فإن قيل: مذهبه أنها غير متماثلة.
قلنا: هو ظاهر البطلان لما مر من اشتراك الجواهر في الجوهرية، وأنها صفة ذاتية، وأن الاشتراك في الصفة الذاتية توجب التماثل.
الوجه الثالث: أن العرض إنما يوجب لمحله فقط كالحركة، فلو كانت هذه الجملة هي الحية كان كل جزء منها حياً، فتكون بمنزلة أحياء ضم بعضهم إلى بعض، وذلك يستلزم أن يكون العرض قد أوجب لغير محله وهو باطل.
والجواب: أن الكلام في إيجاب الأعراض للصفات موقوف على الدليل فلا يستعمل فيها القياس، وقد دل الدليل على أن فيها ما يوجد في المحل الواحد ويوجب للجملة، وذلك أنا نجد أنفسنا عالمين، مشتهين، مريدين، كارهين، مع كون العلم، والشهوة، والإرادة، والكراهة محلها القلب؛ لأنا نجد ذلك من ناحية الصدر فقط، ونعلم أن هذه الصفات إنما تثبت لجملتنا لالبعضنا.
قال القرشي: ولولا هذا لكان أحدنا بمنزلة أحياء قادرين ضم بعضهم إلى بعض فلا يحصل له فعل بداع واحد، وأما قوله: إن ذلك يستلزم أن يكون العرض قد أوجب لغير محله وهو باطل، ففي كلام الإمام المهدي ما يدل على أنه لامحذور فيه مع قيام الدليل عليه،وهو ما حررناه.
وأما القرشي فقال: ليست الجمل غيراً للمحل، فلا يصح قوله قد أوجب لغير محل؛ لأن المغايرة هي أن لايكون أحدهما هو الآخر، ولا جملة يدخل تحتها الآخر، ولهذا لايكون الواحد من العشرة غيراً للعشرة.
قلت: ولعله يعني أن المغايرة التامة ما ذكره لامطلق المغايرة؛ لأنه لاشك في المغايرة بين العام والخاص، والكل والجزء، ولذا أجازوا عطف أحدهما على الآخر مع إطباقهم على أن العطف يقتضي مغايرة ما.
احتج القائلون بأن الإنسان شيء واحد لايتبعض، ولا يزيد، ولا ينقص، وهم سائر المخالفين ماعدا ابن الإخشيذ ومن قال بقوله بوجوه:
أحدها: أن أجزاء هذه البنية تزيد وتنقص بالسمن، والعجف، والصغر، والكبر، والإنسان باق طول عمره، فلزم أن يكون الإنسان شيئاً غير الجملة.
والجواب: أن المراد بالإنسان هو الأجزاء التي لايكون حياً من دونها، فيحكم بأن هذا السمين هو الذي كان مهزولاً، وهذا الكبير هو الذي كان صغيراً، وإذا جاز في الفصيل أن يكون صغيراً أولاً، ثم يكبر ويكون هو الأول بالاتفاق بيننا وبينهم، فكذلك حال الإنسان عند وجود الزيادة في أبعاضه.
فإن قيل: لو كان هو الجملة لم يحسن ذم من كان مهزولاً ثم سمن، أو صغيراً ثم كبر، ولا عقابه؛ لأنه يتوجه الذم والعقاب إلى ماليس بموجود حال الفعل.
قيل: الذم متوجه إلى الجملة التي لايكون الحي حياً إلا بمجموعها، وما عداها زيادات تجري مجرى الشعر والظفر.
قال القرشي: لكنها تدخل في جملة الحي بحصول الحياة فيها، قال الإمام المهدي: ولو انفصل لنا ذلك القدر لوجهنا الذم إليه دون غيره، لكن لما فقدنا العلم به وجهنا الذم إلى الجملة، وقد عرفنا أن فيها ما لايتم كونه حياً إلا به، وأن فيها زيادات يستغنى عنها، فلا يمتنع أن يقصده.
قال عليه السلام : ولايقال فكان يلزمكم أن لايحسن الذم إلا ممن قد علم تلك الجملة؛ لأنا نقول العلم بها متقدماً على العلم بحسن الذم، لكنه علم جملي وهو كاف،قال ابن متويه:وقريب منه أن يقال:إذا كان الإنسان هو الجملة المهزولة لزم إذا سمن أن لايعلم أنه ذلك الإنسان؛ لأن العلم لايتعلق بشيء إلاعلى ما هو به، وعندنا أن معلوم العلم لايتغير، وأجاب بأنه في الحالين ينصرف إلى الأجزاء التي لايستغني عنها في كونه حياً، ويحكم بأن هذا السمين هو الذي كان مهزولاً، كما يحكم بذلك في الفصيل إذا كبر، وقال في المنهاج: وليس يلزم إذا سمن الإنسان بعد عجف أن يصير غير ما كان، كما أن الشجرة إذا كبرت بعد صغرٍ لم تصر غير ما كانت.
قال: وعلى هذا فيصح أن يعظم خلق أهل النار وأجسامهم.
قلت: وهذه الشبهة قد تمسكت بها الفلاسفة، وقد نبه الإمام عز الدين عليه السلام على أن هذه الشبهة يتمسك بها المخالفون كلهم.
الوجه الثاني: أن الإنسان قد يكون عالماً بنفسه حال ما يكون غافلاً عن جميع أعضائه وأجزائه الظاهرة، وأما الباطنة فالمعلوم أنه لايعلمها إلا بالتشريح، ولاريب أن المعلوم مغاير لما ليس بمعلوم، فثبت أن الإنسان غير الجسم.
والجواب: أنا لانسلم اختلاف النفس والأجزاء في الغفلة عنهما، بل ما ثبت في أحدهما ثبت في الآخر مثله؛ لأنه هو، سلمنا فليس لأن الإنسان غيرالجسم، بل لأن الذات هي الجملة، وأبعاض الجسم هي أجزاؤها، ولا يلزم من جواز الغفلة عن بعض الشيء جواز الغفلة عن جملته، فإن الإنسان قد يعلم الصبرة ولا يعلم أجزاءها، وهذه الشبهة قد تمسك بها الفلاسفة أيضاً، واحتجوا على تعذر الغفلة عن الذات بأنه لايصيب الإنسان ألم إلا ويتألم، وإنما يتألم لعلمه بحصول الألم فيه.
قالوا: وذلك يوجب أن يكون مسبوقاً بعلمه بنفسه، فصح أنه لايكون غافلاً عن نفسه مع أنا نعلم أنه قد يغفل عن بعض أعضائه... إلى آخر ما مر، وأجيب بأن الأعضاء كالذات إذا حصل في بعضها ألم فلا بد من إدراكها له، وحينئذ ثبت ما قلناه من عدم اختلاف الذات والأعضاء في الغفلة عنهما.
قالوا: لو كان الإنسان هو هذه الأجزاء لزم إذا أوجبت الحياة للجسم المهزول كونه حياً، ثم سمن أن يكون إيجابها بعد سمنه مخالفاً لإيجابها وقت هزاله، وهل هذا إلا كما يقال في العلم أنه يتعلق مرة بشيء، ثم يتعلق بغيره.
والجواب: أما على قول من لايثبت تأثير المعاني من أئمتنا والمعتزلة فلا وجه لهذه الشبهة؛ لأن الحيية، والعالمية، والقادرية صفات بالفاعل يتصرف فيها بالاختيار كسائر المحدثات والمصنوعات، وإذا كان كذلك صح أن تتجدد لما سمن حياة لم تكن من قبل، ولا محذور فيه على أصلهم، كما يصح أن تتجدد له علوم لم تكن، وأن تكثر علومه وتقل، كذلك قدرته، وليس هذا التجدد إلا كتجدد العقل للإنسان بعد أن لم يكن كذلك. والله أعلم.
وأما من يجعل الحيية صفة موجبة عن الحياة، فقد أجاب الإمام المهدي بأن الحياة في كلتا الحالتين لم تخرج عن أن تكون صفة للجملة، ثم إذا زادت الأجزاء دخلت بها في أن تكون من جملة الحي، وفارق حالها حال العلم؛ لأنه ليس له إلا معلوم واحد، وشابهت حالها حال القدرة التي لها مقدورات كثيرة، فلو قدرنا تقضي بعض مقدوراتها، وصحة الإعادة بالقدرة لعاد تعلقها كما كان، فتكون مقتضية في كلا الحالين لإيجاد جملة من المقدورات بها، فهذه طريقة القول في ذلك،هذا وأما شبهتهم في كون ذلك الشيء الواحد في القلب، فلما علم ضرورة أن وجود العلم، والشهوة، والإرادة وأضدادها، والفكر والظن من جهة القلب، فعلمنا أن ما صدرت عنه وتصرف فيها وهو الإنسان مستقر في القلب.
والجواب: أن ذلك لايقتضي كون الإنسان في القلب، وإنما مقتضاه حصول تلك المعاني فيه، فإذا ثبت أن الإنسان هو مجموع هذه الجملة كان حصول هذه المعاني من جهته، وإنما القلب محل لها.
احتج ابن الإخشيد، والإمام يحيى، ومن وافقهما بحجج سمعية، قال الإمام المهدي عليه السلام : ولا أعلم لهم شبهة عقلية.
قلت: بل قد احتج لهم الرازي بالوجهين الأولين من شبه سائر المخالفين، ذكرهما في سورة آل عمران وغيرها، وقال: إنه قد ثبت بهما أن الإنسان شيء مغاير لهذا البدن،ثم قال:فيحتمل أن يكون جسماً مخصوصاً سارياً في هذا البدن سريان النار في الفحم،والدهن في السمسم،وأن يكون جوهراً قائماً بنفسه،ليس بجسم،ولاحال في الجسم.
هذا وأما الشبه السمعية فقالوا: قد ورد في الكتاب والسنة ما يقضي بأن هاهنا أمراً زائداً على هذا البدن المشاهد، وذلك الأمر من جنس الأجسام، فيكون دليلاً على أن الإنسان جِسْمٌ لطيفاً منساب في الجسد، وذلك كقوله تعالى: {وَالْمَلاَئِكَةُ بَاسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنفُسَكُمُ}[الأنعام:93] فدل على أن ثم شيئاً خارجاً من الجسد عند الموت، والخروج من صفات الأجسام، وقوله تعالى: {اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا} الآية[الزمر:42]، وفيه تصريح بقبض الأنفس وإرسالها، والقبض والإرسال إنما هما للأجسام، وقوله تعالى في الشهداء: {بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ...} الآية[آل عمران:169] فإنه يدل على أن الإنسان غير الهيكل المقتول، فإنا نعلم ضرورة كون تلك الأجسام أمواتاً لاحياة فيها، وقد وصفهم الله بأنهم أحياء مرزوقين، فتعين أن يكون الإنسان المثاب ليس هذا الهيكل المعلوم ضرورة كونه مواتاً؛ لأن الله قد أخبرنا أنه حي، قيل: وهذه الآية أقوى حجة على ذلك.
وأما السنة فمنها حديث السيلقية ((رفرف روحه فوق النعش وهو ينادي يا أهلي ويا ولدي...)) الخبر، وما في قصة المعراج من ملاقاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم للأنبياء"، ووصفه لخلقتهم، ومنها مارواه المحدثون من طرق أن أرواح الشهداء في أجواف طير خضر، وفي بعضها: تأوي إلى سدرة المنتهى، وسيأتي ذكر طرقه في سورة آل عمران، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم في أهل القليب يوم بدر: ((ما أنتم بأسمع منهم)) وسيأتي تخرجيه في موضعه إن شاء الله.
والجواب: أنه سيأتي الكلام على كل آية، وما يطابقها من السنة في مواضعها من كتابنا هذا إن شاء الله تعالى، ونكتفي في هذا الموضع بذكر ما أجاب به والدنا أمير المؤمنين عز الدين ابن الحسن عليه السلام ، ففيه البغية المقصودة، والضالة المنشودة، فنقول:
قال عليه السلام : الجواب عن ذلك أنه ليس في الآيات، والأخبار المذكورة تصريح بأن هذه الأشياء المقبوضة والمرسلة، والأرواح هي التي تسمى الإنسان، ويتوجه إليه المدح والذم، والثواب والعقاب، وهذا هو محل النزاع، وأقرب الآيات إلى المعنى المتنازع فيه آية الشهداء، والحكم عليهم بأنهم أحياء، مع مشاهدة موت جثثهم، والعلم به ضرورة، ونحن نقول: لامانع من أن يحيي الله الجثث في قبورها، كما هو الظاهر، والذي يقضي به كلام المفسرين.
قال جار الله ما لفظه: بل أحسبهم أحياء عند ربهم، مقربون عنده، ذوو زلفى كقوله: {فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ}[فصلت:38] يرزقون كما ترزق سائر الأحياء، يأكلون ويشربون، وهو تأكيد لكونهم أحياء وصف لحالهم التي هم عليها من التنعم برزق الله.
قال الإمام عليه السلام : وماهذه الآيات إلا دالة على ثبوت الروح، وهو أمر منعنا من الخوض فيه، وحجب عنا العلم به، وتلك مسألة أخرى غير ما نحن فيه فإنه روحٌ للإنسان؛ لا أنه هو الإنسان. ذكره في المعراج.
وأما الإمام المهدي عليه السلام فقال في جوابه على هذه الشبهة: إن هذه الظواهر تقضي بأن الإنسان جملة جسمية وهي هذا الشخص بلاريب، لكن إذا حققنا النظر فيها وجدناها مطابقة للعقل، ولا يبعد أن أهل هذا القول موافقون لنا في المعنى وإن خالفوا في العبارة، وإن التحقيق أن نقول لهم: هذا الجسم اللطيف الذي زعمتوه إنساناً لابد وأن يكون مداخلاً للهيكل، متصلاً به؛ إذ لايجوز أن يكون منفصلاً عنه اتفاقاً بيننا وبينكم، وإلا لم يختص ببعض الهياكل دون بعض؛ لأنه معها على سواء، وإذا كان متصلاً فلا يجوز أن يكون اتصاله على حد اتصال أحدنا بقميصه الذي يلي جسمه، وإلا لزم أن يصح أن لايدرك الإنسان ما لمسه هذا الهيكل، ولا يتألم به، ولا يلتذ به، إذ لايدركه كما لا يدرك ما اتصل بقميصه، وإنما لزمهم ذلك؛ لأنهم يجعلون الحي إنما هو الإنسان دون هيكله، وإذا قالوا ذلك لزمهم ما ذكرناه ضرورة؛ لأنا نعلم ضرورة أن علة عدم إدراكنا بغيرنا كونه غير حي بحياتنا، وأما إذا جعلوا ذلك الإنسان وهيكله حيان، لزمهم أن كل إنسان حَيَّانِ ضم بعضها إلى بعض كما قدمنا، وتلك الإلزامات باقية؛ لأنا نعلم ضرورة أن أحدنا لايدرك ما يدركه زيد، وأنه لاوجه لذلك إلا كونه ليس حياً بحياته، قال: والأقرب أنهم يوافقوننا على أن اتصال الإنسان بهيكله ليس على هذا الوجه لما فيه من مدافعة الضرورة كما أوضحنا، وأما إذا جعلوا اتصاله به اتصال مداخلة لامجاورة، فإما أن يقولوا بأن الحياة الحالة في بعضه موجبة للصفة لجملته، أو لمحلها فقط، إن كان الثاني كان اتصاله هنا اتصال مجاورة وعادت الإلزامات، وإن كان الأول وهو أن أجزاء الإنسان، وهي الجملة التي لا تصح الحياة إلا بمجموعها متصلة بهيكلها اتصال جملة المهزول بسمنه إذا سمن بحيث أن كل جزء منه حلته حياة، أوجبت الجملة أجزاء هيكله كونها حية بشرط وجود حياة في كل جسم، فهذا هو مذهبنا، وقد عاد الخلاف بيننا وبينهم إلى الوفاق، وصح
قولنا وقولهم أن الإنسان جملة لطيفة في هذا الهيكل لاتصح حياته إلا بمجموعها، وحينئذ تحمل الآيات الكريمة، والآثار على ظاهرها، وهو أن ثم جملة هي الإنسان، تلك الجملة هي التي تنزع عن الهيكل فتبطل حياته بنزعها عنه؛ إذ لايكون الحي حياً إلا بها فهي التي تنزعها ملائكة الموت بأمر ربها، وهي الموضوعة في أجواف طير خضر، والمناداة يوم القليب، والممسكة عند الموت، والمرسلة عند النوم، وهي والهيكل في حالة حياته كالشيء الواحد؛ لأن الحياة التي تحل في أجزاء تلك الجملة توجب صفة الحيية لكل ما اتصل ببنيتها اتصال تأليف وبنية مخصوصة، لامجرد مجاورة، فكل جزء منه حلته حياة، فتلك الحياة توجب صفة الحيية لمحلها، والأجزاء المتصلة بها اتصال بنية مخصوصة.
قال عليه السلام : وحينئذ يستقيم قولنا أن الإنسان هو هذا الشخص المشاهد، وإن كان التحقيق أنه الجملة التي لايكون حياً إلا بمجموعها، وبقية الأجزاء تابعة لا مقصودة.
قال عليه السلام : فهذا تحقيق مذهب جمهور العلماء في حقيقة الإنسان، فظهر لك تطابق العقل والسمع في ذلك.
قلت: وقد استوفينا ما قاله عليه السلام بأكثر ألفاظه، وحاصله: أن الإنسان عنده هو المقبوض، والمرسل، والكائن في أجواف الطير،ونحو ذلك،وهو الجملة التي لا يكون الحي حياً إلا بها،إلا أن هذا الهيكل قد صار داخلاً في حكم هذه الجملة للاتصال المخصوص،وصار إطلاق اسم الإنسان على المشاهدة بالتبعية لتلك الجملة فقط لا من حيث الحقيقة وأنت،خبير بأن في نسبته هذا القول إلى الجمهور نظر لما مر من تحقيق مقالتهم، وأنه لا إنسان عندهم إلا هذا الجسم الظاهر، فيكون هذا القول مختصاً بالمهدي عليه السلام ، وقد خصه بنسبة هذا القول إليه الإمام عز الدين عليه السلام ، وأما النجري فقد تبع الإمام في نسبة هذا القول إلى الجمهور؛ لأنه حكى عن الإمام عليه السلام أنه قال: التحقيق أن الإنسان هو الجملة التي لايكون الحي حياً إلا بمجموعها لما مر من الظواهر، قال: وهذا القول هو مراد الأكثر من المعتزلة المذكورين أولاً، إلا أنها لما كانت الجملة والهيكل في حال الحياة شيئاً واحداً؛ لأن الحياة وسائر معاني الجملة تو جب للمجموع، ولم يتميز البعض من البعض قالوا: إن الإنسان هو هذا المشاهد، وإن كان التحقيق أنه تلك الجملة فقط، لكن هل ملك الموت يقبض تلك الجملة حية أم ميتة؟
قال الإمام: يحتمل، ويحتمل، والأقرب الأول.
قال النجري: وقد حمل كلام ابن الإخشيذ ومن وافقه على ما قاله الإمام المهدي في حقيقة الإنسان، قال:ويمكن أن يحمل عليه كلام النظام،وبشر،وهشام بن الحكم،قال:وتلك الجملة هي المراد بالروح والنفس.
واعلم: أن الإمام عز الدين عليه السلام قد أجاب عما اختاره الإمام المهدي،فقال:إن فيه تكلف وتعسف،قال عليه السلام :وهكذا حال الإنسان إذا أراد أن يعلم ما تفرد الله بعلمه ولم ينصب لنا دليلاً عليه، ولا جعل للعقل فيه مجالاً ذهب كل مذهب، ولم يفز بمطلب، والأجزاء التي لا يكون الحي حياً إلا بها أجزاء قليلة، يسيرة، فكيف يصح أن تكون هي الموجودة المشاهدة ليلة المعراج،والمعلوم من لفظ الحديث إن صح أنها صورة واضحة،وأشخاص كاملة ذات أعضاء، وجوارح،ووجوه موصوفة خلقتها،ولو كانت هي المنزوعة المقبوضة حال النوم لوجب بطلان حياة النائم حال نومه حتى يستيقظ بعد ردها،ومعلوم أنه حي في حال نومه ولهذا يدرك،وكان يجب إذا قطعنا جسد الميت وفتحنا جسده أن نجد مكان تك الجملة خرقاً في جسده مجوفاً إذ قد انتزعت الجملة من وسطه، ثم من العلوم أن الإنسان هو المريد، الكاره، العالم، الظان، الناظر، وهذه معان لا توجد ولا تحل إلا في القلب، فأخبرنا هل القلب من تلك الجملة، فهذا يقضي بأنها كبيرة واسعة إذا القلب مع كبره جزء منها، وقد قلت: أنها هي الأجزاء التي لا يكون الحي حياً إلا بها، أوليس القلب منها، وكيف تكون هي العالمة، الناظرة، المريدة، الكارهة، وهذه المعاني في أجزاء غيرها لو ذهبت لم يقدح ذهابها في كونها إنساناً، عالماً، ظاناً، ناظراً، مريداً، كارهاً، وغير هذا من الإشكالات التي يمكن إيرادها على هذه المقالة لا محالة.