قال الزمخشري (رحمه الله): وأما المضطر فمتناول للجنس مطلقاً يصلح لكله ولبعضه، فلا طريق إلى الجزم على أحدهما إلا بدليل، وقد قام الدليل على البعض وهو الذي إجابته مصلحة فبطل التناول على العموم، وهاهنا وجه آخر يدل على عدم حسن قبول التوبة والدعاء في الآخرة، وهو أنه لو جاز قبولهما لكان في ذلك إغراء بالمعاصي؛ لأن العاصي إذا علم قبول توبته ودعائه عند وقوع العذاب به لم يكف عن المعصية؛ لأنه وإن علم الوعيد الشديد على فعلها وهو يعلم سقوط ذلك عنه في الآخرة بما ذكر فإنه يؤثر شهوته العاجلة، ثم يتوب عنها، ويدعو فيزول عنه عقابها فأي صارف يصرفه عن القبائح حينئذٍ، وهذا وجه واضح لا غبار عليه، وهذا آخر الكلام على هذه الشبه التي يزعمون أنها دلائل عقلية توجب القطع بعدم العقاب، وقد تبين لك بحمد الله وحسن توفيقه وإعانته بطلانها، وانهدام أركانها، وأنها عن قضايا العقول بمعزل، بل العقل كما قرررنا يقضي بخلافها، ويحكم بضد أحكامها، وكيف يجوز من العقل السليم أن يحكم بما يخالف ما علم في الذكر الحكيم، حاشا حجج الله من التناقض والاختلاف، وعدم المطابقة، والإئتلاف، والحمد لله رب العالمين.
واعلم أن الرازي بعد أن أورد الشُّبَهَ المتقدمة قال: إن من آمن من هؤلاء اعتذروا عما ورد في القرآن من أنواع العذاب من وجوه.
قلت: ونحن نورد تلك الوجوه، ونجيب عنها بعون الله تعالى:
الوجه الأول: أن الدلائل العقلية تفيد اليقين، وقد تقدم تقريرها، وأما الدلائل اللفظية فلا تفيد إلا الظن؛ لأنها مبنية على نقل اللغات وقواعد النحو، والصرف وناقلوها لم يعلم بلوغهم حد التواتر، ولأن ثبوت دلالة الألفاظ على القطع مبنية على عدم الاشتراك والتخصيص، وعدم المجاز، وعدم الإضمار وغير ذلك، وكل ذلك أمور ظنية مع ما عارضها من تلك الأدلة العقلية القطعية التي لا تعادلها تلك الظنيات.

والجواب: أما ما ادعوه من الدلائل العقلية فقد تقدم ذكرها، وبيان
أنها عن العقل بمراحل، وأما قولهم: إن الدلائل اللفظية لا تفيد إلا الظن فغير مسلم، بل بطلانه معلوم من حيث الإطلاق فإن كثيراً منها تدل على مدلولاتها دلالة قطعية لا شك فيها، ولا امتراء، وذلك معلوم ضرورة، وأما قولهم: إنها مبنية على نقل اللغات ...إلخ.
فنقول: لا شك أن كثيراً من لغات العرب منقولة بالتواتر نقلها الخلف عن السلف حتى العوام، وتلقفوها عنهم ولم يغيروها عن وضعها العربي، إلا فيما يرجع إلى البناء والإعراب في بعضها، لكنه على وجه لا يتغير به المعنى، ولا يتوقف فهم الدلالة عليه، وهذا معلوم.
وأما قولهم: إِنها مبنية على نقل قواعد النحو والصرف وهي أحادية، فلا نسلم توقفها كلها على ذلك كما تقدم سلمنا، فلا نسلم عدم بلوغهم حد التواتر في أكثر تلك القواعد، بل هم في الكثرة والوفرة أضعاف من يحتاج إليه في التواتر، وذلك أشهر من نار على علم، ولا يمتري فيه من له أدنى إلمام بكتب الأدب واهتمامهم بجمع تلك القواعد من البراهين الساطعة الدالة على حصول العلم الضروري بحقيتها، واقتضاء كلام العرب لها، لولا ذلك لما وقع الاتفاق على أكثرها والاستمرار عليه، وعدم التغيير والتبديل فيها، هكذا تناسلت عليه القرون إلى وقتنا هذا، فلولا حصول العلم الضروري بها لما وقع هذا الاستمرار.
واعلم أن بعض العلماء قد شكك في التواتر بما هو معروف، وحاصل ما شكك به أن التواتر نقل جماعة عن جماعة يستحيل تواطؤهم على الكذب عادة مستندين إلى الحِسِّ.
وقد قيل: إن الواضع لم يتعين فإلى من ينتهي النقل، وأيضاً إن الناقلين إنما نقلوا ما فهموا من إطلاقات العرب المحفوفة بالقرائن، لا أنهم نقلوا أن العربي قال: إن هذا اللفظ موضوع لهذا المعنى، وأيضاً لا يعلم استواء الطرفين والوسط، فلعل النقل انتهى في بعض الأدوار الماضية إلى الآحاد.

والجواب: أنه ينتهي النقل إلى الواضع والاتفاق على حصوله في الجملة كاف، وليس تعيينه مما تتوفر الداوعي إلى نقله كاللغة، ولهذا قيل: إن الاتفاق على وجود الموضوعات يغني عن تكلف تعيين الواضع، وأما قوله: إن الناقلين إنما نقلوا ما فهموا... إلخ.
فنقول: لو سلم ذلك فإن اتفاق النقلة مع كثرتهم على تلك المعاني مما يحصل به العلم الضروري على إرادتها، وقطعية القرائن الدالة عليها، والفهم وإن كان بمعونة القرينة فلا تخرج بها الدلالة عن كونها لفظية وضعية،كما هو مقرر في موضعه،على أنا لا نسلم أن الناقلين إنما فهموا ذلك بمعونة القرينة،بل نقل الخلف عن السلف استعمال الألفاظ في معانيها من دون توقف على القرائن، وإنكاره مكابرة ودليل التواتر حصول العلم بذلك،وقد تقرر أن ضابط شرط التواتر والعلم بحصوله حصول العلم بصدقه،ثم إنا لو سلمنا ما قدحتم به في التواتر من حيث استكمال شرائطه،فلا يمكنكم دفع العلم الضروري بكون السماء، والأرض والجدار، والدار ونحوها كانت موضوعة في الأزمنة الماضية لهذه المعاني التي استعملت فيها الآن، وهذا ذكره الرازي في مقدمة تفسيره، وفي المحصول.
قال: وإنا نجد الشبه التي ذكروها جارية مجرى شبه السوفسطائية القادحة في المحسوسات، قال بعض العلماء: وأنت خبير بأن هذا الجواب أفاد أن ثمة علماً ضرورياً، ولم يعلم كيفية طريقه، فثبت بما تقرر أَن الدلائل اللفظية تفيد العلم، وبطل قول هؤلاء الملحدة، والحمد لله، وأما قولهم: إنها مبنية على عدم الاشتراك والتخصيص... إلخ.
فجوابه أن هذا لا يرد إلا على من يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، وأما نحن فلا نجوزه، وقد تقدم الكلام عليه في المسألة الأولى من مسائل الآيتين.
الوجه الثاني: أن التجاوز عن الوعيد مستحسن عند الناس، قال الشاعر:
وإني إذا أوعدته أو وعدته .... لمخلف إيعادي ومنجز موعدي

بل الإصرار على الوعيد كأنه يعد لؤماً، وإذا كان كذلك وجب أن لا يصح من الله تعالى.
قال الرازي: وهذا بناء على حرف وهو أن أهل السنة جوزوا نسخ الفعل قبل مضي مدة الامتثال، وحاصل قولهم: أَن الأمر يحسن تارة لحكمة تنشأ من المأمور به، وتارة لحكمة تنشأ من نفس الأمر، فإن السيد قد يقول لعبده: افعل كذا غداً وإن كان يعلم أنه سينهاه عنه غداً، ويكون مقصده أن يظهر العبد الانقياد، ويوطن نفسه على امتثال أمره، فكذلك إذا علم الله أن العبد يموت غداً فإنه يحسن عند أهل السنة أن يقول: صل غداً إن عشت، ولا يكون المقصود تحصيل المأمور به؛ لأنه محال، بل لحكمة تنشأ من نفس الأمر فقط وهو حصول الانقياد وتوطين النفس.
قال: إذا ثبت هذا فنقول: لِمَ لا يجوز ذلك في الخبر فتارة تكون منشأ الحكمة من الأخبار هو الشيء المخبر عنه، وذلك في الوعد، وتارة تكون الحكمة ناشئة من الخبر لا المخبر عنه كما في الوعيد فإن الإخبار بالوعيد يفيد الزجر عن المعاصي والإقدام على الطاعات، وإذا حصل هذا المقصود جاز أن لا يوجد المخبر عنه، وعند هذا قالوا: إن وعد الله بالثواب حق لازم، وأما توعده بالعقاب فغير لازم، وإنما قصد به صلاح المكلفين مع رحمته الشاملة لهم كالوالد يهدد ولده بالقتل وغيره.
فإن قبل الولد أمره انتفع، وإلا فشفقة الوالد ترده عن قتله وعقوبته.
فإن قيل: فعلى جمع التقادير يكون ذلك كذباً، والكذب قبيح.

قيل: لا نسلم أن كل كذب قبيح، وإنما القبيح الضار دون النافع، سلمنا لكن لا نسلم أنه كذب، أليس أن جميع عمومات القرآن مخصوصة ولا تسمى كذباً، أليس المتشابه مصروفاً عن ظاهره ولا يسمى كذباً، فكذلك هاهنا أقول: هاهنا أفصح الرازي بما فهمناه من إيراده لهذه الشبه، وهو أنه إنما أراد بها تقوية مذهب أصحابه، ألا ترى أنه هنا في أول كلامه إنما حكى هذه الوجوه عمن آمن بالقرآن ممن ينفي عقاب الكفار، ثم صرح في هذا الوجه بأن أهل السنة بنوه على مسألة النسخ قبل إمكان العمل.
والجواب: أما كون إخلاف الوعيد مستحسن عند العقلاء، فليس على إطلاقه، لكنا نقرر قاعدة يتبين بها ما يحسن إخلاف الوعيد فيه، وما يقبح، فنقول:
اعلم: أن الوعيد قد يرد على ضربين:
أحدهما: قد يتناول نفس الضرر فيكون إخباراً عن إيصال نفس الضرر إلى الغير في المستقبل، كالذي يتوعد غيره بضرب عنقه، ويقصد الإخبار بذلك.

والثاني: يتناول العزم على فعل الضرر بالغير في المستقبل دون نفس الضرر، كالذي يتوعد غيره بضرب العنق، ومقصوده الإخبار عن عزمه على ذلك، لا عن الضرر نفسه، وهذا هو الذي يجوز في العباد دون الأول؛ لأن العبد لا يعلم ما يكون في غد، ولا يدري هل يبقى سالماً متمكناً مما يريد أم لا؟ فلا يكون خبره متناولاً إلا العزم على ذلك الفعل؛إذ لا يجوز أن يخبر بما لا يعلم هل يصير
إليه أم لا،فإذا كان الحال كذلك جاز للعقلاء، وحسن منهم أن يطلبوا من أحدنا إخلاف وعيده؛ لأنهم إذا أحسنوا به الظن حملوا وعيده على الوجه الجائز ولم يحملوه على الإخبار بما لا يعلم وصوله إليه، ولا تمكنه منه، ولا يحسن منهم ذمه على الإخلاف، ولا وصفه بأنه كاذب لما تقدم من أن الظاهر أنه إنما أخبر عن عزمه لا عن نفس المضرة، فكأنه قال: أنا عازم أن أفعل كذا، وكذا، ولا شك أنه صادق في خبره عن عزمه، فإذا ظهر خطأ ذلك الفعل وصواب العفو عنه، فرجع عن عزمه لم يوصف بأنه كاذب، ولا يستحق ذماً، بل حيث ظهر الخطأ ولم يرجع استحق اللوم، ثم إنا لو قدرنا أنه أخبر عن نفس الضرر لا عن عزمه عليه، فلا يمتنع أنه قد توعد بالظلم ونحوه مما لا يستحقه من توعده، وحينئذٍ يحسن من العقلاء سؤاله ترك ذلك، بل يجب عليهم ولا يستحق لوماً ولا ذماً بترك ما قبح منه فعله، بل ترك ذلك واجب عليه، ولو كشف عن كون ذلك الوعيد كذباً؛ لأنه لم يصر كذباً بالخلف، بل كشف عن كونه عند إيقاعه كذباً لإخباره على القطع عما لا سبيل إلى القطع فيه، فلم يصر لأجل الخلف كاذباً فيقبح بل كشف عن أنه كان كاذباً، وذلك لا يقتضي قبح الخلف.

وإذا عرفت هذه القاعدة وتقررت لديك علمت أنه لا يجوز من الله تعالى إخلاف الوعيد؛ لأن هذه الوجوه المقتضية لجوازه في الشاهد منتفية في حقه تعالى، وبيان ذلك أنه تعالى يخبر لا عن عزم ولا ظن، ولا اعتقاد؛ لأنها لا تجوزعليه تعالى علواً كبيراً، بل يخبر عن علم فلو خالف كان كاذباً، والكذب لا يجوز عليه سبحانه؛ لأنه لا يكون متوعداً بالظلم لأن العقاب مستحق كما قال تعالى: {وَلِكُلٍ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا}[الأحقاف:19] ولو قدرنا في الواحد منا أنه توعد بماله إيصاله كالحد، فليس الخلف فيه كرم. ذكره القرشي.
وبعد: فإن ظاهر كلام الخصم أنه يصح وصف الله تعالى بالخلف، وهو ظاهر البطلان.
حكي أن أبا عمرو بن العلاء استدل على عمرو بن عبيد بالبيت المذكور على جواز إِخلاف الوعيد، فقال عمرو: إن الشاعر قد يمدح بالشيء وبضده، وقد مدح بعضهم بالوفاء بالوعيد كما مدح بالوفاء بالوعد، فقال:
إن أبا خالد لمجتمع الرأي .... شريف الآباء والبيت
لا يخلف الوعد والوعيد ولا .... يبيت من ثاره على فوت
زاد في المنهاج بعدهما، وقال آخر يمدح النبي صلى الله عليه وآله وسلم :
علمت رسول الله أنك مدركي .... وإن وعيداً منك كالأخذ باليد

ولكن هلم إلى كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، قال الله تعالى: {وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ} الآية[الأعراف:44] فانقطع أبو عمرو، ثم قال له عمرو: فالذي يخلف الوعيد في الشاهد هل تسميه مخلفاً؟ قال: نعم، قال: فهل تسمي الله مخلفاً إذا خلف وعيده؟ قال أبو عمرو: لا يجوز، قال عمرو: فقد أبطلت شاهدك، قال الديلمي: ولاشك أن كلام عمرو بن عبيد كلام ظاهر البيان، واضح البرهان والدلالة، ونقول: هب أن ما قلتم معقولاً على بعض الوجوه، فالسمع قد منع منه، قال تعالى: {مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ}[ق:29] وأما قول الرازي: إنهم بنوه على جواز النسخ قبل مضي مدة الامتثال، فهو بناء على أصل فاسد لما تقرر في موضعه من أنه يلزم البدأ أو العبث، وما أبداه في بيانه من أن الأمر يحسن تارة لحكمة تنشأ من المأمور به ...إلخ.
فجوابه: أنهم قد بنوا هنا على غير أصلهم، فإن أفعال الله لا تعلل بالحكمة عندهم، ولكنهم لا يبالون في تقرير مذاهبهم بما ارتكبوا من خلاف قواعدهم، ولهذا تجدهم يؤيدون أقوالهم بشبه الكفار، وأما هنا فقد أيدوها بأقوال أهل العدل، إلا أنه أخطأ في جعل الحكمة ما ذكره، وإنما هي ما يعلمه الله من المصلحة في التكليف بالفعل إلى وقت، ثم يبين رفعه عند انتهاء وقته، والمصالح تختلف باختلاف الأوقات والأشخاص وغيرها، وإنما جعلنا الحكمة ما ذكرنا لما يلزم على قوله من البدأ أو العبث، فأما قولهم: إن المقصود هو توطين النفس على الامتثال، وإن علم الآمر أن المكلف يموت قبل الوقت، فجوابه من وجهين:
أحدهما: أنه يكون من التكليف بما علم الآمر انتفاء شرط وقوعه، وهو باطل.

الثاني: أن وجوب العزم فرع وجوب المعزوم عليه والداعي إليهما واحد، فإذا انتفى المعزوم عليه انتفى العزم، سلمنا فالتعبير عن العزم بالفعل إِلغاز وتعمية؛ إذ لم يوضع له، ولا قرينة تدل عليه، ولو سلم لم يكن من النسخ في شيء لاختلاف المتعلقين، وإذا ظهر بطلان الأصل بطل ما فرعه عليه في الأخبار، ثم إنا نقول: جعلكم منشأ الحكمة في الوعد المخبر عنه وفي الوعيد الخبر نفسه، تحكم محض فإن لنا أن نقلب عليكم القضية.
فإن قلتم: إنما قلنا ذلك لأن في الوعيد زجراً عن المعاصي، وحثاً على الطاعة.
قلنا: وفي الوعد أيضاً ترغيب في الطاعة، وزجر عن المعاصي المانعة من نيل الموعود به، فليس أحدهما يجعل منشأ الحكمة فيه المخبر عنه، وفي الآخر الخبر بأولى من العكس، سلمنا فما فائدة هذا الزجر عن المعاصي مع عدم العقاب عليها، وأي أثر يؤثر في تركها مع علم مرتكبها بأنه لا يصل إليه شيء من ذلك الوعيد، وما هذا الصلاح الذي أراده بالمكلفين مع هذه الرحمة الشاملة؛ إذ الصلاح أن يزجرهم عما يوجب لهم الضرر العظيم، وهنا لا ضرر عظيم ولا حقير، فأما القياس على تهدد الوالد ولده ثم عفوه عنه فقياس باطل؛ لأن الوالد يلتذ بنفع ولده، ويتضرر بقتله وعقوبته، فالتهدد والعفو فيهما نفع للوالد، ودفع مضرة عنه، وليس كذلك الباري تعالى فإنه لا يلتذ ولا يتضرر، فحسن من الوالد العفو لنفع نفسه، ودفع الضرر عنها، ولأن عقوبة ولده قد تكون ظلماً، ولا يعد كاذباً لما مر من أنه إنما أخبر عن عزمه، بخلاف الباري تعالى فإنه لا يخبر إلا عن علم، فلو تخلف ما أخبر به كان كاذباً لا محالة.
فأما قوله:إنه لا يقبح الكذب النافع، فقول باطل فإن الكذب لا يخرج عن القبيح بحال.
فإن قالوا: أنتم توافقون في حسن الكذب المتضمن لإخفاء نبي ممن يريد قتله.

قلنا: لا نسلم حسنه، بل نقول: تعارض قبيحان الكذب وهلاك النبي بسبب الصدق، فرجح ارتكاب الكذب لكون قبحه أهون، مع أنه لا يجوز ارتكابه إلا مع عدم إمكان التعريض، وإلا فهو المقدم كما فعل بعض الصحابة وقد سئل عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم من هو؟
فقال: رجل يهدينا السبيل، فأما إذا كان النفع الحاصل بالكذب مجرد عن لزوم القبيح بفواته فلا.
نعم قد قيل: إن قبح الكذب النافع لا يعلم إلا بالسمع كما مر وإذا ثبت قبح الكذب مطلقاً ثبت أن إخلاف الله الوعيد لو وقع لكان قبحه مجرداً عن المعارض الذي يجوز معه ارتكابه؛ لأنه لا معارض يقدر إلا العقاب، وهو مستحق، والمستحق لا يقبح.
وأما قوله: إن جميع العمومات القرآنية مخصوصة ...إلخ .
فجوابه:أنا لا نسلم أن جميع العمومات القرآنية مخصوصة، فما هذه المجازفة في الدعوى، أين المخصص لقوله تعالى: {الْحَمْدُ لِلَّهِ} وقوله: {رَبِّ الْعَالَمِينَ}[الفاتحة:2]إلى غير ذلك، ثم إنا لم نجد لآيات الوعيد مخصصاً من المخصصات التي يدعونها، وليست متشابهة فنصرفها عن ظاهرها، ولم نجد لها قيداً فنقيدها به غير التوبة من المعاصي، والإقلاع عنها، والقيام بالواجب.
واعلم: أنا قد قدمنا أن المقصد بالخطاب فهم معناه، والعموم معناه الشمول، فوجب حمله عليه قطعاً، سيما في مسائل الاعتقاد فإنه لا غرض بالخطاب بها إلا ليعتقد معناها، فلو لم يرد بها ظاهرها لم يجز الخطاب بها إلا مع بيان المراد منها؛ لئلا تحملنا على اعتقاد جهل. والله أعلم.
الوجه الثالث: قالوا:إنكم تقولون:إن الوعيد مشروط بعدم التوبة وإن لم يكن هذا الشرط مذكوراً في النص، فما المانع من كونه مشروطاً بعدم العفو، وإن لم يذكر صريحاً، أو يقول: معناه الإخبار عن الاستحقاق، فتحمل الأخبار بالوقوع على استحقاق الوقوع فقط.

138 / 329
ع
En
A+
A-