الوجه الثامن: ما ذكره الإمام المؤيد بالله محمد بن القاسم وجعله من طريقة القياس، ولفظه: ومن القياس أن يقال: كل فعل توصل به إلى مخالفة الشريعة، وميل بها عن أسرارها التي جعل الله لاختلاف الأحكام فهو باطل لقوله تعالى: {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ}[القصص:50] وقوله صلى الله عليه وآله وسلم : ((فمن أحدث في ديننا هذا ماليس فيه فهو رد عليه)) وقوله صلى الله عليه وآله وسلم : ((ليس منا من غش مسلماً، أوضره، أو ماكره)) ولأن إسقاط الحقوق إضرار بأهلها، ومما روي عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((لا ضرر ولاضرار في الإسلام)) قال: وهذا دليل على أن ليس في الإسلام حكم يثبت به الضرر والإضرار.

[حجج المجيزين للحيل]
احتج القائلون بالجواز مطلقاً بوجوه:
أحدها:أن الله قد شرع الحيل لأنبيائه،وقصها علينا في كتابه لنقتدي بفعلهم،ونهتدي بهداهم،وفي قصة يوسف مع إخوته، وأيوب في ضربه بالضغث لزوجته ما لا يمكن معه إنكار شرعية الحيلة، وحسن التوصل إلى المخارج من المضايق بكل حيلة، بل قد أعلمنا الله سبحانه أنه مكر بمن مكر بأنبيائه، وخادع المنافقين مع أنه تعالى قادر على أخذهم بغير المكر والخداع، ولكن جازاهم بجنس فعلهم، وليعلم عباده أن المكر والخداع الذي يتوصل به إلى إظهار الحق، أو يكون عقوبة للماكر ليس قبيحاً، وهذا شأن الحيل فإنما يتوصل بها إلى نصرة مظلوم، وقهر ظالم، ونصرة حق، وإبطال باطل، وإعانة ملهوف، وتنفيس عن مكروب، وما على من اقتدى بالله وأنبيائه من غضاضة، قالوا: وقد قال تعالى: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً}[الطلاق:2] قال غير واحد من المفسرين: مخرجاً مما ضاق على الناس، ولا ريب أن هذه الحيل مخارج مما ضاق على الناس.
الوجه الثاني: أن السنة الصحيحة قد دلت على جواز الحيل، فمن ذلك ما رواه في الشفاء عن أبي سعيد، وأبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمّر سوار بن عروبة أخا بني عدي الأنصاري على خيبر، فأتاه بتمر جيد، فقال له: ((أكل تمر خيبر هكذا؟)) فقال: لا ولكنا نشتري الصاع بصاعين، والثلاثة بصاعين، فقال: ((لاتفعلوا، ولكن بيعوا تمركم هذا بعوض واشتروا بثمنه من هذا، وكذلك الميزان)) وهو في أصول الأحكام، ونحوه في الجامع الكافي، وقال فيه: عن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم نحوه.
قال: وفي حديث آخر عن أبي سعيد فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((رده وخذ تمرك، فإن أردت أن تشتري فبع تمرك بسلعة أخرى ثم اشتر حاجتك من التمر)) قال في مواهب الغفار: والحديث أخرجه البخاري، ومسلم، والموطأ، والنسائي مع اختلاف في اللفظ لا في المعنى.

وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه أتي برجل مريض أصيفر أحيبن قد خرجت عروق بطنه يكاد يموت، وفي بعض الحديث: قد زنا، فدعا النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعثكول فيه مائة شمراخ فضربه ضربة واحدة. رواه الهادي عليه السلام ، وعن ابن عباس أنه قال: تصدق على بريرة فأهدت منه لعائشة، فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فقال: ((هو لنا هدية ولها صدقة)) . رواه في الشفاء، وأصول الأحكام، وفي الباب نحو هذه الرواية أخرجها أحمد، والبخاري، ومسلم عن أم عطية، وأخرج مسلم، وأحمد قريباً منها عن جويرية.
وروى قصة بريرة الهادي في الأحكام، وقال: وأكل منه صلى الله عليه وآله وسلم ، قالوا: ففي هذه الأخبار إرشاد إلى التخلص من الربا بتوسط العقد الآخر، ومن ترك إقامة الحد أو إيلام الزاني بما لايحتمله بالضرب بعثكول، ومن أكل الصدقة المحرمة بتوسط المصرف، وهل الحيل إلا معاريض في الفعل على وزان المعاريض في القول، وإذا كان في المعاريض مندوحة عن الكذب كما أخرج أبو نعيم عن علي مرفوعاً: ((إن في المعاريض ما يكفي الرجل العاقل الكذب)) ففي معاريض الفعل مندوحة عن المحرمات، ويؤيده ما مر من أدلة جواز الخداع، وقد لقي النبي صلى الله عليه وآله وسلم طائفة من المشركين وهو في نفر من أصحابه، فقال: المشركون: من أنتم؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((نحن من ماء)) فنظر بعضهم إلى بعض فقالوا: أحياء اليمن كثير فلعلهم منهم وانصرفوا، وجاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: احملني، فقال: ((ما عندي إلا ولد ناقة)) فقال: ما أصنع بولد الناقة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((وهل يلد الإبل إلا النوق)) ومن أدلتهم ما روي أن امرأة عبد الله بن رواحة رأته على جارية له، فذهبت وجاءت بسكين فصادفته قد قضى حاجته، فقالت: لو وجدتك على الحال التي كنت عليها لوجأتك، فأنكر، قالت: فاقرأ إن كنت صادقاً، فقال:

شهدت بأن وعد الله حق .... وأن النار مثوى الكافرينا
وأن العرش فوق الماء طافٍ .... وفوق العرش رب العالمينا
وتحمله ملائكة كرام .... ملائكة الإله مسومينا
فقالت: آمنت بالله وكذبت بصري، فبلغ النبي صلى الله عليه وآله وسلم فضحك ولم ينكر عليه، وهذا تحيل ظاهر.
واحتجوا أيضاً بما في الجامع الكافي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال لرجل من أصحابه: ((لا أخرج من المسجد حتى أعلمك سورة ما أنزل الله مثلها)) فمشى مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم حتى وضع إحدى رجليه خارج المسجد، فقال الرجل: يارسول الله إنك قد قلت كذا، فقال: ((إني لم أخرج من المسجد إنما أخرجت إحدى رجلي)) ثم أخبره أنها فاتحة الكتاب، وقد تقدم نحوه في البسملة من حديث أبي بريدة، قالوا: وهذا الحديث أصل في التخلص من الأيمان، وقد بنى الخصاف كتابه في الحيل عليه، ووجه الاستدلال به أن من حلف أن لا يفعل شيئاً فأراد التخلص من الحنث بفعل بعضه لم يكن حانثاً، فإذا حلف لا يأكل هذا الرغيف، ولا يأخذ هذا المتاع، فليدع بعضه ويأخذ الباقي ولا يحنث، وقد احتج به محمد بن منصور على أن من حلف لايدخل دار فلان، فأدخل إحدى رجليه، ولم يدخل الأخرى لم يحنث حتى يدخلهما، وقد ندب الشارع إلى إتيان رخص الله تعالى، ففي الجامع الصغير عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم : ((إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه)) وعزاه إلى أحمد، والبيهقي في السنن عن ابن عمر وإلى الطبراني في الكبير عن ابن مسعود، وابن عباس، قال: العزيزي والأصح وقفه، والحديث قد احتج به في حواشي الأزهار على صحة العقد على الصغيرة وإن كان القصد مجرد النظر، قالوا: فذلك من لطائف الحيل الشرعية، التي جاء بها خير البرية صلى الله عليه وآله وسلم حيث قال: ((إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه)) وقرر هذا المتوكل على الله إسماعيل عليه السلام ، والأخبار في الباب كثيرة، والجزيئات متعددة، وكلها

تفيد ثبوت الحيل الشرعية، وصحتها وإباحتها.
الوجه الثالث: أن باب مدينة علم الر سول صلى الله عليه وآله وسلم قد فتح هذا الباب، وأوضح إليه النهج لذوي الألباب، ففي العلوم حدثنا محمد، قال: وحدثنا حسين بن نصر، عن خالد بن عيسى، عن حصين، عن جعفر، عن أبيه أن رجلاً أتى علياً عليه السلام بالكوفة، فقال: يا أمير المؤمنين إني حلفت على امرأتي أن أطأها في شهر رمضان نهاراً بطلاقها، قال: سافر بها إلى المدائن، ثم طأها نهاراً فقد حل لك الطعام، والشراب، والنكاح.
أما الحسين فهو: ابن نصر بن مزاحم المنقري.
قال في الجداول: له اتساع في الرواية منه وإليه عن العترة وشيعتهم، وثقه المؤيد بالله، وروى له الناصر، وأئمتنا الأربعة، وفي المناقب.
وأما خالد فهو: ابن عيسى العكلي، قال في الطبقات: هو من رجال الشيعة، وممن وثقه المؤيد بالله.
وأما حصين فهو: الحصين بن المخارق بن ورقاء أبو جنادة،روى عن زيد بن علي، والباقر، والصادق، والنفس الزكية، والحسين بن زيد، ومحمد بن زيد، وعبيد الله بن حسين، والإمام يحيى عبد الله، والحسن بن زيد بن الحسين، وغيرهم من الشيعة، وعنه جماعة.
قال في الطبقات: فمن روى عن هؤلاء الأئمة الثقات لايكون إلا من الشيعة الثقات، ولا التفات إلى ما ذكره الذهبي وغيره.
قال: وأخرج له الطبراني ووثقه، والمؤيد بالله ووثقه، ولعل وفاته رأس المائتين، روى له أئمتنا الأربعة، وفي كتاب حي على خير العمل والمناقب، والحديث رواه في المنهاج.
وفي العلوم: حدثنا محمد، قال: وحدثنا حسين، عن خالد بن عيسى، عن حصين، عن جعفر، عن أبيه، عن علي عليه السلام في الرجل قال لامرأته أنت طالق ثلاثاً إن لم أصم يوم الأضحى قال: إن صامه لم تطلق امرأته، والله ولي عقوبته، ويعزره الإمام.

وفي أمالي المرشد بالله: أخبرنا التنوخي، أنا الديباجي، ثنا ابن الأشعث، ثنا موسى بن إسماعيل، عن أبيه، عن جده الكاظم، عن أبيه، عن جده الباقر، عن أبيه، عن علي عليه السلام أنه سئل عن رجل أنه قال لامرأته أنت طالق إن لم أصم يوم الأضحى، فقال علي عليه السلام : (إن صام فقد أخطأ السنة وخالفها، فالله ولي عقوبته ومغفرته، ولم تطلق امرأته).
قال:وينبغي للإمام أن يؤدبه بشيء من ضرب.
أما التنوخي فهو: علي بن المحسن بن علي بن أبي الغنائم أبو القاسم التنوخي البغدادي.
قال الخطيب: صدوق، وقال ابن خيرون: رأيه الرفض والإعتزال، وقال الذهبي: سماعاته صحيحة، ومحله الصدق والستر، وقال ابن سعد: في أوساط رجال الزيدية، وكان التشيع دينه، ودين أبيه وجده علي بن محمد الأكبر.
توفي سنة أربع وأربعين وأربعمائة، روى له المرشد بالله، وفي المناقب.
وأما الديباجي فهو: سهل بن أحمد الديباجي، رموه بالرفض، وقد عرفت رميهم بالرفض لمن أظهر محبة الوصي، وذلك صريح الإيمان.
وأما ابن الأشعث فهو: محمد بن محمد بن الأشعث الكوفي، أخذ عنه ابن عدي، وقال: لشدة تشيعه حمل إلينا نسخة قريباً من ألف حديث عن موسى بن إسماعيل عن آبائه.
قال في الجداول: احتج به البيهقي في السنن الكبرى.
قال السيوطي: إيراد البيهقي له فائدة جليلة فإنه التزم أن لايخرج في تصانيفه عن وضاع، سيما في الكبرى التي هي أجل كتبه، ذكر معنى ذلك في جمع الجوامع.
توفي ابن الأشعث في جماد سنة أربع عشرة وثلاثمائة، روى له من الأئمة أبو طالب، والمرشد، وأبوه الموفق بالله.
وأما موسى فهو:موسى بن إسماعيل بن موسى بن جعفر الصادق.
قال في الجداول: هو السيد الكبير، الورع، الصالح، العالم، أحد كبار سادات المدينة، والمشهور عن أهل البيت" له قريب من ألف حديث، رواها عنه شيعي الآل محمد بن محمد بن الأشعث.
روى لموسى من الأئمة، أبو طالب، والمرشد.

وأما أبوه إسماعيل فذكر في الجداول ممن روى له من الأئمة المرادي، وأبو طالب، والمرشد بالله.
وأما الكاظم ومن فوقه، فلا يسأل عنهم لظهور جلالتهم، وشهرتهم بين الملأ.
قلت: والحديث لايدل على جواز الحيلة، إلا أنه يدل على أن المتحيل إذا فعلها ثبت حكمها، وإن كانت محرمة، فيكون رداً على من قال لا يترتب على الحيل المحرمة حكم.
وقد قال محمد بن منصور: إن هذا الأثر يقوي قول أبي يوسف في رجل حلف ليصومن يوم الأضحى، فقال: هو صائم وقد أساء.
وقال زفر: ليس بصائم؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد حرمه.
وفي أعلام الموقعين قال معتمر بن سليمان التيمي: عن أبيه، حدثني نعيم بن أبي هند، عن سويد بن غلفة أن علياً كرم الله وجهه في الجنة لما قتل الزنادقة نظر في الأرض، ثم رفع رأسه إلى السماء، ثم قال:(صدق الله ورسوله) ثم قام فدخل بيته فأكثر الناس في ذلك، فدخلت عليه وقلت: يا أمير المؤمنين أشيء عهد إليك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ؟ أم شيء رأيته؟ فقال: (هل علي من بأس أن أنظر إلى السماء؟) قلت: لا، قال: (فهل علي من بأس أن أنظر إلى الأرض؟) قلت: لا، قال: (فهل علي من بأس أن أقول صدق الله ورسوله؟) قلت: لا، قال: (فإني رجل مكايد).
أما معتمر فهو: أحد الأعلام، وثقه أبوحاتم، وابن معين، وابن سعد، وقال ابن خراش: ثقة إذا حدث من كتابه، وقال الذهبي: ثقة مطلقاً.
توفي سنة سبع وثمانين ومائة. احتج به الجماعة، ورى له أئمتنا الأربعة.
وأما سويد فوثقه ابن معين، وقال في الكاشف: إمام، زاهد، ثقة، توفى سنة ثمانين.
احتج به الجماعة، وروى له أئمتنا الأربعة، وهذا القدر كاف هنا فيما نقل عن الوصي عليه السلام من إثبات الحيل، وترتب الأحكام عليها.

الوجه الرابع: أن الأمة من السلف والخلف، وأئمة العترة وغيرهم كالمجمعين على التخلص بالحيل من مضائق الأيمان والربا، وغيرذلك مما حرمه الله ورسوله، هؤلاء الصحابة والتابعون قد نقل عن جماعة منهم جواز التحليل في المطلقة ثلاثاً.
أخرج عبد الرزاق، عن هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، قال: أرسلت امرأة إلى رجل فزوجته نفسها ليحلها لزوجها، فأمره عمر بن الخطاب أن يقيم معها ولا يطلقها، ووعده أن يعاقبه إن طلقها، فصحح النكاح وأجازه، وهو لم يقصد به إلا الحيلة، وعن ابن عباس أنه قال: ما يسرني بمعاريض الكلام حمر النعم، وقال الشعبي: لا بأس بالحيل فيما يحل ويجوز، وإنما ا الحيل شيء يتخلص به الرجل من الحرام، ويخرج به إلى الحلال، وهكذا كلمات كثير من السلف، وتصرفاتهم تدل على ما ذهبنا إليه.

وأما أئمة المذاهب وأتباعهم من الزيدية، والشافعية، والحنفية، والمالكية، والحنبلية، فقولهم بالحيل في كثير من المسائل ونفوذها مما لاينكره إلا مكابر، ومن أراد معرفة ذلك فعليه بكتب الفقه، فهذه زبد من حجج المانعين والمجوزين، وأما المفصلون كالإمام المهدي، والإمام شرف الدين، والمقبلي، ومن تبعهم فقالوا: أدلة الأولين تقتضي المنع، وأدلة الآخرين تقتضي الجواز والنفوذ، ومعاذ الله أن يكون في شريعة الله تناقض أواختلاف، بل هي شريعة مبنية على أحسن نظام وائتلاف، مؤسسة على العدل والحكمة والمصلحة والإنصاف، ولما كانت أدلة الطرفين صحيحة صريحة في الإثبات والنفي، كان الواجب استعمال أدلة كل من الفريقين في الموضع الذي يليق استعماله فيه، فمنعوا الحيل في مواضع واستعملوها في أخر، وأتوا لها بضوابط يعرف بها الجائز من المحرم، ولكنه يقال: حصر مسائل التحريم والجواز حتى يمكن جمعها تحت ضابط كلي متعسر، لاسيما والشرائع مصالح تختلف أحكامها بحسب اختلاف المصلحة في جزئياتها، والأولى سلوك طريقة الاجتهاد في جزئيات المسائل، وذلك بأن ينظر المجتهد في الحيلة التي يريد فعلها، فإن وجد دليلاً خاصاً يدل على الجواز أو المنع عمل به، وإلا عرض تلك الحيلة على ما مر من أدلة الجواز والمنع، فإن وجدها داخلة تحت أدلة التحريم حرمها، أو تحت أدلة الجواز أجازها، وإلاحكم بالوقف فيها حتى يتبين له الحق.

وأما ما ذكره الإمام المهدي عليه السلام من سلوك طريقة الاجتهاد فيما يجوزمن الحيل، وما لا يجوز على الجملة، فهو راجع إلى حصر مسائل الجواز والمنع تحت ضوابط كلية، وقد عرفت ما فيه، وإن كان عليه السلام قد نص على أن سلوك هذه الطريقة سهلة، قال: لأن العلماء قد حكت الخلاف في المسألة مستوفاً، وأوردت ما يحتج به كل فريق، فإذا عرض الإنسان تلك الأدلة على عقله لم يخف عليه الأرجح؛ لأن العقول وطرائق النظر واحدة لم تختلف بين السابق واللاحق، ثم يأخذ ما ترجح له قوته وصحته، وذلك هو غاية مراد الله تعالى منه، ولا تكليف عليه فوق ذلك.
قلت: وهو كلام حسن، إلا أن لقائل أن يقول: إذا نظر الناظر على حسب ما ذكرت فغاية ما يتحصل له أن من الحيل ما يجوز فعله، ومنها ما هو محرم على الجملة، وأما معرفة ما يجوزمن الجزئيات وما لا يجوز، فلا يحصل إلا بنظر جديد فيها بخصوصها.

148 / 329
ع
En
A+
A-