البقرة: (20)
{ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم إن الله على كل شيء قدير}
قوله تعالى: {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}[البقرة:20]
يتعلق بهذه الجملة مسائل:
المسألة الأولى [الدلالة على صحة مذهبنا في القسر والإلجاء]
في هذه الآية دليل لما يذهب إليه أصحابنا في تأويل بعض آيات المشيئة بمشيئة القسر والإلجاء؛ لأنه تعالى أخبر في هذه الآية أنه لو شاء أن يذهب بسمعهم وأبصارهم على جهة القسر والغلبة لهم لما منعه عن ذلك عجز، ولذا عقبه بما يدل على تعلق القدرة بكل شيء، وإنما منعه منه الحكمة التي يعلمها، والمقصود من هذا أن لإيراد المشيئة على هذا الوجه في مقام الزجر، والتوبيخ لمن يهتدي بهداية الله، ويقبل مواعظه، ويكف عن معاصيه أصلاً في كتاب الله، فلا يكون تفسير بعض آيات المشيئة بالقسر والإلجاء خارجاً عن الأصل، مخالفاً للظاهر كما يقوله الخصوم.
المسألة الثانية [في بحث لفظة (كل) مع ألفاظ العموم]
دلت الآية الكريمة على أن لفظة (كل) موضوعة للعموم، ولذا أورده الله في مقام إخباره بشمول قدرته، وتمدحه بذلك، وهذا من جملة الأدلة على أن للعموم صيغة، وفي المسألة خلاف، فالذي عليه العدلية من الزيدية، والمعتزلة وكثير من غيرهم: أن في اللغة ألفاظاً موضوعة للعموم حقيقة، وقيل: لا لفظ في اللغة يفيد العموم بوضعه، وإنما القرينة تقيده، وهذا مروي عن الأشعري، وبعض المرجئة، وعزاه في شرح الغاية إلى بعض الأصوليين، وهؤلاء يجعلون الصيغة من المشترك اللفظي، وقيل: بل الألفاظ التي يدعى في العموم موضوعة للخصوص، و أقل ما يحتمله اللفظ، قال في حواشي الجوهرة: ومرادهم أن لفظ العموم ما كان منها فيه لفظ الجمع حمل على ثلاثة فقط، وما لم يكن فيه لفظ الجمع حمل على الواحد، كالرجل، ونحو ذلك مما ليس لفظ جمع، قال: وهذا القول يُحفظ للأشعري، وعزاه في شرح الغاية إلى المرجئة، واستعمال الصيغة في العموم مجازٌ عندهم، وقيل: بالوقف أي لاندري أهي حقيقة في العموم، أم في الخصوص، أم فيهما، أو لا ندري هل وضع للعموم والخصوص صيغة أم لا، وهذا مذهب الأشعري في رواية، والآمدي، والباقلاني وغيرهم، وفي حواشي الجوهرة أن من القائلين بالوقف من توقف لأجل كون اللفظ مشتركاً بين المعنيين، ومنهم من توقف لاحتمال الحقيقة فيهما والاشتراك، وكونه حقيقة في أحدهما مجازاً في الآخر، وقيل: للعموم صيغة في الأمر والنهي، والوقف في الأَخبار كالوعد والوعيد، قال في شرح الغاية:حكاه أبو بكر الرازي عن الكرخي، ثم قال: وربما ظن أن ذلك مذهب أبي حنيفة لأنه كان لايقطع بوعيد أهل الكبائر من المسلمين، ويجوز أن يغفر الله لهم في الدار الآخرة.
قال سيلان: وأشار بقوله ربما ظن إلى أن تجويز العفو لا يقتضي الوقف لاحتمال أن يقول أبو حنيفة بثبوت الصيغ، وتجويز العفو لعدم القطع بدلالتها، وفي الجوهرة وتعليقها عن المرجئة أنهم ينفون الصيغة في الأخبار دون الأمر والنهي، وللجمهور في إثبات مذهبهم مسلكان:
أحدهما: أن في اللغة ألفاظاً مو ضوعة للعموم على الجملة.
والثاني: ما يدل على ألفاظ مخصوصة أنها وضعت للعموم.
[المسلك الأول: ألفاظ العموم في اللغة]
المسلك الأول: في أن في اللغة ألفاظاً للعموم على الجملة، ولهم على ذلك أدلة:
الدليل الأول: أن العموم معنى عقله أهل اللغة، ومستهم الحاجة إلى العبارة عنه، والتخاطب، والتفاهم به، فيجب أن يضعوا له لفظاً، كما وضعوا لما مستهم إليه الحاجة من المعاني التي عقلوها، نحو: الفرس، والحمار، والسيف.
فإن قيل: ومن أين لكم أنهم عقلوه؟
قيل: لأنهم أهل العقول الوافرة، والفطنة الباهرة، فلا يجهلون مثل ذلك مع كثرة دورانه في كلامهم.
فإن قيل: وما الدليل على حاجتهم إلى ذلك؟
قيل: الذي يدل عليه أن الواحد منهم قد يحتاج كثيراً إلى خبر، أو استخبارِ، أو أمر يقتضي الاستغراق، ويطول عليه تعداد الأعيان.
ألا ترى إذا أراد أن يستخبر عن من عند غيره من العقلاء طال عليه القول مستخبراً هل عندك فلان؟ أو فلان؟ إلى أن يعدد من يريد الاستخبار عنهم، وكذلك في الأمر والنهي، فلطول ذلك مستهم الحاجة إلى وضع لفظ شامل لما يريدونه من خبر، أو استخبار، أو أمر، أو نهي، فيقول المخبر: عندي العلماء، والمستخبر: من عندك، والآمر: أكرم العلماء، والناهي: لاتهن الأولياء.
فإن قيل: غاية ما ذكرتم الدلالة على حسن وضعهم لألفاظ العموم لا وجوبه.
قيل: بل يدل على الوجوب؛ لأن من حق القادر على الشيء إذا توفرت الدواعي إلى إيجاده أن يوجده لامحالة؛ إذ لو لم يوجده لخرج عن كونه عاقلاً، كما قيل فيمن قدم إليه طعامٌ شهي مع حاجته إليه، ولا مانع منه بحال، فإنه إذا تركه والحال هذه لا يعد من العقلاء، وقد قررنا حاجتهم إلى الألفاظ العامة، وأما قدرتهم عليها فلا شك فيها.
فإن قيل: لو سلمنا الوجوب، فلا نسلم أن العرب لا يخلون به، إلا لو ثبتت حكمتهم ومرا عاتهم للمصالح، وليسوا كذلك، فإنهم أرباب التيه والحمق، فلا يؤمن أن يخلوا بذلك الوا جب، كإخلالهم بغيره من الوا جبات التي منها معرفة الله، ومعرفة نبوة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
قيل: لسنا نوجب ذلك عليهم من باب إيجاب التكليف، وإنما أو جبناه لأجل العادة، وتوفر الدواعي، كما يقول فيمن دعاه الداعي إلى شهي ولا مانع منه، فإنه يفعله لامحالة، ويجب ذلك عليه، وجوب استمراري عادي، وقد مر بتقدير الوجوب بهذا المعنى في مواضع من هذا الكتاب.
فإن قيل: قد وجدنا أشياء قد عقلوها، ولم يضعوا لها لفظاً يخصها، كأنواع الاعتماد وصنوف الروائح وغير ذلك.
قيل: لا نسلم عدم الوضع لها، بل وقد وضعوا لها ما يميزها عن غيرها، ولكنها أسماء مركبة إضافية، فقالوا اعتماد سفلي، وعلوي، ورائحة المسك، والكافور والغرض يحصل بذلك، وإن لم تكن أسماء مجردة، سلمنا، فهذه الأمور ليست الحاجة إلى التخاطب بها كالحاجة إلى التخاطب بالعموم، والكلام فيما تشد الحاجة إليه.
فإن قيل: قد وضعوا لذلك لفظاً مشتركاً بينه وبين الخصوص، أو مجازاً فيه حقيقة في الخصوص، وذلك كاف.
قيل: إن ما ذكرناه من دليل الوجوب قاض بأنه يجب أن يضعوا له لفظاً يسبق إلى الفهم معناه عند النطق به، وليس المشترك والمجاز كذلك.
فإن قيل: أسماء التعداد دالة على العموم وقد وضعوها، فإذا أردنا الاستفهام قلنا: أزيد عندك؟ أعمرو عندك؟ أبكر عندك؟ حتى نأتي على جميع العقلاء، وهذا كاف في الوضع والخروج عن عهده الوجوب.
قيل: هذا يكشف عن جهل قائله، فإنا لم نوجب وضع اللفظ، إلا لما في ذكر الأعداد من التطويل مع كثرة الخبر والاستخبار ونحوهما كما مر، ولا يعدل عاقل إلى الأشق مع إمكان الأسهل لغير فائدة، مع أنه قد يتعذر التعداد عند كثرة المعدودات.
ألا ترى أنه لو أراد أحد أمر غيره بإكرام العلماء، فإنه يتعذر عليه تعدادهم لكثرتهم، ولخفاء بعضهم عليه، فإذا عدل إلى اللفظ العام تم مراده، وكمل مقصوده.
فإن قيل: الحاجة إن أوجبت وضع اللفظ لما عقلوه من العموم، فهي تو جب عليهم أن يضعوا لفظاً لا يلتبس الحال فيه، هل هو للعموم، أوالخصوص، أو للمشترك بينهما.
قيل: قد فعلوا فإن المتبادر من ألفاظ العموم الشمول، والتبادر دليل الحقيقة.
فإن قيل: الاشتراك بين الكل والبعض معنى عقلوه، كمن يريد أن يشكك على غيره ولم يضعوا له لفظاً.
قيل: بل وضعوا له، قولهم: جاءني إما كل الناس أو بعضهم، ومما ذكرنا يثبت أن الحاجة توجب وضع اللفظ العام. والحمد لله.
ويؤيده أنهم قد وضعوا لكثير من المسميات أسماء كثيرة، مع أن الحاجة إلى التخاطب بها ليست كالحاجة إلى التخاطب بالعموم.
الدليل الثاني: أن أهل اللغة يؤكدون ألفاظ العموم بكل، وأجمعين، فيقولون: جاء القوم كلهم أجمعون، وهذا يدل على أن المؤكد بفتح الكاف للعموم لوجهين:
أحدهما: أنه قد ثبت بما سيأتي أن قولهم: كلهم أجمعون يقتضي العموم، فيجب في القوم أن يكون كذلك؛ لأن من حق التأكيد أن يكون مطابقاً للمؤكد، وإلا لم يكن تأكيداً له.
الثاني: أنهم إنما قصدوا بذلك المبالغة في شمول الخطاب لما يصلح له، وتمكين الأمر المؤكد في النفس، فلو كان المؤكد بالفتح موضوعاً للخصوص أو له وللعموم، لكان التأكيد زيادة في البعد عن الاستغراق، وهو خلاف ماعلم من قصد واضعي اللغة.
فإن قيل: لانسلم أنهم قصدوا بذلك المبالغة والتمكين في النفس، وإنما أكدوا؛ لأن التأكيد أكثر شمولاً، وأظهر عموماً.
قيل: هذا باطل، فإن فائدة التوكيد عند أهل اللغة تقرير المؤكد لأن له معنى مخالف، سلمنا فالتأكيد إما أن يستوعب، فهو الذي نقول أولا، فاللبس، والبعد عن الاستغراق ثابت، وهو خلاف ماعلم عن أهل اللسان.
الدليل الثالث: أن أهل اللسان فصلوا بين العموم والخصوص، كما فصلوا بين الأمر والنهي، فقالوا: خرج هذا مخرج العموم، وخرج هذا مخرج الخصوص، كما قالوا خرج مخرج الأمر، والزجر، والتهديد.
قال علي عليه السلام في كلامه في أحوال الرواة: (وقد كان يكون من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الكلام له وجهان، فكلام خاص، وكلام عام). رواه في النهج.
وقال عليه السلام في وصف القرآن، وبيان النبي صلى الله عليه وآله وسلم : (مبيناً حلاله وحرامه) إلى قوله: (وخاصه وعامه) رواه في النهج.
قال بعض المحققين: فكما أن فائدة الأمر وموضوعه غير فائدة النهي، كذلك العموم فائدته غير فائدة الخصوص ومعناه، وكلام علي عليه السلام نص في ذلك.
قال الموفق بالله عليه السلام : فإن قيل: إنما قالوا ذلك لأن ها هنا لفظاً يحتمل ذلك؛ لا أنه يختص إفادة العموم.
قيل له: كما لا بد من لفظ يختص الأعداد، والأمر، والنهي، كذلك لا بد من لفظ يختص العموم؛ لأنهم قسموا الكلام، فقالوا: مهمل، ومستعمل، فالمهمل مالم تقع عليه مواضعة، والمستعمل ما وقعت عليه المواضعة، وينقسم ذلك بين أمر، ونهي، وخبر، وعام، وخاص، فلا بد من لفظ يختص العموم لا على وجه الاشتراك، كما لا بد من لفظ يختص الأعداد، والأمر، والنهي لا على وجه الاشتراك.
قال عليه السلام : وما يحكى عن ابن أبي بشر الأشعري أنه لا لفظ موضوع للأمر، والنهي، والعدد، فإنه معلوم خلافه ضرورة.
الدليل الرابع: تبادر العموم عند إطلاق ألفاظ مخصوصة، والتبادر دليل الحقيقة؛ إذ لو لم تكن موضوعة للعموم لما حصل التبادر، ولا يقال أنه لا يسبق إلى الفهم إلا بما يقترن به من القرائن؛ لأنا نقول أنه يسبق وإن لم يقترن بشيء، كأن يكتب إلينا به غائب.
الدليل الخامس: أن المعلوم من حال أهل اللغة أنهم متى أرادوا أن يأتوا في عباراتهم بلفظ عام، قصدوا إلى ألفاظ مخصوصة، فلولا أنها للعموم لما استمر الحال في ذلك.
الدليل السادس: صحة الاستثناء من مدخول صيغ العموم، ومن حق الاستثناء أن يخرج من الكلام ما لولاه لوجب دخوله تحته.
فإن قيل: لا نسلم وجوب الدخول، بل تكفي الصلاحية كما في الاسم النكرة.
قيل: قد تقدم الجواب عن هذا السؤال في المسألة الأولى من قوله: {الْحَمْدُ لِلَّهِ} ونزيده هنا تو ضيحاً صحيحاً بما ذكره الموفق بالله عليه السلام ، وهو أنه لا خلاف بين أهل اللغة أن الاستثناء يخرج البعض مما اعتوره اللفظ والكلام، ولا يخرج بعضه إلا ويكون هنا لفظ يشمله وغيره؛ ولأن أحدنا إذا قال: أعط زيداً عشرة دراهم إلا درهما، فإن هذا الاستثناء يخرج ما لولاه لوجب دخوله تحت العشرة، بدليل أنه لولم يستثن لوجب إعطاء العشرة،وإنما وجب أن يخص به في العدد؛ لأنه استثناء فيجب اطراد الحكم فيه أينما وجد، يوضحه الشرط، فإنه لما اقتضى أن يخرج به من الكلام ما لولاه لو جب دخوله تحته لم يفترق الحال فيه بين العدد وغيره، على أنا لانسلم كون الأسماء النكرة صالحة لأن يدخل غيرها تحتها؛ إذ لو صلح ذلك لصلح دخول الاستثناء فيها، وقد ثبت أنه لايجوز حقيقة.
فإن قيل: قد حكى ابن دريد عن أهل اللسان: رأيت رجلاً إلا زيداً.
قيل: لم يصح ذلك عنه، ولوصح ذلك فمجاز، ونحن قلنا: إن الاستثناء لايدخله حقيقة، هذا تلخيص كلام الموفق بالله عليه السلام .
[المسلك الثاني: في تعيين ألفاظ العموم]
المسلك الثاني: في تعيين الألفاظ الموضوعة للعموم، والدليل على كل لفظ منها أنه موضوع لذلك، والكلام في هذا المسلك يكون على كل كلمة من تلك الكلمات في الموضوع الذي يليق بها في كتاب الله تعالى، وقد مر الدليل على أن اسم الجنس، والجمع المعرفين بلام الجنس للعموم في الفاتحة، وسائر الألفاظ تأتي في مواضعها إن شاء الله، والكلام الآن في أن لفظ (كل) موضوع للعموم، والذي يدل على ذلك مامر من تأكيد ألفاظ العموم بها، وتبادره من إطلاقها، وقصد أهل اللغة عند إرادة الشمول إلى التعبير بها، وصحة الاستثنا من مدخولها، وذلك واضح، ويكفي في دلا لتها على العموم الآية التي نحن بصددها كما مر تقرير ذلك، وفي معناها آيات، كقوله تعالى:{كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ}[القصص:88] ولذا استثنى منه نفسه تعالى لما كان العموم يقتضي دخوله، ومن الأدلة على ذلك فهم عثمان بن مظعون العموم من قول لبيد:
وكل نعيم لا محالة زائل
فقال: كذب، فإن نعيم أهل الجنة لايزول، وقد قيل: أنه لا خلاف في ألفاظ التوكيد، نحو: كل، وأجمعين، وأجمع أنها للشمول، وإنما الخلا ف في غيرها.
قال في تعليق الجوهرة: والأظهر أن الخلاف من منكري العموم مطرد في جميع ألفاظ المؤكد والتأكيد.
قلت: وهو ظاهر ما في الإحاطة، فإنه قال: فإن قيل: قولهم كلهم محتمل للعموم، والخصوص.
قيل: لو كان محتملاً لصح أن يؤكد بها الخصوص كما يؤكد بها العموم، فيقول: جاءني زيد كلهم أجمعون، كما يقال جاءني القوم كلهم أجمعون.
احتج القائلون بالاشتراك بوجوه:
أحدها: أن هذه الصيغ كما قد تستعمل في العموم، قد تستعمل في الخصوص، فيجب أن لا تكون لأحد هما دون الآخر لاحتمالها لهما معاً، كما أن اللون لما كان محتملاً للسواد والبياض، لم يكن موضوعاً لأحدهما دون الآخر.