فائدة: [في التعليق على حديث: ((نحن نحكم بالظاهر))]
قال الذهبي، والمزي: حديث ((نحن نحكم بالظاهر)) لا أصل له.
قلت: لكنه يقال معناه صحيح إذ لا نتمكن من الإطلاع على الباطن إلا في الأنبياء، ومن أخبروا بعصمته كما يدل عليه حديث أسامة، وقد روي في الصحيح: ((إنما أقضي بما أسمع)) . وفي صحيح البخاري عن ابن عمر: ((إنا نؤاخذكم بما ظهر لنا من أعمالكم)).
الوجه الخامس: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قبل خبر الأعرابيين في الإفطار، رواه في الشفاء، وأخرجه أحمد، وأبو داود، ولا يقال إنه قد عرف عدالتهما إذ لو كان قد عرفها لما سألهما عن إسلامهما في رواية ابن أبي شيبة والشفاء إذ لايسأل إلا عن جهل، وقد قبل خبرهما في إسلامهما، وفي رواية الهلال.
والجواب: بأن الواجب حمل القبول له على وقوعه بعد معرفته عدالتهما لظاهر الأخبار الصريحة باعتبارالعدالة في رؤية الهلال، وحينئذ يجوز أن يكون السؤال عن إسلامهما سؤالاً عن نطقهما بالشهادتين، فكأنه قال: هل قلتما أشهد أن لاإله إلاَّ الله وأن محمداً رسول الله، فقالا: نعم، على أن اعترافهما بالإسلام إسلام في الحال وإن لم يكن قد تقدم منهما غيره، وهو كاف في ثبوت عدالتهما، لأن الإسلام يجب ما قبله، وقد اكتفى به النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيما رواه ابن عباس أن أعرابياً جاء إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: إني رأيت الهلال يعني رمضان، فقال: ((أتشهد أن لا إله إلا الله؟)) قال: نعم، قال: ((أتشهد أن محمداً رسول الله؟)) قال: نعم، قال: (( يابلال أذن في الناس فليصوموا غداً)) ويجوز أنه قبل خبرهما في إسلامهما لقرائن دلت على ذلك من هيئة وأخلاق مخالفة لهيئات الكفار وأخلاقهم، وقد ذكر أبو الحسين في المعتمد أن العدالة إذا كان لها ظاهر وجب الاعتماد عليه، وإلا لزم اختبارها.
قال: ولاشبهة أن في بعض الأزمان كزمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد كانت العدالة منوطة بالإسلام، فكان الظاهر من المسلم كونه عدلاً، ولهذا اقتصر النبي صلى الله عليه وآله وسلم في قبول خبر الأعرابي عن رؤيته الهلال على ظاهر إسلامه، واقتصرت الصحابة على إسلام من كان يروي الأخبار من الأعراب، فأما الأزمان التي كثرت فيها الخيانات ممن يعتقد الإسلام، فليس الظاهر من الإسلام كونه عدلاً فلا بد من اختباره، قال: وقد ذكر الفقهاء هذا التفصيل.
الوجه السادس: أن الأمة أجمعت على قبول رواية المجهول، وبيان ذلك أن البخاري ومسلم قد رويا عن المجهولين كما صرح بذلك الذهبي، وغيره، و الأئمة مطبقة على قبول روايتهما.
والجواب: أنا لانسلم أن في رجالهما مجاهيل، ولعل المدعي لذلك متحامل عليهما ولم يؤد النظر حقه، سلمنا فقد علم من حالهما أنهما لا يرويان في الصحيحين إلا عن العدول، فمن جهلنا حاله حكمنا بعدالته استناداً إلى ذلك الأصل كما حكم كثير من الزيدية بصحة ما في كتب الأئمة وشيعتهم مستندين إلى أنه قد علم من حالهم أنهم لا يروون إلا عن العدول الثقات، ولما مر من أن مجهول العين إذا وصفه أحد الأئمة بالثقة كان كافياً، ثم إنا لو سلمنا أن فيهما مجاهيل، وأن الشيخين لم ينصا على أنهما لم يقبلا إلا الثقات، ولاعلم من حالهما أو أن الوصف بالثقة في الجملة لايكفي فلا نسلم الإجماع عن قبول روايتهما فإن أئمة العدل سيما الزيدية يروون كثيراً من أخبارهما، ولم يقبلوا إلا ما طابق العقل، والكتاب، والسنة الصحيحة.
قال الحسن بن يحيى عليه السلام : وسألت عن سماع العلم من أهل الخلاف وذكرت أن قوماً يكرهون ذلك.
فالجواب في ذلك: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد بلغ ما أمر به، وعلم أمته مافرض الله عليهم، وما سنه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيهم، ولم يقبض إلا عن كمال الدين، فسنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم منقسمة عند من سمعها من أصحابه، فمنهم من حفظ، ومنهم من قدم وأخر، ونسي وغفل، ومنهم من بدل وغير، وزاد ونقص، فقد ثبتت الحجة من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من أمته على أن بلغ إليهم ما أمر به، ودلهم على من يحفظ ما نسوا، ويعلم ما جهلوا بالتمسك به عند اختلافهم، ولا تابع له عند تفرقه، فقال: ((يا علي حربك حربي، وسلمك سلمي، وأنت مع الحق، والحق معك)) ثم أعلمهم بموضع الحق والهدى بعد أمير المؤمنين عليه السلام بالدلالة على عترته، فَمَا روته العامة من سنن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المشهورة، المتسق بها الخبر من غير تواطئ، أخذت وحملت عن كل من يؤديها، إذا كان يحسن التأدية لها مأموناً على الصدق فيها، وما جاء من الآثار التي تخالف مامضى عليه علماء آل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ترك من ذلك ما خالفهم، وأخذ ما وافقهم، ولم يضيق سماع ذلك من كل من نقله من أهل الخلاف، إذا كان يعرف بالصدق على هذا التمييز، ولاخير في السماع من أهل الخلاف إذا لم يكن مع المستمع تمييز على ما ذكرنا ذكره في الجامع الكافي، وسائر كلمات مشاهير العترة" على هذا النمط في منع قبول رواية العامة، إلا ما وافق الكتاب والسنة التي رواها آل محمد"، بل منع بعضهم القراءة في الصحيحين وغيرهما، فمن أين تصح دعوى الإجماع على قبول ما فيهما، والعمل به.
قال في (الروض النضير): وقد ثبت عن قدماء أهل البيت" كزيد بن علي، والباقر، والصادق، وأحمد بن عيسى، والقاسم بن إبراهيم، ومن في طبقتهم أنهم لايروون ويحتجون إلا بمن ثبت لديهم عدالته، وصح عندهم ثقته، وأمانته.
قلت: والمعلوم أن في رجال الصحيحين من لا يرتضي آل محمد" أمانته ودينه، فينتج من ذلك أن أهل البيت لايعملون بكل ما رواه البخاري ومسلم، فتبطل دعوى الإجماع المذكور.
الوجه السابع: أن خبر المجهول مقبول في الزكاة، ورق جاريته التي يبيعها، ونحوها، فيقاس عليه قبول روايته، وأجيب بأن القياس غير صحيح؛ لأن ذلك مقبول مع الفسق اتفاقاً، على أن الرواية على مرتبة من هذه الأمور الجزئية لإثباتها شرعاً عاماً، فلا يلزم من القبول هناك القبول هنا، احتج القائل بقبول مجهول الصحابة بما ورد في مدحهم من الآيات، كقوله تعالى: { مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ...} الآية[الفتح:29] وغيرها، وقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم : ((أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم)) قال الديبع: أخرجه رزين، وبحديث أبي سعيد المتفق عليه: ((لا تسبوا أصحابي)) وبما سيأتي من أن القرن الذي هو فيه خير القرون، وغير ذلك من الأخبار الواردة في فضلهم على العموم، وادعى ابن الصلاح إجماع الأمة على عدالة الصحابة كلهم، قال: ومن لابس الفتن فكذلك بإجماع العلماء الذين يعتد بهم في الإجماع.
والجواب: أما الآيات الدالة على المدح، فالمراد بها المؤمنون منهم للعلم بأن فيهم من ليس بمؤمن، بدليل هذه الآية التي نحن بصددها وغيرها مما نزل في المنافقين.
وأما حديث: ((أصحابي كالنجوم)) فقد نص على بطلانه جماعة من نقاد الحديث،قال ابن القيم في أعلام الموقعين: هذا الحديث روي من طريق الأعمش،عن أبي سفيان،عن جابر،ومن حديث سعيد بن المسيب،عن ابن عمر،ومن طريق حمزة الجزري عن نافع لايثبت شيء منها، وفيها عن ابن عبد البر بسنده إلى البزار أن هذا الحديث لا يصح، وفي شرح الغاية عن الإمام القاسم بن محمد عليه السلام أن رواية جعفر بن عبد الواحد الهاشمي القاضي، قال فيه الدارقطني: يضع الحديث، وقال أبو زرعة: روى أحاديث لا أصل لها، وقال ابن عدي: يسرق الحديث، ويأتي بالمناكير عن الثقات، وقال فيه الذهبي في ميزانه: ومن بلاياه عن وهب، عن جرير، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم : ((أصحابي كالنجوم من اقتدى بشيء منها اهتدى)) وروى السيد محمد بن إبراهيم في تنقيحه عن ابن كثير الشافعي تضعيفه، وقال: رواه عبد الرحيم بن زيد العمي عن أبيه كذبه ابن معين،والبزار، ونفى السعدي، والجوزجاني عنه الثقة، وضعفه أبو داوود،وضعف أباه أيضاً.
وقال البخاري، وأبو حاتم: متروك، ووهاه أبو زرعة، وقال ابن حجر في تلخيصه: رواه عبد بن حميد من طريق حمزة النصيبيني، عن نافع، عن ابن عمر، قال: وحمزة ضعيف، وقال فيه ابن معين: لايساوي فلساً، وقال البخاري: منكر الحديث، وقال الدارقطني: متروك، وقال ابن عدي: عامة مروياته موضوعة، وروي أيضاً من طريق جميل بن زيد، عن مالك، عن جعفر بن محمد، عن جابر، قال ابن حجر: وجميل لايعرف.
قال: ولا أصل له من حديث مالك ولا من فوقه، وحكى ابن حجر أيضاً عن ابن حزم أنه قال: هذا خبر موضوع، مكذوب باطل.
قلت: أبو سفيان الراوي عن جابر ذكره في الجداول، وهو أبو سفيان المكي، واسمه طلحة بن نافع، وذكر رواية الأعمش عنه، قال: وثقه ابن حبان، وقال أحمد، والنسائي: لابأس به، احتج به مسلم، والأربعة، وروى له أئمتنا الأربعة، ولعل الحديث ضعف لأجل غيره ممن تحته من الرواة.
وأما حديث أبي سعيد، وحديث خير القرون، وما في معناهما، فالجواب عنها: كالجواب عن الآيات سواء سواء، لما ثبت من نفاق بعضهم للأحاديث الصحيحة الكثيرة الصريحة في أن فيهم من يدفع عن الحوض، وقد نص أمير المؤمنين عليه السلام في كلامه في تقسيم الرواة على أن في رواة الأخبار من الصحابة جماعة من المنافقين المتقربين إلى أئمة الضلال.
قال السيد صلاح بن أحمد: ومن تأمله وجده مصرحاً بخلاف ذلك، يعني بخلاف القول بقبول رواية مجهول الصحابة، وأما الإجماع الذي ادعاه ابن الصلاح فهو باطل لخلاف أكابر الصحابة في ذلك، فقد رووا كثيراً من الروايات، ونهوا عن كثرة الرواية، وخافوا من قبل كل ما سمعوا، ورموا بعض رواة الصحابة بالكذب، والوهم، والخطأ كما في كلام الوصي عليه السلام الذي تقدمت الإشارة إليه، ومن ذلك ما روي عن نعيم بن دجاجة، قال: كنت جالساً عند علي عليه السلام إذ جاءه أبو مسعود البدري، فقال علي عليه السلام : قد جاء فروج، فجاء فجلس، فقال علي عليه السلام : أنت تفتي الناس؟ قال: نعم وأخبرهم أن الأخر شر قال: فأخبرني هل سمعت من النبي صلى الله عليه وآله وسلم من شيء؟ قال: نعم سمعته يقول: ((لا يأتي على الناس سنة مائة وعلى الأرض عين تطرف)) فقال علي عليه السلام : أخطأت إستك الحفرة، وأخطأت في الأول فتواك، إنما قال لمن حضره يومئذ هل الرخاء إلا بعد المائة. رواه في الاعتصام، وقال رواه أبو يعلى، وقال في مجمع الزوائد: ورجاله أي هذا الخبر ثقات. والفروج والرخا بالخاء المعجمة: الخير والسعة، وقوله: والأخر شر تعريض بعلي عليه السلام ، وقال في الاعتصام: نقل الحاكم، قال: حدثني بكر بن محمد الصيرفي بمرو، حدثنا محمد بن موسى الترمذي، حدثنا المفضل ابن عيشان، حدثنا علي ابن صالح، حدثنا موسى بن عبدالله بن حسن بن حسن،عن إبراهيم بن عمر، عن عبد الله التيمي، حدثنا القاسم بن محمد،قالت عائشة: جمع أبي الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فكانت خمسمائة حديث، فبات ليلة يتقلب كثيراً، قالت: فغمني فقلت: أتتقلب لشكوى،أو لشيء بلغك،فلما أصبح قال: أي بنية هلمي الأحاديث التي عندك، فجئته بها،فدعا بنار فحرقها، فقلت: لم حرقتها؟ قال:خشيت أن أموت وهي عندي، فيكون فيها أحاديث من رجل قد ائتمنته،ووثقت به ولم يكن كما حدثني، فأكون قد نقلت ذلك، وقال الذهبي:قد كان عمر
من وجله أن يخطئ الصاحب على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يأمرهم أن يقلوا الرواية عن نبيهم صلى الله عليه وآله وسلم ، ولئلا يتشاغل الناس بالأحاديث عن حفظ القرآن، وروى ابن أبي الحديد وغيره كثيراً من تكذيب بعضهم لبعض، وقدح بعضهم في بعض، هذا أمير المؤمنين قال: لايجد أكذب على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من أبي هريرة، وضربه عمر بالدرة، وكذبته عائشة، وكذا غيره، وبالجملة إن الأمر في ذلك معلوم لمن بحث، وقال الحاكم في كتاب معرفة أصول الحديث: وقد جرح وعدل أبو بكر، وعمر، وعلي، وزيد بن ثابت، وبحثوا عن صحيح الروايات وسقيمها، وهذا كله يدفع صحة الإجماع الذي ادعاه ابن الصلاح؛ إذ لا تجمع الأمة على خلاف ما عليه أكابر الصحابة، بل قال السيد صلاح بن أحمد: إنه لم يظهر من أحد من الصحابة إنكار على الرادين، وذلك يقتضي حصول الإجماع، يعني إجماع الصحابة على رد المتهم.
[رواية المجهول]
قلت: وإذا ثبت أن فيهم من لا تقبل روايته كان الواجب عدم قبول المجهول منهم؛ إذ لايؤمن أن يكون من أولئك المجروحين.
وأما حكاية صاحب الفصول قبول مجهولهم عن أئمتنا، ففيها نظر، فإن إمامهم علي بن أبي طالب، وكلامه في الرواة يقتضي المنع من قبول من لاتعر ف عدالته كما مر، ومن تأمل كلام أولاده في الصحابة علم عدم صحة إطلاق هذه الرواية عنهم.
احتج المنصور بالله بقوله صلى الله عليه وآله وسلم : ((خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يفشو الكذب)) فأخذ منه أن في هذه الثلاثة القرون لم يفش الكذب، فلا يجب البحث عن عدالتهم؛ لأن الصدق غالب أمرهم، وأجيب بأن الحديث مطعون فيه؛ لأن المعلوم أن معظم الكذب على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يفش إلا في زمن التابعين، بل وقع في زمانهم من هتك حرمات الله مالم يقع في غيره من رمي الكعبة بالمنجنيق، وقتل أهل البيت وتشريدهم، والاستئثار بأموال الله وغير ذلك، وقد مر من رواية الناصر في البساط عن حذيفة أنه قال: المنافقون الذين فيهم اليوم شر من المنافقين الذين كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، قلنا: وكيف ذاك يا أبا عبد الله؟ قال: لأن أولئك أسروا نفاقهم، وإن هؤلاء أعلنوه، وروي أن رجلاً قال: اللهم أهلك المنافقين، فقال حذيفة: لو هلكوا ما انتصفتم من عدوكم. قال الناصر: لقلة المؤمنين.
وفي البساط أيضاً عن حبة بن جوين، قال: كنا مع سلمان في غزاة فصادفنا العدو، فقال سلمان: هؤلاء المشركون يعني العدو، وهؤلاء المؤمنون والمنافقون يؤيد الله المؤمنين بقوة المنافقين، وينصر المنافقين بدعوة المؤمنين. وسلمان، وحذيفة ممن أدرك جماعة من التابعين.
قلت: أما الطعن في صحة الحديث فلم يظهر له وجه صحيح؛ لأنه ثابت من طرق، فقد أخرجه الشيخان، وأحمد، والترمذي عن ابن مسعود، ومسلم عن عائشة، والطبراني في الكبير عن ابن مسعود، وصححه شيخ العزيزي، والطبراني في الكبير، والحاكم عن جعدة بن هبيرة، وصححه شيخ العزيزي أيضاً، والترمذي، والحاكم عن عمران بن الحصين. قال: العزيزي، قال الشيخ: حديث صحيح.
إذا عرفت هذا فنقول: إن هذا الحديث ليس بأعظم مما ورد في الصحابة، ولا أصرح منه، وقد عرفت تأويل ما ورد فيهم لما كان الحمل على الظاهر غير ممكن، على أن لنا أن نقول غاية ما في هذا الخبر أن الكذب في هذه الثلاثة القروان أقل منه في غيرها، وذلك لا يستلزم عدم التفتيش عن العدالة؛ إذ مهما كان الكذب جائزاً فيهم فلا يؤمن كون من لم نعرف حاله من أهل الكذب. والله أعلم.
احتج أئمتنا على قبول مجهول العترة بما ورد في حقهم من وجوب مودتهم، وإرادة تطهيرهم، والأمر بالتمسك بهم، وغير ذلك مما لايحصى، هذا مع ما علم من سلامة أحوالهم، ومجانبتهم للكذب وأهله، وأجيب بأن المحكوم له بتلك الفضائل هو جماعتهم لا أفرادهم، والأمر بالمودة وإن تناول الآحاد، فذلك لا يستلزم العدالة في الكل.
إما لما هو الظاهر من وجوب مودة الصالح والطالح منهم، وإما لأن المجهول غير محكوم عليه بما يخرجه عن وجوب المودة، وهو كونه ممن حاد الله ورسوله، ولكن وجوب مودته لايستلزم قبول روايته لعدم تحقق شرط القبول وهو العدالة.
قلت: وفي إطلاق الرواية عن الأئمة نظر.
القسم الرابع من أقسام المجهولين: أن يكون مجهول النسب، والاسم، أو أحدهما مع معرفة حاله في العدالة والضبط، فهذا مقبول؛ لأن المعتبر العدالة والضبط، ومعرفتهما ممكنة مع الجهل بالاسم والنسب، وقيل: لايقبل إذ يصير مجهولاً، قلنا: مناط القبول العدالة والضبط.
القسم الخامس: أن يكون مجهول الضبط، وهذا لايقبل وإن علمت عدالته؛ لانتفاء شرط العمل وهو الضبط لما رواه.