والمحاربي لعله عبد الرحمن بن محمد بن زياد المحاربي أبو محمد الكوفي، وثقه ابن معين، والنسائي، توفي سنة خمس وسبعين ومائة، احتج به الجماعة، وروى له أبو طالب، والحديث ذكر آخره في الإحياء من قوله: ((إن المرائي ...)) إلخ بنحو ما هنا، وقال في التخريح: أخرجه ابن أبي الدنيا من رواية جبلة اليحصبي عن صحابي لم يسم، وإسناده ضعيف، وذكره أيضاً في الدر المنثور، وقال: أخرجه أحمد بن منيع في مسنده بسند ضعيف عن رجل من الصحابة أن قائلاً من المسلمين قال: يارسول الله ما النجاة غداً؟ قال: ((لا تخادع الله)) قال: وكيف نخادع الله؟ قال: ((أن تعمل....)) الحديث وفي آخره بعد قوله: يامخادع، وقرأ آيات من القرآن {فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحا} الآية[الكهف:110] وأن المنافقين {يُخَادِعُونَ اللَّهَ} الآية[البقرة:9] وأخرج الترمذي عن أبي الدرداء، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((أنزل الله في بعض الكتب أو أوحى إلى بعض الأنبياء قل للذين يتفقهون لغير الدين، ويتعلمون لغير العمل، ويطلبون الدنيا بعمل الآخرة يلبسون للناس مسوك الكباش، وقلوبهم كقلوب الذئاب، وألسنتهم أحلى من العسل، وقلوبهم أمر من الصبر إياي يخادعون، وبي يستهزئون لأتحين لهم فتنة تذر الحليم فيهم حيران)) المسوك جمع مسك بفتح وسكون: الجلد، والأحاديث والآثار في المسألة كثيرة، وكلها تدل على قبح الخديعة في كل حال كما قال القاسم عليه السلام : وقد عد ابن حجر الهيثمي في كتاب (الزواجر عن اقتراف الكبائر) المكر والخديعة من الكبائر، وبما ذكرنا يعلم أنه لاَ حَسَنَ في المكر والخديعة، وقال الطيبي: قد يكون الخداع حسناً إذا كان الغرض منه استدراج الغير من الضلال إلى الرشد، قال: ومن ذلك استدراجات التنزيل على لسان الرسل.
قلت: وهذا عند التحقيق ليس بخداع، وإنما هو من الدعاء بالموعظة الحسنة كما يفهم ذلك من حقيقة الخداع، وإن أطلق على ماهذا حاله خداعاً فعلى جهة المجاز كما في قوله تعالى: {يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ}[النساء:142] ونحوها، ويؤيده أن الوصف بالمكر، والخداع، والدهاء لايطلق إلا على أهل التعمق في الدنيا وزخرفها، وتشييد أركانها، ولا يوصف به الصالحون من الأنبياء وغيرهم، ألا ترى أنه لايقال كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أدهى العرب، ولا أمكر قريش، وكذلك غيره من الأنبياء والصالحين، ولذا قال المغيرة بن شعبة: لعمرو بن العاص حين قال له في محاورة بينهما: أنت كنت تفعل أوتوهم عمر شيئاً فيلقنه عنك-: كان عمر والله أعقل من أن يخدع، وأفضل من أن يخدع، فنفى فعل الخداع عن عمر لما كان معتقداً فضله وجلالته، وقد أورد الزمخشري سؤالاً معناه: كيف يجوز من الله تعالى أن يخدع المنافقين وهو حكيم لايفعل القبيح، وكيف يجوز من المؤمنين أن يخادعوهم أيضاً، ولم يج المدح إلا بالإنخداع دون الخداع كما في قول الشاعر:
واستمطروا من قريش كل منخدع
وقال ذو الرمه:
إن الحليم وذو الإسلام يختلب
أي ينخدع، ثم أجاب بأن ذلك إنما سمي خداعاً من حيث أنه أشبه الخداع في الصورة، وقد عرفت ما مر عن علي عليه السلام من أنه كان يتجنب مخادعة معاوية وغيره لقبحه، ومن كلامه عليه السلام ما رواه الموفق بالله في الإحاطة وهو قوله: (وأيم الله لولا التقى لكنت من أدهى العرب). وفي النهج عنه عليه السلام : (والله ما معاوية بأدهى مني، ولكنه يغدر ويفجر، ولولا كراهة الغدر لكنت من أدهى العرب) وغير ذلك من كلامه عليه السلام .
فإن قيل: فما تقولون في قوله صلى الله عليه وآله وسلم : ((الحرب خدعة)) أخرجه أحمد، والبخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي عن جابر، والبزار عن الحسين بن علي بن أبي طالب،والطبراني في الكبير عن الحسين أيضاً، وعن زيد بن ثابت، وعبد الله بن سلام، وعوف بن مالك، ونعيم بن مسعود، والنواس بن سمعان، وأخرجه ابن عساكر عن خالد بن الوليد، والشيخان عن أبي هريرة، وأحمد عن أنس، وأبو داود عن كعب بن مالك، وابن ماجة عن ابن عباس، وعائشة، وفي شرح ابن أبن أبي الحديد من طريق الواقدي عن علي عليه السلام قال: (إذا حدثتكم عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلئن أخر من السماء أحب لي من أن أكذب على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وإذا حدثتكم فيما بيننا عن نفسي فإن الحرب خدعة، وإنما أنا رجل محارب سمعت رسول الله يقول: ((يخرج في آخر الزمان قوم أحداث الأسنان سفهاء الأحلام)) ) ثم ساق الحديث في الخوارج، وكذلك روي جواز الكذب في الحرب وهو نوع من الخداع، فعن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((من لكعب ابن الأشرف فإنه قد آذى الله ورسوله)) قال محمد بن مسلمة: أتحب أن أقتله يا رسول الله؟ قال: ((نعم)) قال: فأذن لي فأقول، قال: ((قد فعلت)) قال: فأتاه فقال: إن هذا -يعني النبي صلى الله عليه وآله وسلم - قد عنانا وساءلنا الصدقة، قال: وأيضاً والله فإنا قد اتبعناه فنكره أن ندعه حتى ننظر إلى مايصير أمره، قال: فلم يزل يكلمه حتى استمكن منه فقتله. رواه الشيخان.
وعن أم كلثوم بنت عقبة قالت: لم أسمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم يرخص في شيء من الكذب مما تقول الناس إلا في الحرب، والإصلاح بين الناس، وحديث الرجل امرأته، وحديث المرأة زوجها. رواه أحمد، ومسلم، وأبو داود.
قيل: قد اختلف العلماء في معنى تلك الأحاديث على قولين:
أحدهما: أنها مخصصة للأدلة السابقة، وقالوا إن الكذب المذموم فيما فيه مضرة، وهذا قول طائفة، وقال النووي: الظاهر إباحة الكذب في هذه الأمور الثلاثة، لكن التعريض أولى، وقال ابن العربي: الكذب في الحرب من المستثنى الجائز بالنص رفقاً بالمسلمين لحاجتهم إليه، وقال النووي: اتفقوا على جواز خداع الكفار في الحرب كيف ما أمكن، إلا أن يكون فيه نقض عهد أو أمان، فلا يجوز، ويجاب بأن تحريم الكذب والخداع عقلي، والحكم العقلي لايتغير بحال، ورد بأنه قد مر عن الإمام المهدي أن الكذب المحرم عقلاً إنما هو الكذب الذي لانفع فيه، وبأنهم قد اتفقوا على جواز الكذب عند الاضطرار كما لو قصد ظالم قتل رجل مختف عند آخر، فإنه ينفي كونه عنده، ويحلف على ذلك ولا يأثم، وقد روى نحو هذا في الجامع الكافي عن الحسن بن يحيى، بل في كلامه أنه لايسعه الصدق هنا، وفيه عنه: وإنما الكذب المحرم هو الذي يكون معصية لله عز وجل، وما قمت فيه بأمر الله ودفعت به عن مؤمن فليس ذالك بمعصية، ولا حرج فيه.
قال: وقد روي أنه لا بأس أن يستطيب الرجل نفس امرأته في ثمن الثوب ونحوه، فالكذب على من تعتمد فيه الإثم.
القول الثاني: أن المراد بذلك التورية والتعريض ونحوها مما لاقبح فيه؛ إذ في رواية الجامع الكافي عن علي عليه السلام ما يمنع المكر والخداع على الإطلاق لأنه نص على أنه ترك المخادعة للخبر الذي رواه، والمخادعة بالكذب أقبح من غيرها لانضمام قبح الخداع إلى قبح الكذب المعلوم عقلاً وشرعاً، وهذا قول جماعة منهم السيد أحمد بن الحسين زبارة، والمهلب، والأصيلي وغيرهم.
قال ابن بطال عن بعض مشايخه: الكذب المباح في الحرب ما يكون في المعاريض لا التصريح بالتأمين مثلاً، وقال المهلب: لا يجوز الكذب الحقيقي في شيء من الدين أصلاً، وقال: محال أن يأمر بالكذب من يقول: ((من كذب عليّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار)) وقال ابن العربي: الخداع في الحرب يقع بالتعريض، وبالكمين ونحو ذلك.
قلت: ويؤيده رواية أبي داود: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا أراد غزوة وَرَّى بغيرها ويقول الحرب خدعة، فإنه قد أطلق الخداع على التورية، وأما حديث ابن الأشرف، فليس فيه تصريح بالكذب، وإنما هو معاريض وتورية.
إذا عرفت هذا وضممته إلى ما تقدم من كون الوصف بالخداع والمكر، وكذلك الكذب لايوصف بها الأخيار تعين أن يكون ذلك من باب المجاز، شبه التلطف في التوصل إلى مراد الله تعالى من قتال المفسدين، وإيقاع النكاية بهم بفعل المخادع الذي يتوصل بخداعه إلى أغراضه، وشبه التعريض من حيث أن صورته صورة الكذب بالكذب الذي قد يكون سبباً لنيل الغرض، وقد عقد أهل المعاني باباً يسمونه باب الخداع والاستدراج، ومثلوه بما فيه تلطف، واستمالة للقلوب، وجعلوا ذلك من جملة المحسنات عندهم، ولم يدخلوا فيه شيئاً من صور الخداع الحقيقي الذي هو قبيح عند العقلاء، وأهل الشرع، ويؤيده رواية الواقدي عن علي عليه السلام ؛ إذ لا يجوز حمل الخداع منه عليه السلام فيها إلا على ضرب من المجاز لنفيه عن نفسه الخداع، وإخباره بقبحه في رواية الجامع الكافي.
المسألة الرابعة [في الدليل على تحريم الحيل]
قيل: في هذه الآية وما في معناها من ذم الخداع وقبحه دليل على تحريم الحيل التي يتوصل بها إلى تحليل ما حرم الله؛ لأن حقيقة الخداع منطبقة على تلك الحيل، فإن فيها مخادعة، ومراوغة بإظهار إرادة أمر جائز ليتوصل به إلى أمر باطن محرم، وفي (القاموس) الخداع: المنع والحيلة، وفي تجويز الحيل التي يتوصل بها إلى تحليل المحرم خلاف، ففي كلام بعضهم مايدل على منعها على الإطلاق، منهم الإمام المؤيد بالله محمد بن القاسم عليه السلام فإنه قال: إن الحيل والذرائع لايحل الدخول فيها، ويجب النكير على فاعلها، والتأديب لكاتبها وشاهدها، وسواء كانت لمن يحرم عليه شيء ليحل كالتحيل للهاشمي في أكل الزكاة، أولمن يجب عليه شيء ليسقط كالمالك يخرج بعض المال لئلا تجب عليه الزكاة، ونسب القول بتحريم الحيل في الربا وغيره ابن حجر الهيثمي في كتاب الزواجر إلى مالك، وأحمد، واختاره ابن القيم، وفي كلام بعضهم ما يدل على جوازها في الربا وغيره، وعزاه في الزواجر إلى الشافعي، وأبي حنيفة.
قلت: ولا ينبغي إطلاق الجواز، فإن من الحيل مالا يجوز الدخول فيه بالإجماع، وفي أعلام الموقعين ما معناه: إن الذين ذكروا الحيل لايقولون بأنها جائزة كلها، وإنما يقولون إن هذا الأمر حيلة في كذا، وقد يكون ذلك الأمر محرماً كمن يفتي المرأة إذا أرادت فسخ النكاح أن ترتد ثم تسلم، وتارة تكون الحيلة مكروهة، وتارة جائزة.
قال: ولا يجوز أن ينسب إلى أحد من الأئمة شيء من الحيل المحرمة لمنزلتهم وإمامتهم في الإسلام، وإن كان بعض هذه الحيل قد تنفذ على أصول إمام بحيث إذا فعلها المتحيل فقد ثبت حكمه عنده، ولكن هذا أمر غير الإذن فيها، وإباحتها، وتعليمها، فإن إباحتها شيء ونفوذها إذا فعلت شيء، ولا يلزم من كونه لا يبطلها أن يبيحها ويأذن فيها، وكثير من العقود يحرمها الفقيه، ثم ينفذها ولا يبطلها، وأما سائر أئمة العترة" فظاهركلمات أفرادهم التفصيل، وإن من الحيل ما يجوز فعله، ومنها مايحرم بحسب مواقعها، كما ستعرف في مواضع من العقود والإنشاءات وغيرها، فإنك تجد الواحد منهم يحرم الحيلة في موضع، ويبيحها في غيره، فقد يرتب الحكم على الحيلة وإن كانت محرمة عنده، وقد لا يرتبه عليها، ومن كلام الهادي عليه السلام في إبطال الحيلة في الربا ما لفظه: ولا يجوز أن تدخل الفضة في الذهب ليزداد ما بينهما كما يفعل كثير من الجهال، والحديد مع الفضة ليزاد في الفضة كما يفعل كثير من أهل هذا الدهر؛ لأن الله عز وجل لايخادع وهو يعلم السر وأخفى، وهذا فإنما هو من حيل المحتالين، لا يجوز على مثلهم من المربوبين، فكيف على رب العالمين، وخالق كل المخلوقين.ذكره في الأحكام.
وروى السيد محمد بن الهادي في الروضة والغدير عن أكثر أئمتنا" جواز الحيلة في إسقاط الشفعة، ولم يرو الخلاف فيه إلا عن الناصر ومن تبعه، وأورد صوراً من الحيل جارية على قواعد الأئمة"، وقال في بعضها: إنها مما لاخلاف فيه، وكذلك الإمام عز الدين أبطل الحيلة في إسقاط الزكاة، وأجازها في موضع آخر، وعلله بأنه ليس في ذلك تحليل محظور، وهذا كله يبين صحة قولنا إن كلماتهم" تدل على اختلاف حكم الحيلة باختلاف موضعها، وقد قال الإمام المهدي عليه السلام : إن سلوك طريقة الاجتهاد في الحيل أحوط من كل وجه، وذهب الإمام شرف الدين إلى أن الحيل المحرمة هي ما يتوصل بها إلى تحليل ما حرم الشرع مع بقاء الوجه الذي يقتضي التحريم، والجائزة هي التي يزول بالحيلة وجه التحريم، وجعل من المحرمة بيع الشيء بأكثر من سعر يومه لأجل النساء؛ إذ علة تحريم بيع الصاع بالصاعين إنما هي حفظ مال المحتاج، وزجر الغني عن اغتنام الفرصة عليه، وقد نبه الله على ذلك بقوله: {لاَ تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافاً مُضَاعَفَةً}[آل عمران:130] وكذا قول علي: (سيأتي على الناس زمان عضوض) إلى قوله: (ويبايع المضطرون).
وإذا كانت العلة ما ذكر، فلا فرق بين أن يبيع الصاع بالصاعين، أو بقيمة الصاعين لبقاء العلة، وجعل من الجائزة تقبيض المصرف للزكاة لأجل الهاشمي الفقير؛ لأن في هذا الهاشمي مانعاً من أخذ الزكاة، وهو تطهير الغير به، ومقتضياً وهو الفقر، وقد ارتفع المانع بالتقبيض، وبقي المقتضي وهو ضابط حسن، وقريب منه ما ذكره المقبلي في( المنار) وهو أن كل حيلة يتوصل بها إلى تفويت مقصد الشارع لا تقبل، وكل حيلة يتوصل بها إلى تحصيل مقصد شرعي كخروج من إثم فهي مقبولة، وقال به علامة العصر، وفسر ما يفوت مقصد الشارع بما حرم لذاته.
واعلم:أن كلام الأئمة" يخرج إما على هذه الضوابط، أوعلى ما ذكره الإمام المهدي من أنها محل اجتهاد، وهو الذي يدل عليه كلامهم على اختلاف مواضعه، وتلك الضوابط لم تستقر عليها كلمات العلماء، ولم تطبق عليها أدلتهم مع التأمل، وإذا قد عرفت اختلاف العلماء في المسألة، فاعلم: أن لكل منهم أدلة على ما ذهب إليه، ونحن نأتي منها هنا بما وقفنا عليه، فنقول وبالله التوفيق:
[حجج المانعين للحيل]
احتج المانعون بوجوه:
أحدها: هذه الآية التي نحن بصددها، وقد بينا وجه الاحتجاج بها، وقد جاء تسمية التحيل خداعاً في كلام ابن عباس فيما أخرجه عبد الرزاق عنه أنه سأله رجل، فقال: إن عمي طلق امرأته ثلاثاً، فقال: إن عمك عصى الله فأندمه، وأطاع الشيطان فلم يجعل له مخرجاً.
قال: كيف ترى في رجل يحلها له؟ قال: من يخادع الله يخدعه، وقال في أعلام الموقعين: صح عن أنس، وعن ابن عباس أنهما سُئلا عن العينة، فقالا: (إن الله لايخدع هذا مما حرم الله ورسوله) فسميا ذلك خداعاً، وسمى أمير المؤمنين عليه السلام نكاح التحليل تلبيساً وتدليساً، كما في رواية العلوم، والجامع الكافي، وقال أيوب السختياني في أهل الحيل: يخادعون الله كما خادعوا الصبيان، فلو أتوا الأمر عياناً كان أهون علي، وقال شريك بن عبد الله في كتاب الحيل: هو كتاب المخادعة.
قال ابن القيم: وتلخيص هذا أن الحيل المحرمة مخادعةٌ لله، ومخادعة الله حرام.
أما المقدمة الأولى: فإن الصحابة والتابعين وهم أعلم الأمة بكلام الله، ورسوله، ومعانيه سموا ذلك خداعاً.
وأما الثانية: فإن الله ذم أهل الخداع، وأخبر أن خداعهم إنما هو لأنفسهم، وأن في قلوبهم مرضاً، وأنه تعالى خادعهم، فكل هذا عقوبة لهم، قال: ومدار الخداع على أصلين:
أحدهما: إظهار فعل لغير مقصوده الذي جعل له.
الثاني: إظهار قول لغير مقصوده الذي وضع له، وهذا منطبق على الحيل المحرمة.
الوجه الثاني: ماسيأتي في مواضع من كتاب الله تعالى من تحريم أكل أموال الناس بالباطل، وقصة أصحاب السبت، وغير ذلك من الآيات الدالة على تحريم الحيل.
قلت: سيأتي أن في الاستدلال ببعضها نظراً.