وإذا تقرر لك أنه لابد من النظر في الجزئيات، فاعلم: أن طريقة الاجتهاد فيها ميسرة غاية التيسير، وأنا آتيك هنا بصورة مما يجوز فعله تعرف بها كيفية الاجتهاد في هذا الباب، وهي التحيل لمصير الزكاة إلى من تحرم عليه كالهاشمي مثلاً فنقول: لاشك أن الزكاة محرمة على بني هاشم، ثم إنا نظرنا فإذا المحرم صرفها إليهم، لا تملكها بالشرى من المصرف أو الإهداء منهم إليهم بدليل خبر بريرة المتقدم، ولما في الجامع الكافي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم : ((لاتحل الصدقة لغني إلا لخمسة: رجل عمل عليها، أو في سبيل الله، أو ابن السبيل، أو غارم، أو رجل اشتراها بماله)) قال: وفي حديث آخر: ((أو أهداها إليه من تصدق بها عليه)) وفي أمالي أبي طالب أخبرنا أبو علي أحمد بن عبد الله بن محمد، قال: أخبرنا محمد بن قارن بن العباس، قال: حدثنا الحسين بن الحسن الطبركي، قال: حدثنا يحيى بن عبد الله بن بكير، قال: حدثنا مالك، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((لاتحل الصدقة لغني إلا لخمسة: لغاز في سبيل الله، أو العامل عليها، أو الغارم، أو لرجل اشتراها بماله، أو لرجل كان جاراً لمسكين فتصدق على المسكين فأهداها لغني)).
أما أحمد بن عبدالله فلم أعرفه.
وأما ابن قارن فذكره في الجداول، وقال: ذكره في الإكمال.
وأما الطبركي فهو: أبو معين. قال أبو أحمد الحاكم: هومن كبار حفاظ الحديث، توفي سنة اثنتين وسبعين ومائتين.
وأما يحيى بن عبدالله فهو: المخزومي مولاهم أبو زكريا المصري، وثقه في الكاشف، وابن حبان، وقال في الميزان: وثقه غير واحد.
احتج به الشيخان، وابن ماجة، وأخذ عنه البخاري.
توفي سنة إحدى وثلاثين ومائتين.
روى له أبو طالب، والمرشد بالله، والحديث رواه في الشفاء، وأصول الأحكام، وأشار إليه في شرح التجريد.
وفي سنن ابن ماجة: حدثنا محمد بن يحيى، ثنا عبد الرزاق، أنبأنا معمر، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((لاتحل الصدقة لغني إلا لخمسة: لعامل عليها، أو لغاز في سبيل الله، أو لغني اشتراها بماله، أو فقير تصدق عليه فأهداها لغني أو غارم)) رواه محمد بن يحيى وهو الذهلي أبو عبد الله النيسابوري الإمام الحافظ، أخذ عنه الجماعة سوى مسلم.
قال أبو حاتم: إمام زمانه، وقال أبو بكر بن زياد: أمير المؤمنين في الحديث، وثقه النسائي وغيره، وكان البخاري يدلسه.
توفي سنة ثمان وخمسين ومائتين، روى له أبو طالب، والمرشد بالله.
وأما معمر بفتح الميمين مع التخفيف فهو: ابن راشد الأزدي أبو عروة البصري، أخذ عن الزهري وغيره.
وعنه عبد الرزاق وجماعة منهم السفيانان، وثقه العجلي.
روى أنه لماسئل عن الحديث المأفوك في علي والعباس، قال: الله عالم بحالهما أني لا أتهمهما في بني هاشم، يعني الزهري وعروة.
قلت: أما الزهري فقد روى عنه في شرح ابن أبي الحديد ما يدل على تبرمه من الحديث، واتهامه لعائشة في روايته.
توفي معمر سنة ثلاث وخمسين ومائة.
احتج به الجماعة، وروى له الهادي في المنتخب، وأئمتنا الأربعة، وفي المناقب، والحديث أخرجه أبو داود، وأحمد، ومالك في الموطأ، والبزار، وعبد بن حميد، وأبو يعلى، والحاكم وصححه، والبيهقي وقد أعل بالإرسال؛ لأنه قد رواه بعضهم عن عطاء بن يسار عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كما في أمالي أبي طالب.
قال في النيل: لكنه قد رواه الأكثر عنه عن أبي سعيد، والرفع زيادة يتعين الأخذ بها، وفي صحيح البخاري حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا يزيد بن زريع، حدثنا خالد، عن حفصة بنت سيرين، عن أم عطية الأنصارية، قالت: دخل النبي صلى الله عليه وآله وسلم على عائشة فقال: ((هل عندكم شيء؟)) فقالت: لا إلا شيء بعثت به إلينا نسيبة من الشاة التي بعثت بها من الصدقة، فقال: ((إنها قد بلغت محلها)).
أما علي فهو ابن المديني، وخالد هو الحذا، ونسيبة هي أم عطية الحديث وأخرجه مسلم، وأخرج مسلم عن عبيد بن السباق قال: أن جويرية زوج النبي صلى الله عليه وآله وسلم أخبرته أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دخل عليها فقال: ((هل من طعام؟)) فقالت: لا والله يارسول الله ما عندنا طعام إلا عظم من شاة أعطتنيه مولاتي من الصدقة، فقال: ((قربيه قد بلغت محلها)) إذا عرفت هذا فنقول: قد دل حديث بريرة، وهذه الأحاديث على أن الزكاة إذا ملكها المصرف تغيرت صفتها، وأزال عنها اسم الصدقة، وتغيرت الأحكام المتعلقة بها، وحينئذ يجوز أن يعطى الهاشمي منها.
قال الأميرالحسين: وذلك هو الظاهر من إجماع علماء الإسلام، ذكره في الشفاء، وكذلك غير الهاشمي ممن تحرم عليه، وإذا ثبت أن مصيرها إلى غير المصرف بعد ملك المصرف لها جائز، فيقال: إذا صارت إلى غير المصرف بعد تقدم مواطأة بين الصارف والمصرف في أنه يردها إلى من تحرم عليه فهذا هو المقصود بالحيلة التي أردنا بيان كيفية الاجتهاد في جوازها أوتحريمها، فنقول: قد اختلف في ذلك.
فقال الإمام المؤيد بالله عليه السلام ، والإمام يحيى: هذه الحيلة مكروهة، وفي الأجزاء تردد، وقال الإمام المهدي: بل هي محرمة ولا يجزي هذا الصرف، لكن لا مطلقاً، بل إن توصل بها إلى مخالفة مقصود الشرع وهو تصييرها إلى الغني فيشبه التوصل إلى الربا.
قال: ومن ثم قال المنصور بالله: يؤدبان، وأما إن توصل بها إلى مطابقة مقصودالشرع فيجوزكالتقبيض للهاشمي الفقير؛ إذ علة التحريم ألاَّ يتطهر به الناس تشريفاً وقد زالت؛ إذ يطهر بالقابض، وطابقت مقصود الشارع وهو سد خلة الفقير، قال: ولا تضر المواطأة كالحيلة في الصرف واليمين، ولا يبعد الإجماع على ذلك، ولا يخفي عليك أن الأئمة المذكورين، ومن وافقهم بنوا نظرهم في المسألة على علل مستنبطة، وقياسات شبهيه، والذي ينبغي أن يقال المعلوم من أدلة تحريم الزكاة على الهاشمي وغيره، ومن حديث بريرة، وأبي سعيد أن المحرم عليهم أخذها قبل أن يملكها المصرف، وأنها بعد ملك المصرف لها حلال لمن أخذها بأحد وجوه التمليك، وإنما يبقى النظر هل تقدم المواطأة يمنع ملك المصرف لها أم لا؟ والذي يظهر أن الصارف إن شرط على الفقير إعطاء الغير حيث لولم يلتزم له بذلك لما صرف إليه، أوعرف من حال المصرف أنه لم يعط ذلك الغير إلا لغلبة الحياء أو نحوه، وأنها لم تطب بذلك نفسه، فهذه الحيلة محرمة؛ لأنها لم تطابق السنة وهو إعطاء المصرف على جهة تملكه لها، ولم يخرجها المصرف عن ملكه على وجه تحل لمن صارت إليه والأعمال بالنيات، وإن كان مصيرها إلى المصرف على الوجه الشرعي وهو أنها تكون له وفي ملكه على وجه لا يخرجها عنه إلا بطيبة من نفسه، فهذه الحيلة صحيحة، ولاحرج فيها، ولايكون تقدم المواطأة إلا من باب السعاية في فعل الخير، والدلالة عليه، والترغيب فيما أمر الله به من الصدقة، والإنفاق في وجوه الخير والبر، وامتثال المصرف ليس إلا رغبة في تلك الوجوه، وفي الأخبار المذكورة مايدل على جواز تقدم المواطأة لأنه يؤخذ منها، أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم نبه بها المصرف على هذا الفعل وَدَلَّهُ عليه، فهو كما لو تقدمت المواطأة بينه وبينه، وقد ندب الله الناس كافة إلى الإنفاق غنيهم وفقيرهم، ولا فرق على هذا بين مصيرها إلى هاشمي أوغيره، ولا بين غني أو فقير، وقد
نص على نحو ما ذكرناه العلامة المقبلي في المنار فإنه قال بعد أن ذكر ما حكيناه عنه من أن الضابط في الحيلة مالفظه: ثم لها شرط تحققها وهو أن يتطابق الباطن والظاهر، لا كهذه الحيل التي يبنونها على الألفاظ بدون طيبة النفس والانسلاخ كأن يعطي الفقير زكاته ليقضيه دينه، ولو أراد الفقير التصرف لغير الدين لمنعه، وكذلك اعطاؤه ليعطي هذا الهاشمي مثلاً فلولم يعطه لما طابت نفسه، وإنما تجزي بأن يعطيه طيبة نفسه بها، فإن وفي بما أراده من إعطاء الهاشمي مثلاً فنعما هي، وإن لم يعطه فقد رضي بإخراجها، وطابت نفسه بصرفها ونحو ذلك.
قال: ونكتته أن الملك لم يتم للمصرف إلا بطيبة النفس.
قلت: وقد عرف من هذا كله أن مناط المسألة النية، ومطابقة السنة، فمتى كان إعطاء الفقير بطيبة من نفس الصارف وفى له بالوعد أو لم يف، وكان إعطاء المصرف للهاشمي والغني بطيبة من نفسه، فقد صار الصرف إلى المصرف، والتصرف منه بإعطاء الغير مصحوباً بالنية، مطابقاً للسنة، لا امتراء في جوازه، ولا شك في إجزائه. والحمد لله.
وبما ذكرنا تعرف كيفية الاجتهاد في هذا الباب، وهوبالرجوع في كل مسألة إلى عمومات الشرع، وتصرفات الشارع فيما يتعلق بتلك المسألة من دون رجوع إلى ظابط كلي لا دليل عليه، أو علة مستنبطة، أو قياس شبهي يؤديان إلى صرف أدلة الشرع عن ظواهرها، وقد عرفت أن أول القضاء ما في كتاب الله، ثم ما في السنة إلى آخره.
البقرة: 10
قوله تعالى: {فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ}[البقرة:10]
المرض في اللغة: هو الألم، ويستعمل في غيره مجازاً. ذكره الزمخشري.
وقال ابن فارس اللغوي: المرض: كل ما خرج به الإنسان عن حد الصحة من علة، أو نفاق، أو تقصير في أمر، والأليم: الموجع، وفي {يكذبون} قراءتان بتخفيف الذال.
قيل: ومعناه يكذبون في قولهم آمنا، وتشديدها، ومعناه تكذيبهم الرسل وردهم على الله عز وجل، ويحتمل موا فقتها للمخففة على جهة المبالغة كما يقال في صدق مخفف الدال: صدق بتشديدها، وفي بان بين، والكذب: الإخبار عن الشيء على خلاف ما هو به، وفي الآية مسائل:
المسألة الأولى [بطلان استدلال المجبرة بهذه الآية]
في البساط للناصر عليه السلام أن المجبرة استدلت بقوله: {فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً}[البقرة:10] على مذهبهم في خلق المعاصي، وتقريره على ما أشار إليه بعضهم من أن الزيادة تكون من جنس المزيد عليه، فإذا كان المراد بمرض قلوبهم ها هنا الكفر والجهل كانت الزيادة من جنسهما، فيلزم أن يكون الله تعالى فاعلاً للكفر والجهل.
والجواب: أنه لا يجوز حمل الآية على خلقه تعالى للكفر فيهم لما علم مما مر من تنزيهه تعالى عن القبيح، وأي قبح أعظم من أن يخلق الكفر فيهم ثم يعذبهم عليه، هذا مع أن الآية مسوقة لذمهم، وكيف يذمهم على ما خلقه فيهم، ومن تأمل ما مر في مواضع من أن العباد الفاعلون باختيارهم، علم أنه لا يجوز حمل الآية على ما قال هؤلاء، وحينئذ فلأهل العدل في تأويلها وجوه:
أحدها: ما ذكره الناصر عليه السلام وهو أن المرض الذي في قلوبهم هو الكفر والشك والكبر، وكانوا إذا نزل على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وحي كذبوا به، فازدادوا بذلك كفراً إلى كفرهم، وجاز نسبته إلى الله؛ لأنه الذي أنزل الوحي الذي ازدادوا به مرضاً، ونظير ذلك أن يقول الإنسان: قد وعظت فلاناً فما زاده وعظي إياه إلا بعداً من الخير، ومنه قول نوح عليه السلام : {فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلاَّ فِرَاراًً}[نوح:6] وهم الذين فعلوا خلاف ما دعاهم إليه نوح عليه السلام ، وإنما نسبت الزيادة إلى دعائه لأنه السبب فيها.
قال الناصر: ويحقق ذلك قوله تعالى في آخر الآية: {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ}[البقرة:10] وقد ذكر هذا الوجه الرازي عن المعتزلة، وقال في آخره: فكذا هؤلاء المنافقون لما كانوا كافرين، ثم دعاهم الله إلى شرائع دينه فكفروا بتلك الشرائع، وازدادوا بسبب ذلك كفراً، لاجرم أضيفت زيادة كفرهم إلى الله، ونحوه في الكشاف وقال: هو من إسناد الفعل إلى سببه كما أسند إلى السورة في قوله: {فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ}[التوبة:125] .
الثاني: أن يحمل المرض على الغم تجوزاً.
قال القرشي: لأن المرض لايستعمل حقيقة إلا في الألم، وهو في الغم مجاز يقال: فلان مريض القلب من كذا أي مغتم، ولا شك أنهم كانوا يغتمون بعلو أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، قال القرشي: فأورد الله هذا، إما على الدعاء عليهم كأنه قال: زادهم الله غماً، وهو يتضمن الدعاء للمؤمنين بزيادة النصر والعزة، أو يكون على جهة التحقيق بأن الله زادهم غماً بما زاد به المسلمين مما لأجله يغتم عدوهم، وقد ذكر الهادي عليه السلام قريباً من هذا، وهو أنه قال: والمرض فهو الشك، والحيرة، والحسد له صلى الله عليه وآله وسلم ، فكانت قلوبهم مدخولة مما أتى به من الحق خوفاً أن يظهر حقه، وكلمته، وتتمكن في قلوب العرب دعوته، فكانوا كلما أشفقوا من شيء زاد الله نبيه حجة، ويزيده نوراً وتقوياً، ونصراً وتأييداً، فتزاداد لذلك قلوبهم عداوة وحسداً.
قال عليه السلام : فهذا معنى قول الله تعالى: {فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ}[البقرة:10] يخبر سبحانه أن كلما يؤتيه نبيه من العز والخير، وإقامة الحجج على الأمة يزيد ذلك قلوب المشركين سقماً وغماً، وبلاء ومرضاً.
قلت: وقد جمع عليه السلام في كلامه بينما يمكن نسبته إلى الله تعالى حقيقة كالسقم والغم، وما لا يمكن نسبته إليه إلا تجوزاً وهو الشك والحسد ونحوهما.
الوجه الثالث: أن المراد بالزياده الطبع على قلوبهم، ومعناه خذلانهم بمنع زيادة اللطف.
الرابع: أنه محمول على فتور النية في المحاربة؛ لأن قلوبهم كانت قوية على ذلك، ثم فترت نياتهم، وانكسرت شوكتهم، فأخذوا بالنفاق بسبب ذلك {فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً}[البقرة:10] أي فتوراً وانكساراً حين قذف الله في قلوبهم الرعب، وشاهدوا شوكة المسلمين، والعرب قد تعبر عن الفتور بالمرض، يقال: جارية مريضة الطرف أي بطرفها فتور، ويكون من الإسناد إلى السبب؛ لأن العزم على ترك المحاربة فعلهم، إلا أنه لما كان فعل الله سبباً فيه نسب إليه.
الوجه الخامس: أن يراد بالمرض حقيقته وهو الألم؛ لأن الحاسد والمنافق إذا دام به ذلك فربما صار سبباً لتغير مزاج القلب وتألمه، ورجح هذا الرازي للحمل على الحقيقة، وقال أبوحيان: الحمل على المجاز أولى؛ لأن قلوبهم لو كان فيها مرض لكانت أجسامهم مريضة بمرضها، أوكان الحمام عاجلهم.
قال بعض المفسرين: يشهد لهذا الحديث النبوي، والقانون الطبي، أما الحديث: فقوله صلى الله عليه وآله وسلم : ((إن في جسد ابن آدم لمضغة إذا صلحت صلح الجسد جميعه، وإذا فسدت فسد الجسد جميعه، ألا وهي القلب)) وأما القانون الطبي: فإن الحكماء وصفوا القلب على ما اقتضاه علم الترشيح، ثم قالوا: إذا حصلت فيه مادة غليظة فإن تمكنت منه ومن غلافه أومن أحدهما فلا يبقى مع ذلك حياة، وعاجلت المنية صاحبه، وربما تأخرت تأخيراً يسيراً، وَإنْ لَمْ ولم تتمكن منه المادة المنصبة إليه ولا من غلافه أخرت الحياة مدة يسيرة، وقالوا لاسبيل إلى بقاء الحياة مع مرض القلب.
قال أبو حيان: وعلى هذا الذي تقرر لا تكون قلوبهم مريضة حقيقة.
واعلم: أن الذي تدل عليه أقوال السلف أن المرض الذي في قلوبهم هو الشك والنفاق،وأن الزيادة المنسوبة إلى الله تعالى من ذالك الجنس، وهذا مروي عن ابن عباس، وابن مسعود، وغير همامن الصحابة، رواه جما عة من المفسرين، وهو قول قتادة، والربيع بن أنس، وعبد الرحمن بن زيد، وهو الذي يدل عليه كلام الهادي عليه السلام ، أعني أنه يدل على اتحاد الزيادة والمزيد عليه، وفي تفسير زيد بن علي في قلوبهم مرض: أي شك ونفاق، وقد سمى علي عليه السلام الشرك داء، فقال في وصف القرآن: (فإن فيه شفاء من أكبر الداء وهو الشرك بالله). رواه في النهج، وفيه دلالة على أن المعاصي تسمى داء؛ لأن الشرك أعظمها، وإذا كان المراد به ما ذكرنا فالتأويل مطابق لأدلة العدل وقواعده، وهو ما ذكره الناصر عليه السلام ، وأما التأويلات الأخر فهي وإن كانت معانيها صحيحة فهو يلزم منها، إما تأويل القرآن بغير ما يقتضيه سياق الآية في وصف النفاق وأهله، وما فسره به الصحابة، وإما تفكيك نظم القرآن بأن يحمل المرض في أول الآية على الشك والنفاق، وفي آخرها على غيره.