المسألة الثانية [صور أمراض القلوب]
اعلم: أن أمراض القلوب لا تختص بالشك والنفاق، بل كل فساد في الدين يتعلق بأفعال القلوب فهو مرض من أمراضها، كالغل، والحسد، والكبر، وغيرذلك كما مر عن ابن فارس، وقال بن عرفة: المرض في القلب الفتور عن الحق، وقد مرَّ من كلام علي عليه السلام ما يشهد لما ذكرناه، إذا عرفت هذا فاعلم: أنه يجب على كل أحد أن يعالج قلبه بما يصلحه، فإن بصلاحه صلاح البدن، وبفساده فساد البدن كما مر في الحديث، والمراد به أن الجوارح الظاهرة تابعة في الطاعة لله والمعصية له للقلب فإن صلح صلحت،وإن فسد فسدت، ولاشيء ينفع في علاج القلوب، ولا أدعى لها إلى رضى علام الغيوب من التدبر لكتاب الله، والإهتداء به، والاتباع لمن أمر الله باتباعه فيه، وقد أشار إلى هذا أمير المؤمنين عليه السلام بقوله: (فإن فيه الشفاء من أكبر الداء وهو الشرك بالله) ومن كلام القاسم بن إبراهيم عليه السلام قوله: واعلموا أن القلوب كالآنية المصدعة لما تنازع إليه من غرائزها المطبوعة،فإن لم ترهم صُدُوْعَهَا لم يصح مطبوعها على بنية اعتداله فيما فطرها الله عليه من كمالها، فزموها بالعلم بكتاب الله وتنزيله، والوقوف على محكم تأويله، ففي ذلك لها تقويم، وتعديل، وهداية، ونور، ودليل على منهاج خالص الطريق، والمستأثر لها في حب الله وطاعته، وما أوجب الله على العباد من إثرته وعبادته، وبكتاب الله يتجلى عن القلوب ظلم الحيرة، وبلطيف النظر فيه يدرك حقائق العلم والبصيرة.

المسألة الثالثة [في إيضاح القراءة في هذه الآية]
قال في الثمرات: قرئ يكذبون بالتشديد مع ضم الياء وبالتخفيف مع فتحها، والثمرة في ذلك أن تكذيب النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وكذلك كذب من قال أنه مؤمن وليس بمؤمن: كفر في الباطن.
قلت: وكلامه يفيد الفرق بين القرائتين بالمعنى، والأولى حملهما على معنى واحد وهو الكذب في قولهم كما مر، ويشهد له قوله تعالى:{وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ}[المنافقون:1] ولم يقل المكذبون، ولأن حمل قراءة التشديد على قراءة التخفيف، يفيد كون الوعيد في آخر الآية على ما افتتحها به من الإخبار عنهم بأنهم يقولون آمنا وليسوا بمؤمنين، فيلتئم أول الآيات وآخرها، وفي عدم الحمل من تفكيك النظم واختلاف معنى الكلمة الواحدة مالا ينبغي تخريج أفصح الكلام عليه، إذا عرفت هذا، فنقول: في الآية دليل على تحريم الكذب.
قال الرازي: قوله تعالى: {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُون}[البقرة:10] صريح في أن كذبهم علة للعذاب الأليم، وذلك يقتضي أن كل كذب حرام، فأما ما روي أن إبراهيم عليه السلام كذب ثلاث كذبات، فالمراد التعريض، ولكن لما كانت صورته صورة الكذب سمي به، ونحوه في الكشاف، وفي الآية رد لما ذهب إليه الجاحظ من أنه لايسمى بالكذب إلا إذا علم المخبر كون المخبر عنه مخالفاً للخبر، ذكره الرازي وهو صحيح إذا ثبت أنهم كذبوا وهم غير عالمين بأنهم كاذبون.

البقرة: 12،11
قوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ، أَلاَ إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لاَ يَشْعُرُونَ}[البقرة:11،12]
الفساد: خروج الشيء عن حال استقامته وكونه منتفعاً به، ونقيضه الصلاح وهو الحصول على الحالة المستقيمة النافعة،وفي الآية مسائل:

المسألة الأول‍ى [في ذكر الخلاف في معنى الإفساد]
اختلف في معنى إفسادهم في الأرض على أقوال، حاصلها يرجع إلى أن ذلك بالمعصية، إلا أن بعضهم خصه بمعصية مخصوصة كقول من قال: هو الكفر أو النفاق الذي صافوا به الكفار، وأطلعوهم على سرائر المؤمنين، ومنهم من في كلامه ما يدل على تعميم كل معصية كقول من قال إنه المعاصي وأطلق.
وقال الزمخشري: الإفساد في الأرض: تهييج الحروب والفتن؛ لأن في ذلك فساد ما في الأرض، وانتفاء الاستقامة عن أحوال الناس، والزروع، والمنافع الدينية والدنيوية، قال الله تعالى: {وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ}[البقرة:205] {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ}[البقرة:30] ومنه قيل لحرب كانت بين طيء حرب الفساد.
قال أبوحيان: ووجه الفساد بهذه الأقوال التي قيلت أنها كبائر عظيمة، ومعاصٍ جسيمة، وزادها تغليظاً إصرارهم عليها، والأرض متى كثرت معاصي أهلها، وتواترت قلَّتْ خيراتها، ونزعت بركاتها، ومنع عنها الغيث الذي هو سبب الحياة، فكان فعلهم الموصوف أقوى الأسباب لفساد الأرض وخرابها، كما أن الطاعة والاستغفار سبب لكثرة الخيرات، ونزول البركات، ونزول الغيث، ألا ترى إلى قوله تعالى: {فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ}[نوح:10] {وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ}[الجن:16] {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا} [الأعراف:96] {وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ}[المائدة:66] الآيات، وقد قيل: في تفسير ما روي في الحديث من أن الفاجر يستريح منه البلاد والعباد، والشجر والدواب، وأن معاصيه يمنع الله بها الغيث، فيهلك العباد والبلاد لعدم النبات، وانقطاع الأقوات.

قال: والنهي عن الإفساد في الأرض من باب النهي عن المسبب، والمراد النهي عن السبب، فمتعلق النهي حقيقة هو مصافاة الكفار وممالأتهم على المؤمنين بإفشاء السر إليهم، وتسليطهم عليهم لإفضاء ذلك إلى هيج الفتن المؤدي إلى الإفساد في الأرض، فجعل ما رتب على المنهي عنه حقيقة منهياً عنه لفظاً.
قلت: وحكم الله عليهم أنهم مفسدون، لايوجب عليهم حد المحارب المذكور في سورة المائدة؛ لأن هذه الآية نزلت في المنافقين، ولم ينقل عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنَّه أقام عليهم هذا الحد، ولأن الحد في آية المائدة مشروط بأمر ين، وهما محاربة الله والمراد أوليائه.
والثاني: السعي بالفساد، والمراد فساد مخصوص. ذكر هذا الفقيه يوسف.

المسألة الثانية[العمل بالظاهر]
قيل: في الآية دليل على أن من أظهر الإيمان وجب إجراء حكم المؤمنين عليه، قال بعضهم: جعل الله الأحكام بين عباده على الظاهر، وتولى الحكم في سرائرهم دون أحد من خلقه، فليس لأحد أن يحكم بخلاف ما ظهر؛ لأنه حكم بالظنون، ولو كان ذلك لأحد كان أولى الناس به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقد حكم للمنافقين بحكم المسلمين بما أظهروا، ووكل سرائرهم إلى الله، وقد كذب الله ظاهرهم في قوله: {وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ}[المنافقون:1].
قلت: وفي كف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن قتل المنافقين مع أنه قد علم أعيانهم جميعاً أو بعضهم خلاف سيأتي في غير هذا الموضع، وقد أشرنا إليه فيما مر.

المسألة الثالثة [في الدلالة على جواز الجدل]
قيل: هذه الآية من أدِلّة جواز الجدل، ويراد ما يبطل دعوى الخصم على قواعد أهل الجدل، وهو صحيح فإن فيها سؤال المنع؛ لأنهم لما نفوا عن نفوسهم الفساد لدعوى الإصلاح منعوا هذه الدعوى بقوله: { أَلاَ إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ}[البقرة:12].
قيل: وفي الآية دليل على جواز المنع من طريق المعنى، وفيها رد على أبي إسحاق الشيرازي حيث قال: لايسمع الاعتراض بمنع حكم الأصل في القياس، وقد أجيب عليه أيضاً بأن غرض المستدل لا يتم مع منعه، واختلفوا في كون هذا الاعتراض بمجرده قطعاً للمستدل، فقيل: لايكون قطعاً له، وهو اختيار صاحب الغاية، وصاحب جمع الجوامع وغيرهما؛ لأن منع حكم الأصل كمنع العلية ونحوها من مقدمات القياس، وحكم الأصل أحد تلك المقدمات، فكما أن المستدل لاينقطع بمنع أيها، بل يجب عليه إثباتها بالدليل اتفاقاً، فكذلك حكم الأصل، وقيل: بل ينقطع فلا يمكن من إثباته؛ لأنه إذا أخذ في الدلالة على إثبات حكم الأصل فقد انتقل عن المقصود وهو إثبات حكم الفرع بالقياس، ولا معنى للانتقال إلا هذا، وأجيب بأنه لايضر؛ إذ المقصود لايتم إلا به، والواجب على ملتزم أمر إثبات ما يتوقف عليه غرضه، وقال الإسفراييني: ينقطع إن كان المنع ظاهر يعرفه أكثر الفقهاء، وإلا فلا، وقال الغزالي: يعتبر عرف مكان البحث فإن للجدل عرفاً ومراسم في كل مكان، فإن عده أهل المكان الذي فيه البحث قطعاً فهو كذلك، وإلا فلا.
قيل: وإذا أتى المستدل على حكم الأصل بدليل فلا ينقطع المعترض، بل له أن يعود فيعترض؛ إذ لا يلزم من صورة دليل صحته، وهذا اختيار الحسين بن القاسم، وابن الحاجب، وابن السبكي، وقيل: بل ينقطع لخروجه باعتراضه عن المقصود.
وأجيب بأَنَّ ألمقصود لا يحصل إلا به.

المسألة الرابعة [الجهل ليس بعذر]
ظاهر قوله: { أَلاَ إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لاَ يَشْعُرُون}[البقرة:12] أنهم لا يشعرون بأن ماهم عليه من الخلاف، والمعاندة، وترك الواجب، وارتكاب المناهي من الفساد، فتدل الآية على أن الجهل ليس بعذر للعاقل؛ لأن هذه الآية واردة في ذمهم وتوبيخهم على أفعالهم.
قال ابن جرير: وهم يحسبون أنهم بفعلهم ذلك مصلحون فيها، فلم يسقط الله جل ثناءه عنهم عقوبته، ولا خفف عنهم أليم ما أعد من عقابه لأهل معصيته، بحسبانهم أنهم فيما أتوا من معاصي الله مصلحون، بل أوجب لهم الدرك الأسفل من ناره، والأليم من عذابه، والعار العاجل بسب الله إياهم، وشتمه لهم، فقال: { أَلاَ إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لاَ يَشْعُرُون}[البقرة:12] قال: وذلك من حكم الله جل ثناؤه فيهم، أدل دليل على تكذيبه تعالى، قول القائلين: أن عقوبات الله تعالى لا يستحقها إلا المعاند ربه فيما لزمه من حقوقه وفروضه، بعد علمه، وثبوت الحجة عليه بمعرفته، بلزوم ذلك إياه.
قلت: ويشهد لهذ قوله تعالى: {أَلاَ إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لاَ يَعْلَمُونَ}[البقرة:13] وقوله: {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً ، الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا...} الآية[الكهف:103،104]، وقوله:{إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ...} الآية[النساء:17] فشرط في عدم المؤخذة لهم التوبة، لايقال فيلزمكم في الناسي؛ لأنا نقول فعل الناسي كلا فعل، بخلاف الجاهل فإنه قاصد لفعله، ومتعمد لما ارتكبه.
فإن قيل: الجاهل غافل عن قبح فعله، فتكليفه والحال هذه، ومؤاخذته بفعله من تكليف ذوي الغفلة ومؤاخذتهم.

قيل: لاشك أن تكليف ذوي الغفلة لايجوز، لكنا نقول: متى تكاملت علوم العقل فلا يحسن من الله إهمال العبد، كما يدل عليه: {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا}[المؤمنون:115] وإذا كان لا يحسن إهماله فلا بد من خوف يحصل للعبد من ترك النظر في معرفة الله، أو معرفة رسوله، أوما جاءوا به من الشرائع، أو خاطر ينبهه كما سيأتي في مسألة النظر، فإذا حصل الباعث على النظر في معرفة الله، وفي صدق رسله، وما جاءوا به، ثم قصر المكلف في النظر كان قد أتى من جهة نفسه، وقد تقدمت إشارة إلى هذه الجملة. والحمد لله.

البقرة: 15
قوله تعالى: {اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ}[البقرة:15] تتعلق بالآية مسائل:

150 / 329
ع
En
A+
A-