الوجه الثاني من أوجه الجواب: أن هذا التكليف صدر من جهة الله تعالى بلا شك، فقد ثبت عدل الله وحكمته، وأنه لا يختار القبيح ولا يفعله، ولا بد أن يكون حسناً؛ إذ لو كان قبيحاً لم يفعله تعالى.
قال السيد مانكديم: وبهذا الوجه تحل شبهة العامي من أصحابنا، ونجيبه بهذه الطريقة، ونقول له: إن هذا القدر كافيك، ولست بمحتاج إلى معرفة وجه الحكمة على جهة التفصيل.
قلت: وقد ذكر هذا الوجه القاسم بن إبراهيم في كتاب الرد على الملحد، ثم قال عليه السلام : ومثال ذلك من الشاهد أنا لو هجمنا على آلات من آلات الصانع فرأينا اعوجاج المعوجات، واستواء المستويات، وصغر بعضها، وكبر بعضها وغلظ بعضها، ورقة بعضها، فحكمنا على أن صانعها غير حكيم لكنا جاهلين بالحكمة نضع الحكمة في غير موضعها، بل حينئذٍ الواجب علينا أن نسلم للحكماء حكمتهم، ونعرف أنهم لا يفلعون شيئاً من ذلك إلا لضرب من الحكمة يعرفونه، ونعلم بأن المعوج والمستوي وكل زوج منها يصلح لعمل لا يصلح له الآخر، فحينئذٍ وضعنا الحكمة في موضعها، فاعرف ذلك وتبينه تجده كما قلنا إن شاء الله.
قال عليه السلام : ولما كانت أفعال الله تعالى كلها إحساناً أوداعية إلى الإحسان كان تبارك وتعالى بفعلها كلها حكيماً؛ إذ كل ذلك حسن في العقل.
قلت: ولعمري إن هذا الذي أورده القاسم عليه السلام حجة واضحة قوية، ولقد انقاد لها ذلك الملحد فأسلم، وحسن إسلامه {فَمَالِ هَؤُلاَءِ الْقَوْمِ لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثا}[النساء:78].
الوجه الثالث: أن الوجه الذي لأجله حسن تكليف من المعلوم أنه يؤمن حاصل في تكليف من المعلوم أنه يكفر وهو ما قدمنا من أنه تعالى أقدره على الإيمان، وأعلمه بما له فيه من المنافع، وأزاح علله.
وبالجملة إنه قد عرضه للثواب تعريضاً تاماً، ولا فرق بين التكليفين إلا أن المؤمن أحسن الاختيار لنفسه، والكافر أساء الاختيار لنفسه، وذلك لا يخرج القديم تعالى عن كونه متفضلاً عليهما جميعاً بالتكليف، كما أن من قدم طعاماً إلى جائعين ليدفعا به ضرر الجوع فتناول أحدهما دون الآخر لا يخرج عن كونه منعماً، بل المعلوم ضرورة أنه منعم عليهما، ومحسن إليهما جميعاً، ولا يقال إنه إنما يكون منعماً على الذي قبل فقط.
فإن قيل: المؤمن اختار الإيمان وهو غير ثابت في الكافر.
قيل: ليس وجه حسن التكليف اختيار المؤمن للإيمان؛ إذ اختياره متأخر عن التكليف، فكيف يصير وجهاً في حسنه، والمعلوم أن وجه الحسن لا بد وأن يقارن على أن ذلك لو قدح في حسن التكليف لوجب مثله في الشاهد حتى لا يحسن من أحدنا أن يقدم الطعام إلى من لا يقبل.
قال السيد مانكديم: ومعلوم خلافه.
قال الإمام المهدي عليه السلام : بل للخصم أن ينازع في حسن تقديم الطعام إلى من يجوز أن الجائع يتناوله، فأَما مع تيقن عدم قبوله فإنه يصير عبثاً لا فائدة تحته، فلا تنقطع حجة الخصم إلا بالنظر في الأمور الثلاثة التي ذكرناها في الوجه الأول، ثم ننظر في تقديم الطعام إلى الجائع الذي لا يقبل هل قد شملته حقيقة الإحسان، ووجه حسنه أم لا؟ إلا أن هذا يصير تقديم الطعام في هذه الصور استدلالياً ضرورياً، وحينئذٍ لم يكن الاستدلال بهذه الصورة على حسن ذلك التكليف بأولى من العكس؛ لأنهما سواء بالنظر إلى الوجه الأول فيستدل به عليهما جميعاً، اللهم إلا أن نقيس هذه الصورة على ما يوافق الخصم على حسنه، وذلك حيث يكون مقدم الطعام مجوزاً للانتفاع به، والعلة الجامعة حصول حقيقة الإحسان ووجه حسنه في الصورتين، فحينئذٍ يصح الاستدلال بها، وقد أشار إلى ذلك السيد مانكديم في شرح الأصول حيث قال: فإن قيل: ما أنكرتم إنه إنما قبح تكليف الكافر؛ لأنه تعالى علم من حاله أنه يكفر، فجوابنا عن ذلك: لو قبح من الله تعالى تكليف الكافر للعلم بأنه يكفر لقبح من الواحد منا تقديم الطعام إلى الغير للعلم بأنه لايتناوله، ولا ينتفع به، وكذلك يقبح إدلاء الحبل إلى الغريق للعلم بأنه لا يتثبت به.
فإن قال: وكذا أقول.
قلنا: لو قبح مع العلم لقبح مع غلبة الظن؛ لأن العلم والظن سيان فيما طريقه طريق المنافع والمضار، ألا ترى أن أحدنا لو غلب في ظنه أنه يربح من سفره فإنه يحسن منه السفر كما يحسن منه مع العلم، وبالعكس من ذلك لو غلب في ظنه أنه يخسر في سفره فإنه لا يحسن منه أن يسافر كما لا يحسن منه مع العلم فكان يجب أن يقبح من الواحد منا إدلاء الحبل إلى الغريق؛ إذا غلب في ظنه أنه لا يتشبث به، وأن يقبح منه تقديم الطعام إلى الجائع إذا غلب في ظنه أنه لا ينتفع به ولا يتناوله، ومعلوم خلافه.
قلت: ونحو كلام السيد هذا ذكره القرشي في المنهاج وهو يشير إلى ما تقدم من القياس ولا علة نقدرها جامعة بين الصورتين إلا ما تقدم، وإذا ثبت حسن تقديم الطعام إلى من يعلم أنه لا يقبل ثبت حسن تكليف من المعلوم من حاله عدم القبول إذ لا فارق، وأيضاً لوكان العلم بالقبول شرطاً في حسن التكليف لقبح كل أمر ونهي في الشاهد؛ لأن أحدنا لا يمكنه القطع على ما يكون في المستقبل، ومعلوم حسن ذلك مع الشك، بل مع الظن لعدم القبول، ذكر هذا القرشي، وأيضاً قد تقدم أن النعمة تكون نعمة وإحساناً، وإن لم يقع الانتفاع بها، وحينئذٍ فلا وجه لاشتراط العلم بالقبول؛ إذ لا وجه لاشتراطه إلا لو كان تمام النعمة والإحسان وقوع الانتفاع لأنه مترتب على القبول، وقد ثبت خلافه فبطل هذا الشرط.
الوجه الرابع: ذكره قاضي القضاة (رحمه الله) وهو أنه لو لم يكلف الله إلا من المعلوم أنه يؤمن لكان ذلك إغراء بالقبيح؛ لأن المرء إذا علم أن الله لا يكلفه إلا وقد علم من حاله أنه يؤمن لا محالة، وأنه يصل إلى الثواب كان مغرى بالقبيح، وذلك قبيح، وفي قبحه دليل على أنه تعالى كما يكلف من يعلم من حاله أنه يؤمن فإنه يكلف من يعلم من حاله أنه يكفر، ولا بد من ذالك ليعلم المكلف أن الأمر فيما ينفعه أو يضره موكول إلى اختياره، ومفوض إليه، فإن أحسن الاختيار لنفسه واختار الإيمان تخلص من العقاب وظفر بالثواب، وإلا استوجب من الله العقوبة، فثبت بهذه الوجوه حسن تكليف من علم الله أنه يكفر. والحمد لله.
وبقي الكلام في حل الشبه التي أوردها الرازي في تقرير هذه الشبهة، وكذا سائر ما يوردونه في تقريرها، فنقول: قالوا: لولا التكليف لكان يستضر الكافر إذ التكليف سبب العقاب.
قلنا: الضرر الذي لحقه ليس لأجل التكليف، بل لأجل الكفر وإن كان لا يصح إلا مع التكليف، وليس ذلك يقتضي كون التكليف لا يصح إلا معها، بل كان يجب أن تكون القدرة والآلة والعلم سبباً للمضرة؛ لأن التكليف لا يصح إلا معها بل كان يجب أن تكون حياة المقتول سبباً في قتله؛ لأنه لولاها لما صح القتل، وخلافه معلوم.
والحاصل أن التكليف تمكين المكلف من نفع نفسه وضرها، كما أن القدرة ونحوها كذلك، فصح أنه ليس سبباً في العقاب سلمنا لكنا نقول: إن الله تعالى لا يخرج بذلك عن كونه منعماً ومحسناً إليه بالتكليف، مع أن غرضه تعريضه إلى درجة لا تنال إلا به، وصار الحال في ذلك كالحال فيمن تفضل على غيره بدنانير فضيعها ذلك الغير واغتم لمكانها، فكما لا يقال: بخروج هذا المعطي عن كونه منعماً، وكذلك هاهنا، يبين ذلك أن المضيع للدنانير ليس هو المعطي، وإنما ضيعها هو بنفسه، وكذلك هنا المضر ليس هو الله تعالى بل الكافر هو الذي أضر بنفسه حيث أساء الاختيار حتى استوجب العقوبة، وأما الباري تعالى فإنما استوفى حقه ولا قبح في ذلك.
قالوا: إذا لم يحصل المقصود بالتكليف وهو الإيمان يكون عبثاً.
قلنا: العبث هو كل فعل يفعله الفاعل من دون غرض مثله نحو أن يركب أحدنا الأهوال والأخطار ليربح على درهم درهماً مثله مع أنه يقدر على تحصيله بسهولة، ونحو أن يستأجر أجيراً بأجرة تامة ليصب الماء من دلو إلى دلو من دون أن يكون له في ذلك غرض، والتكليف غير مفعول على هذا الوجه، فبطل أن يكون عبثاً؛ إذ الغرض به التمكين من النفع، وهو التعريض للثواب، وذلك حاصل في هذا التكليف حصوله في تكليف من المعلوم أنه يؤمن وليس الغرض به نفس الإيمان والتمكين من النفع يجري عند العقلاء مجرى النفع في حسنه، وكونه نعمة، ولولا هذا لم يثبت في الشاهد نعمة لأحد على أحد؛ لأن أكثر ما يفعله المنعمون في الشاهد التمكين من النفع فقط.
قالوا: إدلاء الحبل إلى الغريق إذا علم أنه يخنق به نفسه قبيح، وإن كان غرضه تخليصه، فكذلك يقبح تكليف من المعلوم أنه يهلك نفسه بِهِ، وإن كان غرضه تعريضه.
قلنا: هذا مبني على أن المكلف أهلك نفسه بالتكليف كما خنق الغريق نفسه بالحبل وليس كذلك، وإنما أهلك نفسه بالكفر الذي لا يصح إلا مع التكليف على أن المدلى إليه الحبل يجب أن ينظر في حاله، فإن كان متمكناً من قتل نفسه قبل إدلاء الحبل، لكن المعلوم من حاله أنه لا يقتل نفسه إلا عند إدلائه فإن إدلاء الحبل يكون قبيحاً؛ لأنه مفسدة، وكذلك إن كان يمكنه تخليص نفسه من دون إدلاء الحبل فإنه يكون مفسدة، وإن كان لا يتمكن من الخنق ولا من تخليص نفسه إلا بهذا الحبل فإنه يحسن إدلاؤه إن كان المدلي قاصداً تخليصه، ولو علم أنه يخنق به نفسه؛ لأنه يكون تمكيناً، وهذا حال التكليف فإن المكلف لا يتمكن من تخليص نفسه، ولا من إهلاكها إلا بالتكليف، وحسن هذا التمكين في الموضعين واحد؛ لأن الغرض واحد، ولا يجوز أن يقال: إن هذا التمكين قبيح، لأنه كما هو تمكين من الحسن فهو تمكين من القبيح؛ لأنه لو قبح لهذا الوجه لقبح كل تمكين في العالم؛ إذ التمكين من الحسن لا يتصور إلا وهو تمكين من القبيح، ولهذا فإن القدرة على الشيء قدرة على جنس ضده، فما من قدرة يمكن أن يفعل الخير بها إلا ويمكن أن يفعل بها الشر.
قالوا: إذا كان يقبح من الله تعالى أن يكلف زيداً إذا علم أن عمراً يكفر عند تكليفه فلأن يقبح تكليف زيد إذا علم أنه نفسه يكفر أولى وأحرى.
قلنا: إنما قبح في الصورة الأولى لأنه علم أنه يكفر عمرو لأجل تكليف زيد، بخلاف الصورة الثانية فإنه لم يكفر زيد لأجل تكليفه، بل لسوء اختياره، والتكليف تمكين من الكفر فقط كالقدرة والآلة، فلا يجب قبحه.
قالوا: إذا كلفنا الله تعالى فلا بد من أن يريد منا ما يتعلق به التكليف ليحسن منه تكليفنا، والإرادة لا تتعلق بما المعلوم من حاله أنه لا يقع فلا يحسن تكليف من علم من حاله أنه لا يؤمن.
قلنا: لا نسلم أن الإراداة لا تتعلق بما لا يقع، بل تتعلق بالمعلوم وقوعه، وبالمعلوم عدم وقوعه على سواء، والدليل على ذلك أن الإرادة إذا تعلقت بالشيء فإنما تتعلق به لصحة حدوثه، وما المعلوم أنه لا يقع كالمعلوم وقوعه في صحة الحدوث، فيكف لا تتعلق به الإرادة، ألا ترى أن أحدنا يريد ما يشك في وقوعه، بل ما يعلم أنه لا يقع كإرادة النبي صلى الله عليه وآله وسلم إيمان أبي لهب، وكإرادتنا من الكفار أن يؤمنوا دفعة واحدة مع أنا نعلم بالعادة أن ذلك لا يقع.
فإن قيل: لا نسلم أن الإرادة تتلعق بالمعلوم أنه لا يقع، وإنما ذلك الذي سميتموه إرادة تمَنٍّ، ولا نسلم أيضاً استواء المعلوم وقوعه، والمعلوم عدم وقوعه في صحة الحدوث، فإن القدرة على خلاف المعلوم محال عندنا.
قيل في الجواب عن الأول: أن ذلك ينبئ عن جهلكم فإن التمني من أقسام الكلام، والفرق بين الإرادة والكلام جلي، وعن الثاني: بأن القدرة لو كانت على خلاف المعلوم محالاً لكان لا يصح في القادر على الشيء أن يكون قادراً على الضدين؛ لأن المعلوم أنه لا يكون إلا أحدهما لا محالة، وفي علمنا بأن القادر قادر على الضدين دليل على فساد ما قلتم.
قالوا: إذا كان غرض القديم تعالى بالتكليف نفع العباد، فهلا كلفهم على وجه آخر إذا أتوا به استحقوا المدح والثواب، وإذا لم يأتوا به لم يستحقوا الذم والعقاب.
قلنا: هذا مبني على أن في التكليف جهة أخرى تقوم مقام هذا في الغرض، ولسنا نسلمه كما لا يمكن الوالد إبلاغ ولده درجات الكمال من دون طريقة التعليم.
فإن قيل: بل هاهنا جهة أخرى وهي النوافل التي يثاب على فعلها ولا يعاقب على تركها، فهلا اقتصر في التكليف عليها.
قيل: لا يحسن التكليف بها ابتداء، بل على جهة التبع للواجبات عند من جعل وجه حسن التكليف بها كونها مسهلة للفرائض، وداعية إليها، وأما من يجعل الوجه في ذلك كونها لطفاً في مندوبات عقلية، فنقول: إن النفع في الواجبات أعظم فتكون النعمة في التكليف بها أعظم، والراد لذلك أُتي من جهة نفسه.
قال في (المنهاج): وله أن يقول أيضاً ليس يصح أن يكلفه بالنوافل إلابشروط حصولها معها ومع الواجبات، وترك المقبحات على سواء.
منها: أن يقدره عليها، والقدرة تتعلق بالكل على سواء، ومنها: أن يكمل له عقله، ومن جملة كمال العقل العلم بوجوب الواجبات وقبح المقبحات، ومنها: أن يجعلها شاقة بخلق النفرة عنها، ومتى تكاملت شرائط التكليف بالجميع وجب التكليف بالجميع.
قلت: وهو كلام حسن، على أن كثيراً من الناس أوجب تمام النوافل عند الدخول فيها، ومن تركها بعد الدخول استحق العقاب، وعلى هذا يبطل غرض السائل، ثم إنه قد تكرر أن المراد بالتكليف تعريض المكلف على درجة لا تنال إلا به، وليس الغرض به وصول المكلف إلى الثواب، والغرض بالتكليف حاصل، سواء وصل المكلف إلى الثواب أم لا.
قالوا: إذا كلف الكافر وقد علم أنه لا يؤمن فكأنه أمره بتجهيله وذلك فاسد، وأيضاً فقد كلفه ما لا يطيق؛ لأن القدرة على خلاف المعلوم محال.
قلنا: التجهيل ممتنع لأنه ما به يصير الشيء جاهلاً والإيمان لا يصير الشيء جاهلاً، وأيضاً فإن الله تعالى كما علم من حال الكافر أنه لا يؤمن فقد علم من حاله أنه لو اختار الإيمان لقدر عليه، وهذا هو الذي يحتاج إليه المكلف في اختيار الإيمان لا علم الله تعالى به، وقد استوفينا الكلام على هذه المسألة في المسألة الرابعة مما يتعلق بهاتين الآيتين.
وأما قوله:بأن تعلق القدرة بما المعلوم أنه لا يقع محال، فقد تقدم الجواب عنه قريباً.
قالوا: إذا أمر الوالد ولده بالتجارة وطلب المنافع، وهو يعلم أنه يهلك دونها ولا يصل إليها قبح منه؛ إذ لا شك أن العقلاء يستقبحون من العاقل أن يفعل فعلاً لغرض مع حصول اليقين بأنه لا يفضي إلى ذلك الغرض، وإنما يفضي إلى ضده.
قلنا: لا شك فيما قلتم، لكنكم جهلتم الفرق بين هذه الصورة وبين التكليف فإنه إنما قبح هنا؛ لأنه إنما يأمر ولده بذلك لنفع نفسه، ولتحصل له زيادة مسرة بما يصل إلى ولده من المنافع، فمتى أمره مع العلم بأنه يهلك دونها كان ناقضاً لغرضه، وكالجالب إلى نفسه ضرراً وغماً ولم يحصل من هذا شيء في التكليف؛ لأن الباري تعالى لا ينتفع به، ولا يلحقه ضرر عند فوت النفع وضرر المكلف، فلم يقبح منه، فإنما هو كمن يستدعي الغير إلى الدين والصلاة ليحصل له نفع وهو يعلم أنه لا يقبل.
قالوا: لو كان غرضه تعالى نفع المكلف لمنعه من الكفر.
قلنا: إن أردتم لمنعه بالقهر والجبر فذلك يبطل التكليف الذي هو تعريض للنفع فكأنكم قلتم: لوأراد النفع لفعل ما يبطل النفع، وإن أردتم المنع الذي يبقى معه التكليف فليس إلا النهي والوعيد، وقد فعله الله تعالى.
قالوا: وكيف عدل الباري تعالى بالمكلف عن النفع المتيقن الذي هو التفضل إلى التكليف الذي هو سبب فوات النفع، بل في حصول الضرر.
قلنا: الثواب نفع عظيم يستحق على طريقة التعظيم ، وما هذا حاله لا يحسن الإبتداء بمثله، ألا ترى أنه لا يحسن من أحدنا أن يعظم أجنبياً كتعظيم والديه، ولا أن يعظم والديه كتعظيم النبي، وليس ذلك إلا لعدم الاستحقاق، فصح أنه لا يحسن الابتداء به، ثم إن التكليف تفضل، وليس على الله تعالى اقتراح في اختيار تفضل على تفضل.
قال القرشي: على أن النعمة بالتكليف أفضل لتأدية ذلك إلى المنافع العظيمة وصار كالوالد فإنه يعدل بولده عن الراحة إلى المشاق لتأديته إلى المنافع، وقولهم: إن التفضل متيقن غير صحيح؛ لأنه غير واجب فمن أين يتيقن، وقولهم: إن التكليف سبب في فوات النفع وحصول الضرر باطل بما تقدم من أن السبب المعصية، يوضحه أنه يحسن عقلاً العفو عن الكافر بمعنى أنه لا يحيله. والله أعلم.
واعلم أنا قد أطلنا الكلام في إبطال هذه الشبهة وحل ما أبرمه الخصوم في تقريرها لما تقدم من أنها أعظم شبه المجبرة في إبطال مسألة التحسين والتقبيح العقليين، ولهذا أوردها الرازي وأرعد وأبرق في تقريرها، وحيث قد من الله علينا بمعرفة الحق فيها، وتبين بمعونة الله سبحانه حسن تكليف من هذا حاله بما أوضحناه من البراهين القاطعة فلنرجع إلى ما قالوه من أنه لم يبق إلا قبح التكليف أو سقوط العقاب، فنقول:
أما التكليف فقد ثبت حسنه بما تقدم، وأما سقوط العقاب فلا ملازمة بين حسن التكليف وسقوطه بحال، بمعنى أنه إذا حسن التكليف لزم سقوط العقاب.
فإن قالوا: بل الملازمة ظاهرة؛ لأن التكليف سبب للعقاب، والعقاب ضرر خال عن النفع فوجب سقوطه لأنه قبيح.
قلنا: قد تقدم أن التكليف ليس سبباً في العقاب، وإنما سببه الكفر فبطلت الملازمة سلمنا، فلا نسلم قبح العقاب حينئذٍ لثبوت استحقاقه، وذلك كاف في حسنه، وقد قررنا ذلك بلا مزيد عليه، فتأمله موفقاً إن شاء الله.
واعلم أنه لا خلاف بيننا وبين المجبرة في حسن تكليف من علم الله أنه يكفر إلا أنهم قالوا: إنما يحسن لأنه لا يقبح من الله قبيح، وإن كان قبيحاً في الشاهد، ونحن نقول بحسنه للوجوه المتقدمة بحيث لو لم تكمل فيه وجوه الحسن لحكمنا بقبحه؛ لأنه يقبح القبيح لوقوعه على وجه شاهداً وغائباً.
تنبيه:[في تكليف من علم الله أنه لا يؤمن]