاً لا في الجود، ولا في العدم، وإن قلتم بالثاني، فإما أن يبطله بوجوده وهو محال؛ لأن الوجود لا يضاد الوجود بل يماثله، والشيء لايبطل إلا بضد أو ما يجري مجرى الضد، أو يبطله بسواديته لزم أن تكون السوادية مضادة للوجود، فيستحيل وجود السواد؛ لأن سواديته إذا كانت مضادة لوجوده لزم استحالة وجوده لاستحالة الجمع بين الضدين.
فإن قيل: نحن نقول بأنه يبطل وجوده، لكن لا على التقرير الذي قررتم، وإنما نقول إن هيئة السواد التي هي صفة مقتضاة له تقتضي جمع الشعاع تضاد هيئة البياض التي تقتضي تفريقه، فطروء السواد لا يبطل ذات البياض، وإنما يبطل صفته المقتضاة التي هي الهيئة، وإذا بطلت بطل الوجود؛ إذ يستحيل ثبوته وثبوت المقتضي للهيئة مع حصولها؛ لأن حصول الشرط وهو الوجود، والمقتضي -بالكسر- وهو البياض هنا مع المقتضى -بالفتح- وهو الهيئة محال.

قيل: لنا في الجواب عن هذه وجوه:
أحدها: أن فيه تعسف.
الثاني: أنكم قد اعترفتم باستحالة ثبوت الذات مع عدم الهيئة، وإذا استحال ثبوتها فما بقي لكم في العدم، وليس لكم أن تقولوا أردنا بالثبوت الوجود؛ لأنكم قد عطفتم منع ثبوت الذات على منع ثبوت الوجود، والعطف يقتضي المغايرة، وأيضاً فرقتم بينهما بأن جعلتم الوجود شرطاً والذات مقتضياً.
الثالث: أن كلامكم يؤدي إلى أن يكون عدم المشروط سبباً في عدم الشرط وتابع له، وهو عكس قالب الشرط والمشروط، فلا يصح، بيانه أنكم قد جعلتم الوجود شرطاً في حصول الهيئة، ثم قلتم إن حصول الشرط مع عدم المقتضى -بالفتح- وهو الهيئة محال.
الوجه الرابع: أنه يلزمكم أن يكون مع الله تعالى في الأزل غيره، وهو خرم لقاعدة التوحيد، وقد أجاب الحاكم عن هذا بأنا نقول: إنه تعالى يعلم الأشياء، ولا نقول معه أشياء؛ لأن مع للمقارنة فيقتضي الوجود، ويجاب بأنكم إن أردتم أنه يعلمها فقط من دون ثبوت، فهو قولنا، وإن أردتم يعلمها ثابتة، فهذا الجواب غير مخلص لكم عن الإلزام.
واعلم: أن الأدلة في هذا الموضوع من الجانبين كثيرة، وفيما ذكرناه هنا كفاية، مع أن المسألة كثيرة الورود، وعليها تبنى مسائل متعددة في الأصول، ونحن لا نترك إن شاء الله الزيادة في الأدلة عند ورود ما يقتضي ذلك، وتكرير هذه المسألة،وإن كان القول بثبوت ذوات العالم في الأزل ظاهر البطلان،متضعضع الأركان، ولقد شنع أئمتنا وغيرهم على أهل هذه المقالة، وقالوا إنها في غاية الخطر، لما فيها من نفي تأثير الباري في الذوات، وكثير من الصفات، وإثبات ذوات لا نهاية لها معه في الأزل، حتى أن منهم من قال: لافرق بين إثبات الذوات في الأزل، وإثبات المجبرة للمعاني القديمة في الشناعة والخطر، وظهور البطلان.

وقال الإمام عز الدين عليه السلام : ولعمري إن إثبات ذوات في العدم لها صفة،وأحكام وتتعلق بها بعض المتعلقات، مما لاينبغي أن يكون معقولاً، وأنه أبعد في التعقل من الطبع، والكسب، ونحوهما.
قلت: وقد أوضح المسألة وبين ما في قول هؤلاء من الشناعة والخطر السيد حميدان رحمه الله في مواضع من مجموعه، ولنتبرك بذكر نبذة من كلامه عليه السلام ، فنقول: ذكر رحمه الله أن مذهب العترة" أن معنى كون الباري سبحانه وتعالى مؤثراً في العالم، وهو كونه خالقاً لذواته وصفاته التي علم سبحانه وتعالى فيما لم يزل أنه سيجعلها أشياء بعد أن لم تكن، وأن كونها أشياء وموجودة، ليس بأمر زائد على ذواتها.
قال: ومذهب بعض المعتزلة أن معنى كونه تعالى مؤثراً في العالم هو أنه أو جد ذواته المعدومة الثابتة فيما لم يزل، وأخرجها من حالة العدم إلى حالة الوجود الذي هو مؤثر فيه، وليس هو له بمعلوم فيما لم يزل؛ لكونه بزعمهم صفة، والصفة ليست بشيء يتعلق به علمه سبحانه وتعالى فيما لم يزل.
قال عليه السلام : والذي يدل على صحة مذهب العترة"، وبطلان مذهب المعتزلة هو أن قولهم: أن الله تعالى مؤثر في الصفة التي هي عندهم لا شيء، ولا لا شيء، قول مجهول غير معقول؛ لأن الصفة التي قالوا هي لا شيء ولا لا شيء غيرمعقولة، ولا معلومة بإجماعهم، وكلما لم يعقل فالتأثير فيه لا يعقل.

قال عليه السلام : ويدل عليه أنه قد ثبت بإجماعهم كون الباري صانعاً للعالم، فلا يخلوا إما أن يكون صنعه هو الذوات، أو الصفات، أو الذوات والصفات، فإن قالوا: هو الذوات بطل قولهم بثبوتها فيما لم يزل، وإن قالوا: هي الصفة التي هي الوجود وتوابعه، بطل إقرارهم بأن الباري تعالى صانع للعالم؛ لأن ذوات العالم هي العالم بإجماعهم، فإذا لم يكن صانعاً للذوات بمعنى أنه جعلها ذواتاً، فليس بصانع للعالم، وإن قالوا: أنه صانع للذوات والصفات خرجوا عن مذهبهم، ويدل عليه إجماعهم مع العترة على أن الذي يدل على كون الباري تعالى عالماً هو وجود فعله محكماً، والعلم بالأحكام فرع على العلم بالإيجاد، فلو لم يكن سبحانه عالماً فيما لم يزل بالإيجاد والإحكام لبطل كون الإحكام دليلاً على كونه عالماً، وللزم أن تقف صحة كونه عالماً بالإحكام على وجود الإحكام، ويقف وجود الإحكام على صحة كونه عالماً به، وذلك باطل، يدل عليه أن القول بثبوت ذوات مقدورات الباري تعالى فيما لم يزل، وأنه لا تأثير له في كونها ذواتاً يؤدي إلى تعجيزه عن خلق العالم، والقول بأنه لا يعلم الإيجاد فيما لم يزل يؤدي إلى القول بأنه سبحانه وتعالى جاهل لتأثيره قبل أن يؤثر فيه، وكل قول يؤدي إلى تعجيزه أوتجهيله فهو ظاهر البطلان، ويدل عليه أن القول بأنه تعالى لا يعلم فيما لم يزل إلا ذوات الموجودات دون الوجود يؤدي إلى تكذيب أخبار الله سبحانه قبل أن يوجد آدم عليه السلام بأنه يوجده؛ لأنه أخبر عما سيكون ولم يخبر عن الذات الثابتة فيما لم يزل، وكل قول يؤدي إلى تكذيب الباري فهو باطل، ويدل عليه أن قولهم بأن الذوات المعدومة الثابتة بزعمهم فيما لم يزل تخرج إذا وجدت من حالة العدم إلى حالة الوجود، يوجب كون العدم صفة كالوجود، وذلك باطل بإجماعهم، ويدل عليه إجماعهم مع العترة على إنكار قول من زعم أن أعيان العالم قديمة، ولافرق بين ذلك، وبين قولهم: إن ذوات العالم ثابتة في

الأزل، بدليل أنه ما من دليل يصح أن يستدل به على أن أعيان العالم قديمة إلا ويصح أن يستدل به على أن ذوات العالم ثابتة فيما لم يزل، وأنه ما من دليل يصح أن يستدل به على بطلان قدم أعيان العالم إلا ويصح أن يستدل به على بطلان ثبوت ذوات العالم فيما لم يزل.
قلت: وقد استوفينا هذا البحث من كلام السيد حميدان رحمه الله لما اشتمل عليه من الفوائد، والأدلة، والإلزامات، وتحقيق مذهب الخصوم، ولم نتصرف فيه إلا تصرفاً يسيراً جداً،وهو كلام قوي واضح، إلا أني لم أقف في كلام الخصوم على ما حكي عنهم هنا من أن الباري تعالى لا يعلم الوجود، بل ظاهر كلامهم أنهم إنما أوجبوا ثبوت الذوات في العدم ليصح تعلق العلم والقدرة بها، ولعله عليه السلام ألزمهم ذلك؛ لأن الوجود ليس بذات، فلا يتعلق به العلم. والله أعلم.

[هل المعدوم شيء]
المو ضع الثالث: في المعدوم هل يسمى شيئاً أم لا؟
والخلاف فيه متفرع على الخلاف في الموضع الذي قبله، فمن أثبت ذوات العالم في الأزل سمى المعدوم شيئاً حقيقة، ومن لا يثبتها في الأزل لم يسمه شيئاً، هذا هو الظاهر من كلام أصحابنا وما نقلوه من الخلاف إلا صاحب الغياصة فإنه نسب القول بأنه يسمى شيئاً إلى أكثر فرق الإسلام وكثير من غيرهم، ثم قال: والخلاف في ذلك مع قوم من الفلاسفة، وقوم من المجبرة كهشام بن الحكم، وحفص الفرد، والأصم، وذهب إليه أبو الحسين، وابن الملاحمي من المعتزلة، والإمام يحيى من الزيدية، وأما الحجج فما تقدم لأن الشيء هو الذات، فمن أثبتها في الأزل أطلق لفظ شيء عليها في حال العدم، ومن لا فلا إلا ما ذهب إليه أبو القاسم من أن المعدوم شيء وليس بذات، ولا بأس بزيادة الاستدلال هنا، فنقول: احتج من قال: إن المعدوم يسمى شيئاً بوجوه:
أحدها: أنه يصح العلم به على انفراده، وذلك هو معنى الشيء والذات، والمنكر لصحة العلم به مكابر، فإنا نعلم القيامة ونحوها مما لم يوجد.
الثاني: أنا نجد فرقاً بين الكاتب العالم بقوانين الكتابة، وبين الأمي الذي لايعلمها، ولا فرق بينهما إلا أن الكاتب عالم بتصوير الكتابة قبل إيقاعها، بخلاف الأمي فلولا أن المعدوم المتصور في ذهن الكاتب شيء لما فرق بينهما.
الثالث: أنه قد ثبت أن معلومات الله تعالى غير متناهية بدلالة العقل، وإجماع المسلمين، فلو لم يكن المعدوم شيئاً، ولم يعلم الباري تعالى إلا الموجودات وهي منحصرة لكانت معلوماته تعالى متناهية، منحصرة؛ لأن الموجدات قد حصرها الوجود.
الرابع: أن الله تعالى قد وعدنا بثواب، وعقاب، وجنة، ونار، وهذا إن لم يكن معلوماً لله تعالى لم يحسن منه أن يعدنا بما لم يعلم؛ لأن ذلك كالكذب -تعالى الله عنه- وإن كان معلوماً ثبت ما قلنا؛ إذ لا نعني بقولنا إن المعدوم شيء إلا أنه يصح العلم به.

الخامس: أن أهل اللغة يقولون: علمت شيئاً موجوداً، فإن أفاد لفظ موجود فائدة غير فائدة شيء، وهي الاحتراز عن الشيء المعدوم إذ لايقدر غيرها لعدم الواسطة بين الموجود والمعدوم فهو قولنا، وإن لم يفد فائدة غير فائدة شيء، كان تكراراً، وكان بمنزلة قولك: علمت شيئاً شيئاً، أوموجوداً موجوداً، والمعلوم من ظاهر كلامهم خلاف ذلك، وأيضاً هم يقولون علمت شيئاً معدوماً، فلو لم يكن المعدوم شيئاً لكان لفظ معدوم مناقضاً للفظ شيء.
السادس: أنا وجدنا ذلك في كلام الله تعالى، ومنه هذه الآية أعني قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}[البقرة:20] فسمى تعالى جميع مقدوراته شيئاً، ولا شك أنه قادر على الموجود والمعدوم.
والجواب: أن غالب هذا الوجوه مبني على أصل واحد، وهو أن علم الله تعالى وقدرته لا يتعلقان إلا بما هو شيء ثابت، ولا يتعلقان بالمعدوم الذي لا ثبوت له، ولذا تراهم لا يحتجون على كون المعدوم شيئاً إلا بتعلق العلم والقدرة به، وإذا عرفت هذا فنقول: لا نسلم أن العلم والقدرة لا يتعلقان إلا بالشيء الذي هو ذات ثابتة، وقد مر في كلام السيد حميدان ما يكفي في الجواب عن هذا، وإثبات أن التعلق المذكور لايحتاج إلى ما ذكروا، وقال السيد أحمد بن محمد الشرفي: يصح أن يتعلق علمه تعالى بالمعدوم، بمعنى أنه تعالى يعلم أنه سيوجد على الصفة التي يوجده عليها، وكذلك يقدر تعالى على اختراع المقدور المعدوم جسماً كان أو عرضاً، وإيجاده من العدم كما ذلك في حكم المعلوم بضرورة العقل، مثل المشاهدات من السحاب، والمطر، والأشجار، وغير ذلك.

156 / 329
ع
En
A+
A-