وقد تكون الزيادة منه تعالى جزاء على استعمال عقله واهتدائه، كما قال تعالى: {وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى}[محمد:17] وهذا ذكره الهادي عليه السلام ، وأما التي تكون باختيار العبد فهو النظر، والفكر، والاستنباط والتمييز، ذكره القاسم بن إبراهيم عليه السلام ، والإمام أحمد بن سليمان عليه السلام ، وعندي أن ما ذكراه عليهما السَّلام ليس إلا نتيجة العقل، وقد ذكر هذا القاسم عليه السلام في جوابه على الملحد، والذي يظهر والله أعلم أن الزيادة التي تكون من العبد هو ما يستمده من أقوال من هو أتم منه عقلاً، وأفعالهم، والاقتداء بهم.
قال الجاحظ: وقد أجمعت الحكماء أن العقل المطبوع، والكرم الغريزي لا يبلغان غاية الكمال إلا بمعاونة العقل المكتسب، ومثلوا ذلك بالنار والحطب، والمصباح والدهن، وذلك أن العقل الغريزي آلة، والمكتسب مادة، وإنما الأدب عقل غيرك يزيده في عقلك.
قلت: ويشهد لهذا قول الهادي عليه السلام : لقاح العقل التجارب.
الشبهة الخامسة: أن الله تعالى إنما كلفنا لنفع يعود علينا كما قال تعالى: {إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا}[الإسراء:7] ولا يحسن تعذيب من فوت نفع نفسه؛ لأن تفويت النفع مرجوح بالنسبة إلى دفع الضرر، ألا ترى أن السيد لو عاقب عبده وقطعه إرباً إرباً لأجل ترك اكتساب دينار مع القدرة عليه لا ينتفع السيد بذلك الدينار البتة، وإنما نفعه للعبد خاصة لكان في غاية السفاهة، فكيف يليق مثل هذا بأحكم الحاكمين؟!.

والجواب: أنا قد بينا فيما تقدم أنه تعالى لم يعاقب المكلفين، لأنه لم ينفع نفسه وإنما عاقبه لما لأجله يذم، وهو أنه فاعل للقبيح، ومخل بالواجب، والآية محمولة على ذلك؛ إذ معناها إن أحسنتم بأداء ما كلفتم من فعل الواجب، وترك القبيح أحسنتم لأنفسكم؛ لأن الثواب لا يستحق إلا على جهة المجازاة، وإلا كان تعظيماً لمن لا يستحق التعظيم وهو قبيح، وإن أسأتم بالإخلال بالواجب، وارتكاب القبيح فلها؛ لأنكم تستحقون بذلك العقاب الدائم، وقد تقدم دليل استحقاقه.
وأما ما ذكره من المثال فلا جامع بينه وبين ما نحن فيه، ونحن نقول: إن هذا العبد لا يحسن عقابه لأنه لم يخل بواجب ولم يفعل قبيحاً، وإنما فوت على نفسه منفعة محضة.
الشبهة السادسة: أَنا وإن سلمنا استحقاق العقاب، فمن أين الداوم، والمعلوم أن أقسى الناس قلباً إذا عذب من بلغ في الإساءة يوماً أو شهراً أو سنة فإنه يبشع منه ويمل، ولو واظب عليه لامه كل أحد، وقالوا: هب أنه بالغ في إضرارك، ولكن إلى متى هذا التعذيب، فإما أن تقتله وتريحه، وإما أن تخلصه، فإذا قبح هذا من الإنسان الذي يلتذ بالانتقام، فالغني عن الكل كيف يليق به هذا الانتقام مع أنه قد نهى عباده عن استيفاء الزيادة فقال: {فَلاَ يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنصُوراً}[الإسراء:33] وقال: {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا}[الشورى:40]، فصح أن ما زاد على القدر المستحق كان ظلماً.
قلت: هذه الشبهة يوردها جهم وأصحابه في منع دوام عقاب الفساق، ولعل الرازي لم يوردها إلا لذلك، وإن كان الظاهر أنه إنما حكاها عن من يمنع عقاب الكفار، وعليه فله فيها مآرب أخرى، قد تقدمت الإشارة إليها.
والجواب:أن حاصل هذه الشبهة منع دوام العقاب، فلا بد من إقامة الدليل على ذلك أولاً،ثم حل هذه الشبهة التي أيد بها دعواه ثانياً.

ونسأل الله الإعانة،وتنوير القلب والهداية إلى الإنصاف، ومعرفة الحق، فنقول: لنا في ثبوت دوام العقاب أدلة:
أحدها: أن العقاب كالذم يثبتان في الاستحقاق معاً ويزولان معاً حتى لا يثبت أحدهما مع سقوط الآخر، ومعلوم أن الذم يستحق على طريق الدوام، فوجب في العقاب مثله.
فإن قيل: ولِمَ قلتم إنهما يثبتان معاً ويسقطان معاً؟
قيل: لأن المثبت لأحدهما هو المثبت للآخر، والمسقط لأحدهما هو المسقط للآخر ، فالمثبت: هو الإقدام على المعاصي، والإخلال بالواجب، والمسقط: هو التوبة أو طاعة هي أعظم من المعصية على قول، وإذا كان المؤثر في استحقاقهما واحد وجب إذا استحق أحدهما على الدوام أن يستحق الآخر كذلك؛ لأنه لا يجوز في شيئين استحقا على وجه واحد وكان المؤثر في ثبوتهما وإسقاطهما واحد أن يستحق أحدهما دائماً والآخر منقطعاً، هذا محال ذكره السيد مانكديم.
فإن قيل: ولم قلتم إن الذم يستحق على الدوام؟
قيل: لأن المعلوم ضرورة أن من لطم والده وكان مصراً عليه فإنه يحسن منه، ومن غيره ذمه على ذلك الصنع دائماً حتى لو قدر أن يميته الله ثم أحياه لكان يحسن ذمه على هذا الصنع.
فإن قيل: إن الذم ليس بضرر فجاز استحقاقه دائماً، وليس كذلك العقاب فإنه ألم وضرر في نفسه فلا يجوز استحقاقه دائماً.
قيل: إن الذم قد ينزل منزلة الضرر وأبلغ منه إذا قصد استهانة العاقل ونقصه في ارتكاب القبيح، فإذا كان بمنزلة الضرر وجاز استحقاقه دائماً فكذلك العقاب.
فإن قيل: أليس يجوز أن يثبت الذم ولا عقاب، والعقاب ولا ذم، فكيف قلتم: إِنهما يثبتان معاً ويزولان معاً حتى توصلتم بذلك إلى القول بدوام استحقاقهما؟

قيل: نحن لم ندع أنهما يثبتان معاً ويزولان معاً على كل وجه، وأن أحدهما لا ينفصل عن الآخر بحال،وإنما قلنا: إنهما إذا ثبتا واستحقا جميعاً ثبتا معاً وزالا معاً،وما ثبت لأحدهما ثبت للآخر مثله لاتحاد المؤثر في الثبوت والسقوط، فأما إذا لم يثبتا معاً وإنما ثبت أحدهما فلا.
قال الموفق بالله عليه السلام : ولا يمتنع أن يكونا مستحقين على الدوام وإن كان أحدهما مشروطاً بشرط لا يكون الآخر مشروطاً به،ولا يخرجان من استحقاقهما دائماً، ولذلك يستحق المدح والشكر على الدوام وإن كان أحدهما مشروطاً بما لا يكون الآخر مشروطاً به.
فإن قيل: كيف يثبت الذم ولا عقاب؟
قيل: القديم تعالى لو أغرى أحدنا بفعل القبيح أو أمره به، أو لم يفعل اللطف عند من يوجبه عليه تعالى فإنه يستحق الذم ولا عقاب، وقد تقدمت الإشارة إلى هذا.
قال الموفق بالله عليه السلام :وقد قيل: إنه لا يستحق الذم ولا العقاب؛ لأنه تعالى بأمره إياه وإغرائه ومنعه اللطف قد أسقط حقه عنه من الذم والعقاب، ومن قال: لا يستحق العقاب ويستحق الذم يقول لأن العقاب خاصة حقه فبإغرائه وأمره بالقبيح قد أسقطه،وليس كذلك الذم؛ لأنه تعالى لا يختص به، بل يحسن أن نذمه.
قال عليه السلام : والأقرب في ذلك أنه إن كان يعلم أنه قبيح، أو يتمكن منه فبأمره،وإغرائه لا يخرج من أن يكون عالماً بقبحه أو متمكناً من العلم بقبحه ولا إلجاء وله شهوة أوشبهة، فيجب أن يستحق الذم والعقاب، وأما اللطف فإن منعه يجري مجرى التكليف مع المنع، فلا يحسن ذمه ولا عقابه.
قال عليه السلام : وفيه نظر.
قلت: يرجع في معرفة وجه النظر إلى مسألة اللطف، وقد استوفيناها في الفاتحة.
فإن قيل: لا نسلم لكم أن الذم يستحق دائماً فإن المسيء والمساء إليه لو ماتا انقطع الذم.

قيل: إنما ينقطع فعله لا استحقاقه والكلام في الاستحقاق ولا حال ينتهي إليها المسيء إلا ويحسن من المساء إليه ذمه، وإن أماتهما الله تعالى مراراً وأحياهما مراراً كما تقدم، ولنا أيضاً على ثبوت دوام الذم أنا نعلم ضرورة حسن ذم فاعل القبيح في الحالة الأولى والثانية على سواء، والعلة المقتضية له في الحالة الأولى وهي فعل القبيح مع جميع الأوقات على سواء، فلا تزال مقتضية للحكم حتى يرتفع بأحد الأمرين المتقدمين؛ لأنهما بمنزلة طرو الضد على ضده.
وإذا ثبت هذا في الذم ثبت في العقاب مثله، ووجه آخر وهو أن المدح يستحق في كل وقت بمعنى أنه يجب النطق به عند التهمة مهمالم يتغير حال الممدوح، فكذلك الذم. والله أعلم.
الدليل الثاني:أنه قد ثبت أن العقاب يستحق خالصاً من كل روح وراحة، فلو جاز انقطاعه لأدى إلى أن يكون المعاقب في راحة؛ لأنه كلما كان الضرر أعظم كان تجويز زواله أبلغ في باب الاستراحة.
فإن قيل: إن المعاقب لا يجوز ذلك ولا يفكر فيه.
قيل: ليس كذلك؛ لأن كمال العقل يقتضي ذلك خصوصاً والضرر كضرر العقاب، ألا ترى أن أحدنا إذا أراد الإقدام على ما يتعلق به أعظم منافع دنياه أو ضرره فإنه لا بد من أن يجوز ويتفكر في أنه هل ينقطع أم لا، فكيف في مثل مضار الآخرة ومنافعها، وهذا الدليل ذكره الموفق بالله في الإحاطة.
قال عليه السلام : وبهذه الطريقة يعلم دوام الثواب وهي سديدة.
قال: فإن قيل: إن الله تعالى يتفضل عليه بمثل تلك المنافع، ولا يؤدي إلى أن تكون في تنغيص، قيل له: إنه لا يكون تفضلاً، بل يكون واجباً إذاً؛ لأن الثواب يجب فعله خالصاً، ولا يخلص إلا بفعل ما هو التفضل، فيجب أن يكون التفضل واجباً عليه؛ لأن ما لا يتم الواجب إلا به يجب كوجوبه فينقض كونه تفضلاً، وبعد فإن التفضل بمثل الثواب الذي هو الإجلال والتعظيم البليغ لا يجوز، فإذاً لا بد من استحقاقه دائماً.

الدليل الثالث: قال الإمام المرتضى عليه السلام في جواب من سأله عن التخليد في النار على ذنب واحد من كلام طويل ما لفظه: وقد أنصف الله عز وجل خلقه وعدل بينهم في حكمه، أولا ترى لو عصى الله طول عمره، ثم تاب، وأخلص، ورجع في صحة من بدنه من قبل نزول الموت به أن تلك الذنوب جميعاً تحط عنه وتغفر له، وإن مات على ذلك دخل الجنة، فكذلك من ختم عمله بالمعصية لله سبحانه وتعالى ومات عليها حكم عليه بالعذاب كما حكم له عند التوبة بالثواب، فهذا عين العدل والإنصاف، ولو جاز أن يدخل الجنة من مات على معصية واحدة لجاز أن يدخلها من مات على معصية أو معصيتين، ولو جاز ذلك لجاز أن يدخلها من عصى عشراً أو عشرين مرة، وإذا جاز ذلك فقل: بطل الوعد والوعيد، ووقع الاختلاف والفساد.
قلت: وكلامه عليه السلام رد على من استبعد وقوع العذاب على الذنب الواحد، وفي حكمه من استبعد العذاب الدائم على المعاصي المتناهية لأنه إذا استحق الثواب الدائم على الطاعة المتناهية، فلا يستبعد استحقاقه العذاب الدائم على المعاصي وإن تناهت. والله أعلم.
الدليل الرابع:ذكره أبو علي (رحمه الله) وتحريره أن العقاب على المعصية إنما هو بحسب حال المعصي والمراتب التي يتميز بها الباري علينا لا نهاية لها لو كانت وجودية، فكذلك يجب أن يكون عقاب الإساءة إليه على حسب مرتبته فلا تناهى كما لا تناهى مراتب عظمته تعالى. هكذا قرره الإمام المهدي عليه السلام .
قال: وقد اعترضه أبو هاشم بأنه بناه على أصله من أن العقاب قد يستحق من الآدميين، وهو أصل باطل، ثم أجاب الإمام عليه السلام على هذا الاعتراض، وسنذكره قريباً إن شاء الله.
وأما الموفق بالله عليه السلام فقال في بيان دليل أبي علي: قد ذكر أبو علي أن أحدنا قد يستحق العقاب على غيره ولا قدر إلا ويجوز أن يستحق فوقه، وقد ثبت أن نعمة الله علينا أعظم من نعمة بعضنا على بعض، فمتى ما عصيناه يجب أن يستحق علينا عقاباً دائماً.

قال عليه السلام : وهذه الدلالة بناها على أن أحدنا يجوز أن يستحق العقاب على غيره، وذلك لا يجوز بوجه، ثم اعترضه، فقال عليه السلام : وبعد فإن نعمة الله تعالى وإن كانت فوق نعمة غيره في الشاهد فهي محصورة، فإن كان تعاظم عقابه لتعاظم نعمه فهي منحصرة، فالعقاب يجب أن تنحصر أجزاؤه، ولن يكون كذلك إلا وهو منقطع، لأن ما لا ينقطع أبداً لا يتناهى.
قلت: فعلى هذا التقرير الذي قرره الموفق بالله عليه السلام فالاعتراض على أبي على وارد لأنه بنى على تعاظم النعمة وهي متناهية، وأما على ما ذكره الإمام المهدي عليه السلام فلا اعتراض عليه، ولهذا قال عليه السلام : وهذا الاعتراض يعني ما ذكره أبو هاشم غير واقع؛ لأنه لم يبنه على ذلك، وإنما بناه على تعاظم الاستقباح، ولا شك أن القبائح تتفاضل في الاستقباح، ألا ترى أن أحدنا لو وهب لغيره سيفاً قاطعاً يدافع به عدوه فحين قبضه ضرب به الواهب فقتله بنعمته عليه، فإن استقباح ذلك أعظم مما لو قتله قبل أن يهب له شيئاً، والعاصون ما يتمكنون من معصية الله إلا بنعمته التي أنعم بها عليهم، فقبح معصيته لا نهاية له لو كان أمراً وجودياً فصح ما احتج به أبو علي.
قلت: وهذا الدليل بهذا التقرير الذي حرره الإمام المهدي عليه السلام أوضح ما ذكر من الأدلة على المقصود وأصحها. والله الهادي.
الدليل الخامس:أن من أحبط ثوابه بالكبيرة فقد استحق حرمان الثواب؛ لأنه لا يجوز أن يثاب وهو مستحق الإهانة، والاستخفاف، وحرمان الثواب دائم وحرمانه عقاب، فدل على أنه يستحق العقاب دائماً، ورده الموفق بالله عليه السلام ؛ لأن حرمان الثواب أن لا يفعل الثواب به، وذلك لا يكون عقاباً؛ لأن العقاب هو الضرر المستحق المفعول بالغير على وجه الخلوص من كل راحة، وليس هو أن لا يفعل منافع مقترنة بالإجلال والتعظيم، ألا ترى أنه يجوز عقلاً أن لا يفعل به الثواب ولا العقاب، فلا يكون معاقباً.

الدليل السادس: أن الثواب قد ثبت كونه دائماً، وثبت أنه ينحبط بالشرك، ولا يجوز أن ينحبط بعقاب الشرك وهو منقطع؛ لأن ما لا يتناهى أعظم مما يتناهى، فكيف نجوز أن يسقطه، فلا بد أن يقال إنه غير متناهي كما أن الثواب غير متناهي، إذا عرفت ما تقدم، وثبت لك بالدلائل العقلية حسن دوام العقاب، فلنرجع إلى ما وعدنا به من حل شبهة الخصوم في هذا الموضع، وإن كان ما تقدم يغني عن ذلك إلا أن في هذا زيادة توضيح، وبيان بطلان الشبهة على التفصيل، فنقول: إن القوم ذكروا في تأييد شبهتهم ثلاث طرق:
الأولى: قياس فعل الله للعقاب على فعل من عاقب المسيء إليه ليشفي غيظه ويأخذ بثاره فإنه يمل ويشبع منه بحيث أنه لو لم يقع منه ذلك استحق الذم على مجاوزة الحد.
والجواب: أن الله تعالى لم يعاقب العاصي ليشفي غيظه ولا ليأخذ بثأره، وإنما عاقبه؛ لأنه أخل بالواجب وارتكب القبائح، ومعلوم أن من أخل بالواجب، وارتكب القبيح فإنه يستحق الذم دائماً، وقد تقرر أن العقاب يستحق بما يستحق به الذم يثبت بثباته، ويسقط بسقوطه.
وبعد فإن الوصف بالملل والشبع يختص بالمخلوقين، وإذا كانت خاصة بالمخلوقين بطل قياسكم الذي بنيتم عليه عدم الدوام؛ لأن هذين الوصفين إذا انتفيا في حقه تعالى لم يكن ثم مانع من الدوام.
وأما قولكم: إنه لو لم يقع منه رقة ولا ملل لاستحق الذم، فليس استحقاقه للذم إلا بسبب الزيادة على القدرالمستحق، ونحن لا نخالف في هذا، لكن إذا قد ثبت بالأدلة العقلية والسمعية أن الدوام مستحق فالعقلاء يحكمون بحسن استيفاء الحق، وحينئذٍ بطل قولكم، وظهر الفرق بين ما مثلتم به وبين داوم العقاب.
الطريقة الثانية: أن الله تعالى غني عن هذا الدوام، فكيف يفعله.
والجواب: أنا لم نقل إنه محتاج إليه، لكنا نقول هو حقه فهل يحسن من صاحب الحق استيفاء حقه، وإن كان غنياً عنه، إن قلتم: لا خالفتم الضرورة، وإن قلتم نعم فهو المطلوب.

الطريقة الثالثة: أن الله تعالى قد نهى عن استيفاء الزيادة كما في الآيتين.
والجواب: إن أردتم بالزيادة ما زاد على القدر المستحق كما يفيده آخر كلامكم فمسلم، وإن أردتم بالزيادة ما زاد على قدر الفعل وإن كانت مستحقة، فلا نسلم لما مر على أنها لا تتصور المماثلة لما يأتي.
واعلم أن المراد بالنهي عن الإسراف في القتل هو النهي عن المثلة ونحوها مما ليس بمستحق، وأما الآية الثانية فظاهرها متروك؛ لأن مثلية العقوبة للفعل غير ثابتة، فإن المعصية مستلذة، والعقاب منفور عنه مؤلم، والمعصية قبيحة وجزاؤها حسن، وإذا عدل بها عن الظاهر صارت مجازاً، والمجاز ظني فلم يبق إلا تأويلها بما يوافق الأدلة القاطعة، فنقول: الآية واردة مورد المشاكلة أطلق على العقاب سيئة مشاكلة للفظ سيئة في قوله: من عمل سيئة وهو نوع من الفصاحة مشهور، وإلا فالمعنى المراد من عمل سيئة فلا يجزى إلا العقاب، فالمعصية سبب في وقوع العقاب وعلة فيه، ولا مانع أن تكون المعصية، وإن كانت متناهية علة في حسن دوام العقاب كما اقتضت حسن دوام الذم.
قال السيد أحمد بن محمد الشرفي (رحمه الله): ويمكن أن يراد بالمماثلة المعادلة أي لا يجزي إلا عدلها بكسر العين أي ما يعادلها، وهو العذاب الدائم؛ لأن عصيان المالك المنعم يعظم في القليل كما يعظم في الكثير، فلا يعادله إلا دوام العقاب، يدل على ذلك في الشاهد قطع يد السارق التي ديتها خمسمائة مثقال في عشرة دراهم قفلة.
وقال الإمام المهدي عليه السلام : إنما أراد بالآية أنه لا يزاد في العقاب عليها على القدر المستحق بخلاف الثواب فقد وعد بالزيادة فيه على القدر المستحق؛ حيث قال: {وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ}[النساء:173] وهذا مطابق لمعناها، وسياقها، وجمع بينها وبين غيرها من الأدلة.

الشبهة السابعة: أن المعصية لو بلغت ما بلغت كان العبد مواظباً عليها طول عمره، ثم تاب ومات على التوبة فإن الله تعالى يقبل توبته، ويعفو عنه فَلِمَ لا يقبل توبته في الآخرة ويعفو عنه، وأيضاً قد أمر بالدعاء ووعد بالإجابة،فلم لا يقبل دعاءَه ويستجيب له عند بلوغ الضرر الغاية،وهو القائل:{أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ}[النمل:62] قالوا: فهذه الوجوه يعني الشبه التي تقدمت كلها توجب القطع بعدم العقاب.
والجواب: أن التوبة إنما يكون لها حكم إذا لم يكن التائب ملجأ كالإعتذار فإنه لو اعتذر وهو ملجأ إليه لم يكن لاعتذراه حكم، ولا يسقط به الذم، وقد ثبت أن العقاب يستحق بما يستحق به الذم ويسقط بما يسقط به، فإذا كان الذم لا يسقط باعتذار الملجأ فالعقاب مثله، وكذلك الكلام في الدعاء؛ لأنه نوع من الاعتذار على أن إجابة الداعي مشروطة بالمصلحة، فإذا علم أن لا مصلحة في إجابتهم قبحت الاستجابة، وأما الآية فليست على ظاهرها فكم من مضطر يدعو فلا يجاب فتعين كون الإجابة موقوفة على المصلحة، على أن الزمخشري وغيره لم يحملوا الآية على العموم، بل جعلوا التعريف في المضطر للجنس الصادق ببعض الأفراد.

137 / 329
ع
En
A+
A-