روى عنه سماك، والحديث قال في المنتقى: رواه الخمسة، وصححه الترمذي، وقال في النيل: سكت عنه أبو داود، والمنذري، وفي الشفاء في قصة شرائه صلى الله عليه وآله وسلم لجمل جابر، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((بعنيه بأوقية)) فقلت: يارسول الله هو ناضحك أي لك.. الخبر، وهو عند جماعة من المحدثين، وكل هذا يدل على أنه لايعتبر إلاما يدل على الرضا، ألا ترى أنه في شراء السراويل لم يزد على المساومة، وفي حديث جابر، لم يزد على سؤال البيع ولم يكن من جابر غير قوله: هو ناضحك، وكذلك في حديث الحلس إنما قال: هما لك، وفي رواية فقال: خذ فلو كان ثمة ناقل شرعي ينقل معنى البيع والشراء عن معناهما اللغوي لما خفي نقله كسائر الشرعيات، وقد عرفت مما أسلفنا لك عن معنى الاشتراء أن أهل اللغة لم يعتبروا في معنى البيع أمراً زائداً على مجرد المبادلة، والشرع لم يزد في ذلك إلا اعتبار الرضا، ويزيد المعنى اللغوي تحقيقاً ما ذكره الراغب في مفرداته حيث قال: البيع: إعطاء المثمن، وأخذ الثمن، والشراء إعطاء الثمن، وأخذ المثمن، ثم ذكر أنه قد يطلق أحدهما على الآخر، وقال في مادة شرى: الشرى والبيع متلازمان، فالمشتري دافع الثمن، وآخذ المثمن، والبائع دافع المثمن وآخذ الثمن، هذا إذا كانت المبايعة بناض وسلعة، فأما إذا كانت بيع سلعة بسلعة صح أن يتصور كل واحد منهما مشترياً وبائعاً.
قال: ومن هذا الوجه صار لفظ البيع والشرى يستعمل كل واحد منهما في موضع الآخر، فهذا نص منه وتصريح بأن القول غيرمعتبر في معنى البيع والشرى عند أهل اللغة، وأهل القول الأول معترفون بذلك، وإلا لما ادعوا النقل الشرعي، ولكنها دعوى لا دليل عليها كما عرفت، بل قام على خلافها.
واعلم: أن من يشترط في صحة البيع لفظاً مخصوصاً قد استثنوا من ذلك المحقر فقالوا: يكفي فيه ما اعتاده الناس، إلا ماروي عن بعض أصحاب الشافعي من أنه لابد فيه من لفظ كغيره.

قال الصعيتري: وظاهر المذهب أنه يكفي ما جرت به العادة في جميع المحقرات، وقال ابن أبي الفوارس: إن هذا في المأكول فقط، قال الصعيتري: والقياس يمنع من كونه بيعاً إذا لم يحصل فيه الإيجاب والقبول، ولا ماهو في معناهما، إلا أن عمل المسلمين جرى بالتعامل به في المحقرات، وتوارثوه خلف عن سلف من غير خلاف ولا نكير، ولم يراعوا فيه لفظ الإيجاب والقبول، كما لم يراعوا في الهدايا لفظ الهبة والقبول، وكما أجمعوا على دخول الحمام على وجه لا تحصل فيه الإجارة الصحيحة، فصح ذلك لأجل عمل المسلمين، واختلفو في قدر المحقر، فقال علي خليل، وأبو مضر: هو ما دون ربع المثقال، وقال القاضي زيد: قدر قيراط المثقال فما دون، وقال في البيان: المحقر الذي لا يعقد عليه لحقارته، لا للتساهل فيه كما يفعله الجهال، وقيل: هو نحو البقول، والفواكه، والخبز، وقيل: ما دون نصاب السرقة، قيل: والأقرب في ذلك اتباع العرف والعادة، وهو الذي يشير إليه كلام الإمام شرف الدين في إلحاق المنقولات بالمحقرات، والذي صححه في حواشي الأزهار للمذهب: أنه يثبت فيه الشفعة، وتلحقه الإجازه، ويدخله الربا، ويثبت فيه الخيار، وهذا فرع على حصول الملك، ومنه تعرف ضعف دعوى الإجماع على أنه لا يحصل بالمعطاة ملك في المحقر. والله أعلم.

البقرة: (18،17)
قوله تعالى: {ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لاَ يُبْصِرُونَ، صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ}[البقرة:17،18]
الذهاب: لغة الإنطلاق، والنور:الضوء من كل نير، ونقيضه الظلمة، وسمي نوراً لاضطرابه وحركته،والترك: التخلية، اترك هذا أي دعه وخله، وفي تضمينه معنى التصيير،وتعديته إلى اثنين خلاف،والظلمة:عدم النور أو عرض ينافيه،والإبصار:الرؤية، والصمم: داء في الأذن يسد العروق فيمنع من السمع، وأصله من الصلابة، قالوا: قفاه صماً أي صلبهُ.
وقيل: أصله السد، صممت القارورة سددتها، والبكم: آفة تحصل في اللسان تمنعه من الكلام.
وقيل: الذي يولد أخرس، وقيل: الذي لا يفهم الكلام، ولا يهتدي إلى الصواب، فيكون آفة في الفؤاد، والعمى: ظلمة في العين تمنع من إدراك المبصرات، والرجوع إن لم يتعد فهو بمعنى العود، وإن تعدى فهو بمعنى الإعادة.
وفي هذه الجملة مسائل:

المسألة الأول‍ى [في الضياء والظلمة]
قد مر عن الإمام أحمد بن سليمان عليه السلام أنه قال: الضياء والظلمة: عرضان، وهو قول أبي الهذيل على ما رواه عنه في الغياصة.
وقال السيد مانكديم، والشيخ أحمد بن الحسن الرصاص وغيرهما من أصحابنا: بل هما جسمان رقيقان، فالنور جسم رقيق مضيء، والظلمة جسم رقيق غير مضيء، وقال الإمام يحيى: النور عرض، والظلمة عدم النور، ووافقه الزمخشري في الظلمة، وقال: النور نقيضها.
احتج الأولون على أنهما عرضان بوجوه:
أحدها: أن الأجسام المنيرة والمظلمة مشتركة في الجسمية، ومتباينة في النور والظلمة، فما اشتركت فيه يجب أن يكون مغايراً لما اختلفت فيه، فثبت أن الجسمية غير النور والظلمة.
الثاني: أن الجسم المعين يصير مضيئاً بعد أن كان مظلماً و بالعكس، وجسميته باقية في الحالين، فوجب أن يكون مغايراً لهذين الوصفين.
الثالث: أن الشمس إذا كانت محاذية لكوة في البيت صار البيت مضيئاً بطلوعها، فإذا سدت الكوة صار مظلماً،فلو كان النور جسماً لبقي بعد سد الكوة في البيت.
الرابع: أن الشمس إذا طلعت من دائرة الأفق استضاء وجه الأرض، ومن المحال أن تنتقل الأجسام منها إلى الأرض لا ستحالة الطفر، والضوء قد حصل دفعة واحدة فوجب أن لايكون جسماً.
وأما القائلون بأنهما جسمان فلم أظفر لهم بحجة واضحة، إلا أنهم أطلقوا اسم النور والظلمة على الأجسام، وجعلوا البياض والسواد وصفاً لها، وهي حجة ضعيفة كما ترى، ولذا قال الإمام عز الدين عليه السلام : الأقرب أنه خلاف لفظي، وقد حقق ذلك في الغياصة بعد أن حكى أنهما جسمان، ونسب الخلاف إلى أبي الهذيل، ثم قال: لا خلاف أن النور أجسام وجواهر فيها بياض، والظلمة أجسام وجواهر فيها سواد.

قال: فعندنا أن الاسم وقع على الأجسام والجواهر، والبياض والسواد وصف لذلك، وانبساطها وانقباضها، وعنده أن الاسم واقع على السواد والبياض؛ لأن ذلك السابق إلى الفهم، وإن لم يخطر بالبال الجسم الذي هو المحل والجواهر.
قلت: وقد احتج بعضهم على جسمية النور؛ بأن الهواء إنما يضيء بمجاورة لا بعرض يحله، وإلا لم يزل بغروب الشمس، وهو ضعيف؛ لأن العرض لا يبقى عند وجود ما ينافيه، والظلمة تنافي النور كما قيل أنها عرض منافية له.
احتج الإمام يحيى: على أن الظلمة عدم النور بأن حال البصير في الظلمة التامة كحال الأعمى، ثم إن الأعمى لايدرك كيفية الظلمة؛ لأنه لايبصر شيئاً فيجب أن تكون الظلمة عبارة عن أن البصر لا يدرك شيئاً، فيكون أمراً عدمياً وبأنه إذا كان إنسان قريباً من النار وآخر بعيداً عنها، فالبعيد يرى القريب ولا يكون الهواء المظلم مانعاً له، فلو كانت الظلمة أمراً ثبوتياً لم يفترق الحال بينهما في المنع، واعترضه الإمام عز الدين فقال: هذا لايستقيم على قاعدة الأصحاب؛ لأن النور عندهم عرض باق، والباقي لاينتفي إلا بضد، وما يجري مجراه فلا بد أن تكون الظلمة أمراً ثبوتياً مضاداً له،وإلا لزم أنه إذا وجد في جسم أن لا ينتفي عنه، وقد علل ابن متويه رؤية البعيد من النار للقريب منها دون العكس؛ بأن شعاع البعيد وجد مادة فرأى معها، بخلاف القريب فإن شعاعه ينفصل إلى الظلمة التي لامادة فيها للشعاع فلا يرى من فيها، واحتج أبوحيان على أن الظلمة عرض بأنه قد تعلق بها الجعل بمعنى الخلق، والإعدام لاتوصف بالخلق.
قال: قد ردها بعضهم إلى الظلم،وهو المنع؛لأنها تسد البصر وتمنع الرؤية.

المسألة الثانية [الجواب على شبهة التعلق بقول الله تعال‍ى: {ذهب الله بنورهم}]
قد يتعلق من ينسب إلى الله إضلال العباد وإغوائهم بقوله: {ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لاَ يُبْصِرُونَ}[البقرة:17] لأن الظاهر من ضرب المثل أن هؤلاء القوم قد كان لاحت لهم لوائح الهدى والإيمان، وأخذوا بها برهة من الزمان، ثم نزع الله ذلك منهم، وتركهم في ظلمات الجهل لايبصرون هدى، ولا يهتدون إلى رشاد، وقد روى معنى هذا ابن جرير بسنده عن ابن عباس قال: قوله: {مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارا ...} إلى {فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ}[البقرة:17،18] ضربه الله مثلاً للمنافق، وقوله: {ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ}[البقرة:17] قال: أما النور فهو إيمانهم الذي يتكلمون به، وأما الظلمة فهي ضلالتهم وكفرهم يتكملون به وهم كانوا على هُداً، ثم نزع منهم، فعتوا بعد ذلك.
والجواب: أنا لا نسلم أن المقصود بالآية ما ذكرتم ولا يقتضيه ظاهرها ولا يحتمله، وقد ذكر المفسرون في معناها وجوهاً كلها محتملة، وبها يبطل دعوى الخصم في معناها:
أحدها: أن المنافقين لما تكلموا بلا إله إلا الله أضاءت لهم في الدنيا بإجراء أحكام المسلمين عليهم، وحقن دمائهم، فلما ماتوا سلبهم الله ذلك النور أي لم ينفعهم نطقهم بالشهادة مع إبطانهم الكفر، وهذا مروي عن قتادة، ويؤيده ما رواه ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والصابوني في المائتين عن ابن عباس، قال: هذا مثل ضربه الله للمنافقين أنهم كانوا يعتزون بالأنساب، فيناكحهم المسلمون، ويوارثونهم، ويقاسمونهم الفيء، فلما ماتوا سلبهم الله ذلك العز كما سلب صاحب النار ضوءه {وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ}[البقرة:17] يقول في عذاب.
الثاني: أن الله أذهب نورهم بإطلاع المؤمنين على كفرهم، فقد أذهب منهم نور الإسلام بما ظهر من كفرهم.

الثالث: أن المراد أنهم أوقدوا ناراً حقيقة ليتوصلوا بها، وبنورها إلى فسادهم، وعبثهم، ومعاصيهم، فأخمد الله نارهم، وأضل سعيهم.
الرابع: أن هذه النار مجاز عن عداوة أهل النفاق وحقدهم، وما كانوا يحاولونه من إثارة الفتنة، وإذهاب الله إياها: دفع ضررها عن المؤمنين، كما قال تعالى: {كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَاراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ}[المائدة:64] وهذه الوجوه لايبقى معها لأهل الزيغ في الآية شبهة؛ لأن إسناد الذهاب بنورهم إلى الله تعالى على أحد هذه الوجوه، ولا يلزم منه ما ذكره الخصم، ثم إنا لو سلمنا احتمالها لما ذكرتم، وأنها ظاهرة في أن الله نزع منهم الإيمان، فنقول: قد ثبت قطعاً تنزيه الله تعالى عن إضلال عباده، وحينئذ تكون الآية من المتشابه، فيجب تأويلها بما يطابق دليل العقل، ومحكم الكتاب، لا بما يخالفهما، ولنا في تأويلها وجوه:
أحدها: أن الله تعالى فعل بهم ذلك عقوبة على فعلهم، وجزاء على حسن صنيعهم، كما قال الإمام أحمد بن سليمان وغيره في الطبع والختم.

الثاني: أن الله تعالى سلبهم الألطاف، ومنعهم منها، وخذلهم لما علمه من عدم التطافهم وقبولهم، فلما وقع بهم ذلك ذهب ما كان معهم من الهدى، فأسند إلى الله من باب الإسناد إلى السبب، ويؤيده ما أخرجه ابن جرير، عن ابن عباس، وابن مسعود وناس من الصحابة أن ناساً دخلوا في الإسلام مقدم النبي صلى الله عليه وآله وسلم المدينة، ثم أنهم نافقوا، فكان مثلهم كمثل رجل كان في ظلمة، فأوقد ناراً، فأضاءت له ما حوله من قذى أو أذى، فأبصره حتى عرف ما يتقي، فبينا هو كذلك إذ طفئت ناره، فأقبل لايدري ما يتقي من أذى، فكذلك المنافق كان في ظلمة الشرك، فأسلم، فعرف الحلال من الحرام، والخير من الشر، فبينا هو كذلك إذ كفر فصار لايعرف الحلال من الحرام، ولا الخير من الشر، فهؤلاء الصحابة فسروا الآية باعتبار الواقع، والمعنى الحقيقي لها، فنسبوا الكفر والنفاق إلى فاعليه وهذا يقوي كون النسبة إلى الله تعالى على جهة المجاز؛ لأن المفسر يحل المعنى باعتبار مافي نفس الأمر، لاسيما وفيهم ابن عباس، وابن مسعود، ومحلهما في معرفة تأويل القرآن ومعانيه لا يجهل.
الوجه الثالث: أن يحمل على قصد المبالغة في التشبيه، ومعناه أنهم في ضلالهم وحيرتهم، وعدم انتفاعهم بما عرفوا من نور الهدى بمنزلة من ذهب الله بنوره؛ لأن من ذهب الله بنوره، ولم يدله، ولم يهده، فلا شك أنه لايهتدي، ولا يرجع إلى الحق، وحاصله أنهم من فرط تمكنهم في الضلال، وثباتهم فيه، وعدم انتفاعهم بهداية الله تعالى بمنزلة من فعل الله بهم ذلك، أي ذهب بنورهم وإن لم يكن منه تعالى إذهاب لنورهم، بل لم يذهبه فإن العقول كاملة والآيات متواصلة، وقد مر نظير هذا عن بعضهم في قوله تعالى: {خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ}[البقرة:7] ويشهد له قوله تعالى: {صُمٌّ بُكْمٌ...} الآية[البقرة:18]، وهذا الوجه مبني على أن جواب لما محذوف، ويكون قوله: {ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ}[البقرة:17] مستأنف. والله أعلم.

واعلم: أن ما ذهب إليه هذا الذاهب من الاستدلال بها على أن الله يغوي العباد ويضلهم، لايمكن حمل الآية عليه بوجه لما ذكرنا، ولأنها واردة في ذمهم على عدم الإيمان، وتشنيع أقوالهم، والحكم بسماجة حالهم، فكيف يذهب ذاهب إلى أن الله تعالى يسلبهم النور والقدرة عليه، ثم يذمهم، ويتوعدهم، ويشبههم بالصم البكم، ويتوعدهم بالدرك الأسفل من النار.
فائدة
قوله: {ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ}[البقرة:17] معناه: أذهب الله نورهم؛ إذ لايجوز أن يوصف الله بالذهاب مع النور.

المسألة الثالثة [في سر وصفهم بالصم والبكم والعمي]
وصف الله لهؤلاء القوم بأنهم صم بكم عميٌ، وإيراده على جهة المبالغة في التشبيه، دليل على أن من كانت فيه هذه الأوصاف على جهة الحقيقة، لايعرف الحق على وجهه، فيستنبط من ذلك أحكام قد ذكرناها في قوله تعالى: {خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ ...} الآية[البقرة:7]، وهذا التشبيه يؤكد ما هنالك، وفي إسناد عدم الرجوع إليهم دليل على أنهم المختارون له؛ إذ الأصل في الإسناد الحقيقة.
قوله تعالى: {وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ}[البقرة:19] دلت الآية على أن المحيط من أسماء الله تعالى، واختلف في معناه، فقيل: بمعنى عالم لقوله: {أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً}[الطلاق:12] وقيل: معناه مستولِ عليهم بالقدرة لقوله: {وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ}[البروج:20] وقيل: إنه يهلكهم لقوله تعالى: {إِلاَّ أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ}[يوسف:66] وكلها محتملة هنا، واستعماله في الباري تعالى مجاز، كنى به عن كونهم لا يفوتونه كما لايفوت المحاط المحيط؛ إذ لا تجوز الحقيقة في حقه تعالى؛ لأن الإحاطة حقيقة في حصر الشيء بالمنع له، والاشتمال عليه من كل جهة، وظاهر كلام الموفق بالله أنه لايطلق على الباري تعالى إلا مقيداً بما يزيل الوهم؛ لأنه قال: ولايوصف بأنه محيط؛ لأنه من صفات الأجسام، ولا يجوز عليه تعالى ذلك، ويجب أن يكون مراده عليه السلام أنه لا يطلق إلا مقيداً بما ذكرنا لأنه لايمنع ما ورد به القرآن، وفي وضع الظاهر -أعني الكافرين- موضع الضمير الراجع إلى من تقدم ذكره إعلام بكفرهم، وأنه السبب فيما ينالهم من عقوبة الله وتنكيله بهم، فيدل على عدمه، وأنه تعالى لا يعذب أحداً إلا بذنبه.

153 / 329
ع
En
A+
A-