الوجه الثالث: ماروي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم من الأخبار الصريحة في تحريم الحيل، بعضها عامة، وبعضها في جزئيات متعددة، يحصل من مجموعها العلم بتحريم الحيل التي يتوصل بها إلى استباحة ماحرم الله ورسوله، فمن ذلك ما روي من لعن المحلل والمحلل له، وسيأتي بطرقه مستوفى إن شاء الله.
وروى الحاكم في السفينة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((أكلة الربا يبعثون يوم القيامة على صورة الكلاب، وعلى صورة الخنازير)) لأجل حيلتهم في الربا كما مسخ قوم داود عليه السلام حين أخذوا الحيتان بالحيلة، وكذلك روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه نهى عن أكل الربا بالحيلة، وفي أعلام الموقعين عنه صلى الله عليه وآله وسلم : ((لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود فاستحلوا محارم الله بالحيل)) وفي أمالي أبي طالب عليه السلام : أخبرنا أبي، أنا عبد الله بن أحمد، أنا أبي، ثنا محمد بن منصور، حدثنا عبد الله بن داهر، عن عمرو بن جميع، عن الصادق، عن أبيه، عن جده، عن علي عليه السلام ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((قراءة القران في الصلاة أفضل من قراءة القرآن في غير صلاة، وقراءة القرآن في غير صلاة أفضل من ذكر الله، وذكر الله أفضل من الصدقة، والصدقة أفضل من الصيام، والصيام جنة من النار، ثم قال: لا قول إلا بعمل، ولا قول ولا عمل إلا بنية، ولا قول ولاعمل ولا نية إلا بإصابة السنة)).
أما والد الإمام أبي طالب فهو:السيد الحسين بن هارون البطحاني، روى عن الناصر، وكان من عيون أصحابه، وروى عن حمزة بن القاسم العلوي، والعقيقي وطائفة.
وعنه ولداه الإمامان: المؤيد بالله، وأبو طالب، قيل: والظاهر أنه كان إمامياً.
قال علامة العصر: روى عنه ولده، وقد صرح أنه لا يقبل أخبار الإمامية مع اختلاطه بالناصر والزيدية، ولو كان إمامياً لم يختلط بهم.
وأما عبد الله فهو: عبد الله بن أحمد بن محمد بن سلام، كان من أعيان الناصر ثم الداعي، وكان عالماً ديناً ورعاً.
روى له أبو طالب، توفي بعد العشر وثلاثمائة.
وأما أبوه أحمد فأخذ عن القاسم بن إبرا هيم، وكان أحد أصحابه، وروى عن المرادي، وابن عيينة، وعباد بن يعقوب وغيرهم، وهو من خلص الشيعة، وأحد أعيان الزيدية، ذو فقه كبير، ورواية غزيرة.
روى له الناصر، والأخوان، وصاحب المحيط.
وأما عمرو بن جميع فهو: الكوفي أبو المنذر العبدي، أحد رجال الشيعة، وقد نالوا منه.
روى له الناصر، وأبو طالب، والمرادي، والحديث رواه الناصر في البساط عن محمد بن منصور بالسند المذكور، وروى آخره المؤيد بالله في شرح التجريد عن أبي العباس الحسني، قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم الحريري، قال: حدثنا جعفر بن محمد، عن أ بيه، عن علي عليه السلام ... فذكره.
وفي أمالي المرشد بالله: أخبرنا الأزجي، أنا المفيد، ثنا محمد بن أحمد، ثنا زكريا بن يحيى، ثنا خالد بن عبد، عن نافع بن يزيد، عن زهرة، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((قرآن في الصلاة أفضل من قرآن في غير صلاة، وقرآن في غير صلاة أفضل مما سواه من الذكر، والذكر أفضل من الصدقة، والصدقة أفضل من الصيام، والصيام جنة حصينة من النار، والإيمان قول وعمل، ولا قول إلا بعمل، ولا قول ولا عمل إلا بنية، ولا قول ولا عمل ولا نية إلا بإصابة السنة)).
وفي صحيح البخاري: حدثنا الحميدي، قال: حدثنا سفيان، قال: حدثنا يحيى بن سعيد الأنصاري، قال: أخبرني محمد بن إبراهيم التيمي أنه سمع علقمة بن وقاص الليثي يقول: سمعت عمر بن الخطاب على المنبر، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: ((إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ مانوى، فمن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو إلى امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجرإليه)).
أما الحميدي فقال القسطلاني: الحميدي بضم المهملة وفتح الميم: نسبة إلى جده الأعلى حميد، أو إلى الحميدات قبيلة، أو الحميد بطن من أسد بن عبد العزى، وهو من أصحاب الشافعي، أخذ عنه ورحل معه إلى مصر، فلما مات الشافعي رجع إلى مكة، وهو أفقه قرشي مكي، أخذ عنه البخاري، توفي سنة تسع عشرة ومائتين.
قال: وليس هو أبا عبد الله محمد بن أبي نصر فتوح الحميدي صاحب الجمع بين الصحيحين.
قلت: وفي كلامه أن اسمه عبد الله بن الزبير، وأما سفيان فهو ابن عيينة.
وأما يحيى فهو: ابن سعيد بن قيس، أبو سعيد الأنصاري المدني التابعي، قاضي المدينة، وقال في الجداول: قاضي القضاة للدوانيقي.
وثقه العجلي، وابن سعيد، وقال: حجة، وابن معين، والنسائي وغيرهم، توفي سنة ثلاث وأربعين ومائة.
احتج به الجماعة، وروى له أئمتنا الخمسة.
وأما محمد بن إبراهيم التيمي فوثقه ابن معين، والذهبي، والناس إلا أحمد، توفي سنة عشرين ومائة.
احتج: به الجماعة، وروى له أئمتنا الأربعة، والنرسي.
وأما علقمة فذكره ابن مندة في الصحابة، وغيره في التابعين، توفي أيام عبد الملك بن مروان، وثقه النسائي وغيره.
احتج به الجماعة، وروى له الأخوان، والمرشد بالله، والنرسي، والحديث رواه المرشد بالله، وقال المؤيد بالله في شرح التجريد مستدلاً على وجوب النية: ويدل على ذلك الخبر المشهور عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم : ((الأعمال بالنيات وإنما لامرئ ما نوى)) ورواه في موضع آخر من شرح التجريد بسنده إلى عمر، وهو في الشفاء، وأصول الأحكام، وأخرجه من حديث عمر مسلم، وأحمد، وابن حبان، والبيهقي، والنسائي، والترمذي، وأبو داود، وابن ماجة، وأخرجه أبو نعيم في الحلية، والدارقطني في غرائب مالك عن أبي سعيد، وابن عساكرفي أماليه عن أنس، والرشيد العطار في جزء من تخريجه عن أبي هريرة.
وقال القسطلاني: وقد رواه من الصحابة غير عمر، قيل: نحو عشرين صحابياً، فذكره الحافظ أبو يعلى القزويني في كتابه الإرشاد من رواية مالك، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم : ((الأعمال بالنية)) ثم قال: هذا غير محفوط عن زيد بن أسلم بوجه، فهذا ما أخطأ فيه الثقة، ورواه الدارقطني في أحاديث مالك التي ليست في الموطأ، وقال: تفرد به عبد المجيد عن مالك، ولا يعلم من حدث به عن عبد المجيد غير نوح بن حبيب، وإبراهيم بن محمد العتقي.
وقال ابن مندة في جمعه لطرق هذا الحديث: رواه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم غير عمر سعدُ بن أبي وقاص، وعلي بن أبي طالب، وأبو سعيد الخدري، وعبد الله بن مسعود، وأنس، وابن عباس، ومعاوية، وأبو هريرة، وعبادة بن الصامت، وعتبة بن سعيد السلمي، وهلال بن سويد، وعقبة بن عامر، وجابر بن عبد الله، وأبو ذر، وعتبة بن المنذر، وعقبة بن مسلم، وعبد الله بن عمر، هكذا حكاه القسطلاني في شرحه لصحيح البخاري، ثم قال: وقد اتفق على أنه لا يصح مسنداً إلا من رواية عمر.
قلت: قد صحت روايته من طريق آل محمد" عن علي عليه السلام ، ولا يضر إرسال مثل زين العابدين عليه السلام ، على أ نهم قد رووه مسنداً مسلسلاً في سلسلة الإبريز، متصلاً بأمير المؤمنين عليه السلام ، والحديث يدل على أنه يكون للمرء ما نواه دون ما عداه، وعلى أن الأعمال تابعة للقصد والنية، وأنه ليس للعبد من ظاهر قوله وعمله إلا ما نواه وأبطنه، دون ما أعلنه وأظهره، وهذا نص في أن من نوى التحليل كان محللاً، ومن نوى الرِّبا بعقد البيع كان مربياً، ومن نوى المكر والخداع كان ماكراً مخادعاً.
قالوا: وهذا الحديث كاف في إبطال الحيل، وأورده البخاري في باب ترك الحيل، وقد أبطل النبي صلى الله عليه وآله وسلم ظاهر هجرة مهاجر أم قيس بما أبطنه ونواه من إرادة أم قيس، ومن أدلة المنع قوله صلى الله عليه وآله وسلم : ((لا يفرق بين مجتمع، ولا يجمع بين مفترق خشية الصدقة)) رواه الهادي عليه السلام ، والمؤيد بالله في شرح التجريد مرسلاً، وهو في الشفاء، وأصول الأحكام، والانتصار، ورواه في الجامع الكافي، ثم قال: وعن علي عليه السلام مثل ذلك، وأخرجه أبو داود، وابن أبي شيبة، وابن جرير وصححه.
قال في مواهب الغفار لعلامة العصر: وهو في خبر سالم عن أبيه مرفوعاً عند أحمد، وأبي دواد، والترمذي وحسنه، والدارقطني، والحاكم، والبيهقي، ورواه أنس عن كتاب أبي بكر ورفعه. أخرجه أحمد، والنسائي، وأبو داود، والبخاري، والشافعي، والحاكم، والبيهقي، ورواه في المجموع، والعلوم عن علي عليه السلام موقوفاً، والحديث نص في منع التحيل لإسقاط الزكاة.
وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((لعن الله اليهود حرم الله عليهم الشحوم فباعوها وانتفعوا بثمنها)) رواه في الشفاء.
وفي العلوم: ثنا محمد، قال: ثنا سفيان، عن أبي أسامة، عن عبد الحميد بن جعفر، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عطاء، عن جابر، قال: قام رجل فقال: يارسول الله ما ترى في شحوم الميتة فإنه يدهن بها السقا، وتدهن بها الجلود، ويستصح بها؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((إن اليهود لما حرم الله عليهم شحومها أخذوها فجملوها وأكلوا أثمانها)) قال أبو أسامة: جملوها يعني أذابوها.
أما سفيان فلعله ابن وكيع لأنه الذي ذكر في الجداول أخذ محمد بن منصور عنه، وفيها في ترجمة أبي أسامة مالفظه:
أبو أسامة، عن أبي فروة، وعنه سفيان بن وكيع ولم يزد في ترجمة أبي أسامة على هذا.
وسفيان بن وكيع كان شيخاً، صادقاً، فاضلاً، إلا أنه قيل: إنه ابتلي بوراق أفسد عليه.
توفي سنة أربع وأربعين ومائتين. روى له من أئمتنا الناصر، والمرادي، وأبو طالب، والنرسي.
وأما عبد الحميد، فقال في الجداول: عبد الحميد بن جعفر بن عبد الله بن الحكم الأنصاري أبو الفضل المدني عن أبيه وغيره، وعنه وكيع وغيره، خرج مع النفس الزكية.
قال أحمد، والنسائي: لابأس به، ووثقه ابن معين، وابن المديني، وابن سعد.
توفي سنة ثلاث وخمسين ومائة.
عداده في ثقات محدثي الشيعة، ثم قال عبد الحميد بن أبي جعفر العز عن أبي إسحاق.
وعنه: البخاري لعله الأول، وذكر ممن روى للثاني المرادي، والمرشد بالله، وأبا طالب.
وأما يزيد بن أبي حبيب فهو أبو رجاء المصري عالمها.
وثقه ابن سعد، وأثنى عليه غيره، توفي سنة ثمان ومائة.
احتج به الجماعة، وروى له أئمتنا الخمسة، والحديث رواه في الشفاء، وأخرجه الجماعة، وفي العلوم: نا محمد، قال: نا أبو عمار المروزي، عن الفضل بن موسى، عن الحسين بن واقد، عن أبي الزبير، قال: سمعت جابر بن عبد الله يقول: إن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: إن لي إبلاً تنفق، أفأبيع شحومها؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((قاتل الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا أثمانها)).
أبو عمار هو: الحسين بن حريث بن الحسن بن ثابت مولى عمران بن الحصين، أبو عمار الخزاعي المروزي.
قال في الجداول: وعنه محمد بن منصور، والحسن بن يحيى العقيقي، وجماعة، وثقه النسائي.
توفي سنة أربع وأربعين ومائتين.
احتج به الجماعة إلا ابن ماجة، وروى له المرادي، والجرجاني.
وأما الفضل فقال في الجداول: الفضل بن موسى الرازي السيناني، أبو عبد الله عن هشام، وشريك، وابن أبي ليلى.
وعنه: إسحاق، ومحمود بن غيلان، وإبراهيم بن موسى.
وثقه ابن معين، وأبو حاتم.
توفي سنة اثنتين وتسعين ومائة، احتج به الجماعة، وروى له المرادي، والمرشد بالله.
وأما الحسين بن واقد فهو: أبو عبد الله المروزي، وثقه ابن معين.
توفي سنة تسع وخمسين أو ستين ومائة، احتج به مسلم، والبخاري تعليقاً، وروى له أئمتنا الأربعة، وفي المناقب.
وأما أبو الزبير فهو: محمد بن مسلم بن تدرس الأسدي المكي، أحد الأئمة.
وثقه ابن معين، والنسائي، وابن المديني، وقال: ثبت، وزعم بعضهم أنه يدلس فإذا صرح بالسماع فحجة.
توفي سنة ثماني عشرة ومائة، احتج به الجماعة، ورو ى له أئمتنا الخمسة، وفي المناقب، والحديث في الشفاء.
وعن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا أثمانها، وإن الله إذا حرم على قوم أكل شيء حرم عليهم ثمنه)) رواه أحمد، وأبو داود، وهو في الجامع الكافي، والحديث دليل على تحريم الحيل وإبطالها، وأنه لا يجوز التوصل إلى ما هو في ذاته حلال بالحيل، والذرائع المحرمة.
وعن علي عليه السلام : (كلوا خل الخمر ما فسد، ولا تأكلوا ما أفسدتموه أنتم). رواه علي بن موسى الرضا في الصحيفة، وفي الشفاء لما نزل تحريم الخمر أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بإراقتها، وكان في الجملة خمر ليتيم فاستأذنه وليه في أن يجعلها خلاً فمنع من ذلك وأمر بإراقتها، وهذا نص في المسألة، والأخبار فيها كثيرة، وحصرها في هذا الموضع متعسر، وسيأتي في مواضع كثيرٌ من ذلك إن شاء الله، على أن في ما ذكرناه كفاية.
الوجه الرابع: ماروي عن علي عليه السلام من التحذير من الحيل وأهلها، فمن ذلك قوله عليه السلام : (لقد صرنا في زمان قد اتخذ أكثر أهله الغدر كيساً ونسبهم أهل الجهل فيه إلى حسن الحيل، مالهم قاتلهم الله قد يرى الحُوَّل القُلَّب وجه الحيلة ودونها مانع من أمر الله ونهيه فيدعها رأي العين بعد القدرة عليها، وينتهز فرصتها لا حريجة له في الدين) رواه في النهج. الكيس بفتح الكاف وسكون الياء المثناه من تحت: الفطنة والذكاء، والحول القلب بضم الحاء المهملة والقاف وتشديد الواو واللام: قد تحول وتقلب في الأمور وجربها، والإنتهاز: المبادرة إلى الفرصة واغتنامها، والحريجة: التقوى.
وقال عليه السلام في عهده للأشتر: (ولا تعقد عقداً تجوز فيه العلل، ولا تعولن على لحن القول بعد التوثقة). رواه في النهج، وهو نهي عن الحيل؛ إذ هي مبنية على العلل والتأويلات المخالفة للظاهر.
وقال عليه السلام بعد كلام ذكره عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : قال -يعني النبي صلى الله عليه وآله وسلم -: ((يا علي إن القوم سيفتنون بعدي بأموالهم، ويمنون بدينهم على ربهم، ويتمنون رحمته، ويأمنون سطوته، ويستحلون حرامه بالشبهات الكاذبة، والأهواء الساهية، فيستحلون الخمر بالنبيذ، والسحت بالهدية، والربا بالبيع)) فقلت: يارسول الله بأي المنازل أنزلهم عند ذلك بمنزلة فتنة؟ أم بمنزلة ردة؟ فقال صلى الله عليه وآله وسلم : ((بمنزلة فتنة)) رواه في النهج، والأهواء الساهية الغافلة، والسحت: الحرام.
قال ابن أبي الحديد: هذا الخبر مروي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد رواه كثير من المحدثين عن علي عليه السلام أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال له: ((إن الله كتب عليكم جهاد المفتونين)) وساق الرواية إلى أن قال: فقلت: يارسول الله لوبينت لي قليلاً، فقال: ((إن أمتي ستفتتن من بعدي، فتتأول القرآن، وتعمل بالرأي، وتستحل الخمر بالنبيذ، والسحت بالهدية، والربا بالبيع، وتحرف الكتاب عن مواضعه وتغلب كلمة الضلال، فكن جليس بيتك حتى تقلدها...)) الخبر بطوله.
ومن كلامه عليه السلام للخوارج وهم مقيمون على إنكار الحكومة: (ألم تقولوا عند رفعهم المصاحف حيلة وغيلة ومكراً وخديعة: إخواننا، وأهل دعوتنا استقالونا واستراحوا إلى كتاب الله، فالرأي القبول منهم، والتنفيس عنهم، فقلت لكم: هذا أمر ظاهره إيمان، وباطنه عدوان، وأوله رحمة، وآخره ندامة، فأقيموا على شأنكم، والزموا طريقتكم، وعضوا على الجهاد بنواجذكم، ولا تلتفتوا إلى ناعق نعق، إن أجيب أضل، وإن ترك ذل). رواه في النهج، والناعق: المصوت.
وفي كلامه عليه السلام دليل على أنها مهما علمت إرادة الحيلة والخداع، فإنه لايترتب على الظاهر شيء من أحكام الشرع التي يقصد بالحيلة إثباتها أو سقوطها، وكلامه عليه السلام في هذا المعنىكثير.
الوجه الخامس: إجماع الصحابة على تحريم الحيل حكاه ابن القيم، وتقريره على ماذكره في أعلام الموقعين أنها قد وقعت وقائع متعددة في أوقات متفرقة تدل على تحريم الحيل، من ذلك:
أن أمير المؤمنين عليه السلام ، وابن عباس، وعثمان، وابن عمر أفتوا أن المرأة لاتحل بنكاح التحليل، وخطب بتحريم ذلك عمر على منبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وقال: لا أوتى بالمحلل والمحلل له إلا رجمتهما، وأقره سائر الصحابة، وروي أن ابن مسعود، وأبي، وعبد الله بن سلام، وابن عباس، وابن عمر نهوا المقرض عن قبول الهدية من المقترض، وجعلوا قبولها ربا، وحرم ابن عباس، وأنس، وعائشة مسئلة العينة، وأفتى علي، وعمر، وعثمان، وأبي بن كعب وغيرهم من الصحابة أن المبتوتة في مرض الموت ترث، ووافقهم سائر المهاجرين والأنصار من أهل بدر وبيعة الرضوان، ومن عداهم.
قال: وهذه وقائع متعددة، لأشخاص متعددة، في أزمان متعددة، والعادة توجب اشتهارها وظهورها بينهم، لا سيما وهؤلاء أعيان المفتين من الصحابة الذين كانت تضبط أقوالهم وتنتهى إليهم فتاويهم، ومع هذا أنه لم يحفظ الإنكار من أحد عليهم، وإذا كان هذا قولهم في إبطال الحيلة فيما ذكر، فماذا يقولون في التحيل لإسقاط حقوق المسلمين، بل لاسقاط حقوق رب العالمين، هذا حاصل كلامه في الأعلام، وقال فيه أن تقرير إجماعهم على تحريم الحيل وإبطالها، أقوى من تقرير إجماعهم على العمل بالقياس وغيره مما يدعى فيه إجماعهم.
الوجه السادس: أن كل مادل على سد الذرائع ومنعها، فهو دال على تحريم الحيلة،وأدلة سد الذرائع كثيرة كتاباً وسنة، وستأتي مفصلة في كتابنا هذا إن شاء الله، ووجه دلالة هذا الوجه على منع الحيل أن الشارع يسد الطريق إلى المفاسد بكل ممكن، والمحتال يفتح الطريق إليها بحيلته.
الوجه السابع: أن الحيل مبنية على الهوى، والكتاب والسنة ناطقان بتحريم اتباع الهوى، وأجمع العترة" على تحريم الأخذ بالأخف اتباعاً للهوى، رواه الإمام القاسم بن محمد عليه السلام في الإرشاد، ولا شك أن الحيل لا يطلب بها إلا الأخف، والأخف لايطلب إلا اتباعاً للهوى غالباً.