واعلم: أن في قصر الإمام عليه السلام اختيار العاصي للمعصية على أحد هذين الأمرين نظر، فإن كثيراً من العصاة يرتكب المعصية مع علمه بالصانع، ويقينه بأنه يعاقبه عليها لا محالة كإبليس اللعين، وكثير من أحبار اليهود، ورهبان النصارى الذين خالفوا نبينا صلى الله عليه وآله وسلم ، وجحدوا بنبوته {وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً}[النمل:14] واستكباراً وعتواً، ومن تأمل ما روي في كتب التفسير والتواريخ وغيرها علم تجاري كثير من علماء السوء من هذه الأمة وغيرهم على المعاصي، مع انتفاء هذين الأمرين اللذين ذكرهما الإمام عليه السلام ، والذي يظهر أن سبب هذا كله حب الشهرة، وانتشار الصيت وخوف فوت الجاه، ومحبة الترأس على الناس، وحب المال والشرف، أعاذنا الله من ذلك كله، وقد نبه الله على ذلك بقوله: {بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا}[الأعلى:16] {إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ}[البقرة:34] {أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ...} الآية[النساء:54].
وفي كلام علي عليه السلام ما معناه: (إن الناس منعونا حقنا بغياً وعدواناً علينا) وهو في النهج.
تنبيه: [في التعقيب على كلام الإمام ا لمهدي حول الإيحاء]
اعلم: أنه قد تقدم منا تأويل كلام الإمام المهدي عليه السلام -أعني قوله: (إن مع تيقن وصول عقاب المعصية يصير المكلف ملجأ إلى تركها)- ثم رأيت له في موضع آخر التصريح بما يضعف التأويل، وهو قوله: (إن تيقن وصول العقاب العظيم الدائم إلى فاعل المعصية من غير تجويز لسقوطه يحصل به إلجاء محض إلى ترك المعصية، وإن تراخى أيما تراخ، ولا يخرج عن كونه إلجاء إلا بتجويز سقوطه بوجه).
قلت: وكلامه عليه السلام هذا يهدم جميع ما تقدم من أنه لا يخرج عن الإغراء إلا بالعلم باستحقاق العقاب ليكون الصارف مقاوماً للداعي؛ لأنه يقتضي أنه يكفي في الخروج على الإغراء تجويز العقاب أو ظنه، مع أنه قد أبطله،والصحيح أنه يخرجه عن الإلجاء قوة الداعي، لكن لا على جهة الغلبة للصارف،بل على جهة المساواة كما تقدم، ولا يبعد أن الداعي وإن لم يساو الصارف يكون كافياً في الخروج عن الإلجاء.
ولو قيل: إن خلق قدرة المكلف على خلاف ما كلف به ومنعه منه بالنهي والزجر كاف في دفع الإلجاء لكان صواباً،فإن الملائكة" مكلفون مع عدم هذا الداعي،ويكون في حَقِّنا زيادة تكليف فقط كتخلية إبليس،اللهم إلا أن يظهر فارق بين شرط تكليفنا وتكليف الملائكة". والله أعلم.
ولعل الإمام عليه السلام بنى كلامه هذا على ما قرره من قصر اختيار المعاصي على أحد الأمرين، أو على أن هذا الدليل ضعيف عنده، ويكون اختياره في الدلالة على استحقاق العقاب غيره. والله أعلم.
فإن قيل: قد قررتم أنه لولا العلم باستحقاق العقاب على القبيح لكان الباري تعالى مغرياً به بخلقه الشهوة له، فيلزمكم أن يكون تعالى مغرياً بالمكروه بخلق الشهوة له مع الأمان من العقاب على فعله، والإغراء بالمكروه قبيح، كما أن اللطف الداعي إلى تركه واجب؛ إذ لو لم نقل بقبح الداعي إلى فعله لبطل وجوب الداعي إلى تركه؛ إذ لا يصح أن يقال: يجب عليه فعل الداعي إلى ترك المكروه، ويحسن منه فعل الداعي إلى فعله؛ لأن ذلك مناقضة.
والجواب: من وجهين:
أحدهما:أنا لم نوجب اللطف الداعي إلى ترك المكروه إلا لأن الإخلال به يعود على التكليف به بالنقض، وهو التعريض للثواب على تركه، فإنه إذا أعلم المكلف بأن له في تركه ثواباً، وعلمنا أن في مقدوره ما يدعو المكلف إلى تركه ليحصل له الثواب الذي عرضه له، ولم يفعل ذلك الداعي كان تعريضه كلا تعريض يلحق بالعبث، فهذا وجه الوجوب،وأما خلق الشهوة فهو نفس التعريض؛لأنه لا يستحق الثواب على تركه إلا معها،وإلا انتفت المشقة،وحينئذٍ يحسن منه فعل الشهوة وليست إغراء بقبيح؛ لأن المكروه ليس بقبيح.
وأما قولكم: إنه لا يصح أن يقال: يجب عليه فعل الداعي إلى الترك، ويحسن منه فعل الداعي إلى الفعل.
فجوابه: أن القول بذلك صحيح لاختلاف وجهي الدعاء؛إذ الدعاء إلى تركه يخرج به عن العبث بالتكليف بتركه،والدعاء إلى فعله تمكين من وصول منافع لاطريق إلى وصولها إلا بخلق الداعي إلى فعله، وهو الشهوة.
الوجه الثاني: أنا لو فرضنا المناقضة التي ذكرتموها، فإنا نقول:إن العلم باستحقاق الثواب على الترك في من الصرف عن فعل المكروه لنقصان شهوة المكروهات عن شهوة المقبحات، فيستوي الداعي إلى الفعل وهو الشهوة الناقصة والصارف، وهو رجاء الثواب على الترك، ونقصان شهوة المكروه معلوم.
ألا ترى أن أحدنا لا يجد من شهوة الأكل بالشمال كما يجد من رؤية شهوة الوجه الحسن المحرم، ونحو ذلك كثير، لا يقال فيلزمكم مثله فيما نقصت شهوته من القبائح كالكذب الذي لا ينفع ولا يضر، وهو أنه يكفي في الخروج عن الإغراء به العلم باستحقاق الثواب؛لأنا نقول إنه وإن نقصت شهوته في حال فإن توطين النفس على منعها منه مما يشق ويصعب، وحينئذٍ لا يكفي في تحمل مشقة منع النفس منه معرفة استحقاق الثواب، وكذلك في كل قبيح يهون على النفس تركه فإنه لا بد وأن يقترن به ما تصعب ملازمتة،وتشق حتى لا يحمل على ملازمته إلا خوف العقاب الشديد، فثبت أن المكروه يخالف القبيح في مشقة التكليف بتركه.
قلت: وهذا السؤال مبني على القول بأن المكروه مكلف به، وعلى القول بوجوب اللطف.
فإن قيل: لا نزاع في أن العلم باستحقاق العقاب نظري، وأن شهوة القبيح والنفرة عن الحسن ملازمان للتكليف من أول أحواله،وهذا يلزم منه أن يكون المكلف حال النظر في استحقاق الثواب والعقاب مغرى بالقبيح لخلق الداعي وعدم الصارف؛ إذ لا يقين بالاستحقاق قبل تمام النظر.
قيل: لا نزاع فيما ذكرتم، لكن الوصول إلى العلم بالاستحقاق يحصل في مهلة يسيرة، فيلتزم أن الله يهون الشهوة والنفرة في تلك المهلة حتى يكون تجويز استحقاق العقاب مقاوماً لتلك الشهوة، فلا يكون الباري تعالى مغرياً في قدر مضي تلك المهلة اليسيرة لوجود ما يقاوم الداعي، فإن مضت تلك المهلة التي يمكن فيها الوصول إلى العلم باستحقاق العقاب ولم يحصل العلم فإنما أتي من جهة نفسه، إما لتركه النظر، أو تقصيره فيه، وصار كالبصير الذي غمض عينيه حتى اشتاك.
فإن قلت: ومن أين لكم الفرق بين الشهوات الحاصلة في أول أحوال التكليف والحاصلة من بعده؟
قلت: لا شك في اختلاف الحال في قوة الشهوة وضعفها في كثير من الحالات، ومن المعلوم أن المكلف في أول تكليفه لا يكون منهمكاً في المعاصي كانهماكه من بعد، وغاية الأمر أنه لم يقع تنبه للفرق بين الشهوات الحاصلة في أول أحوال التكليف والشهوات المتأخرة عنها، وسبب ذلك قصر المدة، وإنما هي قدر مهلة النظر.
قال الإمام المهدي عليه السلام : وبين ابتداء النظر في مقدمات الدليل وإنتاجه هينهة قليلة جداً، لا كما يزعم كثيرٌ من المغفلين أن النظر لا يولد العلم إلا بعد أيام وشهور وأعوام، فإن ذلك مما لا يقول أحد ممن له أدنى بصيرة في علم الكلام؛ إذ يؤدي إلى الاقتحام على التعطيل عن كثير من الأحكام، بل إلى الخروج عن الإسلام.
تنبيه:[عواقب من لم يعمل]
من ترك النظر في معرفة الله تعالى، واستحقاق العقاب بعد تنبيه الله له بالخاطر أو نحوه في أول أحوال التكليف على وجوب النظر جاز تزايد الشهوة في حقه، ولا يكون إغراء بالقبيح؛ لأنه قد صار مع الخاطر كالعالم بالاستحقاق؛ إذ أقل أحوال الخاطر أن يصير العقاب موهوماً، ولا فرق في العقل بين الضرر المعلوم، والضرر الموهوم في وجوب التحرز منهما، والحاصل أن حصول التجويز باستحقاق العقاب على اتباع الشهوة كالعلم به بعد تمكينه من هذا العلم، والبعث عليه، وإن لم يفعله -أعني العلم- ويبطل الإغراء بالتمكين من الصارف عن القبيح، كما يبطل بحصول العلم، وتكون غلبة الشهوة كأنها من جهة المكلف لما أخل بدفع تلك الغلبة بعد التمكين من ذلك. والله أعلم.
وبهذا تم الكلام على تقرير الدليل الذي اعتمده أبو هاشم، ودفع ما ورد عليه، والحمد لله رب العالمين.
الدليل الرابع: ذكره الموفق بالله عليه السلام ، والسيد مانكديم، وقاضي القضاة، والحاكم وغيرهم، وتحريره أن القديم تعالى أوجب علينا الواجبات، واجتناب المقبحات، وعرفنا وجوب ما يجب، وقبح ما يقبح، فلا بد لهذا الإيجاب والتعريف من وجه، ولا وجه له إلا أَنا إذا أخللنا به أو أقدمنا على خلافه من قبيح ونحوه استحققنا من جهته تعالى ضرراَ عظيماً؛إذ لا نجوز أن يجب لمكان الثواب والنفع؛ لأن الشيء لا يجب علينا لمكان نفع،ولذلك لا يحسن منا ذم التجار الذين يقدرون على اكتساب الأرباح إن تركوا ذلك، وأيضاً لو وجب لمكان النفع للزم حسن إيجاب النوافل؛ لأن بها يستحق الثواب.
قال السيد مانكديم: ومعلوم خلافه، ولا يجوز أن يجب لكونه واجباً، ويقبح لكونه قبيحاً؛ لأن وجوب الشيء في نفسه أو قبحه لا يقتضي حسن الإلزام بفعله أو النهي عنه لوجوه:
أحدها: أنه قد يجب على الله الشيء عند بعض أصحابنا ولا يحسن منا إلزامه به.
الثاني: أنه لا يحسن منا الإلزام لما علمنا وجوبه قبل ورود السمع بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولو كان وجه وجوبه كونه واجباً لحسن منا ذلك كما يحسن من الباري تعالى، وإن تضرر الغير بأوامرنا ونواهينا، ولو وجب أن نعلم حسنه ضرورة كما نعلم حسن الإحسان لكونه إحساناً، وإنما قلنا بلزوم حسنه لحصول الوجه الذي لأجله حسن من الباري تعالى، وهو كونه إلزاماً لواجب ولما علمنا أنه لا يحسن منا كما يحسن من الباري تعالى علمنا أنه لم يحسن منه تعالى لمجرد كونه إلزاماً لواجب في نفسه أو نهياً عن قبيح في نفسه، بل لأمر زائد، ولا وجه يمكن تقديره سوى أن وجه حسن إعلامه بوجوبه كونه تعريضاً للثواب المستحق بفعله، وأما إلزامه فعله وحتمه، فليس لأجل تحصيل الثواب؛ إذ تحصيل النفع لا يجب كما مر، بل لأن عليه في الإخلال به بعد العلم بوجوبه مضرة عظيمة فألزمه دفع الضرر عن نفسه، فظهر لك أن حسن الحتم والإلزام غير وجه الإعلام، وهاهنا نكتة ذكرها الإمام المهدي عليه السلام وهي: أن أصحابنا قد ذكروا أن وجه حسن التكليف على سبيل الجملة كونه تعريضاً لمنافع لا تنال إلا به، ومرادهم بالتكليف هنا مجرد خلق العلم العاشر من علوم العقل، وهو العلم بوجوب الواجبات، وقبح المقبحات، وإنما يستحق عليها تلك المنافع لجعلها شاقة عليه وفعلها باختياره لا بإلجائه، ولو فرضناها غير شاقة لم يستحق عليها ثواباً.
قال عليه السلام : ثم إن أصحابنا قد قالوا: إن التكليف للثواب لا يحسن، وإنما يحسن لدفع الضرر.
قال عليه السلام : فظاهر الكلامين التناقض، وليس كذلك فإنما مرادهم هنا بالتكليف الحتم والإلزام لا مجرد الإعلام، وقد ظهر مما قررنا أن الحتم والإلزام للفعل لا يكفي في حسنه كونه واجباً في نفسه، بل لا بد من أمر زائد وهو دفع الضرر المستحق عليه.
فإن قيل: لِمَ لا يحصل منا إلزام الغير دفع الضرر عن نفسه؟
قيل: ورود الشرع وقد حصل وجه الحسن وهو إلزامه دفع الضرر عن نفسه كما قلتم إن ذلك وجه حسن الإلزام من الباري تعالى ونحن قد علمنا استحقاقه للعقاب عقلاً.
فالجواب: أنا وإن علمنا استحقاقه من جهة العقل فنحن لا نعلم القدر المستحق إلا بالسمع، وحينئذٍ لا يؤمن أن يكون الضرر الذي يلحقه بإلزامنا وهو تألمه بذلك أكثر من العقاب المستحق على الإخلال والإقدام فيكون ظلماً، والإقدام على ما لا يؤمن قبحه قبيح، بخلاف الباري تعالى لعلمه بالقدر المستحق. والله أعلم.
الوجه الثالث: أن في الأفعال ما يجب ولا يحسن إيجابه، كمن خوفه السلطان بضرر عظيم إن لم يشاطره على ماله فإنه تجب عليه المشاطرة، وإن كان لا يحسن من السلطان الإيجاب والأخذ.
قال القرشي: ولقائل أن يقول: لا معنى لكون الله أوجب إلا أنه عرف بالوجوب.
قلت: إما بإقامة الدلالة،أو خلق العلم فيه بوجوبه.
قال القرشي: وهذا يكفي فيه وجوب الفعل،ولا جرم يحسن من الله ومن غيره أن يعرفه وجوب مشاطرة السلطان، وليس السلطان بموجب للمشاطرة فضلاً عن أن يحسن منه الإيجاب أو يقبح، وإنما فعل سبب الوجوب، فالمعتمد ما تقدم.
قلت: لعله أراد بالمعتمد دليل أبي هاشم؛ لأنه صدره ولم يورد عليه اعتراضاً. والله أعلم.
فإن قيل: إذا لم يكن الوجه في حسن الإيجاب كون الشيء واجباً في نفسه لزم صحة أن يوجب الله ما ليس بواجب، بل إيجاب القبيح وتقبيح الواجب لأمر عارض غير كونها واجبة أو قبيحة، فإن منعتم ذلك فليس إلا لأن الإيجاب إنما يكون لوجوب الشيء في نفسه، والتقبيح إنما يكون لقبح الشيء في نفسه.
قيل: إنما يلزمنا ذلك لو قلنا لا يجب فيما أوجبه الله تعالى أن يكون واجباً، بل يجوز أن يكون غير واجب، ونحن لم نقل بذلك، وإنما قلنا: إن وجوبه لا يكفي في حسن الإيجاب، بل لا بد من اعتبار أمر آخر وهو استحقاق الضرر إن أخللنا به، وإلا لزم أن يحسن منا الإيجاب كما يحسن من الباري تعالى، وقد تقدم إبطاله.
فإن قيل: لِمَ لا يجوز أن يكون الوجه في حسن الإيجاب كونه يستحق الذم من جهة الله تعالى، ومن جهة العقلاء.
قيل: قد مر أن الذم إذا تعرى عن ضرر يتبعه قد لا يحتفل به.
قال الإمام المهدي عليه السلام : وهذا الجواب ليس بالجيد عندي هنا بخلافه في جواب هذا السؤال حيث ورد على دليل أبي هاشم فإنه قوي جيد، وأما هنا فلا يبعد حسن الإيجاب للتحرز من الذم، كما يحسن للتحرز من المضار؛ لأن التألم بالذم ربما كان أبلغ من التألم بالضرر.
قلت: وفيما قاله عليه السلام نظر، فإن التألم بالذم لا يساوي ضررالعقاب الدائم، فإن أراد بالضرر غير العقاب فليس مما نحن فيه، وعلى هذين فلا فرق في حسن الجواب هنا، وفي دليل أبي هاشم، وبهذا تم الكلام علىالدليل الرابع. والحمد الله.
واعلم: أن الإمام المهدي عليه السلام قال: إن هذا الدليل ليس بعقلي محض، بل مركب من العقل والسمع؛ لأن إيجاب الله وإلزامه وتوعده على الترك سمعي، وكون الإيجاب لمجرد النفع لا يحسن عقلي، وتقريره أن الله تعالى عدل حكيم، فلا يجوز منه تعالى أن يوجب ما ليس بواجب، وهو طلب النفع؛ لأنه يجري مجرى الإخبار بوجوبه، والإخبار بوجوب ما ليس بواجب قبيح؛ لأنه كذب، وإذا ثبت أن الإيجاب لمجرد النفع لا يحسن عقلاً كان حسن العقاب متوقفاً على السمع لتوقفه على الجنبة السمعية.
فإن قيل: إذا لم يقع الاستغناء في تركيب هذا الدليل عن السمع كان سمعياً، وفي ذلك إبطال الدليل العقلي.
قيل: أما على الوجه الذي قررناه من جهة العقل فلا يصح قولكم أنه صار سمعياً، بل مركب منهما، ولا مانع من ذلك، ولا يخرج به الدليل عن كونه عقلياً إلى كونه سمعياً.
قلت: هذا على تسليم أن المراد بالإيجاب هو الإيجاب الشرعي وهو الأمر والإلزام، فأما إذا حمل على الإيجاب العقلي فلا يرد الاعتراض، بل يكون الدليل عقلياً محضاً.
قال النجري: وتحريره أن يقال: قد أوجب الله علينا واجبات عقلية أي أعلمنا بوجوبها، ومكننا من تركها، وخلق لنا نفرة عنها، فلا بد من زاجر يزجرنا عنها، وليس هو فوات النفع المستحق على فعلها للتسامح بالنفع الآجل عادة، فيجب أن يكون ضرراً يحسن إنزاله بنا عند تركها.
قال (رحمه الله): وبهذا يندفع التناقض في كلامهم حيث يقولون مرة: إن وجه الإيجاب التعريض لمنافع الثواب، وتارة إن وجهه التحرز من المضار.
فيقال: إن أصل الإيجاب للتعريض، لكن لما لم يتم إلا بما يزجر عن الترك حسن العقاب، فصار وجوب فعله علينا للتحرز من المضار، وكذا إذا قيل: إن وجوبه لوقوعه على وجه لا للتحرز.
فالجواب هو بمراعاة جهتي الاعتبار يدرك ذلك بالتأمل وإمعان النظر.
الدليل الخامس: ذكره أئمة الهدى القاسم بن إبراهيم في كتاب الرد على الملحد، والهادي إلى الحق في البالغ المدرك، والإمام أحمد بن سليمان في حقائق المعرفة، وهو: أن الله تعالى أمر عباده بالطاعة، ونهاهم عن المعصية، فمنهم من أطاع، ومنهم من عصى، والعقل يحكم بالتفرقة بين المطيع والعاصي، وفي ذلك إيجاب الثواب والعقاب،ووجدنا المطيع والعاصي أحوالهم مستوية في دار الدانيا،فكما أن في الأولياء الموسع عليه،والمضيق عليه،والصحيح،والسقيم،فكذلك الأعداء، ولما تصرمت الأعمار، وتقضت الآجال على ذلك من دون إثابة لمطيع، ولا عقوبة لعاصٍ، ولا إنصاف لمظلوم حكم العقل حكماً جازماً ضرورياً بأنه لا بد من دار بعد هذه الدار يثاب فيها المطيعون، ويعاقب فيها العاصون، وينتصف للمظلومين من الظالمين؛ إذ العدل العالم الحكيم لا يترك عباده هملاً، ولا يضيع لعامل عملاً، ولا عدل والحال هذه إلا بالجزاء، وإلا كان خلق المكلفين عبثاً، بل ظلماً وجوراً؛ لأنه إذا لم يكن للمطيع جزاء على طاعته، ولا للعاصي عقوبة على معصيته، ولا للمظلوم انتصاف من ظالمه فقد ظلم المطيع بتحمله المشاق العظيمة لغير فائدة، وأهمل العاصي بفعل ما يشاهء، ويكون تعريفه بالمعصية عبثاً، وكان تمكين الظالم مع عدم الانتصاف منه ظلماً وجوراً على المظلوم -تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً- وبهذا تم الكلام على الأدلة العقلية الدالة على استحقاق العقاب، وهي كما ترى أدلة صحيحة قطعية، ولأجلها قال القاضي عبد الجبار وغيره من المعتزلة، واختاره الإمام المهدي عليه السلام : إن استحقاق العقاب لا يمكن أن يعلم إلا عقلاً فقط، وليس الشرع إلا مؤكداً، وخالف في ذلك أبو رشيد، فقال: بل تجوز دلالة الشرع عليه مستقلاً عن دليل العقل كما تقدم، وتحقيق ذلك أن يقال: قد توعد الله العصاة بالعقاب فلا بد أن يكون مستحقاً، وإلا لما حسن منه ذلك، وهذا هو دليل الموسوي، ومن ذكر معه في صدر المسألة إلا أنهم