يقولون: لا دلالة للعقل عليه أصلاً.
قلت: أما الموسوي فهو من العدلية وهم لا ينفون حكم العقل إلا أنه لما ورد على بعض الأدلة العقلية ما ورد من الإشكالات لم تنتهض عنده على الاستدلال بها على الاستحقاق.
فقال: لا طريق للعقل إلى معرفة الاستحقاق للعقاب، وقد وافقه على ذلك كثير من أصحابنا المتأخرين، ذكره الإمام المهدي عليه السلام ، بخلاف الكرامية، وابن الراوندي، فالظاهر أنهم إنما نفوه لنفيهم الحكم العقلي من حيث هو. والله أعلم.
واعلم أن الإمام المهدي عليه السلام قد أوضح الاحتجاج على ما ذكره قاضي القضاة، فقال: لنا في الاحتجاج على أن استحقاق العقاب لا يعلم إلا عقلاً فقط أن نقول: قد ثبت وجوب معرفة الله تعالى، وإنما وجبت المعرفة لكونها لطفاً في أداء الواجبات، واجتناب المقبحات، فيجب تحصيلها ليحصل بها اجتناب المعاصي كما هو شأن اللطف، وفائدة ذلك وثمرته هي التحرز من العقاب، فتكون المعرفة جارية مجرى دفع الضرر عن النفس فتجب، ومعلوم أن هذا متوقف على العلم بالاستحقاق للعقاب؛ لأنا إذا لم نعلم استحقاق العقاب على المعصية لم يصح القطع بوجوب معرفة الله تعالى، فيلزم أن لا يكون إلى وجوبها طريق، وقد علم بطلانه فثبت أن العلم باستحقاق العقاب عقليٌ محضٌ.
قال الإمام المهدي عليه السلام : ولأبي رشيد أن يقول: إنما يلزم ذلك لولم تمكن معرفة الله إلا بعد العلم باستحقاق العقاب، والمعلوم أنه يمكن النظر فيها وتحصيلها وإن لم يعلم استحقاق العقاب، وإذا أمكن ذلك أمكن العلم بصحة السمع،وحينئذٍ يصح الاستدلال به على استحقاق العقاب، وإنما الذي يقف على العلم بالاستحقاق هو وجوب المعرفة لا إمكانها، وحينئذٍ يصح قول أبي رشيد إنه يمكن الاستدلال بالسمع على الاستحقاق مستقلاً، خلا أن القاضي بنى على الغالب، وهو أن المكلف لا يتحمل مشقة النظر في معرفة الله إلا عند المخافة من الإخلال بها، فمهما لم يخف لم ينظر، وإذا لم ينظر لم يعلم الله، وإذا لم يعلمه لم يعلم استحقاق العقاب.
قال عليه السلام : وذلك قريب، ومن ثم اخترنا كلام القاضي، وهو محمول على ما أوضحناه.
فإن قيل: هلا كفى في وجوب المعرفة تجويز استحقاق العقاب، وإن لم نقطع باستحقاقه، كما يكفي ذلك في وجوب النظر في أول أحوال التكليف.
قيل: قد أجاب عن هذا الإمام المهدي عليه السلام فقال: إن تجويز الاستحقاق كاف في وجوب النظر والمعرفة؛ لأن الضرر الموهوم كالمعلوم في وجوب التحرز منه حيث استوى طرفا التجويز ما لم يعلم أو يظن السلامة، ولا تجويز إلا حيث لم يكن في العقل ما يقضي بقبح عقاب العاصي، وذلك هو معنى الاستحقاق.
وقال النجري في جواب هذا السؤال: تجويز الاستحقاق لا يتصور؛ لأنه إذا علم وجه قبح العقاب قطع بعدم الاستحقاق، وإن لم يعلم وجه القبح فهو منتف قطعاً؛ لأنا لو جوزنا فعله حينئذٍ كان حسناً لعدم المقتضي للقبح وهو معنى الاستحقاق.
تنبيه:[شروط الاستحقاق العقاب]
قد ثبت بما تقدم استحقاق العقاب، خلا أن ذلك متوقف على شروط، وهي أربعة:
أحدها: أن يكون الفعل قبيحاً؛ لأنه إذا كان حسناً فملعوم أنه لا يحسن عقابه.
الثاني: أن يكون فاعله عالماً بقبحه، أو متمكناً من العلم بقبحه ليمكنه الاحتراز عنه؛ لأنه إذا لم يكن كذلك فلا يمكنه الاحتراز، ولهذا قلنا: إن الصبي لا يستحق ذماً ولا عقاباً على فعل القبيح، وقلنا: باستحقاق الخارجي ذلك على قتل المسلم، وإن كان معتقداً حسنه؛ لما كان متمكناً من العلم بقبحه.
الثالث: أن لا يكون إلجاء، ولا إكراهاً؛ لأنا نعلم ضرورة أنه لا يحسن ذم الملجأ ولا عقابه.
الرابع: أن يكون له شهوة أو شبهة؛ لأنا لو قدرنا وقوع القبيح من الله تعالى لم يستحق عقاباً، وإن كان عالماً بقبحه، ولا إلجاء ولا إكراه له، وإنما لم يستحق ذلك لعدم الشهوة والشبهة في حقه تعالى؛ إذ الشهوة من صفات الأجسام، والشبهة مختصة بالعالم بعلم، والله متعال عن ذلك كله، وقد كان بعض أصحابنا يقول: يجب أن يكون عالماً بقبحه أو متمكناً، ويصح عقابه حتى يستحق العقاب، وكأنه أراد بقوله: ويصح عقابه إخراج الباري في هذه الصورة المقدرة تعالى الله عنها، وما ذكرناه في الشرط الرابع يغني عنه على أن بعض أصحابنا قد ذكر صورة يصح فيها العقاب ولا يستحق ، وهي: أن من أغناه الله بالحسن عن القبيح لو فعل قبيحاً لكان لا يستحق عقاباً، وإن كان يصح عقابه؛ لأنه لا يكون مكلفاً بترك القبيح؛ إذ لا مشقة عليه في امتناعه حتى إذا امتنع استحق الثواب، ومن لا مشقة عليه في امتناعه لم يصح أن يكلف الامتناع عنه، وبهذا يظهر لك أنه لا يصح الإخراج إلا بما ذكرنا.
فإن قيل: فما المؤثر في استحقاق العقاب من هذه الشروط؟
قيل: الأول فقط، وما بعده شروط في صحة الاستحقاق؛ لأن علمه بقبحه أو تمكنه من العلم بقبحه يكون من فعل الله تعالى، وفعل الله لا يجوز أن تستحق عليه العقوبة، وإنما يستحق العقاب على ما يفعله لا غير.
إذا عرفت جميع ما تقدم، وثبت لك أن العذاب مستحق عقلاً فلنورد بعد ذلك الشبه التي أوردها الرازي، ونأتي في الجواب عنها بما يحتمله الحال والمقام، مع أن المعول عليه في جوابها هو ما قدمناه من ثبوت الاستحقاق، وأنه إذا ثبت الاستحقاق ثبت الحسن، وانتفى القبح الذي بنى عليه تلك الشبه، فنقول:
الشبهة الأولى: أن العقاب ضرر خال عن المنفعة فوجب قبحه؛ إذ لا يصح أن يعود نفعه إلى الله؛ لأنه متعال عن النفع والضر بخلاف الواحد منا فإنه يستلذ بعقاب عبده وتأديبه إن عصاه، ولا يصح عود نفعه إلى المعاقب؛ لأن الضرر لا يكون عين المنفعة ولا إلى غيره؛ لأن ايصال الضرر إلى شخص لنفع آخر لا يصح؛ لأن دفع الضرر أولى بالرعاية من جلب النفع، مع أنه يمكن إيصال المنفعة من غير توسيط الإضرار بالغير، فيكون التوسيط عديم الفائدة، فثبت أن العقاب ضرر محض، فوجب قبحه، وذلك معلوم، وإذا ثبت قبحه امتنع وقوعه من الله تعالى؛ لأنه حكيم لا يفعل القبيح.
قلت: وهذه الشبه محكية عن الملحدة، والجواب من وجهين:
أحدهما:أنه قد ثبت استحقاقه، وإذا ثبت استحقاقه ثبت حسنه، وإن لم يكن فيه نفع لأحد إذ الاستحقاق أحد وجوه الحسن، والدليل على ذلك أن معنى الاستحقاق مصير الشيء حقاً للغير، ومتى علمنا مصير إيلام زيد حقاً لعمرو حكمنا أنه يحسن من عمرو استيفاء حقه ضرورة.
الثاني: أنا لم نقل أنه يحسن من الله تعالى عقاب المكلف لنفع يعود عليه كتشفي الغيظ أو نحوه، ولا على المعاقب ولا على الغير؛ لأن هذه الوجوه كلها لا تأثير لها في حسن العقاب، وإنما قلنا: إنه يحسن من الله عقاب المكلف لاستحقاقه إياه بإقدامه على القبائح وإخلاله بالواجبات، ثم إنا نقول لهم: ما تقولون في الذم فإنه ضرر، فيجب أن لا يحسن إلا للتشفي والالتذاذ أو للنفع على ما ذكرتموه، والمعلوم خلافه.
فإن قلتم: لا يحسن إلاَّ للاستحقاق.
قلنا: فارضوا منا بمثله في العقاب.
الشبهة الثانية: أَن الله تعالى كلف الكافر مع علمه بأنه لايؤمن، وأنه لا يظهر منه إلا العصيان فيكون التكليف حينئذٍ سبباً للعقاب، والعقاب ضرر خال عن النفع، فوجب قبح التكليف للكافر والحكيم لا يفعل القبيح، فلم يبق إلا القول بقبح التكليف، أو سقوط العقاب.
قلت: وهذه الشبهة قد ضل بها كثير من الناس، فالملحدة توصلوا بها إلى نفي الصانع، وقالوا: لو كان هاهنا صانع حكيم لما صدر منه مثل هذا التكليف، والمجبرة جعلوها أعظم شبههم في إبطال التحسين والتقبيح العقليين، فإنا إذا حكمنا بأن القبيح يقبح منه تعالى كما يقبح منا، قالوا: إن هذا التكليف قبيح لا محالة لو فعله الواحد منا، وقد حسن من الله تعالى.
قال القرشي: وقد جعلها قوم شبهة في إثبات ثان.
قلت: لعله أراد من ينسب الخير إلى النور، والشر إلى الظلمة.
والجواب والله الموفق: أما من ينكر الصانع فلا يحسن الجواب عليه في هذه المسألة إلا على جهة التبع،كما لا يحسن الكلام مع اليهود والنصارى في مسألة المسح على الخفين مع إنكارهم النبوة، وكذلك من يثبت الثاني؛ إذ هو جاهل للصانع.
وأما المجبرة فالجواب عليهم من وجوه:
أحدها:أنه لا نزاع بين العقلاء في أن الإحسان إلى الغير حسن، وإذا ثبت حسنه بالاتفاق، فينبغي النظر في ثلاثة أمور:
أحدها: في حقيقة الإحسان.
والثاني: في وجه حسنه.
والثالث: في هذا التكليف هل حصلت فيه تلك الحقيقة أم لا؟
فأما الأمر الأول وهو حقيقة الإحسان: فهو تمكين الغير من منفعة لا على وجه يقبح أو دفع مضرة عنه كذلك مع القصد، ذكر هذا الحد الإمام المهدي عليه السلام ، وقد خرج بقوله: تمكين الغير تمكين النفس من الانتفاع فإنه لا يسمى إحساناً،بل حسناً؛لأن المعلوم من اللغة أن من أكل ما يتلذذ به فإن أكله لا يسمى إحساناً بل حسناً،وخرج بقوله: من منفعة التمكين مما لا منفعة فيه، وبقوله: لا على وجه يقبح إعطاء الحرام من ينتفع به فإنه لا يكون إحساناً؛إذ المعلوم من اللغة أن الإحسان فعل حسن وهذا قبيح،وقال:أو دفع مضرة كذلك أي لا على وجه يقبح؛ لأن دفع المضرة عن الغير إحسان بلا ريب،وخرج بقوله:لا على وجه يقبح دفع المضرة عن الغير بمضرة أخرى راجحة أو مساوية فإنه لا يكون محسناً بذلك قطعاً،وقال مع القصد لأنه لو صدر منه النفع أو الدفع لا على قصد التمكين أو الدفع لم يكن محسناً.
قال عليه السلام : ولم نرد أنه قصد أنه ينتفع به ذلك المحسن إليه، وإنما أردنا قصد التمكين والدفع فقط فذلك كاف في كونه إحساناً، فهذه حقيقة الإحسان لغة، وعرفاً، واصطلاحاً؛ لأن هذه القيود إذا اجتمعت في فعل سمي إحساناً، ومتى اختلت أو أحدها لم يسم إحساناً، وهذا الحد صحيح لاطراده وانعكاسه مع الإبانة عن المحدود.
فإن قيل: بل هو غير صحيح لأنكم تركتم قيدين لا بد من اعتبارهما، وإلا فسد الحد، وخرج الفعل عن كونه إحساناً.
أحدهما:علم فاعل الإحسان بالانتفاع، وإلا كان عبثاً.
الثاني:أن يريد انتفاع المحسن إليه بذلك الإحسان، وإلا عاد على غرضه بالنقض والإبطال فيقبح.
والجواب عن القيد الأول: أنا لا نسلم أن المحسن إذا لم يعلم بالانتفاع يكون عبثاً؛ لأن فعل الإحسان إنما يحسن لكونه تمكيناً من الانتفاع لا لحصول الانتفاع فإنه قد يحسن وإن لم يحصل الانتفاع اتفاقاً،وذلك حيث يعطي الغير مالاً لينتفع به فيهلك المال،أو يموت المحسن إليه قبل الانتفاع، أو يترك الانتفاع للزهد أو لغيره،فإن المعلوم ضرورة من اللغة أنه يسمى المعطي محسناً ولو كان العلم بوقوع الانتفاع شرطاً في كونه إحساناً لزم خروج ذلك المحسن عن كونه محسناً ولا قائل به.
والجواب عن القيد الثاني:أنا لو اعتبرناه للزم فيما أباحه الله تعالى لنا أن لا يكون إحساناً منه إلينا،لأنه تعالى لا يريد منا فعل المباح، وإلا لزم أن نثاب عليه،ثم إنه لا وجه لاشتراط ذلك إلا لو كان وقوع الانتفاع شرطاً في الإحسانية،وإلا فلا وجه له؛لأن وقوع الانتفاع فعل غير المحسن فهو أجنبي عنه،ولا فرق بين إرادته وإرادة طلوع الشمس أوغروبها في أنه لا علقة بينها وبين الإحسان ولا تأثير لها فيه،وقد تقدم أنه لا يعتبر إلا التمكين لا الوقوع.
فإن قيل: إن منكم من أوجب على الله اللطف، وهذا الجواب ينقض ذلك عليكم، وبيانه: أنكم قلتم لو لم يلطف الله بالمكلفين، لكان تكليفه إياهم بمنزلة من اصطنع طعاماً للغير، وعلم أنه لا يتناوله إلا إذا دعاه إليه، فإنه إذا لم يدعه إليه عاد على غرضه بفعل الطعام، وهو إرادة تناوله بالنقض، فكان عابثاً بفعل الطعام والعبث قبيح، فكذلك إن لم يعتبر في كمال الإحسان إرادة انتفاع المحسن إليه كان قبيحاً، كما يقبح فعل الطعام إن لم يدعه إليه.
والجواب: أنا لم نوجب اللطف في كل تكليف، وذلك أن التكليف له معنيان كما تقدمت الإشارة إلى ذلك:
أحدهما: بمعنى إكمال علوم العقل، وهو بهذا المعنى لا يجب اللطف لأجله؛ لأن إخلاله باللطف حينئذٍ لا يعود على غرضه الذي هو إكمال التعريض للمنافع والتمكين منها بالنقض؛ إذ قد حصلت من دون اللطف، وذلك بمجرد إكمال العقل.
والثاني: بمعنى إرادته منهم فعل الواجبات، واجتناب المقبحات، وأمره، ونهيه بذلك، وهذا هو الذي وجب لأجله اللطف؛ لأن من أراد من غيره أمراً وهو يعلم أنه لا يفعله إلا إذا دعاه، ولا مانع له من الدعاء فإنه إذا لم يدعه عاد على غرضه الذي هو إرادة فعله بالنقض، كما في المثال الذي ذكره السائل؛ لأن المفروض أنه لم يصنع ذلك الطعام إلا وهو يريد من الغير تناوله، ومسألتنا لا توازن التكليف بهذا المعنى، بل بالمعنى الأول، فكما أن إكمال علوم العقل لا ينتقض الغرض بها لإخلاله باللطف، كذلك لا ينتقض كون التمكين إحساناً بالإخلال بإرادة الانتفاع؛ إذ لا يتنقض غرضه وهو فعل الإحسان بذلك، وتحقيق ذلك أن الغرض بإكمال العلوم أن يحصل بعده التعريض للثواب بإرادة فعل الواجبات العقلية، فإذا أراد فعل الواجبات فقد حصل الغرض بإكمال علوم العقل، وإن لم يفعل الألطاف ولا يكمل الغرض بالإرادة إلا بفعل الألطاف، فالتمكين من المنافع وإن لم يرد منه الانتفاع بها نظير خلق العلوم مع الإرادة في كمال الغرض بفعلها.
فإن قيل: هلا قلتم بكمال الغرض بالتكليف وهو التعريض للمنافع بإكمال علوم العقل من دون إرادة فعل الواجبات، واجتناب المقبحات.
قيل: لا لأن الثواب لا يستحق على الله تعالى إلا لأجل مطابقة مراده؛ لأنه مجازاة، وإذا لم يستحق إلا بالإرادة فالإرادة والأمر كمال التعريض، وإذا أراده ولم يدع إليه عاد على إرادته بالنقض، وبهذا تظهر لك فائدة الإرادة. والله الموفق.
فإن قيل: قد أقمتم الدلالة على عدم اعتبار القيدين المذكورين، لكن بقي قيد لا بد من اعتباره وهو تجويز انتفاع المحسن إليه بذلك الفعل، لأنه إذا فعله وهو قاطع أنه لا ينتفع به أحد جرى مجرى العبث؛ إذ لا فائدة فيه حينئذٍ للمحسن، ولا للمحسن إليه، وإذا كان عبثاً لم يكن إحساناً ولا نعمة.
فالجواب: أنا لو جعلنا ذلك شرطاً في مصير الإحسان إحساناً لم يكن له وجه إلا أن تمام كونه إحساناً وقوع الانتفاع به، وإلا فلا وجه لاشتراط تجويز وقوعه إذا لم يكن لوقوعه تأثير في مصير التمكين إحساناً؛ لأنه يكون أجنبياً مع عدم تأثيره في الإحسانية، فلا فرق بين أن نشترطه، أو نشترط طلوع الشمس من مشرقها إذ هما على سواء في الأجنبية كما تقدم، وقد ثبت أن الإحسان يكمل إحساناً بمجرد التمكين، وإن لم يقع الانتفاع به كما حققناه، وحينئذٍ لم يبق وجه لاشتراط تجويز الانتفاع به، وهذا وجه واضح جلي لا ينازع فيه إلا معاند، ثم إنا لو اعتبرناه لخرج من الإحسان ما هو منه بالاتفاق، وذلك إعطاء الله الأموال العظيمة الجسيمة من يعلم أنه لا ينتفع بها حتى يأتيه الموت فإنه إحسان بلا خلاف.
فإن قلتم: إنه ينتفع بالإلتذاذ بها وذلك كاف.
قلنا:فَقَدِّرُوا ذلك الإعطاء لطفل أو مجنون لا يعقل الالتذاذ بها.
فإن قلتم: ليس ذلك إحساناً خالفتم ما المعلوم خلافه، وإن قلتم: بل هو إحسان ونعمة بطل سؤالكم، وثبت كون الإحسان إحساناً باجتماع القيود التي ذكرنا، وأيضاً فإنا نسألكم عن قوله تعالى: {وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ...} الآية[ فصلت:17].
فإن قلتم: إن هذا الهدى إحسان بطل قولكم، وإن قلتم: ليس بإحسان خالفتم الأمة؛ إذ لا خلاف في أن هذا الهدى إحسان إليهم مع أنه تعالى عالم أنهم لا ينتفعون به، وإنما اختلفت الأمة في تكليف من علم أنه سيكفر لما يحصل بسبب التكليف من المضرة، وأما الهدى فلا يحصل بسببه مضرة، فلا خلاف في كونه إحساناً، وأما النظر في الأمر الثاني وهو في وجه حسن الإحسان فهو كونه إحساناً لأنا متى علمناه إحساناً عرفنا حسنه، وإذا لم نعلمه إحساناً لم نعرف حسنه، كما أنا متى علمنا الفعل ظلماً علمنا قبحه، ومتى لم نعلمه ظلماً لم نعلم قبحه، وهذا معلوم.
وأما النظر في الأمر الثالث وهو في تكليف من علم الله أنه يموت كافراً هل قد حصلت فيه حقيقة الإحسان ووجه حسنه أم لا؟
فاعلم: أنه إذا قد ثبت بما تقدم بيان حقيقة الإحسان ووجه حسنه، فإنا إذا نظرنا في هذه المسألة وأنصفنا علمنا علماً يقيناً لا شك فيه أن تلك الحقيقة شاملة لها، وأن وجه الحسن حاصل فيها، وإذا شملتها هذه الحقيقة وحصل الوجه، وجب القول بحسن تكليف من علم الله أنه يموت على الكفر، وأن ذلك نعمة من الله تعالى على ذلك المكلف، وتوضيحه أن الله تعالى قد أقدر الكافر على الإيمان، وأعلمه أن له فيه منافع أبدية لا يعدل بها منفعة، وأقدره على دفع مضرة الكفر بأن مكنه من الإيمان تمكيناً تاماً بخلق القدرة عليه والعلم به، وبما له فيه من المنافع العظيمة، وبما عليه من المضرة بالإخلال به، فقد حصلت فيه حقيقة الإحسان.
ألا ترى أنه مكنه من منفعة لا على وجه يقبح مع القصد إلى ذلك، وإذا ثبت حصول الحقيقة علم حصول وجه الحسن، وهو كونه تمكيناً كذلك، فثبت حسن هذا التكليف كما ثبت حسن الإحسان، وانتفى الإشكال، والحمد لله ذي المن والإفضال.