ومحمد بن منصور، قال: حدثنا الحكم بن سليمان، عن خالد بن الهيثم، عن أيوب بن حوط، عن حميد بن هلال العدوي، عن ابن مسعود، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((أربع خصال من كن فيه فهو منافق حقاً، ومن كان فيه خصلة منها ففيه خصلة من النفاق حتى يتوب أو يدعها: إذا حدث كذب، وإذا اوتمن خان، وإذا خاصم فجر، وإذا عاهد غدر)) وأخبرني محمد بن علي بن خلف، قال: حدثني يحي بن هاشم الغساني، عن أبي وائل، عن عطية العوفي، قال: سألت جابراً بعد ما كبر وسقط حاجباه على عينيه عن علي عليه السلام ، قال: ذلكم خير البشر، ما كنا نعرف نفاقاً ونحن على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلا ببغض علي. قال: وأخبرني محمد بن علي بن خلف، قال: حدثني الحسين الأشقر، قال: حدثنا جعفر الأحمر، عن أبي هارون العبدي، عن أبي سعيد الخدري، قال: ما كنا نعرف المنافقين إلا ببغضهم علي بن أبي طالب عليه السلام ، فإذا ولد فينا المولود ولم يحب علياً عرفنا أنه منافق.
قال: وأخبرني محمد بن علي بن خلف، قال: حدثني الحسين الأشقر، قال: حدثنا حسن بن صالح بن حي، عن مسلم الأعور، عن حبة العرني، قال: سمعت علياً عليه السلام يقول: قضي فانقضى أنه لايحبني إلا مؤمن، ولا يبغضني إلا منافق).
وأخبرني محمد بن منصور، قال: حدثنا عباد بن يعقوب،عن حسين بن حماد، عن أبيه، قال: قال زيد بن علي عليه السلام : أيكم يأمنُ أن يكون وقعت عليه هذه الآية {وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ} إلى قوله تعالى: {نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ}[التوبة:75-77].
قال: وحدثنا بشر، قال: حدثنا وكيع، قال: حدثنا الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن أبي البحتري قال: قال رجل: اللهم أهلك المنافقين، فقال حذيفة: لو هلكوا ما انتصفتم من عدوكم.
قال الناصر عليه السلام : لقلة المؤمنين، قال: حدثنا بشر، قال: حدثنا وكيع، قال: حدثنا الأعمش وسفيان، عن سلمة بن كهيل، عن حبة بن جون، قال: كنا مع سلمان في غزاة فصادفنا العدو، فقال سلمان: هؤلاء المشركون يعني العدو، وهؤلاء المؤمنون والمنافقون، يؤيد الله المؤمنين بقوة المنافقين، وينصر المنافقين بدعوة المؤمنين.
قال:حدثنا بشر،قال:حدثنا وكيع،قال:حدثنا الأعمش وسفيان، عن أبي المقدام،عن أبي يحيى،قال:سئل حذيفة من المنافق؟ قال:الذي يصف الإسلام ولا يعمل به. وحدثنا بشر، قال: حدثنا وكيع، قال: حدثنا الأعمش، عن أبي وائل قال: حدثنا حذيفة: المنافقون الذين فيهم اليوم شر المنافقين الذين كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، قلنا: وكيف ذاك يا أبا عبد الله؟ قال: لأن أولئك أسروا نفاقهم، وإن هؤلاء أعلنوه.
قال: حدثنا بشر، قال: حدثنا وكيع، قال: حدثنا شعبة، عن الحكم، قال: قال إبراهيم: قال عبدالله: الغناء ينبت النفاق في القلب، قلت للحكم: من حدثك؟ قال: حماد، فأتيت حماداً فأقر به.
وحدثنا بشر، قال: حدثنا وكيع، قال: حدثنا حريث، عن حماد، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، قال: الغناء ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء البقل، فهذه الأحاديث مما احتج به الناصر عليه السلام على ما ذهب إليه من تسمية أهل الكبائر منافقين، ولها شواهد من رواية أئمتنا" وغيرهم، ولعله يأتي في أثناء الكتاب شيء منها.
والجواب: أنه قد مر أن هذه الآيات التي نحن بصددها، وما في معناها من كتاب الله تعالى دالة على المعنى الذي حكيناه عن من تقدم، وهذه الأحاديث لاتعارض بينها وبين الآيات القرآنية؛ إذ لا تدل على أن الكبائر نفاق بحال، بل هي باعتبار الدلالة على ثلاثة أقسام:
أحدها: ما يدل على أن بعض المعاصي علامة ودلالة على أن مر تكبها منافق، وليس فيها أن تلك المعاصي نفاق في نفسها، فإن علامة الشيء غير داخلة في حقيقته، وذلك كالأحاديث الواردة في بغض أمير المؤمنين عليه السلام ، والأحاديث الدالة على أن من ارتكب خصالاً كالكذب، والخيانة، ونحوهما فهو منافق، وهذه ليس فيها رائحة الدلالة على أن تلك المعاصي نفاق في نفسها، بل دلت على أن من أبغض الوصي عليه السلام ، واجتمعت فيه تلك الخصال فهو منافق، ومعنى ذلك أنا نستدل بها على أنه مبطن للكفر.
فإن قلت: فلم لا تُجْرى عليه أحكام الكفار؟
قلت: لأن إجراء أحكام الكفار فرع على ثبوت الكفر، والكفر لا يثبت إلا بقاطع، وهذه الأحاديث وإن فرضنا إفادتها القطع بنفاق من ارتكب هذه المعاصي، فنحن لانقطع بحصول تلك الخصال أجمع في فرد، ولا ببغض الوصي كذلك؛ لأن المتلبسين بهذه الرذائل لا يجاهرون بها، ولا يقرون بارتكابهم لها، وإنما يستدل على حصولها فيهم بما يظهر من فلتات كلامهم، وبعض معاملاتهم، ثم إن إظهارهم للشهادتين قد عصمت دماءهم، وأموالهم، ويدل على ذلك معاملة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وأمير المؤمنين لمن عرف نفاقه معاملة المسلمين، وقد ذكر في البحر أن إسلام المشرك والمكذب بالرسول صلى الله عليه وآله وسلم بالنطق بالشهادتين، والمنافق قد نطق بهما، فيجب أن يعامل معاملة المسلم، وذكر بعضهم لإمساك النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن قتل من عرف نفاقه وجوهاً غير ما ذكرنا، وسنأتي بها في موضع آخر يليق بها إن شاء الله تعالى، والذي ينبغي التعويل عليه أنه مهما لم يخرج عن اسم النفاق فلا تجري عليه أحكام الكفار؛ إذ لا يجري الحكم على الكافر إلا مع المجاهرة بالكفر، وإذا جاهر به خرج عن اسم النفاق، كمال قال الهادي عليه السلام في المنافقين: إنهم لو أظهروا ما في قلوبهم من الكفر والنفاق لكانوا مجاهرين بالكفر، وزال عنهم اسم النفاق، ولزمهم اسم الكفر والشرك، إذا عرفت هذا، فنقول: إن هذه العلامات لايخرج بها عن كونه منافقاً، وهذه الأحاديث تقضي بذلك، وإذا لم يخرج بها عن هذا الاسم وجب أن لاتجري عليه أحكام الكفر وإن أفادتنا هذه العلامات القطع بأنه مبطن للكفر مهما لم يجاهر به، إلا في أحكام مخصوصة كترك الصلاة عليه، والقيام على قبره ونحو ذلك، وبالجملة فإن الواجب الرجوع في أحكام أهل النفاق إلى ما كان يفعله النبي صلى الله عليه وآله وسلم من المعاملة والأحكام في منافقي زمانه، والله أعلم بمصالح عباده.
القسم الثاني: ما يدل على أن من المعاصي ما يؤل بصاحبه إلى النفاق كالآية التي ذكرها زيد بن علي عليه السلام ، والأخبار التي فيها أن الغناء ينبت النفاق، وذلك أن من المعاصي ما يكون سبباً للخذلان ومنع الألطاف، حتى يختار صاحبها الكفر والنفاق وغيرهما من الكبائر، وقد نبه الله على هذا في مواضع من كتابه، كقوله تعالى: {بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ}[النساء:155] {فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ}[التوبة:77] {وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ}[الأنعام:110] إلى غير ذلك.
القسم الثالث: ما لايدل إلا على ثبوت النفاق، وإن الشكل إلى شكله يرغب كحديث الأرواح ، وحديث: ((إني لا أتخوف على أمتي)) ونحوهما، وقول الناصر عليه السلام في حديث الأرواح: والمساجد مجالس المسلمين، يعني فهو دليل على أن صاحب الكبيرة يسمى منافقاً، فإنما تصح الدلالة لوكان المنافق بالمعنى الذي ذكرناه مسلوب القدرة على دخول المساجد، وليس كذلك قطعاً، وحينئذٍ فنقول: من الممكن دخول المنافق المسجد، فإذا دخله آخر مثله مال إليه؛ إذ إبطانه للكفر لايدفع الإمكان، وإذا كان كذلك فلا دلالة في الحديث لما ذهب إليه الناصر عليه السلام .
فإن قلت: فما تقول في قول حذيفة: المنافقون الذين فيهم اليوم...إلخ، وفيه لأن أولئك أسروا نفاقهم، وإن هؤلاء أظهروه، فأثبت النفاق بالمعاصي الظاهرة؟
قلت: إنما أراد بإظهار النفاق: إظهار علاماته، وما يقتضيه نفاقهم من الكيد للإسلام بوضع الأحاديث المكذوبة، والعداوة لأهل الفضل والسبق من الأمة، والتقرب إلى أئمة الجور، ونحو ذلك، ولم يرد أنهم أظهروا التكذيب بالإسلام والاستخفاف به؛ إذ لو كان الأمر كذلك لما تمكنوا من مكيدة الإسلام بحال، وقد دل على هذا حديث: ((إني لا أتخوف على أمتي...)) الخبر، وقول أمير المؤمنين عليه السلام : (إنما أتاك بالحديث أربعة رجال ليس لهم خامس: رجل منافق مظهر للإيمان متصنع بالإسلام) إلى قوله: (ثم بقوا بعده، فتقربوا إلى أئمة الضلالة، والدعاة إلى النار...) إلى آخره. رواه في النهج.
وفيه: (ولو علم الناس أنه منافق كاذب لم يقبلوا منه، ولم يصدقوا قوله). فهذا نص في أن إظهارهم للنفاق هو ما ذكرنا؛ إذ لو أظهروا ما أبطنوا من الكفر لما قال أمير المؤمنين عليه السلام : (ولو علم الناس أنه منافق...) إلخ.
وأما قوله: لأن أولئك كانوا يسرون نفاقهم، فذلك معلوم فإنهم لم يتمكنوا في زمان الرسول صلى الله عليه وآله وسلم من إظهار العداوة والكيد، خوفاً من نزول الوحي بما يوجب استئصالهم وفضيحتهم مع قوة الإسلام وأهله، ولذا كانوا إذا رأوا بالمسلمين وهناً أو نالهم شيء من الضعف والفشل، ظهر منهم بعض ما في قلوبهم، حتى توعدهم الله بقوله: {لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ...} الآية[الأحزاب:60]، وبهذا اقتضى الكلام على رد ما ذهب إليه الناصر عليه السلام ، والحسن البصري، والذي يظهر أنه لاخلاف في التحقيق بينهما وبين القائلين بأن النفاق إظهار الإسلام وإبطان الكفر؛ إذ هما يقولان بذلك، إلا أنهما جعلا ارتكاب الكبائر دليلاً على الكفر باطناً، ولذا استدلا على نفاقه بأن ارتكابه في الفسق ليس إلا لضعف يقينه؛ إذ لو كان ثابت اليقين بالله وبوعده ووعيده لما ارتكب الكبيرة، وقد مر تحقيق ذلك كله، حتى أن الإمام المهدي، والسيد مانكديم ذكرا في تقرير حجة الحسن البصري أن المصدق الثابت اليقين في حكم الملجأ إلى ترك الكبيرة، كما ذكره في الواحد منا لو توعده القادر ...إلخ ما مر.
والتزم الإمام المهدي عليه السلام أن الصورة المذكورة توجب الإلجاء إلى الترك، ولكن قال: حال الفاسق يخالف هذا، فإنه لايعلم ولا يظن وصول العقاب إليه، إما لتجويز العفو والتوبة على ما مر، فهذا تصريح بأنهما لم يخالفا في حقيقة المنافق، وإنما استدلا على كفره بمعصيته، وغيرهما يقول: أنه يجوز ارتكاب الكبيرة مع القطع بصدق الوعيد عليها، وإنما يحمله عليها، إما تجويز العفو، أوالتسويف بالتوبة، وبهذا تعرف أن أكثر ما سقناه في الرد عليهما إنما يصلح الرد على الرواية المحكية عن زيد والقاسم عليهما السَّلام ، ومن وافقهما. والله أعلم.
المسألة الثانية [في التكليف]
الناس: جمع إنسان على غير لفظه، وقد اختلف الناس في الإنسان المكلف الذي يتوجه إليه الخطاب، ويستحق المدح والذم، وإليه تنسب الأفعال، وصاروا في المسألة فريقين:
الفريق الأول: زعموا أنه منفصل عن هذا الشخص ليس بجسم ولا حال في الجسم ولا مجموعهما، وهذا قول الفلاسفة، ووافقهم من علماء الإسلام أبو سهل البيختي، وأبو الحسن الحليمي، وأبو القاسم الراغب، والغزالي.
الفريق الثاني: زعموا أنه غير خارج عن الجسم، ثم افترقوا على أقوال، فالذي عليه الجمهور من الزيدية، والمعتزلة، وغيرهم من الفرق الإسلامية والكفرية:أنه هذه الجملة المشاهده المبنية بنية مخصوصة المشار إليه بقولنا: أنت فعلت، وقال أبو الهذيل: بل هو الجسد الظاهر كما مر، وحياته غيره، وروحه غيره.
قال الإمام المهدي: ولعله يعني أن الحياة معنى تحله هو غيره، والروح هو النفس الجاري، ولا كلام أنهما غيره فهو كالقول الأول، وقال أبوهاشم بمثل مقالة أبي الهذيل، إلا أنه زاد فيه بيان الروح، فقال: هو النفس الجاري الذي بانقطاعه يموت الإنسان، ولعل أبا الهذيل لا يخالفه في ذلك؛ لأنه أجمله، لكنه جعله غير الحياة، ولا يحتمل سوى النفس، فيكونان موافقين للجمهور، ويؤيده أن القرشي وغيره لم يحكوا عنهما خلافاً.
وقال النظام: هو جسم لطيف شابك هذا الجسم، وعبر عنه بالروح، والروح عنده الحياة، ولا يريد بالحياة المعنى الذي هو عرض؛ لأنه ينفي جميع الأعراض إلا الحركة، بل هي والروح عنده شيء واحد، وهو جوهر واحد مداخل للجسد.
قال النجري: وليس المراد الوحدة الحقيقية؛ لأنه يقول بتجزئ الجزء، بل الوحدة النوعية، فذلك الجوهر جسم لطيف محتوٍ على أجزاء غير متناهية، وهذا الجوهر عنده غير مختلف ولا متضاد بل هو متماثل، وقال: هو قادر، عالم، حي لذاته، ومداخلته للشخص كمداخلة الدهن للسمسم، وقال بشر بن المعتمر: بل هو جملة لطيفة جسمية، وتلك الجملة ضد للجسم الظاهر؛ لأنها لطيفة وهو كثيف، وصفتها مضادة لصفته؛ لأن اللطافة والكثافة متضادان عنده، وأما الروح فهو الذي تحيا به تلك الجملة، وكأنه جعله نفس الحياة، قال والشخص الظاهر والإنسان هما بمجموعهما حيان، وفي كلام ابن متويه بأن الإنسان عند بِشْرٍ مجموع تلك الجملة والحياة.
وقال هشام بن الحكم مثل مقالة بشر،إلا أنه يقول: إن الجسد موات، وإن الروح هو الإنسان الذي هو جملة لطيفة، وأنه هو الحي المدرك للمدركات، المنسوب إليه التأثيرات، وليس الروح هو نفس الحياة كما قاله بشر.
قال النجري: فكلامه أقرب إلى كلام النظام، وقد روي عنه كقول النظام سواء سواء، وقال ضرار بن عمرو: هو هذا الجسم الظاهر، كما قاله الجمهور، إلا أنه قال: إن هذا الجسم أعراض مجتمعة تركب منها هذا الشخص الظاهر، وقال معمر بن عباد السلمي: بل هو عين لاتنقسم، ولا هي ذات بعض ولا كل، ولا يجوز عليه الحركة والسكون، ولا الاتصال والانفصال، ولا القرب والبعد، ولا يوصف بما يوصف به الجسم ولا يحتاج إلى مكان لعدم تحيزه، ولا محل؛ إذ ليس بعرض، وهو الذي يدبر هذا البدن الظاهر، ويحركه، ويسكنه، ولا يدرك بشيء من الحواس.
قال النجري: وقد حكي قريب منه عن الغزالي، والحليمي، والبيختي، وقال: وهذا الذي ذهب إليه معمر عدول إلى ما يقوله الفلاسفة في النفوس الناطقة، وهو مبني على إثبات الجواهر الروحانية وقدمها، وهي الهيولى المجردة عن الصورتين، وقال هشام الفوطي: الإنسان جزء لا يتجزأ محله القلب، وقد حكى ابن متويه هذا عن معمر، وهو يخالف القول الأول الذي وافق فيه الفلاسفة. قال السمرقندي: إلا أن معمراً لا يجعله متحيزاً ، وقال ابن الراوندي بمثل مقالة الفوطي، إلا أنه زاد عليه بكون الجوارح مسخرة له.
قال الإمام المهدي: ولعل هشاماً لايخالفه في ذلك، وقال أبو علي الاسواري: بل هو ما في القلب من الروح وليس بجسم، قال ابن متويه: والروح عنده لا يتجزأ، وهذه الثلاثة المذاهب متقاربة، وقد عدها بعضهم مذهباً واحداً، وفرق بينهما في (الغياصة) بأنه عند الاسواري روح في القلب لايدخل تحت الإدراك، وعند الفوطي وابن الراوندي جزء لا يتجزأ ومحله القلب، ولم يذكر أن الروح لا يتجزأ عند الاسواري، ولعل الجزء الذي لا يتجزأ عند الفوطي، وابن الراوندي غير الروح، فيفترق قولهما وقول الاسواري في هذا الوجه، وقد جعل في (الغياصة) قول ابن الراوندي والفوطي واحداً، ثم قال: واتفق هؤلاء على أن الذي في القلب يستخدم الجوارح ويسخرها، قال: وحكي عن ابن الراوندي أنه أثبت في البدن أرواحاً كثيرة وإليها يرجع الإدراك والتألم، وقال النجار: بل الإنسان هو الجسم والروح معاً.