قال في شرح الفصول: إلا أن يعرف منه أنه ضبط ذلك الحديث بخصوصه.
فائدة: [في أذان المجهول]
قال في الجوهرة: قد أجري هذا الاسم -يعني اسم المجهول- على من لم يعرف بمخالطة العلماء والأخذ عنهم، وغشيان مجالسهم، وهذا عندنا لايقدح في خبره؛ لأنه لايسقط عدالته، ولايبطل أمانته، فجاز العمل على روايته.
(فرع): في أذان المجهول هل يجزي أم لا؟ والمسألة مبنية على أنه هل شرع للإعلام بدخول الوقت أم لا؟ والذي يؤخذ من معناه لغة وشرعاً: أنه إخبار بدخول الوقت.
قال النووي: الأذان لغة: الإعلام، ومثله في شرح الأزهار، وقال الراغب: المؤذن كل من يعلم بشيء نداء، وأما في الشرع فقال في البحر: هو الإعلام بدخول وقت الصلاة بألفاظ مخصوصة، وهذا يدل على أنه يعتبر فيه مايعتبر في غيره من الأخبار من العدالة وغيرها، والمجهول غير معلوم العدالة فلايقبل إعلامه بدخول الوقت، ويؤيده إجماع الأمة على أنه لايجزي أذان كافر التصريح، ولا غير المميز، ولايؤمن في المجهول أن يكون أحدهما، واختلف العلماء في أذان الفاسق، فقال أهل المذهب: لايجزي لما في البحر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم : ((يؤذن لكم خياركم)) وأخرجه أبو داود بلفظ: ((ليؤذن لكم خياركم، وليؤمكم أقرؤكم)) . وقال الإمام الحسن بن يحيى القاسمي، وولده علامة العصر، ورواه عن المؤيد بالله، وحكاه في التقرير عن أبي العباس، وأبي طالب: بل يجزى.
وبه قال الشافعي،وهو ظاهر كلام الإمام عز الدين،وأجابوا عن الحديث بأنه لا يمكن حمله إلا على الندب،والإ لزم إذا أذن من ليس بفاسق وثمة مؤمن خير منه أن لايصح أذانه،ولاقائل به،على أن لفظ الحديث: ((وليؤذن لكم أحدكم،وليؤمكم أكبركم)) رواه في الشفاء، وأخرجه بهذا اللفظ البخاري،ومسلم من حديث مالك بن الحويرث، وأجيب بأن المراد بالخيار العدول،وليس التفضيل على بابه لما ذكرتم، لكن ذلك لايوجب القول بصحة أذان الفاسق،بل نمنعها لاشتراط الخيرية فيه.

وأما الرواية الأخرى، فالمراد بالواحد فيها أحد المخاطبين وهم المؤمنون، وفيه دلالة بالمفهوم على أنه لايؤذن لهم من ليس منهم، ويؤيده أن الفاسق غير أمين على الوقت، وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم : ((الإمام ضامن، والمؤذن مؤتمن، اللهم أرشد الأئمة، واغفر للمؤذنين)) رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي من حديث أبي هريرة، رواه الأعمش، عن أبي صالح عنه.
قال في نيل الأوطار: ورواه الشافعي من طريق إبراهيم ابن أبي يحيى، وابن حبان، وابن خزيمة كلهم من طريق سهل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: وروي أيضاً عن أبي صالح عن عائشة. قال أبو زرعة: حديث أبي هر يرة أصح من حديث عائشة، وقال محمد عكسه، وذكر علي بن المديني أنه لم يثبت واحد منهما، وقال أيضاً: لم يسمع سهيل هذا الحديث من أبيه، وإنما سمعه من الأعمش، ولم يسمعه الأعمش من أبي صالح بيقين؛ لأنه يقول فيه: نبئت عن أبي صالح، وكذا قال البيهقي في المعرفة، وقال الدار قطني في العلل: رواه سليمان، وروح بن القاسم، ومحمد بن جعفر، وغيرهم عن سهيل، عن الأعمش. قال: وقال أبو بدر عن الأعمش: حدثت عن أبي صالح، وقال ابن الفضيل: عنه عن أبي صالح، وقال الثوري: لم يسمع الأعمش هذا الحديث من أبي صالح، وقال في النيل: وصحح حديث أبي هريرة وعائشة جميعاً ابن حبان، قال: وقد سمع أبو صالح هذين الخبرين من عائشة، وأبي هرير ة جميعاً.

قلت: الحديث له شواهد في كتب الأئمة وغيرهم، ففي شرح التجريد عنه صلى الله عليه وآله وسلم : ((الإمام ضامن، والمؤذن مؤتمن)) وهو في أصول الأحكام، وذكره في الاعتصام، وفي الجامع الكافي: بلغنا عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((اللهم أرشد الأئمة، واغفر للمؤذنين)) وفي الشفاء عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((الأئمة ضمناء، والمؤذنون أمناء، فأرشد اللهم الأئمة، واغفر للمؤذنين)) قال في نيل الأوطار: وفي الباب عن ابن عمر أخرجه أبو العباس السراح، وصححه الضياء في المختارة، وعن أبي أمامة عن أحمد، وعن جابر عند ابن الجوزي في العلل، والحديث يدل على اشتراط عدالة المؤذن من حيث وصفه بكونه مؤتمناً، ومن حيث الدعاء له بالمغفرة.
قال الأمير الحسين:والمراد أن المؤذن أمين فيما يخبر من دخول وقت الصلاة.
فإن قيل: لا نسلم أنه أمين فيما ذكرتم بل المراد أنه أمين على حرم الناس؛ لأنه يشرف على المواضع العالية.
قيل: يدفع قولكم مارواه في الشفاء عن بلال بن حمامة، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: ((المؤذنون أمناء المؤمنين على صلاتهم، وصومهم، ولحومهم، ودمائهم، لايسألون الله شيئاً إلا أعطاهم)) وفي الجامع الصغير: ((المؤذنون أمناء المسلمين على صلاتهم وحاجتهم)) ونسبه إلى البيهقي عن الحسن مرسلاً، والمراد بحاجتهم: حاجة الصائمين إلى الإفطار، وفيه عن أبي محذورة مرفوعاً: ((المؤذنون أمناء المسلمين على فطورهم وسحورهم)) أخرجه الطبراني في الكبير، قال العزيزي: بإسناد حسن.
فإن قيل: عدم أمانة الفاسق لا تدل إلا على أنه لا يعتمد عليه في دخول الوقت، وأنه لا يؤهل لطلوع المأذنة، ونحن نلتزم ذلك، وقد قال في شرح الأزهار: إن تقليده في الوقت لا يصح بلاخلاف، كما لا يقبل خبره.

قيل: قد ثبت بما مر أن المقصود الأعظم بالأذان الإخبار بدخول الوقت، وقد ثبت أيضاً اشتراط العدالة في المخبر من حيث هو، فيجب أن لايعتد بأذان الفاسق كما لا يعتد بخبره، على أنه لولم يكن المقصود به الإخبار فقد قام الدليل على اشتراط عدالة المؤذن كما مر، فإذا انتفى الشرط لم يصح المشروط.
ومن الأدلة على اشتراط العدالة فيه ما رواه في شرح التجريد، والشفاء، وأصول الأحكام أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال لرجل: ((أم قومك، واتخذ مؤذناً لا يأخذ على أذانه أجراً)) وأخرج أبو داود، والترمذي عن عثمان بن أبي العاص، قال: إن من آخر ما عهد إلي رسوالله صلى الله عليه وآله وسلم : ((أن اتخذ مؤذناً لايأخذ على أذانه أجراً)) ونسبه في المنتقى إلى الخمسة.
وقال في النيل: صححه الحاكم، وقال ابن منذر: ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال لعثمان بن أبي العاص: ((واتخذ مؤذناً لا يأخذ على أذانه أجراً)) ووجه دلالة هذه الأخبار على اشتراط العدالة أنه قد منع من اتخاذ من يأخذ الأجر مؤ ذناً، وليس ذلك إلا لعصيانه بأخذ الأجرة، ويؤيده ما أخرجه ابن حبان عن يحيى البكالي، قال: سمعت رجلاً قال لابن عمر: إني لأحبك في الله، قال له ابن عمر: إني لأبغضك في الله، فقال: سبحان الله أحبك في الله وتبغضني في الله، قال: نعم إنك تسأل على أذانك أجراً.
وإذا ثبت أن العدالة في المؤذن شرط وجب أن لايقبل أذان المجهول لعدم تحقق العدالة فيه إلا أن يصح ما ذكره في الثمرات من الإجماع على قبوله، ولكنه لم يجزم برواية ذلك وإنما قال: إن قيل: إنه مخبر بدخول الوقت، فلا يقبل، ثم قال: قلنا: لعل هذا مخصص من العموم بإجماع المسلمين، قال: وقد ذكر بعض المفرعين من المتأخرين أنه يقبل أذان المجهول كما يصلى خلفه.

قلت: ولأهل المذهب تفصيل ذكره ابن بهران، وهو أن السامع حكمه حكم المقلد إن كان في بلد شوكته لإمام حق لا يرى صحة أذان من لم يجمع تلك الشروط اجتزأ به، وإلا فلا، وهو تفصيل حسن، ولعله بناه على ما ذكره أبو الحسين وقد مر.
فائدة
قال أهل المذهب: العدالة المعتبرة في المؤذن أن تكون كعدالة إمام الصلاة وهو قوي إن لم يجعلوا العلة في اشتراط العدالة كونه مخبراً بدخول الوقت، وأما إن جعلوا العلة ذلك، فالقياس أنه كسائر الأخبار، فمن قبل رواية فاسق التأويل وكافره قبلهما في الأذان، ومن لا فلا، والظاهر أن أهل المذهب لم يمنعوا إلا رواية فاسق الجارحة كما في حواشي الأزهار. والله أعلم.
قلت: والذي تدل عليه الأحاديث أنه لابد من انتفاء الفسق تصريحاً وتأويلاً، وكذلك غيره من المعاصي التي تختل بها العدالة.

البقرة 9
قوله تعالى: {يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ}[البقرة:9]
الخديعة: المكر والحيلة، وأصله في اللغة: الإخفاء، ومنه مخدع البيت للمنزل الذي يحرز فيه الشيء ويخفى، وقيل: أصله الفساد، والنفس لها في لغة العرب معان: ذات الشيء، يقال هذا نفس كلامك أي ذاته، والروح يقال: فاضت نفس فلان أي روحه، ذكر هذين المعنيين القاسم بن إبراهيم، والهادي عليهما السَّلام ، وصاحب القاموس، وغيره من أئمة التفسير واللغة، وزادوا لها معان أخر، وهي بمعنى الدم، ومنه ما لانفس له سائلة لا ينجس، والماء لشدة حاجة النفس إليه وغير ذلك، والمراد هنا المعنى الأول، وقد جعل الهادي لفظ النفس في نحو هذا التركيب صلة زائدة، وقال: إن العرب قد تدخل لفظ النفس صلة في كلامها مثل ما ولا، وليس لها معنى عندهم غير تحسين الكلام، قال: ومنه قول الرجل لصاحبه: أتيتني بنفسك، أي أتيتني أنت لاغيرك، كما يقول: ما منعك أن لا تأتيني، يريد ما منعك أن تأتيني فأدخلت لا صلة، والشعور: علم الشيء علم حس من الشعار وهو ثوب يلي الجسد، وقال: أبو حيان الشعور: إدراك الشيء من وجه يدق، مشتق من الشعر، والإدراك بالحاسة مشتق من الشعار وهو ثوب يلي الجسد، ومشاعر الإنسان حواسه، وتفسيره للشعور يوافقه تفسير القرطبي له بالفطنة، وفي الآية مسائل:

المسألة الأول‍ى [في المخادعة]
المخادعة على الحقيقة لاتجوز على الله تعالى؛ لأن العالم الذي لاتخفى عليه خافية لايخدع، وإذا كان ذلك كذلك فليست المخادعة هنا على ظاهرها، وقد ذكروا لها تأويلات، فقيل: هي واردة على طريقة الاستعارة والتمثيل لإفادة كمال شناعة جنايتهم، وقيل: معناه يخادعون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على جهة المجاز العقلى وفائدته الإبانة عن تشريفه صلى الله عليه وآله وسلم مع إفادة كمال الشناعة كما مر، وقيل: معناه يخادعون الله في زعمهم؛ لأنهم يظنون أنه تعالى ممن يصح خداعه لعدم معرفتهم به؛ إذ من كان إيمانه نفاقاً لم يكن عارفاً بالله ولا بصفاته،فلم يبعد من مثله تجويز أن يكون الله مخدوعاً،ومصاباً بالمكروه من وجه خفي، وهذه الوجوه أحسن التأويلات، وقد ذكروا وجوهاً لاتخلو من تكلف ومخالفة للظاهر، وأما خداعهم للذين آمنوا فلا بعد فيه ولا محذور، والمخادعة التي فعلوها هي إظهارهم للإيمان ليتوصلوا به إلى غرض لهم في حقن دمائهم، وحرمة أموالهم، والمشاركة للمؤمنين في الغنائم، واطلاعهم على الأسرار التي كانوا حراصاً على إذاعتها، وغير ذلك من الأغراض الفاسدة، وما كانوا يشعرون أن وبال ذلك الخداع وضرره عليهم حتى كأنهم لم يقصدوا به إلا أنفسهم.

المسألة الثانية [في الفرق بين المعاند من غيره]
في هذه الآية رد لما ذهب إليه الجاحظ، والعنبري من أنه لاعقاب على من لم يكن كفره عناداً، وقد مر ذكر مذهبهما في ذلك، ووجه الرد عليهما بالآية أن الله تعالى قد أخبر عن هؤلاء المنافقين بأنهم لايشعرون بخداعهم لأنفسهم بالباطل، ثم أخبر بعد ذلك بأن لهم عذاباً أليماً بما كانوا يكذبون.

المسألة الثالثة [في قبح الخداع]
دلت الآية الكريمه على قبح الخداع، ولا شبهة في ذلك.
قال الرازي: اعلم أنه لاشبهة في أن الخديعة مذمومة، والمذموم يجب أن يتميز عن غيره كي لايفعل، ثم قال بعد أن ذكر معناها اللغوي: وأما حدها فهو إظهار ما يوهم السلامة والسداد، وبطلان مايقتضي الإضرار بالغير، والتخلص منه، فهو بمنزلة النفاق في الكفر والرياء في الأفعال الحسنة، وكل ذلك بخلاف ما يقتضيه الدين؛ لأن الدين يوجب الاستقامة، والعدول عن الغرور، والإساءة، كما يجب المخالصة لله تعالى في العبادة.

قال: ومن هذا الجنس وصفهم المرائي بأنه مدلس إذا ظهر خلاف مراده، ومنه أخذ التدليس في الحديث؛ لأن الراوي يوهم السماع ممن لم يسمع، وإذا أعلن ذلك لايقال بأنه مدلس، وفي الجامع الكافي عن القوسي، قال: سألت القاسم عليه السلام عن الخديعة، والكذب في الحرب، فقال: لا خير في الخديعة والكذب على كل حال، وكذلك ذكر عن علي عليه السلام أنه كان يقول: يماكرني معاوية بن أبي سفيان، وعمرو بن العاص، وأبو الأعور السلمي، أما والله لولا أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: ((المكر والخديعة في النار لكنت أعلم بالمكر والخديعة منهم)) والحديث أخرجه البيهقي في الشعب من حديث قيس بن سعد بن عبادة، قال العزيزي عن شيخه: حديث صحيح، وأخرجه أبو داود في مراسيله عن الحسن مرسلاً بلفظ: ((المكر والخديعة والخيانة في النار)) قال العزيزي: أي تدخل صاحبها النار. وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((من غشنا فليس منا، والمكر والخداع في النار)) أخرجه الطبراني في الكبير، وأبو نعيم في الحلية عن ابن مسعود، وفي تفسير القرطبي،وَخَرَّجَ الطبراني في كتاب آداب النفوس حدثنا أبو كريب محمد بن العلاء، حدثنا المحاربي، عن عمرو بن عامر البجلي، عن ابن صدقة، عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو من حدثه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((لا تخادع الله فإنه من يخادع الله يخدعه الله ونفسه يخدع لو يشعر)) قالوا: يارسول الله وكيف نخادع الله؟ قال: ((تعمل بما أمرك الله وتطلب به غيره، واتقوا الرياء فإنه الشرك، وإن المرائي يدعى يوم القيامة على رؤوس الأشهاد بأربعة أسماء ينسب إليها: ياكافر، ياخاسر، ياغادر، يا فاجر ضل عملك، وبطل أجرك، فلا خلاق لك اليوم، فالتمس أجرك ممن كنت تعمل له يا مخادع)) أبو كريب قد مر ذكره وتوثيقه في الفاتحة.

145 / 329
ع
En
A+
A-