روى الإمام المهدي عليه السلام عن أبي القاسم البلخي: أنه إنما يحسن تكليف من علم الله أنه لا يؤمن إن كان لطفاً لغيره بشرط أن يكون المؤمن عند هذا التكليف أكثر ممن يكفر عنده، وإلا لم يحسن؛ لأنه في حكم العبث حيث علم أنه لا ينتفع به، ونحوه في شرح الأصول عن أبي القاسم، قال: لكونه أصلح.
قال السيد مانكديم: وأراد بالأصلح الأنفع، وفي المنهاج: ذهب أهل الأصلح من أصحابنا البغداديين إلى أن الوجه في حسن تكليف من المعلوم أنه يكفر هو كونه لطفاً للغير بأن يعلم الله أنه إذا كلف قوماً آمن آخرون أكثر منهم، أو دونهم بحسب اختلاف بين أهل هذه المقالة.
قلت: والجمهور على بطلان هذا القول لوجهين:
أحدهما: أن التعريض للنفع حسن، وإن لم يكن فيه لطف إذا لم يستلزم مضرة تحصل عنده اتفاقاً، فنقيس عليه التعريض للنفع الذي به يتضمن التعريض لمضرة قد مكن المعروض من دفعها على ما تقدم تحقيقه من أن التمكين من النفع، ومن دفع المضار التي تخشى عند طلبه كالتمكين من النفع الخالص في كونه إحساناً.
الوجه الثاني: أن التكليف لنفع الغير يكون ظلماً وإن بلغ في النفع ما بلغ؛ لأنه يلحق الكافر من هذا التكليف ضرر، ولا يكفي في حسن هذه الأضرار أن ينتفع به الغير، بل لا بد أن يكون النفع راجعاً إلى المضرور، ويكون انتفاع غيره تبعاً لنفعه، كما نقول في إنزال الألم بغير المكلفين ليعتبر المكلفون، فإن للمؤلمين نفعاً واعتبار المعتبرين تبع له، ولولا هذا لما قبح في العالم ظلم، فما من شيء منه إلا وفيه يقع نفع للظالم، وربما انتفع به هو وأهل بيته، وفي عدتهم كثرة.
فائدة: [استطراد لمسألة تكليف من علم الله أنه لا يؤمن]
قال الإمام المهدي عليه السلام : معرفة الحق في هذه المسألة- أعني تكليف من علم الله أنه لا يؤمن- من فروض الكفايات عند أصحابنا؛ لأنها شبهة واردة على القول بالعدل، فيجب دفعها متى عرضت.

قلت: ولعله يأتي مثل هذا في سائر الشبه التي نحن بصدد ردها. والله أعلم.
الشبهة الثالثة: أَن الله تعالى خلق الخلق للنفع؛ إذ لا يجوز أن يخلقهم للضرر؛ لأن ذلك يكون ظلماً لايجوز من الله فعله، ولأنه ينافي ما وصف به نفسه من كونه رحيماً كريماً، ولا يجوز أن يخلقهم لا للنفع ولا للضرر؛ لأنه يكون غنياً، وإذا ثبت أنه لم يخلقهم إلا لينفعهم وجب أن لا يكلفهم لأنه يفضي بهم إلى الضرر الخالص؛ لأن الحكيم إذا أراد أمراً لا يفعل فعلاً يؤدي إلى ضد مقصوده مع علمه بكونه كذلك، والله تعالى عالم بإقدامهم على المعاصي إن كلفهم، وحيث كلفهم وجب ألاَّ يكون العصيان سبباً لاستحقاق العقاب.
والجواب: أنكم قد كفيتمونا المؤنة في حل هذه الشبهة باعترافكم بأنه لا يجوز أن يخلق الله الخلق للضرر، ولا أن يخلقهم لا للنفع ولا للضرر، وصرتم أحسن حالاً من المجبرة في هذا، حيث قالوا: إنما خلقهم ليدخل بعضهم الجنة، وبعضهم النار، ولكنكم جهلتم كون ما يجري مجرى النفع كالنفع في الحسن لتأديته إليه، وهذا هو التكيلف، وقد تقدم الكلام في هذا مستوفى في جواب الشبهة الثانية.
وأما قولكم: إنه إذا كلف وجب أن لا يكون العصيان سبباً للعقاب.
فجوابه: أنه إذا قد ثبت حسن التكليف بالوجوه المتقدمة، وثبت أن الإغراء بالقبيح قبيح، وجب القول بحسن العقاب؛ لأنه لو كلفهم وعرفهم القبائح وأقدرهم عليها، وقوى دواعيهم إليها ولم يكن ثمة صارف يصرفهم عنها كان مغرياً لهم بالقبيح لا محالة، فثبت استحقاق العقاب.
واعلم أنك إذا تأملت ما تقدم من الأدلة الدالة على استحقاق العقاب انتفت عنك هذه الشبهة بأسرها، فلهذا جعلنا ما قدمنا من بيان الاستحقاق أصلاً في حل هذه الشبه، وما كان مستحقاً فلاشبهة في حسن استيفائه، وهذا القدر كاف هنا مع التنبيه على ما تقدم.
الشبهة الرابعة: أن العبد مجبور على فعله، وتعذيب المجبور قبيح عقلاً، ولهم في بيان هذه الشبهة مسلكان:

أحدهما: أن الله تعالى هو الخالق للداوعي التي توجب المعاصي لأن صدور الفعل عن القدرة يتوقف على انضمام الداعية التي يخلقها الله تعالى إليها فيكون العبد ملجأ إليها وذلك هو الجبر كما تقدم تقريره في مسألة الداعي والمرجح.
المسلك الثاني: أن الأوامر والنواهي الشرعية إذا توجهت إلى شخصين فقبل أحدهما ولم يقبل الآخر، فلا بد من أمر حصل عنده قبول أحدهما دون الآخر.
فإن قلتم: إن القابل أحب الثواب وخشي العقاب، أو أصغى إلى من علمه وقبل منه.
قلنا: ولم وقع منه ذلك دون الآخر؟
فإن قلتم: لأنه حازم لبيب فطن.
قلنا: لِمَ اختص بهذا دون الآخر فلا بد أن تنتهي التعليلات إلى أمور خلقها الله؛ لأن الفطانة ونحوها وأضدادها من البلادة والغباوة والخرق أمور غريزية فإن الإنسان لا يختار لنفسه الغباوة ونحوها، ولا يفعلها في نفسه، وإذا كانت هذه الأمور بخلق الله تعالى علمنا أن الطاعة والمعصية بقضاء الله، ولا يمكن التسوية بين الطائع والعاصي في العقل والجهل، والفظاظة، والفطنة، والمعلمين ونحوها، ولا يمكن القول بأنهما لو استويا في ذ لك لما استويا في الطاعة والمعصية، فثبت أن الطاعة والمعصية بقضاء الله وقدره، وليس من العدل أن يخلق العاصي على ما خلقه عليه من هذه الخصال المذمومة ثم يعاقبه عليها، وليس من العدل أن لا يرزقه معلماً مثل الذي علم المطيع في البلاغة وحسن التأديب، والتعليم، والمعرفة، ثم يؤاخذه بما يؤاخذ من رزقه معلماً كاملاً، ما هذا من العدل في شيء، فثبت أن القول بالعقاب على خلاف قضايا العقول فوجب قبحه.
والجواب والله الموفق: أنه قد ثبت بالأدلة التي لا يبقى معها شك ولا شبهة أن العبد غير مجبور، بل مختار في جميع أفعاله، وذلك واضح لا يحتاج إلى إطناب في هذا الموضع.
وإذا عرفت هذا فنقول:

الجواب عن المسلك الأول: أن ذلك الداعي الذي زعمت أن الله تعالى الذي خلقه، فإن أردت به شهوة القبيح والنفرة عن الحسن فمسلم أن ذلك من فعل الله تعالى، لكنا لا نسلم لك أنه موجب للمعصية لما تقدم من أنه لا ينفك عن الصارف الذي هو العلم باستحقاق العقاب العظيم، وذلك الصارف هو داع للترك فصار الداعي والصارف متمانعان على الفعل والترك، ولا يترجح أحدهما إلا باختيار العبد، وأيضاً فإنا نعلم من حال أنفسنا ضرورة القدرة على ترك الفعل كما نعلم القدرة على إيجاده، وأجلى الأمور ما وجد من النفس، وقد تقدم أن خلق الشهوة والنفرة شرط في التكليف لتحصل المشقة التي يستحق عليها الثواب، وتقدم أيضاً أن خلقهما دليل استحقاق العقاب عند أبي هاشم فصار هذا الداعي حجة عليك لالك، والحمد لله، وإن أردت بالداعي المرجح الذي تقدم ذكره في المسألة السابعة مما يتعلق بهاتين الآيتين فقد بسطنا الجواب هنالك بما لا مزيد عليه، وبينا أن ذلك المرجح غير موجب، وأنه من فعل العبد وهو إرادته.

وأما المسلك الثاني فجوابه: أن الله تعالى عدل حكيم لا يظلم، ولا يجور، ولا يكلف عبداً فوق ما يستطيع، بل قد أعطى كل واحد من المكلفين في الدنيا من الاستطاعة ما يبلغ به مراده في الدنيا والآخرة، وساوى به بينهم في أصل العقل والفطنة،والذكاء،وسائر الأمور الغريزية التي بها ينالون الفوز بالنعيم،والنجاة من العذاب الأليم،كما ساوى بينهم في التكليف،وتلك الفطرة التي فطر الله الناس عليها،بل أعطى كل واحد من ذلك فوق ما يحتاج إليه في معرفة خالقه بالنظر في أثر صنعه، وادراك ما أوجب الله عليه من فرائضه، وترك مناهيه، وساوى بينهم في المعلمين والمؤدبين،فقد بعث إليهم رسله،وأنزل عليهم كتبه،وأبقى فيهم ورثة الأنبياء من العلماء العاملين من أهل البيت الطاهرين،وأتباعهم سلام الله عليهم جميعاً،بحيث لم يبق لأحد حجة ولا معذرة،ولكن أُتوا في العماء والضلال من جهة أنفسهم؛ حيث لم يستعملوا عقولهم، ولم يتبعوا كتاب ربهم،وقرناءَهم من أهل بيت نبيهم (صلوات الله عليه وعليهم) والمساواة بينهم في هذه الأمور هي محض العدل؛ إذ ليس من عدل الله المساواة بينهم في التكاليف من المعارف الإلهية، والأوامر والنواهي الشرعية، وعدم المساواة بينهم فيما به تقوم الحجة عليهم من أصل العقل، وما يترتب عليه من الذكاء والفطنة.

وأما قولك: إنه لا يمكن القول بالتسوية في العقل ونحوه، فمعلوم أن المكلفين غير مستوين في ذلك، لكنا نقول: قد استووا فيما يحتاجون إليه، بل فيما يكفيهم أقله في أداء ما كلفوا فلم يوجب على أحد أمراً ولا نهياً، ولم يجعله عنده على شيء معاقباً إلا وقد أعطاه من حجة العقل ما ينال به ما ينال غيره ممن زاده الله بسطة، وآتاه كرامة، فلما أن ساوى بينهم في ذلك زاد سبحانه وتعالى من شاء من عباده ما شاء من فضله وكرامته، كما فاضل بينهم في الجمال، والهيئة، والجلد، والهيبة وغير ذلك، فمن تكلم فيما فضل الله به بعض الخلق على بعض في زيادة العقل والذكاء، وجب عليه أن يجيب فيما فضل الله به بعضهم على بعض فيما ذكرنا من زيادة الخلق في حسن الألوان، وعظم الأبدان، والكمال، والبيان، لا يجد من ذلك بداً، لأن المعنى فيهما واحد، وليس للخلق في ذلك حجة، ولا ينسب به سبحانه إلى الظلم والجور، فثبت أن الزيادة على ما تقوم به الحجة فضل من الله سبحانه وكرامة، وثبت بذلك عدل الله وحكمته فيما ساوى به بين عباده من حججه من العقل الكافي، والرسول الداعي، والكتاب الهادي، والعلماء المبلغين عن الله حججه إلى خلقه، وأنا آتيك هنا بمثل ضربه الهادي إلى الحق عليه السلام يتبين به ما قلنا من أن الله قد أعطى كل مكلف فوق ما يحتاج إليه من العقل، وما يترتب عليه من الذكاء والفطنة.

قال عليه السلام : مثل زيادة الله تعالى لمن شاء من فضله وتفضيله لمن شاء من عباده على من قد أعطاه أكثر من حاجته، وثبت في صدره من وافر حجته ما بأقل قليله يؤدي إليه ما ألزمه من فرضه، مثل رجل له غلامان فدفع إلى أحدهما شمعة كبيرة متوقدة،ودفع إلى الآخر شمعتين،ثم قال لهما:يحرق كل واحد منهما شيئاً من حشيش بما معه من النار،فإن قال صاحب الشمعة:أعطتيني شمعة واحدة،وأعطيت صاحبي شمعتين ثم ساويت بيننا في إحراق الحشيش فقد ظلمتني في ذلك،وجرت علي إذ كلفتني مثل ما كلفت صاحبي،وقد زدته شمعة على شمعتي،هل ترى أيها السائل:هذا القائل صاحب الشمعة الواحدة صادقاً في قوله أو مصيباً في لفظه؟ أو ترى له حجة على سيده وقد أعطاه من النار ما بأقل قليله يحرق بيوتاً كثيرة؟ فإن قال: قد كان العبد في ذلك مصيباً،وبالحق محتجاً، والسيد له ظالم، وفي تكليفه له غاشم،حين كلفه من الإحراق مثل ما كلف صاحبه،وقد أعطى صاحبه شمعتين وأعطاه شمعة واحدة،كان في قوله ذلك محيلاً، وعن الصواب عادلاً، ولم يقل ذلك حقاً؛ لأن قليل النار يأتي من إحراق الحشيش على ما يأتي كثيرها، ويتفرع منها من الإلتهاب عند احتراق الحشيش ما لا يكون لصاحب ثنتين ولا ثلاث، ولا أربع فضل في عمله وفعله على صاحب الواحدة، وكل ينال بما أعطى أكثر مما كلف وأعطي، وإن قال: لا أرى لصاحب الشمعة الواحدة على سيده حجة في دفعه إلى صاحبه شمعتين؛ لأن المكلف الذي كلفهما إياه ينال بأقل من واحدة، فلذلك قلنا: إنه لا حجة لصاحب الواحدة على سيده، وصاحب الواحدة ظالم لسيده غير محتج بحق على مالكه؛ لأنه قد ساوى بينه وبين صاحب الثنتين فيما دفع إليه من النار التي بأقل قليلها ينال من إحراق بيوت كثيرة ما ينال صاحب الثنتين، والثلاث، والأربع لوكان، فإذا قال بالحق، ورجع إلى الصدق، قيل له عند إقراره ومعرفته بالأمر: إذا كان كذلك فقد أصبت، وقلت بالحق، وثبت على الاستواء، وثبت لك بذلك ما أحببت معرفته من

عدل الله سبحانه في ذلك وحكمته، ولطيف صنعه وقدرته، فعلى هذا المثال: يخرج ما تقدم منا من المقال فيما أعطاه الله العباد من حجة عقولهم، وساوى بينهم فيما ركب من ذلك في صدورهم، فجعل كل من لزمه عقاب على فعله في حجة العقل سواء، فكل قد ركب فيه ما بأقل قليله ينال به أكثر مما افترض الله عليه، ويستدل به على حاجته منه وفيه، ويميز به بين أعماله ويهتدي به إلى فواصل أفعاله، ويصل به إلى الاختيار في الحالين، والتمييز بين العملين، وسلوك ما شاء من النجدين {لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ}[الأنفال:42].
فلم تكن لمن أعطي من حجة العقل ما ذكرنا على الله سبحانه حجة في شيء من أموره، ولا بسبب من أسبابه بما فضل به عليه غيره من بعد المساواة فيما يحتاج إليه، كما لم يكن لصاحب الشمعة الواحدة على سيده في إحراق ما أمره بإحراقه حجة بإعطائه لصاحبه شمعتين؛ إذ المعنى في ذلك واحد في الواحدة والثنتين، والدرك بالجزء الواحد لما أمر به من النار وإحراق الحشيش كالدرك بالجزئين.
قلت: ومن تأمل ما ضربه الهادي عليه السلام من المثل زال عنه الشك، ووضح له الحق إن أنصف من نفسه، وترك العناد والمكابرة.
وأما قول الرازي: وإذا كانت هذه الأمور بخلق الله فالطاعة والمعصية بقضاء الله، فقول باطل؛ إذ ليس العقل ونحوه بموجب حتى إذا وجدوا وجدت الطاعة لا محالة،وإنما هو معرف وداع إليها على جهة الهداية والإرشاد،وأما وقوعها فموكول إلى اختيار العبد،ثم إنه يلزم أن يكون العبد طائعاً باعتبار ما ركب فيه من العقل،عاصياً باعتبار ما فاته من الزيادة على جهة الإيجاب،والمعلوم خلاف هذا فإن كثيراً من الكفار لم تقع منه طاعة لله أصلاً لا بالتشريك ولا بغيره كعبدة النار والبقر وغيرهم، فانتفى أن تكون هذه الغرائز موجبة.

وأما قوله: ولا تمكن التسوية بين الطائع والعاصي في العقل والجهل ...إلخ فغير مسلم، فإن ذلك من الممكنات، والعجب منه إذ قال: إن ذلك من فعل الله، ثم قال: لا تمكن التسوية في ذلك، فينسب الله تعالى إلى العجز تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، فلا يعجزه شيء وهو على كل شيء قدير، وليت شعري ما مستند هذه الدعوى، هل ذلك من المستحيل لذاته أو لغيره، وقد بينا كل واحد منهما في المسألة الرابعة، وإمكان التسوية خارجة عن تلك الأقسام،فتأملها موفقاً،وكذلك لاملازمة بين استوائهما في العقل والجهل،واستوائهما في الطاعة والمعصية،فإنه لا مانع من الاستواء في العقل، ويكون أحدهما طائعاً والآخر عاصياً لما بينا من أن العقل غير موجب، بل من استعمل عقله حصلت منه الطاعة، ومن ترك استعماله واتبع هوى نفسه حصلت منه المعصية، فالطاعة والمعصية باختيار العبد بحسب استعمال العقل وعدمه.
وقد قيل: إن العقل كالحكيم إن طلبته وجدته، وإن غفلت عنه لم يطلبك، وهوى النفس كالعدو الذي إن غفلت عنه لم يغفل عنك، والطاعة والمعصية تكثران وتقلان بحسب استعمال العقل وإهماله، ومتابعة الهوى والشيطان المتابعة التامة أو دونها، وذلك معلوم، وبهذا يبطل قوله: إن الطاعة والمعصية بقضاء الله.
وأما قوله: وليس من العدل أن يخلق العاصي على ما خلقه عليه... إلخ.

فالجواب: أنا قد بينا أن الله قد جعل لكل مكلف من العقل ما يكفيه، وتقوم به الحجة عليه،ولم يخلق فيه من الخصال المذمومة ما يعاقب عليه،وإنما خلقه متمكناً من الفظاظة،واللين،وسوء الخلق،وأضدادها، ومتمكناً من تركها، والدليل على ذلك أنه نهاه عن مساوئ الأخلاق التي هذه منها، وذمه على فعلها، وتوعده عليها وأمره بمكارم الأخلاق، ومدحه عليها، ووعده الثواب العظيم بفعلها، ولم ينهه عن سواده، وعدم اعتدال قامته، ولم يذمه عليهما، ولا على غيرهما مما ليس داخلاً تحت مقدوره، ولم يمدحه على حسن الصورة ونحوها، ولم يأمره بها، فلو كان الكل من أفعال الله لاستوت في ثبوت المدح والذم، والأمر والنهي أو عدمها، وثبت أن الله تعالى لم يخلق الفظاظة واللين، والطاعة والمعصية في العبد، بل هي فعل العبد حاصلة باختياره، وحينئذٍ لا يقبح العقاب على المعاصي.
واعلم أن الكلام على المعلمين والمؤدبين كالكلام في العقل في أن الله قد رزق كل مكلف منهم ما يكفيه، والفضل بيد الله يؤتيه من يشاء.
فائدة [الزيادة في العقل]
قد تكون الزيادة في العقل من فعل الله، وقد تكون من فعل العبد واقعة باختياره، فالتي من فعل الله تعالى تكون ابتداء منه لما يعلمه مما يصير العبد إليه من الصلاح، والطاعة، والانقياد، أشار إليه الهادي عليه السلام .
قلت: أو لتأهيله لأمور عظيمة ومنافع جسيمة في باب الدين، والدعاء إليه، والقيام به بحيث لا يتم الغرض بدون تلك الزيادة كالأنبياء، والأئمة، ومن أهله الله من غيرهم لمزيد نفع لا يتم بدونها. والله أعلم.

136 / 329
ع
En
A+
A-