قال الإمام المهدي: ولا أعلم ما عنى بالروح، هل الحياة أو غيرها؟ وقال ابن الإخشيذ وبعض الأوائل: هو جسم رقيق منساب في الجسد، متشكل بشكله، في كل عضو من الجسد عضو منه، فإذا قطع عضو من الجسد وتقلص ذلك الجسم الناطق من ذلك العضو عاش، وإن تعذر التقلص مات، وقد عزا النجري هذا القول إلى الإمام يحيى بن حمزة، والرازي، ووجه نسبته إلى الرازي: ما ذكره الإمام المهدي وهو أنه ذكر في المعالم أن الإنسان جوهر نوراني في أعماق هذا البدن، فلا هو مجرد، ولا هو البدن؛ لأنه باق وإن كان عدمه ممكناً، فقوله: (هو نوراني) إشارة إلى أنه جسم؛ لأن النور جسم لطيف، وقوله: (في أعماق البدن) إشارة إلى انسيابه فيه، ولم يجعل له محلاً مخصوصاً، فكان كقول ابن الإخشيذ أو قريباً منه.
قال في الدرر: وهذا قوله في المعالم والأربعين، فأما في نهاية العقول فإنه وافقنا في أنه هذا الجسد الظاهر، وصرح به وادعى العلم الضروري بذلك، وإذ قد أتينا على أقوال الناس، فلنأخذ في ذكر ما تمسكت به كل طائفة:
ولنبدأ بذكر شبه الفريق الأول: وهم الفلاسفة ومن تابعهم، إلا أنه ينبغي قبل الكلام على شبههم أن نذكر تحقيق مذهبهم لأنا أجملناه في أول المسألة، وقد حققه الإمام عز الدين عليه السلام ، فقال: اعلم أن الفلاسفة يقولون بالنفس الناطقة، ويحكمون عليها بأنها الإنسان، ويجعلونها غير هذا الشخص، لكنها أمر لها تعلق به وليست بجسم، ولا عرض، ولا يجوز عليها الموت ولا غيره مما يجوز على الأجسام والأعراض، بل هي حية باقية لاتموت.
قيل: ويذهبون إلى حدوثها بأن أوجبها عقل مجرد أزلي، وليست أزلية؛ لأنه يوجبها بشرط متجدد وهو حدوث المزاج المستعد لقبولها. ذكره في المعراج.
إذا عرفت هذا، فاعلم: أن لهم شبهاً مبنية على قواعد غير مسلمة لهم، وقد ذكرنا في هذا الموضع أقواها ليعلم أنها غير قادحة:

الشبهة الأولى
أحدها: أن الإنسان يعلم الأشياء التي يستحيل انقسامها ضرورة، والعلم بما يستحيل انقسامه يستحيل أن يكون منقسماً؛ إذ لو جاز انقسامه لم يخل إما أن يصح تعلق كل جزء منه بذلك المعلوم أو لا، الأول باطل لاستلزامه أن يكون بعضه مثلاً لكله مغنياً عنه، وذلك محال فإن جزء الشيء لايغني عن كله ضرورة، وأيضاً لو أغنى عنه لكانت سائر الأجزاء فضلة مستغنى عنها، فيكون وجودها عبثاً؛ لأن وجودها حينئذ في حكم العدم.
والثاني: لا يخلو إما أن تتعلق جملتها بذلك المعلوم أو لا، الأول يستلزم أن العلم اجتماع الأجزاء واجتماعها لاينقسم، والثاني يلزم منه أن لايكون، ثم علم أصلاً والمعلوم خلافه.
فثبت أن العلم بغير المنقسم يستحيل انقسامه، وإذا استحال انقسامه استحال أن يحل في منقسم؛ لأن حلوله فيه يوجب أن يكون منقسماً وإلا استحال حلوله في ذلك المنقسم لتأديته إلى حلول الواحد في جزئين، وذلك محال ضرورة، وإذا تقرر هذا فنقول: قد ثبت أن العلم حال في الإنسان فيجب أن يكون الإنسان مما يستحيل انقسامه، فلا يكون جسماً ولا جسمانياً، والجسماني هو الحال في المنقسم عندهم.
فإن قيل: ومن أين لكم أن المنقسم لا يكون إلاَّ جسماً أو جسمانياً؟
قيل:ذلك معلوم فإنه لايعقل انقسام فيما ليس بمتحيز ولا حال في المتحيز؛ إذ لاجهة لغير المتحيز، ومن ضرورة المتحيز أن يكون في جهتين، وإلا لم يعقل انقسامه.
فإن قيل: وما الدليل على أن ذلك يستلزم كون الإنسان غير جسم ولا جسماني.
قيل: هو أنه قد ثبت بالاتفاق أن محل العلم هو الإنسان، وقد بطل بما قررنا أن يكون محله منقسماً والجسم منقسم، فبطل كون الإنسان جسماً أو جسمانياً، وهذه أقوى شبههم.

والجواب: أن هذه الشبهة مبنية على إنكار الجوهر الفرد،وأن الجسم لاينتهي إلى جزء لاينقسم، وقد مر في الفاتحة إثبات ذلك، وبطلان مقالة من أنكره، وإذا بطلت فلنا أن نقول: العلم المذكور حال من الإنسان الذي هو هذه الجملة المشاهدة في جزء من أجزاء القلب لاينقسم، فلم يلزم من حلوله في الجسم انقسامه، ثم إنا نعارضكم بالوهم وهو عندكم جسماني مع كونه لا ينقسم،فما أجبتم به فهو جوابنا، ثم إنا لو سلمنا لكم ما بنيتم عليه من إنكارالجوهر الفرد،فنقول:لم جعلتم العلة في استحالة انقسام العلم استحالة انقسام معلومه،فإن وجه الملازمة في ذلك غير معلوم،ولو لم تكن العلة إلا ما ذكرتم للزم صحة انقسام العلم المتعلق بما يصح انقسامه، ثم لم قلتم أن ما يستحيل انقسامه يستحيل أن يحل في منقسم؟ وما وجه الملازمة،وهذا التأليف عرض لا ينقسم وهو مع ذلك يحل في جزئين يصح انقسامهما؟
فإن قلتم: وجه الملازمة أنه يستلزم انقسام الحال تبعاً لانقسام المحل.
قلنا: لانسلم فإنه لايعقل من الحلول إلا الحصول بجنب الغير تبعاً لحصول ذلك الغير، وهذا لايستلزم انقسام الحال تبعاً لانقسام المحل.

الشبهة الثانية
قالوا: الإنسان يتصور صورة كبيرة، وتصور الشيء وتعقله يقتضي حصول صورته في العاقل؛ لأن تعقل النفي الصرف وتمييزه عن غيره محال، وإذا كانت الصورة موجودة في الإنسان وهو متحيز فلا يجوز أن تكون متحيزة لاستحالة تداخل المتحيزات، وإذا كانت غير متحيزة بطل أن يكون محلها جسماً أو جسمانياً؛ لأن كل جسم أو جسماني له مقدار، ومحل، ووضع معين، فلو حلت فيه لزم أن تكون كذلك، ولو كانت كذلك لبطل تجردها عن الشخصيات المذكورة، وإذا بطل أن يكون محلها جسماً أو جسمانياً وقد ثبت أن محلها العاقل الذي هو الإنسان، بطل كونه جسماً أو جسمانياً وهو المطلوب.
والجواب: أنا لانسلم أن العلم بالشيء يستلزم وجود صورته في العالم، وإنما يحصل بالعلم تمييز المعلوم للعالم فقط، لا وجود صورته فيه، والتصور أحد نوعي العلم، وإنما بنيتم هذه الشبهة على أصل فاسد.

الشبهة الثالثة
أن الإنسان هو القوة العاقلة، ولو كانت جسماً أو جسمانياً لزم ضعفها لضعف جسمه وقواه، والمعلوم أن عاقلية الإنسان بعد كمال أربعين سنة أكمل منها قبل ذلك، مع أن الجسم قد صار أضعف مما كان، فثبت أنه ليس بجسم ولا جسماني.
والجواب: أنا لانسلم أن الإنسان هو القوة العاقلة، وإنما هو محل العقل، ولا نسلم لزوم ضعف العقل لضعف الجسم؛ لأن قوته وضعفه واقفان على اختيار الباري تعالى، ثم إنا قد وجدنا بالعادة ضعف العقل عند التناهي في الشيخوخة، وليس إلا لضعف البنية التي هي محل العلوم، وقدصرح بذلك في القرآن، فقال: {لِكَيْلاَ يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئا}[الحج:5] فبطل ما زعمتموه.

الشبهة الرابعة
قالوا: إن أحدنا قد يتخيل ويتصور جبلاً من ذهب مثلاً ويميزه عن غيره، والعدم الصرف لايصح تمييزه ولا تعقله، فيجب أن تكون هذه الصورة موجودة في المتخيل لها، وذلك يوجب امتناع كون المتخيل هو هذا الشخص المشاهد لاستحالة حلول الجسم العظيم في الجسم الصغير ضرورة، وكذلك يجب امتناع كون المتخيل جسمانياً؛ لأنه يكون محل تلك الصورة محله وهو جسم صغير، فيعود الالزام، فلم يبق إلا أن الإنسان ليس جسماً، ولا جسمانياً.
والجواب: أن هذه الشبهة مبنية على قاعدتين باطلتين:
إحداهما:أن كل ما يتصور الإنسان فإنه يجب أن يكون موجوداً، وهذه القاعدة باطلة عندنا،وأما كون العدم الصرف لا يتميز، فمسلم، لكنا نقول:إن هذا المتخيل منصرف إلى أمر موجود وهو الذهب مثلاً، ولا شك في تمييزه، والتخيل إنما هو تقدير اجتماع هذه الأجزاء على هيئة الجبل، والجبل أيضاً موجود متميز،بحيث أنا نعلم أنه لو لم يتقدم للمتخيل علم بالذهب والجبل لم يمكنه تخيل جبل من ذهب،والحاصل أن التخيل تقدير تركيب صورة من أجزاء متميزة معلومة ليس نفياً صرفاً، وتقدير ذلك لايوجب حصولها بأنفسها في نفس المتخيل، وهذا واضح.
القاعدة الثانية: أن تصور الإنسان للشيء هو حصول تلك الصورة فيه، وهي قاعدة باطلة، وإنما تصوره هو معرفة صورته، وذلك بعلم يوجده الفاعل المختار في قلب المتصور،كما تقدم التنبيه على هذا في جواب الشبهة الثانية،فهذه الشبه هي أقوى ما يتمسكون به في أن الإنسان ليس بجسم ولا جسماني.
وأما الشبه التي يتمسكون بها في أن الإنسان ليس بجسم خاصة، فمنها:
أنه مشارك للأجسام في الجسمية، ومخالف لها في الإنسانية،فلا بد أن يكون ما شاركها فيه مغايراً لما خالفها فيه، وذلك يقتضي أنه غير الجسم.

والجواب:أنا نعارضهم بالبهائم؛ لأنهم يوافقوننا في أَنَّ نفوسها ليست مجردة، فيلزمهم أن لاتكون هي هذه الأجسام وهم لايقولون بذلك، ثم إنا نقول الإنسان وإن شارك الأجسام في الجسمية فهو مخالف لها بخواصه التي لاتوجد في غيره، من الشكل، والصفات، وذلك لايقتضي كونه غير جسم.
واعلم: أن لهم شبهاً كثيرة، وقد أتينا بأقواها، وعرفناك بطلانها بما فيه كفاية، وبه تعرف أنهم يبنون على غير أساس، ويحذون على غير قياس، ولعله يأتي في أثناء الكتاب ما يقتضي ذكر سائر شبههم أو بعضها، وسنبين بطلان ما أتينا به منها في محله إن شاء الله.
وأما الفريق الثاني: فنأتي بحججهم على ترتيب أقوالهم في كتابنا هذا، فنقول: احتج الجمهور بالعقل، والسمع.
أما العقل فمن وجوه:
أحدها: أن الذي نعلمه بعقولنا ومن وضع اللغة: أن الإنسان هو هذا الجسد الظاهر الحي القادر لمعان تحله، وإثبات غيره إنساناً إثبات لما لاطريق إليه من ضرورة، ولا دلالة، وما لادليل عليه وجب القطع بنفيه، كما مر في المقدمة، والشبه التي تمسك بها الفلاسفة قد عرفت بطلانها، وما تمسك به غيرهم فسيأتي إبطاله.
الثاني: أنا نعلم ضرورة تو جه الأمر والنهي، والمدح والذم، والمطالبة بقضاء الدين إلى هذا الشخص دون غيره، فلو لم يكن هو الإنسان لم يتوجه ذلك إليه.
الثالث: أنه لو كان غير هذه الجملة، إما داخلاً فيها، أو خارجاً عنها، لصح انفصاله عنها؛ إذ من لازم كل متغايرين صحة انفصالهما، فيكون أحدنا حياً قادراً عالماً، ولا يكون إنساناً والعكس، والمعلوم خلافه.
الرابع: أنا نعلم من أنفسنا ضرورة كوننا مريدين، ومشتهيين، وعكسهما، ونعلم ذلك من حال غيرنا أيضاً، والعلم بصفة الذات فرع على العلم بالذات، فلو كان الإنسان غير هذا الشخص لكنا لا نعلمه ضرورة، وإذا لم نعلمه ضرورة لم يصح أن نعلم صفته ضرورة، وإلا لزم أن يكون الفرع أجلى من الأصل.

قلت: وبهذا تعلم أنه لايجوز القول بأن كون الإنسان غير هذا الشخص ثابت استدلالاً.
الخامس: أنه لوكان غيره لكنا نجد مشقة في تحريك هذه الأبعاض، والأعضاء، وحملها، كما نجدها إذا غلب علينا الدم.
السادس: أنا إذا شهدنا على أحد، فإنما نشهد على هذه الجملة، فلوكان الإنسان غيرها لكنا قد شهدنا زوراً؛ لأن الأفعال المشهود عليها من الأخذ والعطاء، والقتل والزنا لاتنسب إلا إلى الإنسان.
السابع: أنه لو كان غيره للزم أن لانجد كوننا عالمين من ناحية الصدر؛ لأن العالم هو الإنسان الحي، والفرض أنه غير هذه الجملة، وبطلان اللازم معلوم، فكذا الملزوم.
الثامن: أن صحة الإدراك وصحة الفعل حكمان للحي القادر الذي هو الإنسان، وهذان الحكمان يستندان إلى هذه الجملة، فصح أنها الإنسان، وأيضاً لوكان الإنسان غيرها لما صح الإدراك بما فيها من الأعضاء والحواس؛ لأنها أغيار له، ولايجوز فيما هو غير للمدرك -بكسر الراء- أن يدرك به، كما لايجوز أن يدرك زيد بحواس عمرو، وكذلك لايجوز في الآلام، والحرارة، والبرودة أن تدرك إلا بمحل الحياة، ومحلها هو الإنسان، وإذا ثبت أن المدرك هو هذه الجملة، وأن من أدرك فهو الحي وجب أن يرجع بالحي إلى ما ذكرناه، وقال في المنهاج: لو كان الإنسان الحي غيرها -يعني هذه الجملة- لما صح الإدراك بهذه الأعضاء على هذا الحد، بل كنا نجده متناقضاً؛ لأن المدرك في الحقيقة مستور بهذه الأعضاء.
التاسع: أنه لو كان مغايراً لهذه الجملة وكان هو المصرف لها لكان قادراً بقدرة؛ لأنه محدث فإذا أراد فعلاً فلا بد من اعتماد منه في هذه الأعضاء، ولو كان لوجدناه.

وأما الأدلة السمعية فكثيرة كقوله تعالى: {أَوَلَمْ يَرَ الإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَة...} الآية[يس:77]، وقوله: {لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ}[التين:4] وقوله: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ سُلاَلَةٍ مِنْ طِينٍ...} الآية[المؤمنون:12]، وقوله: {يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ}[الطارق:7] ولا شك أن المتردد بين هذه الأوصاف هو هذا الجسد، وهو أيضاًمعلوم من إجماع المسلمين، وقال في شرح الأبيات الفخرية: المعلوم من دين النبي صلى الله عليه وآله وسلم ضرورة أن الإنسان هو هذا الشخص المبني بنية بني آدم، وأنه المكلف العاقل، المطيع، العاصي، والمثاب، والمعاقب، وأنه الذي يتوجه إليه الأمر والنهي، والمدح والذم، والقرآن ناطق بذلك.
وقال الإمام عز الدين: قد قيل: لو ادعيَ أن الإنسان الحي القادر العالم هو هذه الجملة ضرورةلم يمتنع ذلك، وأنه معلوم من إجماع المسلمين قبل حدوث هذا الخلاف.
وقال شارح (الأبيات الفخرية): إن العلم بذلك ضروري، ولفظه:
اعلم: أنا إذا ذكرنا الدلالة على ذلك فإنما نريد به الاستظهار والتأكيد للعلوم الضرورية، فالإنسان يعلم بضرورة العقل، ولا يحتاج فيه إلى إقامة دليل.
احتج النظام بوجوه:
أحدها: أن هذا البدن الظاهر مركب من أجزاء، كل واحد منها لا يجوز أن يكون حياً قادراً عالماً بانفراده، فكذلك إذا اجتمعت؛ لأن ما لم يكن بهذه الصفات إذا انضم إلى مالم يتصف بها لا يصير متصفاً بها، كما أن ما ليس بأسود إذا انضم إلى ماليس بأسود لم يجز أن يصير أسود، فثبت أن الموصوف بما ذكر غير هذا الشكل، وأنه واحد غير مختلف ولا متضاد.
والجواب من وجوه:
أحدها: أنه إنما لم يصح كون الجزء الواحد حياً؛ لأن الحياة من شرطها البنية المخصوصة، وذلك لا يتم إلا بالاجتماع.

ثانيها: أنه بنى قوله: على أنه لايثبت للجملة شيء لا يثبت للآحاد والعكس وهذا لا يصح إطلاقه في كل موضع،فإنه يجوز أن ينضم ما ليس بمؤتلف إلى ما ليس بمؤتلف فصير مؤتلفاً،وينضم ما ليس بطويل إلى ما ليس بطويل فيصير طويلاً،وينضم ما ليس بعشرة إلى ما ليس كذلك فيصير الجميع عشرة، وهذا معلوم ضرورة، ونعلم بالضرورة أيضاً أن اليد آلة للقبض والبسط، والعين آلة للبصر، والأذن آلة للسمع، وكل جزء من ذلك ليس بآلة، وإذا ثبت هذا فلا يمتنع أن يجتمع ما ليس بحي، ولا قادر، ولا عالم، فيصير حياً قادراً عالما، وهذا بخلاف الأسود فإن السوادية راجعة إلى كل جزء، فلا يجوز أن يثبت للجملة منها مالا يثبت منها للآحاد، والحاصل أن الصفات إن كانت راجعة إلى الأجزاء فلا يجوز أن يثبت للجملة ما لايثبت للآحاد، وإن كانت راجعة للجملة جاز.
ثالثها: أنا نعارضه بالحركة فإنه يثبتها بعد انضمام ما هو إنسان عنده إلى هذا الشخص المشاهد لاقبله، فيقول: إذا انضم ما ليس بمتحرك إلى ما ليس بمتحرك فكيف يصير متحركاً.
قال الإمام المهدي: ولا نجد إلى الجواب سبيلاً؛ لأنه لا يجوز على ما سماه إنساناً ما يجوز على الإنسان من الحركة، والمكان، وغيرهما.
قلت: والمراد بالمنضمين هنا الإنسان الذي يقوله النظام والجسم المشاهد كما هو المفهوم من الكلام، وأما الإمام عز الدين فجعلهما الحركة والجوهر؛ لأنه قال: قد عورض بالحركة فإنها توجب للجوهر كونه متحركاً، وهي في نفسها غير متحركة، والجوهر قبل حلولها فيه غير متحرك، فكيف يصيرمتحركاً بضم ما ليس بمتحرك إليه -ذكره في المعراج- ولا مانع من المعارضة بالأمرين.
الوجه الثاني: مما احتج به أن الإنسان قادر عالم حي لذاته، والصفة الذاتية من حقها أن ترجع إلى الآحاد.
والجواب: أنا لانسلم أن هذه الصفات ذاتية إذ لوكانت كذلك لاستحال خروج أحدنا عنها، والمعلوم خلافه، وأيضاً لو كانت ذاتية لشاركته سائر الجواهر في ذلك لتماثلها.

141 / 329
ع
En
A+
A-