والجواب: أن الاستعمال لايدل على الحقيقة؛ لأن اللفظ قد يستعمل في غير ما وضع له مجازاً، ولو كان الاستعمال يدل على الحقيقة لوجب أن لا يوجب المجاز على أن حمله على المجاز في أحدهما أو لى من الاشتراك، لما تقرر من أن المجاز أولى منه، وأما القياس على اللون ففاسد لوجود الفارق؛ إذ هو يطلق عليها بالاشتراك، كما يطلق الحيوان على الإنسان، والفرس وغيرهما.
الوجه الثاني: قالوا: لو وضع للعموم لفظ لوجب أن نعلمه ضرورة عند الإدراك، كما نعلم قولنا خبز وماء أنه موضوع لهذين الجنسين.
والجواب: أن الإدراك يتعلق بأخص الوصف لا بالمواضعة، فلا يجب إذا وضع لفظ الأمر أن نعلمه ضرورة بالإدراك، على أن قولهم هذا يقتضي أن لاتكون فائدة للفظ إلا وهي معلومة ضرورة، والمعلوم خلافه.
فإن قيل: إذا لم يكن ذلك معلوماً ضرورة فلابد من طريق إليه، وهي إما المشافهة لأهل اللغة وهي مفقودة؛ لأنا لم نرهم، أو التواتر وهو باطل وإلا لشاركناكم، أو الآحاد وهو لايفيد.
قيل: الطريق إليه موجودة وهي المشافهة لمن شاهدهم، والتواتر، أو الآحاد لمن تأخر عنهم، والآحاد إذا صحبها قرينة أفادت القطع كما قلنا في الظواهر، على أنا لا نسلم اشتراط التواتر في مدلولات الألفاظ، وقد مر تحقيق هاتين القاعدتين في مسألة الأمر في سياق قوله تعالى: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ}[الفاتحة:6] وقد نص القرشي على أنها تحصل الضرورة بعد استقراء اللغة، ونص غيره على أن من الموضوعات اللغوية ما يعلم ضرورة.
قال الموفق بالله عليه السلام : ولا يمتنع أن يكون في ألفاظهم ولغاتهم ما يعلم استدلالاً، كما لا يمتنع أن يكون فيها ما يعلم ضرورة، ثم إنا نقلب السؤال عليهم، فنقول: بم علمتم الاشتراك، هل بالضرورة؟ أم بالمشافهة ...؟ إلى آخره.
الوجه الثالث: أنه إذا قيل: من ضربت حسن الاستفهام، فنقول أضربت الكل، أو البعض، ولو كانت للعموم لم يحسن.
والجواب: أن الاستفهام لا يحسن إلا مع تجويز قصد غير المعنى الموضوع له، أو سهو المتكلم أوتساهله، فأما إذا صدر الكلام عن حكيم لا يعمي، ولا يلبس، وتعرى عن قرينة التخصيص وجب حمله على ظاهره، وعمومه، ولا يحسن الاستفهام؛ إذ لو أراد الخصوص لبينه.
الرابع: قالوا لو كان موضوعاً له لم يكن للتأكيد فائدة؛ لأن فائدتهما واحدة حينئذ، فلما حسن تأكيده كشف لنا عن كونه محتملاً للخصوص والعموم، وبالتأكيد يخرج عن أحدهما.
والجواب: أنه باطل بالأمر، والنهي، والأعداد فإنها مما تؤكد، فيجب أن لا تكون للأمر حقيقة، بل تكون محتملة له، وللخبر، والمعلوم ضرورة أنا نعلم أن في اللغة لفظاً موضوعاً لعدد ما، وأمر ما، ونهي ما، ثم إنا لا نسلم حسن التأكيد مع الاحتمال؛ لأنه كالعموم في الاحتمال، فلا معنى له والحال هذه.
الوجه الخامس: قالوا لو كان للعموم لما جاز أن يوجد ولا يكون عاماً، كما أن الدليل لا يجوز أن يوجد ولا يكون دليلاً، والمعلوم أن الصيغة قد توجد ولا تكون عامة.
والجواب: أنا لا نمنع استعماله في غير العموم مجازاً لقرينة كما في الأمر والنهي، ولا يلزم منه ما ذكرتم، إلا إذا كنتم ممن ينفي المجاز، فللكلام عليكم موضع آخر.
احتج القائلون بالخصوص بوجهين:
أحدهما: أن الخصوص متيقن، والعموم مشكوك فيه لجواز أن تكون للخصوص، والحمل على المتيقن أولى.
والجواب: أن ذلك إثبات للغة بالترجيح، وهي لا تثبت إلا بالنقل، سلمنا، فالعموم أحوط لدخول الخصوص فيه بخلاف العكس.
الثاني: أنها لوكانت للعموم كان الاستثناء مناقضاً؛ لأن العموم يقتضي شمول المستثنى، والاستثناء يقتضي إخراجه، فيكون داخلاً تحت الخطاب، خارجاً عنه، وهذه مناقضة ظاهرة.
والجواب: أنه معارض بالأعداد، فإنه لا يجوز الاستثناء منها، ولا يخرجها ذلك عن كونها موضوعة لذلك العدد، ولا يكون الاستثناء منها مناقضاً، على أن اللفظ لايجب أن يتناول الشيء إلا مع القصد، وإنما الوضع يفيد صلاحيته للتناول، فإذا لم يحصل القصد، بل أراد البعض واستثناه لم يجب أن يتناول إلا ما قصده، فلا يؤدي إلى تناقض.
احتج القائلون بالوقف بأنه لا دليل على وضع صيغة للعموم، ولا للخصوص؛ لأن الطريق إليه إما الضرورة، أو المشافهة، أو التواتر... إلى آخر ما مر.
والجواب: أن الدليل قد وجد على ما ادعيناه من وضع صيغة العموم، وهو ماتقدم، قالوا: هو دليل محتمل، قلنا: لانسلم.
احتج القائلون بالعموم في الأمر، والنهي فقط بوجهين:
أحدهما: أنه لو لم تكن الصيغة فيهما للعموم لم يكن التكليف عاماً، والإجماع منعقد على عمومه، ولا تكليف بغير الأمر والنهي.
والجواب: أن التعميم قد ثبت في غيرهما بما ذكرنا، وقولهم لاتكليف بغير الأمر والنهي، ممنوع؛ فإنا مكلفون باعتقاد معاني الأخبار وما دلت عليه.
الوجه الثاني: ذكره القرشي، وهو أن الغرض بالوعيد التخويف الذي يكفي فيه الظن، بخلاف الأمر والنهي فإنه تكليف لا بد فيه من إزاحة العلة.
قلت: وظاهر هذا أن هؤلاء لا ينفون العموم إلا عن الوعيد، ولعلهم يقولون بالوقف في سائر الأخبار.
والجواب: أن التخويف لا يحصل إلا مع الحمل على العموم؛ لأن الألفاظ إن أفادت السامع العموم بوضعها وجب حملها عليه كالأمر.
قال القرشي: وهو المطلوب لأن الغرض بالخبر الإفادة، فلا بد أن يقصد المتكلم باللفظ ما وضع له، أو تدل قرينة على مقصوده، وإن لم تفد العموم فلا يجوز حملها عليه، فلا يحصل التخويف.
المسألة الثالثة [في جواز التخصيص بالعقل]
دلت الآية الكريمة على جواز التخصيص بالعقل؛ لأن عموم قوله تعالى: {وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}[البقرة:284] متناول لذات الباري تعالى لأنه شيء، مع أن ذاته جل وعلا ليست من جملة المقدورات، والتخصيص بالعقل هو الذي ذهب إليه الجمهور، والخلاف في ذلك منسوب إلى شذوذ من الناس كما في شرح الجمع، وبينهم في شرح الغاية فقال: وخالف فيه شذوذ من المتكلمين.
واعلم: أن التخصيص بالعقل على ضربين:
أحدهما: بضرورته.
والثاني: بدلالته، فأما التخصيص بضرورته فكما في الآية، وكقوله تعالى:{ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ}[الأنعام:102] وقوله: {تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ}[الأحقاف:25] فإنا نعلم ضرورة أن ذات الباري تعالى غير مقدورة ولا مخلوقة، وأن الريح لم تدمر كل شيء، ومن علم ذلك لم يمكنه اعتقاد ماتناوله الظاهر، ولا تجويزه أصلاً.
قال في الجوهرة: ولا خلاف في وجوب التخصيص بضرورة العقل وإن خالف بعض من لا يرجع إلى تحصيل في دلالة العقل.
قلت: أشار بهذا إلى أن من ينفي حكم العقل لا يخصص به وهم أهل السنة، وقد نبه على هذا في حواشي شرح الغاية، وفيه نظر؛ فإن ابن الحاجب، والرازي، وابن السبكي وغيرهم قد نصو على جوازه.
فإن قيل: كيف حكمتم بأنا نعلم ضرورة أن الحكيم تعالى لم يرد العموم فيما ذكرتم من الآيات ونحوها، مع أنا لانعرف ذاته تعالى إلا دلالة، فكيف نعرف صفته ضرورة؟
قيل: ليس المراد بالمعلوم ضرورة إلا أن الحكم الذي اقتضته هذه العمومات بظاهرها غير واقع، فأما أنه تعالى لم يرد ذلك، فإنما نعلمه دلالة، وأما الضرب الثاني وهو التخصيص بدلالة العقل، فدليله أن يقال: لفظ العموم إذا اقتضى ثبوت الحكم بصور متعددة، ودلالة العقل منعت من ثبوته لبعضها، فإما أن نعمل بموجبهما معاً، وهذا لا يصح لأدائه إلى التنافي، وإما أن نطرحهما معاً، وهو أيضاً لا يصح؛ إذ لا يجوز إبطال الأدلة مع إمكان استعمالها، وإما أن يعمل بالعام فقط، لم يصح؛ لأن دلالة الألفاظ والعمومات معرضة للاحتمال، وللعدول بها عن ظاهرها، ودلالة العقل لا يعدل عنها أصلاً، فتعين أنه يجب العمل بالعقل فيما دل عليه، وبالعام فيما بقى، وهو معنى التخصيص؛ إذ ليس إلا إخراج بعض ما تناوله العام، ومثال المسألة قوله تعالى: {خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ}[الأنعام:102] فإن العقل يخص أفعال العباد، وكذلك قوله تعالى: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً}[آل عمران:97] فإن العقل بنظره اقتضى عدم دخول الطفل،والمجنون في التكليف بالحج لعدم فهمهما.
احتج المخالف بوجوه:
أحدها: أن من حق الخاص أن يتأخر عن العام، ودلالة العقل غير متأخرة.
قلنا: لا نسلم، بل يجوز التقدم، والتأخر، والمقارنة.
قالوا: هو بيان، وحق البيان أن يتأخر عن المبين.
قلنا: لا نسلم أن من حق البيان التأخر، سلمنا، فالعقل وإن كان في قضيته متقدماً فهو في حكم المتأخر؛ لأنه لا يقع به الإخراج إلا بعد ورود العام، فلما كان الإخراج به متأخراً كان في نفسه في حكم المتأخر.
الثاني: القياس على النسخ فإنه كما لايجوز بالعقل، كذلك التخصيص إذ كل من النسخ والتخصيص بيان.
والجواب: لا نسلم أن النسخ بيان، وإنما هو رفع للحكم، أو يتضمن رفعه، والعقل لايهتدي لذلك، فلذلك امتنع النسخ به، وقول الأصو ليين: أن النسخ بيان فإنما يريدون به أنه بيان لانتهاء المدة.
قيل: ولأن النسخ لتغير المصالح، والعقل لا هداية له إلى ذلك، بخلاف التخصيص فإن العقل قد دل عليه وعرفه فافترقا.
الوجه الثالث: أن التخصيص هنا لايتصور، لأن ما نفى العقل حكم العموم عنه لم يتناوله العام؛ لأنه لا تصح إرادته، وأيضاً التخصيص إنما يكون حيث يجوز تناول العموم لما خرج بالتخصيص.
والجواب: أنه إن أريد عدم تناول اللفظ له، فغير مسلم، وإن أريد معناه من حيث الحكم، فلا يضر؛ إذ كل ما أخرجه التخصيص كذلك، أما قولهم لا تصح إرادته، فيقال: كل خارج بالتخصيص غير مراد، وقولهم: أن التخصيص لا يكون إلا مع جواز التناول، غير مسلم، بل هو إخراج بعض ماتناوله اللفظ، سواء تصور كونه مراداً بالعموم، أم لا.
واعلم: أن ابن السبكي حكى عن الشافعي منع تسمية ما أخرجه العقل تخصيصاً؛ نظراً إلى أن ما يخصص بالعقل لايصح إرادته بالحكم، وفيه ما قد عرفت، والفرق بين قوله، وقول الشذوذ أنه يمنع التسمية مع قوله: بأن اللفظ شامل لما نفاه العقل، وهم يمنعون التناول، ويلزم منه منع التسمية.
قيل: والخلاف لفظي للاتفاق على الرجوع إلى العقل فيما نفي عنه حكم العام، إلا أن الجمهور يسمون ذلك النفي تخصيصاً، والشذوذ، والشافعي لا يسمونه تخصيصاً، وقيل: هو لفظي بالنسبة إلى الشافعي، وأما بالنسبة إلى الشذوذ فمعنوي؛ لأنهم ينفون التناول لفظاً وحكماً.
فائدة
في كلام بعضهم ما يقتضي أن المخصص في الآية -أعني قوله: {إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}[البقرة:20] -لفظي وهو قوله: {قَدِيرٌ} لأن القدرة لاتتعلق إلا بالممكن، قال أبو حيان: وفي لفظ قدير ما يشعر بتخصيص العموم؛ إذ القدرة لا تتعلق بالمستحيلات، وقال الزمخشري مالفظه: فإن قلت: كيف قيل على كل شيء قدير، وفي الأشياء ما لا تعلق به للقادر، كالمستحيل، وفعل قادر آخر؟
قلت: مشروط في حد القادر أن لا يكون الفعل مستحيلاً، فالمستحيل مستثنى في نفسه عند ذكر القادر على الأشياء كلها، فكأنه قيل: {عَلَى كُلِّ شَيْءٍ} مستقيم {قَدِيرٌ} ونظيره: فلان أمير على الناس أي على من وراءه منهم، ولم يدخل فيهم نفسه وإن كان من جملة الناس، وأما الفعل بين قادرين فمختلف فيه.
المسألة الرابعة [في أن المعدوم شيء]
استدل بعض العلماء بهذه الآية على أن المعدوم شيء، قال: لأنه تعالى أثبت القدرة على الشيء، والموجود لاقدرة عليه لاستحالة إيجاد الموجود، فتعين أن المقدور هو المعلوم وقد سماه شيئاً، وهذه المسألة قد كثر فيها خبط المتكلمين واختلافهم، والتكلم على بعضهم الآخر بسببها، وحاصل ما يتعلق بها من الكلام يكون في ثلاثة مواضع:
الأول: في حقيقة الشيء، وما يتبع ذلك من بيان قسمته وانحصاره.
الثاني: في الخلاف في ثبوت ذوات العالم في الأزل.
الثالث: في المعدوم، هل يسمى شيئاً أم لا.
[حقيقة الشيء]
الموضع الأول: في حقيقة الشيء وما يتبع ذلك.
أما حقيقته فله معنيان: لغوي، واصطلاحي:
أما اللغوي: فهو ما صح أن يعلم ويخبر عنه، قال سيبويه: وإنما يخرج التأنيث من التذكير، ألا ترى أن الشيء يقع على كل ما أخبر عنه من قبل أن يعلم أذكر هو أم أنثى.
وأما الاصطلاحي: فهو ما يصح العلم به على انفراده، فقولنا ما يصح العلم به جنس الحد، وقولنا: على انفراده فصل يخرج به مالا يعلم على انفراده، كالصفات والأحكام فإنها لا تعلم على انفرادها، وإنما تعلم الذات عليها؛ لأنها لو علمت على انفرادها لافتقرت إلى صفة لها؛ إذ كل معلوم لايصح العلم به إلا لأجل صفة الذات، وتلك الصفة أيضاً لو صح بها العلم على انفرادها لافتقرت إلى صفة كذلك، فيؤدي إلى التسلل، وما أدى إليه وجب القول بفساده.
وأما قسمته فهو ينقسم إلى موجود، ومعدوم عند من يسمي المعدوم شيئاً.
فالموجود قد تقدم حده في البسملة، وأما المعدوم فهو المعلوم الذي ليس بموجود، وهو أصلي، وفرعي:
فالأول: مالم يتقدم عدمه وجود، نحو مالم يوجد من مقدورات الباري تعالى، ومقدورات العباد.
الثاني: ما تقدم عدمه وجود كأفعال الله تعالى، وأفعالنا التي قد مضت، وينقسم الموجود إلى قديم، ومحدث، والمحدث ينقسم إلى متحيز، وغير متحيز، والمتحيز إلى جوهر، وجسم، وطول، وصفيحة وهي العريض والسطح، وأما انحصاره فعلى القول بأن المعدوم شيء، يقال: الشيء لا يخلو إما أن يتصف بصفة الوجود، أو لا.
الثاني: المعدوم وهو لا يخلو إما أن يسبق عدمه وجود، أولا، الثاني الفرعي، والأول الأصلي، وإن اتصف بصفة الوجود فلا يخلو إما أن يسبق وجوده عدم، أولا، الثاني القديم، والأول المحدث، وهو إما أن يشغل الحيز، أو لا، الثاني العرض، والأول إما أن يصح عليه التجزء، أو لا، الثاني الجوهر، والأول إما أن ينقسم من الجهات الثلاث، أو لا، الأول الجسم، والثاني إن انقسم من جهتين منها فهو العريض، وإلا فهو الطويل، وقد علم بذلك حد كل واحد منها إجمالاً، وقد مر في الفاتحة الكلام عليها مفصلاً، لكن المقام اقتضى إعادة ذكرها؛ لأنها تابعة لبيان معنى الشيء، وتحقيق الكلام فيه.