المسألة الأولى [في قبح الاستهزاء]
يقال: لا شك في قبح الاستهزاء؛ لأنه لا ينفك عن التلبيس والجهل، وهما قبيحان، ولذا استعاذ منه موسى عليه السلام ، وسماه جهلاً لما قيل له: {أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ}[البقرة:67] فكيف جاز أن ينسب إلى الله تعالى، وأيضاً الدواعي إليه خوف الأذى، واستجلاب النفع، والهزل، واللعب اللذين هما أساس الجهل والسفاهة، وهل هذه الآية وما شابهها إلاَّحجة لما ذهب إليه المجبرة من أن الله تعالى لايقبح منه ما يقبح من غيره لو فعله، وقد حكى الناصر عليه السلام عنهم أن ذلك كاستهزاء العباد بعضهم ببعض، وأما من ينفي فعل القبيح عن الله تعالى من أعداء الإسلام، فقد تمسكوا بها على الطعن في القرآن، لاشتماله على الكذب والفساد؛ إذ لو كان من عند الله لم ينسب إلى نفسه هذا القبيح الذي لاشك في عدم وقوعه منه.
والجواب: أن الفريقين إنما أوتو من جهلهم بلغة العرب، وعنادهم لمن أمرهم الله بسؤاله عما جهلوا، ونحن نجيب على الطائفتين بجواب واحد مقنع، فنقول: لاريب في أن الله تعالى لايفعل القبيح، وأنه لو فعله لقبح منه، وقد استوفينا الأدلة العقلية على ذلك في فاتحة الكتاب، ولاريب أيضاً أن القرآن من عند الله، وقد ثبت القطع بذلك، وإذا تقرر لك هذا فنقول: الاستهزاء المذكور لايدل على ما تقوله المجبرة، ولا على مايقوله الطاعنون في القرآن؛ لأن له في اللغة العربية محامل صحيحة، ومخارج صريحة لا يجهلها إلا من ليس له في العلم نصيب.
أحدها: أن الله تعالى نزل إمهالهم،واجراء أحكام المسلمين في الدنيا عليهم مع ما ادخره لهم من أليم العقاب منزلة الاستهزاء بهم للمشابهة في الصورة، وهذا المعنى شائع عند العرب.
قال الناصر عليه السلام : الاستهزاء من الله بهم أنه ممهل لهم وغير معاجل لأخذهم، وأنه عالم بما سينالهم من عقابه وأليم عذابه على سوء أفعالهم، وذلك فمثل ما تعرفه العرب من تصرف معاني الكلام فيما بينهم، فلو أن رجلاً استهزأ برجل وسخر منه، واحتمل الآخر منه، ووكله إلى عقاب الله، وأخذه له بظلمه إياه، لجاز أن يقول قائل للمستهزئ: لا تظن أنك تستهزئ بفلان فإنه هو المستهزئ بك والساخر منك لاحتماله، وتغافله عليك، وأخذه له بحقه منك بما أعده الله للمستهزئين الظالمين من العقوبة، والنكال، وسوء العاقبة، وكذلك لو كان لرجل عبد يستهزئ به، ويخالف أمره، فينهاه مولاه عن ذلك فلا ينتهي، لجاز أن يقول له: أهملتك لأعاقبك على فعلك بما تستحقه، وإنما حلمي عنك لأني لا أخاف أن تفوتني بجرمك.
قال عليه السلام : فعلى هذا المعنى الاستهزاء من الله سبحانه في جميع ما ذكره في كتابه، قال: وكذلك المخادعة، والمكر، والكيد، وكل ما أشبه ذلك في كتاب الله، وتحقق ذلك قوله سبحانه: {وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ}[الأعراف:183] أي أن أخذي إياهم بالعذاب على ذنوبهم شديد أليم.
قلت: وهذا التأويل قد ذكره الرازي، وأبو السعود، وأبو حيان، والنيسابوري وهم من علماء الخصوم وفحولهم، إلا أن الرازي ضعفه بأن الله تعالى لما أظهر لهم أحكام الدنيا، فقد أظهر لهم الأدلة الواضحة بما يعاملون به في الآخرة من العقاب، فليس في ذلك مخالفة لما أظهره في الدنيا.
الثاني: أن من آثار الاستهزاء حصول الهوان والحقارة، فذلك الاستهزاء، والمراد حصول الهوانة لهم تعبيراً بالسبب عن المسبب.
الثالث: أن المراد أنه يعاقبهم وينتقم منهم، ويجازيهم على استهزائهم، فسمى العقوبة باسم الذنب على جهة المشاكلة، قال القرطبي: هذا قول الجمهور من العلماء، والعرب تستعمل ذلك كثيراً في كلامهم.
من ذلك قول عمرو بن كلثوم:
ألا لا يجهلن أحد علينا .... فنجهل فوق جهل الجاهلينا
فسمى انتصاره جهلاً، والجهل لايفتخر به ذو عقل، وإنما قاله ليزدوج الكلام فيكون أخف على اللسان من المخالفة بينهما، وكانت العرب إذا وضعوا لفظاً بإزاء لفظ جواباً له وجزاءً، ذكروه بمثل لفظه وإن كان مخالفاً له في معناه، قال: وعلىذلك جاء القرآن والسنة، ثم استشهد بآيات منها: {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا}[الشورى:40] والجزاء لايكون سيئة، ومن السنة بقوله صلى الله عليه وآله وسلم : ((إن الله لايمل حتى تملوا، ولا يسأم حتى تسأموا)).
قلت:والنكتة في المشاكلة أن يعلم أن ذلك جزاءٌ لاستهزائهم.
الرابع: أن الله تعالى يعاملهم معاملة المستهزئ في الدنيا بإظهارهم أسرارهم على النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وفي الآخرة يفعل ما يريد في غيظهم، على ماروي عن ابن عباس: إذا دخل المؤمنون الجنة والكافرون النار فتح الله من الجنة باباً على الجحيم في الموضع الذي هو مسكن المنافقين، فإذا رأى المنافقون الباب مفتوحاً أخذوا يخرجون من الجحيم، ويتوجهون إلى الجنة، وأهل الجنة ينظرون إليهم، فإذا وصلوا إلى باب الجنة، فهناك يغلق دونهم الباب، فذلك قوله تعالى: {فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ، عَلَى الأَرَائِكِ يَنظُرُونَ}[المطففين:34،35] فذلك هو الاستهزاء. رواه النيسابوري، والرازي، وهوفي الدر المنثور منسوباً إلى البيهقي في الأسماء والصفات.
الخامس: أن المراد أنه يُجَهِّلُهُمْ- ذَكره زيد بن علي عليه السلام - ومعناه: أنه يحكم عليهم بالجهل، وقد روى في تأويل الاستهزاء المذكور تأويلات غير ما ذكرنا، كلها راجعة إلى معنى المجاز، وقد ذكرها أبو حيان وغيره، وهي أنه عبارة عن جمود النار كما تجمد الأدهان، فيمشون عليها، ويظنون النجاة فتخسف بهم، أو عن ضرب السور بينهم وبين المؤمنين، أو عن التهكم بهم في قوله تعالى: {ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ}[الدخان:49] أوعن الحيلولة بينهم وبين النور الذي يعطاه المؤمنون حيث يقولون لهم: {انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ}[الحديد:13] أوعن طردهم عن الجنة إذا أمر بناس منهم إلى الجنة، ودنوا منها، ووجدوا ريحها، ونظروا إلى ما أعد الله فيها لأهلها.
قال أبو حيان: وهو حديث فيه طول، روي عن عدي بن حاتم، فقال: ونحى هذا المنحى ابن عباس، والحسن، أو توبيخه إياهم ولومه لهم على ما ارتكبوا، كما يقال: فلان يهزء منه ويسخر به، يراد بذلك تو بيخ الناس إياه ولومهم له، وهذه الوجوه منها ما يمكن حمله على المجاز ولا بأس به، ومنها مالا يمكن فيه ذلك، فلا يجوز حمل القرآن عليه،سيما على قواعد العدل.
وأما ابن جرير فقد سلك في التأويل مسلك الحقيقة،وذلك أنه قال:إن معنى الاستهزاء عند العرب إظهار المستهزئ للمستهزء به من القول والفعل ما يرضيه ظاهراً، وهو بذلك يريد به المساءة باطناً،وكذلك معنى الخداع،والمكر،والسخرية عنده،وإذا كان ذلك كذلك،كان الله بما أظهره لهم في الدنيا من إلحاقه أحكامهم بأحكام المسلمين،وحشرهم في الآخرة مع المؤمنين، مع علمه بخبث عقائدهم،ثم إنه بعد ذلك ميز بينهم في الجزاء، فهؤلاء في جنات النعيم، وهؤلاء في الدرك الأسفل من الجحيم بهم مستهزئاً، ومنهم ساخراً، ولهم خادعاً، وبهم ماكراً، على ما ذكر في معنى هذه الألفاظ، واستدل على ذلك برواية أسندها عن ابن عباس أنه قال في قوله: {اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ}[البقرة:15] أي يسخر بهم للنقمة منهم، قال: والله في ذلك غير ظالم لهم؛ لأنه إنما جزاهم بما يستحقونه على أفعالهم.
قال: وأما من زعم أن ذلك على جهة الجواب، وأنه لم يكن من الله استهزاء، ولا مكر، ولا خديعة، فقد نفى عن الله ما أثبته لنفسه، وليس إنكاره لذلك إلا كإنكار ما أخبر الله به عن نفسه من أنه خسف بقوم، وأغرق آخرين، وأما الفرق في الإقرار بهذا دون هذا، فإن قال: إن الاستهزاء عبث ولعب يجب نفيه عن الله دون الخسف والغرق فهو عقوبة مستحقة.
قيل: له ألست تقول الله يستهزئ بهم، سخر الله منهم، وإن لم يكن من الله هزو ولا سخرية بزعمك، فإن قال: لا كذب القرآن، وإن قال: نعم، قيل له: أفتقول من الوجه الذي قلت الله يستهزئ بهم، ويسخر منهم يعني الوجه المجازي الله يلعب بهم، ويعبث على جهة المجاز من دون أن يثبت لعباً وعبثاً حقيقة، فإن قال: نعم، وصف الله تعالى بما أجمع المسلمون على نفيه عنه وعلى تخطئة واصفه به، وأضاف إليه ما قد قامت الحجة من العقول على ضلال مضيفه إليه، وإن قال لا، قيل: له فقد فرقت بمعنى معنى اللعب، والعبث، والهزء، والسخرية ونحوهما، وبه يعلم أن لكل منهما معنى غير الآخر، هذا تلخيص كلامه مع بيان بعض مقاصده.
وحاصله أن معنى الاستهزاء ونحوه مغاير لمعنى ما يجب نفيه عن الله من اللعب، والعبث، والجهل، وأن الاستهزاء في اللغة ما ذكره، وإذا كان معناه مغايراً لمعنى ما لا يجوز وصف الله تعالى به وقد وصف به نفسه، فلا وجه لإخراجه عن ظاهره، ولا ملجئ إليه. والله أعلم.
المسألة الثانية [الجواب على شبه المجبرة من خلال استدلالهم بهذه الآية]
تمسكت المجبرة بقوله تعالى: {وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ}[البقرة:15] في إثبات مذهبهم فإن الله الخالق لأفعال العباد، قال بعضهم: وإسناد هذا المد إلى الله تعالى مع إسناده في قوله تعالى: {وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ}[الأعراف:202] إلى العباد محقق لقاعدة أهل الحق، من أن جميع الأشياء مستند من حيث الخلق إليه تعالى، وإن كانت أفعال العباد مستندة إليهم من حيث الكسب، وقد استدل بها بعضهم على أن الله تعالى يريد المعاصي من العباد؛ إذ لو لم يردها منهم لما زادهم منها.
والجواب:أن للعدلية في رد هذه الشبهة مسلكان:
أحدهما:أن المد بمعنى الإمهال، وهذا قول زيد بن علي، وأبي علي، والقرشي، قال أبو علي: ويمدهم، أي: يمد عمرهم، ثم أنهم مع ذلك في طغيانهم يعمهون، وليس المراد أنه يمد في عمرهم ليطغوا، بل المراد أنه تعالى يبقيهم ويلطف بهم في الطاعة، فيأبون إلا أن يعمهوا.
قلت: ظاهر كلام أبي علي أن قوله: {فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ}[البقرة:15] استئناف، والأولى أن يكون حالاً تقديره: وميلهم حال عمههم في طغيانهم، أو في حال كونهم في طغيانهم يعمهون، وهذا مسلك صحيح من جهة المعنى، ويقويه أن فيه حمل اللفظ على حقيقته، بل قال القرشي: إن المد في الطغيان بالمعنى الذي ذكره الخصوم غير معقول في اللغة ولا يستعمل، وإنما المد هو الإنساء في الأجل.
قال: ولوكان كما قالوه من أنه فعل بهم الطغيان، وأراده لكان قوله: {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوْا الضَّلاَلَةَ بِالْهُدَى}[البقرة:16] لامعنى له؛ لأنهم لايتمكنون من الهدى.
المسلك الثاني: أنه من المدد وهو الزيادة على مايقوله الخصوم، وهو قول الزمخشري وغيره.
قال في الكشاف: مد الجيش وأمده إذا زاده، وألحق به ما يقويه، ومده الشيطان وأمده إذا واصله بالوسواس حتى يتلاحق عنه ويزداد إنهماكاً فيه، ويقوي ماذكره قراءة {يَمُدُّونَهُمْ} بضم الياء، وقراءة نافع: {وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ}[الأعراف:202] بضمها أيضاً.
قال: على أن الذي بمعنى أمهله، إنما هو مد له مع اللام كأملى له، إذا عرفت هذا فنقول: إن هذا المعنى وإن كان ظاهره يقضي بما ذهب إليه الخصوم، فلا يجوزحمله على الظاهر؛ لأن الله إنما جعل الآية ذماً لهم على أفعالهم، وانهماكهم في الطغيان، وكيف يذمهم على ماخلقه فيهم، وأراده منهم، ولأنه قد أضاف الطغيان والعمه إليهم، فقال: {فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ}[البقرة:15] وإذا لم يجز حمله على ظاهره، فلنا في تأويله وجوه:
أحدها: أنهم لما أصروا على كفرهم خذلهم الله تعالى، ومنعهم ألطافه، فتزايد الرين في قلوبهم تزايد الإنشراح والنور في قلوب المؤمنين، فسمى ذلك التزايد مدداً في الطغيان، فأسند إلى الله سبحانه؛ لأنه مسبب عن فعله بهم بسبب كفرهم.
الثاني: أن المراد به ترك القسر والإلجاء إلى الإيمان، كما في قوله تعالى: {وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ}[الأنعام:110].
الثالث: أن المراد به معناه الحقيقي الذي هو الزيادة في الطغيان، وهو فعل الشيطان، لكنه أسند إلى الله تعالى؛ لأنه بتمكينه وإقداره، والتخلية بينه وبين إغواء عباده.
قلت: وقد يستعمل المد بمعنى الترك، حكى الأخفش مددته إذا تركته، وعلى هذا فيكون معنى الآية ويتركهم في طغيانهم يعمهون، والمراد به ترك اللطف، والدعاء إلى الخير عقوبة على سوء صنيعهم، وتماديهم في الكفر، ويكون الإسناد إلى الله تعالى حقيقي. والله أعلم.
المسألة الثالثة [الرد على النسفي في انتقادهم للمعتزلة حول اللطف]
قال النسفي: هذه الآية حجة على المعتزلة في الأصلح يعني أنها تدفع قولهم بوجوب الأصلح وهو اللطف على الله تعالى؛ إذ لو كان واجباً عليه لما أخل به، ولما زادهم طغياناً.
والجواب: أنه قد وهم في إطلاق نسبة هذا القول إلى المعتزلة، فإنه لم يقل به إلا بعضهم كما مر، ثم إن القائلين بوجوبه لم يوجبوا إيقاعه على وجه يمتنع معه وقوع المعصية لا محالة، بل قالوا: هو ما يختار عنده المكلف الطاعة ويجتنب المعصية، أو ما يكون معه أقرب إلى الاختيار، وإذا تقرر هذا فلهم أن يقولوا إن الله قد لطف بهم لطفاً مطلقاً بالهداية، ودعاءِ الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فلم يلتطفوا، و يدل عليه قوله تعالى: {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوْا الضَّلاَلَةَ بِالْهُدَى}[البقرة:16] وما ضربه الله لهم من المثل بعدها بمن استوقد ناراً إلى آخره، فلما علم الله منهم عدم قبول اللطف أمدهم في طغيانهم، وقد نصوا على أنه يجوزمن الله سلب الألطاف عن بعض المكلفين جزاء على عصيانهم، ويجري مجرى العقوبة لهم، وهذا هو الذي يعبرون عنه بالخذلان، وهو أحد الوجوه السابقة في تأويل الآية، فيطلق قوله إن الآية حجة على المعتزلة والحمد الله، وقد مر الكلام على مسألة اللطف مستوفى في الفاتحة.
فائدة
ذكر الإمام عز الدين أن كثيراً ما يتكرر في كلام الأصحاب أن الله يجعل الخذلان، وهو سلب الألطاف، وترك فعلها، والتخلية عقوبة للعاصين، وهو مناف لقواعدهم؛ لأنه إذا كان في المقدور لطف لهذا العاصي، فمن قواعدهم إيجاب فعله على الله، والمنع من تركه له؛ لأنه عندهم إخلال بواجب، وإن لم يكن له لطف فلا معنى لكون سلب اللطف عقوبة؛ لأن فعل اللطف حينئذ كتركه، بل لا يسمى لطفاً ما لايلتطف به، فلا سلب، وهذا واضح كما ترى.
قال عليه السلام : وقد تكلف بعض المتأخرين في الجواب عنه؛ بأنه لاما نع من أن يكون في معلوم الله؛ أنه لولا العصيان المتقدم من هذا المخذول لكان يلتطف بهذا الفعل الذي سلبه، فلما عصى تولد من معصيته عدم لطفية ما كان لطفاً له لو لم يعص، فكان ترك فعله وسلبه إياه بسبب معصيته بعد ذلك عقوبة عليها.
قال عليه السلام : وفيه تعسف كما ترى، فإن العقوبة إنزال الضرر بالعاصي على جهة الاستخفاف لأجل معصيته، وليس الضرر الذي يناله بسبب فعل المعصية لا جزاء عليه يُعَد عقوبة، كما لو قتل من لايستحق القتل فوقع السلاح الذي قتله به في شيء من جسده، أو ناله تعب بسبب القتل، فإن ذلك لا يعد عقوبة، وإنما يتصور ما يذكرونه على القول بعدم وجوب اللطف، وأن الله سبحانه يسلبه إياه مع تأثيره لو فعله بمن يعصيه عقوبة له، ومكافأة على معصيته.
قال عليه السلام : (وليكن هذا على بال منك فإنه كثيراً ما يرد في كلام العدلية القائلين بوجوب اللطف، وهو غير مستقيم على قواعدهم. والله سبحانه أعلم.