قال القاسم عليه السلام : تجوز شهادة الأعمى فيما يعلم مثله من محسة أو سماع، وقال (م) بالله، ومحمد بن الحسن، وروي عن أبي حنيفة: لا تصح مطلقاً كالفاسق، وقال زفر، ومحمد بن منصور، ورواه عن أبي حنيفة: لا تصح إلا في النسب فقط إذ ليس طريقه الإدراك، وقال عطاء، والزهري، ومالك: يقبل في الإقرار والعقود؛ إذ معرفة الصوت كالإدراك، وقال ابن المسيب: يقبل فيما طريقه الاستفاضة، أو حيث تشبث بالمشهود على عقده أو إقراره حتى أداء الشهادة أو ترجمته، نحو: أن يسأله الحاكم عن معنى كلام أعجمي تكلم به في حضرة الحاكم، فيعمل بتفسيره له لاستناده إلى اليقين.
قلت: وهذا هو المذهب فإنهم قد نصوا على أن ما كان طريقه الاستفاضة كالموت، والنسب، والنكاح، والوقف، والولاء فإنها تقبل شهادته فيه، سواء أثبته قبل ذهاب بصره أو بعده، وأما ما لم تكن طريقه الاستفاضة فإن كان قد تحمل الشهادة قبل ذهاب بصره قبلت شهادته فيه، كالدين، والإقرار، والوصية، وإن لم يتحملها إلا بعد ذهاب بصره، فقيل: لا تقبل؛ لأن الشهادة على الصوت لا تصح لاحتمال المشابهة في الأصوات، وقيل وهو المذهب: بل تقبل إذا عرف الصوت وأفاد العلم؛ إذ المعتبر حصول اليقين وهو ممكن فيما لا يفتقر إلى الرؤية، وأما قياس الأعمى على الفاسق فقياس فاسد لعدم وجود علة الأصل في الفرع، فإن العلة في ردَّ شهادة الفاسق هي الفسق، وهي غير موجودة في الأعمى، بل العلة فيه هي عدم العلم فحيث حصل العلم في بعض الصور وجب قبول شهادته لعموم الأدلة، وعدم ما يوجب الرد، وقصر القبول على النسب مع مشاركة غيره له في عدم افتقاره إلى الرؤية تحكم.

وأما الأصم: فلا تصح شهادته على لفظ إلا عن مشاهدة وسماع؛ إذ لا يقين إلا عنهما، فإن لم يشاهده وإنما شهد على مجرد الصوت، فإن حصل العلم جازت الشهادة اتفاقاً، وإن لم يحصل إلا الظن، فقال الهادي عليه السلام في الأحكام وهو أحد قوليه في المنتخب وهو المذهب: أن الشهادة لا تصح، وهذا قول جمهور العلماء.
وقال مالك: وهو أحد قولي الهادي عليه السلام في المنتخب:إنها تجوز لنا ما مر من اشتراط اليقين في الشهادة.
قال أهل المذهب: وإذا حصل للشاهد تعريف عدلين مشاهدين للمشهود عليه أو عدلتين يعرفانه باسم المشهود عليه ونسبه إذا كان الشاهد لا يعرف ذلك بأنه فلان بن فلان، فحينئذٍ يجوز له أن يشهد بأن فلان بن فلان قال ما هو كيت وكيت وإن لم ير شخصه، ولو لم يكن معه إلا الظن.
قالوا: ويكون أصلاً لا فرعاً، خلاف (م) بالله، قالوا: ولا يعتبر كمال الشهادة إذ التعريف خبر لا شهادة، واعتبر بالعدد احتياطاً لابتناء الشهادة عليه فاعتبرنا شائبة الخبر والشهادة، وقيل (ح): بل تعتبر الشهادة الكاملة في حق المعرف، وقال الإمام يحيى: لا يكتفى بالتعريف لوجوب اليقين، ولا دليل يخص هذه الصورة.

المسألة الثالثة عشرة [قطعية وعيد الكفار]
دلت الآية الكريمة على أن وعيد الكفار مقطوع به بمعنى أنه يوصل إليهم ما يتسحقونه، وبيان دلالتها من وجهين:
أحدهما: أن الله تعالى قد أخبر بذلك وتوعدهم به، فلو لم يقع لكان خلفاً وإخباراً بالشيء على خلاف ما هو عليه، وذلك كذب لا يجوز عليه تعالى.
الثاني: أنه أتى باللام التي تفيد الملك والاستحقاق، فقال: {وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ}[البقرة:7] مبالغة في عدم تخلفه عنهم ومفارقته إياهم حتى كأنه ملك لهم لازم، ولا خلاف بين المسلمين في حسن تعذيب الكافر واستحقاقه، إلا ما يحكى عن مقاتل بن سليمان وبعض الخراسانية، وبعض الكرامية فذهبوا إلى أن المشرك لا يعاقب، وأنه لا معنى للشرك، غير أنهم يسترون هذا المذهب.
وحكى الرازي في تفسيره اتفاق المسلمين على أنه يحسن من الله تعالى تعذيب الكفار، قال: وقال بعضهم: لا يحسن، وفسروا قوله تعالى: {وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ}[البقرة:7] بأنهم يستحقون ذلك، لكن كرمه يوجب عليه العفو، ثم ذكر لهم شبهاً أرعد فيها وأبرق،لكن بعض تلك الشبه يقتضي قبح العقاب،والقبح ينافي ما ذكره هنا من الاستحقاق لولا أن كرمه يوجب العفو فأين الدليل من الدعوى،والذي يظهر أنه إنما أوردها لأمرين:
أحدهما:إبطال مسألة التحسين والتقبيح العقليين.
الثاني:إثبات العفو عن فساق الأمة كما يظهر من تقرير تلك الشبه، ولأنه قال في الجواب عنها: وأما الذين أثبتوا وقوع العذاب، فقالوا: إنه نقل على سبيل التواتر من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقوع العذاب، فإنكاره يكون تكذيباً للرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، وأما الشبه التي تمسكتم بها في نفي العذاب فهي مبنية على مسألة الحسن والقبح، وذلك مما لا نقول به.

واعلم: أنا نورد تلك الشبه ونستعين بالله تعالى على حَلِّهَاْ،والتخلص من ظلماتها،إلا أنا قبل ذلك نقدم كلاماً نافعاً في بيان استحقاق العذاب ليكون جواباً جملياً عن تلك الشبه،ثم نتبعه بالجواب عنها مفصلاً إن شاء الله فنقول:
اختلف العلماء في استحقاق العقاب هل هو ثابت عقلاً وسمعاً أم عقلاً فقط؟ أم سمعاً فقط؟
فقالت العترة"، وأكثر المعتزلة، وكثير من المجبرة: بل هو ثابت عقلاً وسمعاً، وقال القاضي عبد الجبار: بل عقلاً فقط والشرع مؤكد، وقال أبو رشيد: بل تجوز دلالة الشرع عليه دلالة مستقلة عن العقل.
وقالت الكرامية، وابن الراوندي: بل سمعاً فقط، ووافقهم على ذلك السيد أبو القاسم المرتضى الموسوي من العدلية.
قلت: أما الأدلة السمعية فهي كثيرة وستأتي في مواضعها إن شاء الله، ومنها هذه الآية، وقد بينا وجه دلالتها، وأما الأدلة العقلية فنذكر منها ما يليق بهذا الموضع وهي كثيرة:
أحدها: تصويب العقلاء من عاقب المسيء على الإساءة، فلولا أن العقل يحكم بهذا الاستحقاق لما صوبوه.
الدليل الثاني: ذكره الموفق بالله عليه السلام في الإحاطة، وهو أنه قد ثبت أن الاعتقاد باستحقاق الثواب والعقاب على فعل الطاعات وتركها، وفعل المعصية وتركها لطف لأحدنا في أدائها، واجتناب المعاصي، ومعلوم ضرورة أن من اعتقد استحقاق الثواب والعقاب كان أقرب إلى أداء الطاعات، واجتناب المعاصي منه إذا جوز أو شك فيجب علينا فعله، ولا يجب علينا فعل ذلك الاعتقاد إلا والعقاب مستحق؛ لأنه لو لم يكن مستحقاً لكان قد وجب علينا فعل القبيح، وذلك لا يجوز.
فإن قيل: إنه إنما يكون لطفاً إذا ثبت أنه مستحق، فأما وليس بمستحق فلا يكون لطفاً.
قيل: إذا ثبت أنه لطف ولا بد من فعل اللطف، فلا بد من القول باستحقاقه فيتوصل به إلى ثبوت الاستحقاق.
قلت: وهذا مبني على القول بوجوب اللطف.

الدليل الثالث: ذكره أبو هاشم وهو أن القديم تعالى خلق فينا شهوة القبيح مع الإعلام بقبحه والتمكين منه، وخلق فينا أيضاً النفرة من الحسن مع الإعلام بحسنه والتمكين منه، فلو لم يكن العقاب مستحقاً بالإقدام على القبيح والإخلال بالواجب لكان مغرياً بالقبيح الذي هو الإقدام والإخلال؛ إذ ليس الإغراء بأكثر من أن تقوى دواعيه إلى أمر من الأمور على وجه يأمن الضرر عاجلاً وآجلاً، والإغراء بالقبيح لا يجوز على الله تعالى، فوجب أن يكون في مقابلة خلق الشهوة والنفرة صارف يزجرنا عن الإقدام على المقبحات، ويرغبنا في الإتيان بالواجبات يساوي ذلك الداعي حتى لا يكون بفعله إياه داعياً لنا إلى القبيح، ولا يقدر في عقولنا صارفاً عنه إلا كوننا نستحق من جهته عقاباً عليه.
فإن قيل: هَلاَّ كفى العلم باستحقاق الذم، أو حصول الغم في خروجه عن الإغراء فإن النفوس تنفر عن الذم كما تنفر عن الألم، ألا ترى أن في الناس من يعرض نفسه للتلف عند القتال لأن لا يوصف بالجبن.

قيل: إن الألم المجرد عن ضرر يتبعه لا يكاد يحتفل به المذموم إلا على جهة الندرة، ونحن نجد من أنفسنا ضرورة أنا لو لم نخش عقاب الله في الإقدام على بعض ما تتعلق به شهواتنا تعلقاً غالباً لم يمنعنا معرفة استحقاق الذم من الإقدام عليه،والذم قد يكون صارفاً حيث لا تكون الشهوة غالبة عظيمة،والحاصل أن الذم لا يكون صارفاً إلاحيث يكون التضرر به أعظم من ترك المشتهى وهو يختلف باختلاف الأحوال والأشخاص، ألا ترى أنا لا نبالي بذم هؤلاء المخالفين لنا في العقائد، ونجد كثيراً من الفساق وأهل السفاهة لا يمنعه الذم عن اسيتفاء شهوات نفسه وراحتها، ولا يعتد به، فثبت أن العلم باستحقاق الذم لا يصرف عن كل قبيح، بخلاف استحقاق عذاب النار العظيم الذي لا انقطاع له فإنا نقطع أنه لا يقابله داع أبداً، ولا نجد قبيحاً تكون مشقة تركه مساوية لمشقة هذا العذاب، ولا مدانية له، فقطعنا بأنه صارف عن كل مشتهى يقبح تناوله معادل للداعي إليه بخلاف الذم، وأما الغم فالمرجع به إلى اعتقاد الضرر أو ظنه، فلا يصح أن يجعل في مقابلة المعصية.
فإن قيل:تجويز الاستحقاق أو ظنه كافٍ في الزجر، ويخرج به عن كونه مغرياً،فمن أين قطعتم على حصول العقاب من جهة الله تعالى؟
قيل:إن تجويز العقاب أو ظنه إنما يؤثر في الزجر وفي زوال الإغراء متى كان استحقاق العقاب معلوماً، ثم يجوز أو يظن أنه يفعل به ما يستحقه، كما لو أخبر أحدنا بأن في الطريق سبعاً فإنه لا يخاف سلوك تلك الطريق إلا متى علم مضرة السبع قطعاً وأنَّه من الأجناس المؤذية، ثم يظن أنه إن سلك تلك الطريق ربما يناله ضرر، فأما إذا لم يكن ذلك الحيوان مؤذياً ولا يكون هناك مضرة معلومة فإنه لا يصرفه عن سلوكها فكذلك هنا.

فإن قيل: لا نسلم أنه لا يصرفه عن تلك الطريق إلا الضرر المعلوم، بل قد يصرفه المظنون،كما إذا أخبر بسبع في الطريق، ولا يعلم هل هو من المؤذية أو غيرها فإنه لا يسلكه حتى يظهر له أمر ذلك السبع،فكذلك هنا إذا كان استحقاق العقاب مظنوناً فإنه لا يرتكب القبيح لتجويز العقاب عليه،فيكون تجويز العقاب كافياً في الزجر،وزوال الإغراء.
فالجواب:أنا وإن سلمنا لكم أن الضرر المظنون قد يصرفه كالمعلوم، لكنه إذا صرفه تجويز العقاب عما يشتهيه حملته غلبة الشهوة على النظر في الاستحقاق حتى يتيقن ثبوته أو انتفاءه، فإذا نظر ولم يجد إلى استحقاقه طريقاً فيقطع بانتفائه فصار بعد النظر مغرياً بالقبيح إغراء ظاهراً، كأحدنا إذا شاهد بهيمة فخافها فإذا اختبرها وعلم أنها مما لا تضرّ لم يخف منها، فثبت أن التجويز غير كاف في إخراجه عن الإغراء،وتعين أنه لا يخرج عنه إلا بثبوت الاستحقاق وهو المطلوب.
فإن قيل: هلاّ كان الثواب والمدح المستحق على ترك القبائح كافياً في الزجر عنها حتى يخرج به عن الإغراء، لأن المعلوم أن البشر يتحملون المشاق العظيمة في طلب المنافع من الأسفار وخدمة السلاطين، وتحمل مشقة ترك القبيح لنيل الثواب العظيم الدائم أهون من تحمل مشقة الأفعال المؤدية للمنافع العاجلة،وإذا كانت أهون كان استحقاق المنافع العظيمة على ترك القبيح صارفاً عن فعل القبيح، فيخرج الباري تعالى بوعده من ترك القبائح بالمنافع التي لذتها لا تعادلها لذة فعل القبيح، ولا تقاربها عن كونه مغرياً بالقبيح،كما يخرج بالوعيد بالعقاب،وبذلك يبطل هذا الدليل.
قيل: لا نسلم أن المنافع الآجلة الموعود بها على ترك لذة عاجلة كافية في الصرف عن اللذة العاجلة؛ لأن العاجلة معلومة ضرورة، والآجلة لا تعلم إلا دلالة يقدح فيها الشك والشبهة، والنفس إلى تحصيل ما لا شك فيه أميل منها إلى تحصيل ما العلم بحصوله أضعف، وهذا معلوم.

ومن أمثال العرب:(إذا أعطيت دُرَّة منقودة ودُرَّة موعودة، فخذ الدُرَّة المنقودة،وذر الدُرَّة الموعودة). وقد نبه الله تعالى على ذلك بقوله: {إِنَّ هَؤُلاَءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ}[الإنسان:27] ونحوها، سلمنا استواء العلم بحصول المنافع العاجلة والآجلة، لكنا نعلم جواز انحباط الآجلة، ومع هذا التجويز يصير الوصول إلى منفعة الثواب مظنوناً بل مشكوكاً فيه، واللذة العاجلة غير مشكوك في حصولها، وحينئذٍ لا يكون الوعد بالمنفعة الآجلة كافياً في الصرف عن الآجلة، لا سيما مع قوة الشهوة والباعث عليها.
قال بعض أئمتنا": إن المعلوم ضرورة، والموجود من النفس أنه لولا خشية العقاب العظيم على فعل القبيح الذي عظمت شهوته لما تركه العبد لما يرجو على تركه من الثواب مع الأمن من العقاب، فأما تحمل المشاق في طلب المنافع العاجلة وترك لذة الدعة والسكون، فليس إلا لأن الشهوة للمنافع المرجوة بالحركة غالبة على شهوة الدعة والسكون.
قال الإمام المهدي عليه السلام : وذلك غير مستمر في جميع المعجلات، بل نعلم ضرورة أن شهوة المعجلة قد تغلب المؤجلة، وإن كانت المؤجلة تعلم عند حصولها أنها ألذ، وأكمل وأدوم من المؤجلة، وما ذاك إلا لأن الرغبة فيها مع تأخرها تهون مع ما يحصل من مشقة ترك الالتذاذ بالمعجلة، ولهذا يكون تَهَوُّنُ أمرها بالتأخر بحسب طول مدة تأخيرها يقل بقلته ويكثر بكثرته، وذلك يظهر بمراجعة النفس والرجوع إلى ما نجده من ذلك، فصح أن استحقاق الثواب لا يكفي في الصرف عن القبائح التي شهوتها غالبة، وإذا لم تصرف عنها لم تخرج عن الإغراء، وهو المطلوب.

فإن قيل: المعلوم من حال أكثر الناس أن علمه باستحقاق الثواب لم يصرفه عن ارتكاب القبائح، بل غلبته شهوته، فاقتضى أن الداعي أغلب من الصارف، وحينئذٍ يكون خالق الداعي مغرياً له بها، ولا يكفي استحقاق العقاب في خروجه عن كونه مغرياً، بل يصير استحقاق العقاب كاستحقاق الثواب على الترك في كونه غير مقابل للداعي إلى القبيح في الكل، وفي حق بعض الناس.
فالجواب أن المعلوم ضرورة أن لذة شهوة القبيح وإن بلغت ما بلغت لا تغلب هذا الصارف الذي هو استحقاق العذاب العظيم الدائم.
فإن قلت: كيف لا يكون داعي الشهوة غالباً وهو ضروري وهذا الصارف إنما هو استدلالي، والضروري أقوى من الاستدلالي.
قلت: لا نسلم أن الضروري أقوى من الاستدلالي بعد حصوله؛ لأن الاستدلالي قد ينقلب ضرورياً، ثم إن الصرف إنما يحصل بقدر الضرر النازل لا باختلاف قوة طريقه، مهما كان اليقين حاصلاً وهاهنا قد علمنا علماً يقينياً عن دلالة بينة استحقاق العقاب على المعصية الكبيرة، حتى أنا إذا رجعنا إلى ما نجده من أنفسنا نقطع بأن علمنا الضروري بلذة المعصية لا يغلب ذلك العلم الاستدلالي باستحقاق العقاب الدائم عليها.
فإن قلت: فما بال العاصين آثروا المعصية مع هذا الصارف؟
قلت: لأن حكمة الله تعالى لما قضت بالتكليف، والتكليف لا يحصل إلا مع المشقة قضت حكمته تعالى بخلق المكلف قادراً على خلاف ما كلف به، مشتهياً لما منع منه، نافراً عما أمر بفعله لتحصيل تلك المشقة التي لا يتم التكليف بدونها، ولئلا يكون المكلف ملجأً إلى ترك القبيح وفعل الواجب، بل يكون متردداً بين الإقدام والإحجام، وذلك لا يكون إلا حيث كان الداعي والصارف متساويان بالنظر إلى الصرف عن المعصية والدعاء إليها، وحينئذٍ لا يكون إقدام العاصي عليها لغلبة الداعي، بل لسوء اختياره عند تردده.

قال الإمام المهدي عليه السلام : فأما مع تيقن وصول العقاب على المعصية إلى فاعلها فإنه يصير بذلك ملجأً إلى ترك المعصية فيبطل تكليفه.
قلت: أراد عليه السلام أنه يكون ملجأً مع تيقن وصول العقاب حيث كان اليقين غالباً للداعي لا مع تساويهما؛ لأنه عليه السلام قد نص هو وغيره من أصحابنا على أن تجويز العقاب،أو ظنه لا يكفي في الزجر،ولا يخرج عن الإغراء، وقد تقدم قريباً اشتراط تساوي الصارف والداعي، وأما قول السائل أنه يصير العلم باستحقاق العقاب كالعلم باستحقاق الثواب في أنه غير مقابل للداعي، فقد تقدم أن الثواب الموعود به على ترك المعصية المشتهاة وإن كان عظيماً إلا أن تراخيه مع شهوة تعجيل اللذة الحاضرة، والأمان من العقاب عليها يُهَوِّنُ فوات تلك المنفعة المتأخرة.
واعلم: أن الإمام المهدي عليه السلام ذكر أن اختيار العاصي للمعصية لا يكون إلا لأحد أمرين:
أحدهما: عدم العلم باستحقاق العقاب، إما لأجل إنكار الصانع، أو لغلبة الجهل، وهؤلاء ليس الصارف في حقهم مقاوماً للداعي،لكن لم يؤتوا في انتفاء الصارف أو ضعفه من جهة الله تعالى،بل من جهة أنفسهم؛إذ لم ينظروا على الوجه الصحيح،وإنما مثلهم مثل من غمض عينيه وسار على الشوك فاشتاك،فإنا نعلم أن خالق الشوك غير مغرٍ له مع خلقه البصر الذي لو استعمله لسلم، وإنما أتي من جهة نفسه.
الأمر الثاني: تجويز العفو والتسويف بالتوبة.
قال عليه السلام : إذ لو لم يجوز ذلك، بل قطع بوصول العقاب، فإنا نقطع بأنه ينصرف عنها فلا يفعلها من غير شك في ذلك كما نعلمه في الشاهد.
قلت: وتجويز العفو أو التوبة لا يضعف به الصارف حتى يلزم أن يكون الباري تعالى مغرياً لما تقدم من أن المعتبر في زوال الإغراء مساواة الصارف للداعي لا غلبة الصارف حتى ينتفي معه التجويز، وإلا كان ملجأ إلى فعل الواجب، وترك القبيح.

132 / 329
ع
En
A+
A-