المسألة العاشرة [في السمع والبصر]
اختلف العلماء في السمع والبصر هل هما معنيان أم لا؟
فقال الإمام القاسم بن محمد عليه السلام : السمع معنى محله الصماخ، والبصر معنى محله الحدق، وهو قول أبي الحسين، وأبي علي، وأبي الهذيل، وصالح قبة، وأبو القاسم البلخي، والصالحي، وبشر بن المعتمر، والأشعرية، وهو ظاهر كلام الزمخشري (رحمه الله).
وقالت البهشمية: بل المدركية: صفة مقتضاة عن كونه حياً بشرط وجود المدرك وارتفاع الموانع، وصحة الحاسة، وقال الجاحظ: بل الإدراك يحصل بطبع المحل، وهو قريب من قول البهشمية؛ إذ لا يعقل من طبع المحل إلا وجوب حصول التأثير في المدركية لمجرد حصوله على صفة، وقال النظام: بل الإدراك فعل الله يخلقه في الحواس ، وهذا قريب من كلام الأولين؛ إذ لا فعل يعقل أن الله يفعله في الحاسة بعد كمال صحته إلا معنى تدرك به المدركات، وحجة أهل القول الأول أن الإنسان إذا نام لم تحس جوارحه شيئاً، وهذا يدل على أن الحس عرض، ولأن الأعمى والأصم حيان ولا يدركان المسموع والمبصر.
فإن قيل: إنما لم يدركا لفوات شرط الإدراك وهو صحة الحاسة.
قيل: تلك الآفة إنما هي سلب المعنى الذي ركبه الله في الحدق والصماخين.
قلت: ويجاب بأن هذا احتجاج بمحل النزاع، واحتج أهل القول الثاني بأن هذه الصفة يعني المدركية متى صحت وجبت أي تصح وتجب في وقت واحد، وهو عند حصول الحيية والشروط، فمتى حصلت صح الإدراك ووجب بكل حال، ومتى لم تحصل لم يجب ولم يصح بل يستحيل.
واعلم: أن الاستدلال على أن المدركية ليست بمعنى، وأن الحيية والشروط كافية في حصولها مبني على ما اختاره الجمهور من أنا إنما نعلم أن الحيية، والشروط كافية في حصول هذه الصفة دلالة، وأما أبو الحسين فقد قال: علمنا بأنها كافية ضروري.
قال الإمام يحيى: ثم تارة يقول: إن العلم بوجوب حصول كونه مدركاً عند هذه الأمور ضروري، والعلم بكونه ضرورياً ضروري، وتارة يقول: العلم بكونه ضرورياً نظري، واستدل على كونه ضرورياً بأن كل عاقل خَبَرَ الأمورَ، وتكرر إدراكه للمرئيات فإنه لا يشك أنه إذا شخص ببصره إلى السماء من غير مانع فإنه يستحيل أن لا يرى قرص الشمس، وأن يصب الحديد المحمى على صدره فلا يدرك حرارته، وأن تقطع أوصاله فلا يدرك الألم ونحو ذلك.
فإن قيل: ما دليل الجمهور على أنها ليست معنوية، وأنها متى صحت وجبت؟
قيل: لهم على ذلك أدلة:
أحدها: أن الإدراك لو كان معنى لوجب أن ندرك الرقيق والمحجوب؛ لأنه يبطل، والحال هذه أن تكون الموانع موانعاً، وأن تتوقف المدركية على زوالها وإنما يتوقف على حصول المعنى الذي هو علة في وجوب الإدراك؛ إذ العلل الموجبة لا تقف في إيجابها لمعلولها على شرط منفصل إذ لو وقفت عليه لجوزنا أن يكون في الجسم علل كثيرة يتوقف الإدراك على حصولها، ولا طريق إليها، وإنما تقدم الطريق إليها لوقوفها على شرط منفصل، وإثبات ما لا طريق إليه محال، فما أدى إليه يجب أن يكون محالاً.
فإن قالوا: إدراك المحجوب ونحوه ملتزم، فقد كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يرى ما وراء ظهره، ومن الموانع أن يكون المرئي في خلاف جهة الرائي.
قلنا: يحتمل أن المراد بإدراكه صلى الله عليه وآله وسلم العلم، أو جعل له حاسة سادسة في قفاه، أو أن الله تعالى يقلب بعض شعاع عينيه صلى الله عليه وآله وسلم عند إدراكه لذلك إلى خلفه، ويدرك بالبعض ما هو أمامه.
الثاني: أنه لو كان معنى لجاز أن ندرك الذرة على الجبل، ولا ندركه بأن يخلق فينا إدراكها دونه لجواز انفصال أحد الإدراكين عن الآخر.
الثالث: أن المدركية لو صحت ولم تجب بل كانت معنوية لجوزنا أن يكون في حضرتنا فيلة وبعراناً ونيراناً مؤججة، ونحن لا نراها لعدم الموجب للمدركية، فلا نثق بالمشاهدات، بل نجوز إذا رأينا زيداً في حضرتنا وحده أن معه أخاه وأباه، ونحن نعلم انتفاء ذلك ضرورة، وما أدى إلى رفع العلوم الضرورية وجب القطع ببطلانه.
فإن قيل: لا نسلم أنها لو كانت معنوية ارتفعت الثقة بالمشاهدات لأن الله سبحانه يخلق فينا علماً مبتدأً بأن لا شيء بحضرتنا،كما خلق فينا علماً بأن زيداً الذي شاهدناه اليوم هو الذي شاهدناه أمس،مع جواز أن يكون غيره بأن خلق الله مثله، ومع العلم بذلك تحصل الثقة.
فالجواب: أنها لو وقعت المساعدة لذلك فإنا نجوز ألاَّ يخلق الله ذلك العلم في بعض الحالات فيجوز أن يكون لنا حالة الحواس فيها سليمة والموانع مرتفعة، وفي حضرتنا في تلك الحالة رواعد وصواعق، وجبال، وأنهار، ونحن لا ندركها لعدم العلم، ونحن نجد من أنفسنا العلم الضروري بأن ذلك لا يجوز في حال من الحالات أبداً.
فإن كان هذا السؤال يؤدي إلى هذا المحال بطل ما قالوه، ولزم كون المدركية مقتضاة عن كونه حياً، ولا يخفى أن هذه المعارضات الواقعة بين المعتزلة مترتبة على ثبوت تأثير العلة. والله أعلم.
فرع: اختلف القائلون بأن الإدراك معنى، فقال أبو علي، وأبو الهذيل: لا يقدر عليه إلا الله تعالى، وقالت البغدادية: بل يقدر عليه الله تعالى والعباد؛ إذ يتولد عن فتح الحدقة ونحوه.
قلت: يرده قوله تعالى: {قُلْ هُوَ الَّذِي أَنشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَا تَشْكُرُونَ}[الملك:23] وفتح الحدقة لا يولد معنى، وإنما هو ارتفاع مانع. والله أعلم.
فرع آخر لهم: وهو أنهم اختلفوا في صحة خلو الحاسة منه، فقال أبو علي: إذا كانت الحاسة صحيحة لم يصح خلوها منه، وهو بناء على أصله من أن المحل لا يصح خلوه عن الشيء وضده، وقال أبو الهذيل، وصالح قبة، والصالحي: بل يجوز وجوزوا كون في الحضرة فيلاً أو نحوه لا نراه مع سلامة الحاسة،وارتفاع الموانع، ولما قيل لصالح:فيجوز أنك بمكة في قبة التزم فسمي صالح قبة.
وأجيب عليهم بما مر من أن ذلك يرفع الثقة بالمشاهدات، ويؤدي إلى التشكيك في الضروريات.
فرع ثالث لهم: وهو أن ذلك المعنى يوجد عند فتح الحدقة، وقيل: بل قبله، وقيل: بل بعده .
وأجيب: بأنه لو تقدم ذلك قبل الفتح ولو تأخر لم يدرك عند الفتح، والمعلوم خلافه.
فرع رابع لهم: وهو أن محله الحواس، وقيل: بل محله القلب.
قلنا: لو كان فيه لصح الإدراك مع فساد الحاسة أو إطباقها؛ لأن إطباقها في حكم فسادها.
قلت: ويجاب بأن سلامة الحاسة شرط في صحة الإدراك، فلا يلزم من عدم الإدراك لفوات شرطه بطلان القول بأن محله القلب، والأولى رده بأنه خلاف الظاهر، ولا دليل عليه. والله أعلم.
المسألة الحادية عشرة [في سر تقديم السمع على البصر]
قال الرازي: من الناس من فضل السمع على البصر؛ لأن الله تعالى حيث ذكرهما قدم السمع، والتقديم دليل على التفضيل؛ ولأن السمع شرط النبوة بخلاف البصر فقد كان في الأنبياء" من ابتلي بالعمى، ولأن بالسمع تصل نتائج عقول البعض إلى البعض، فكأنه سبب لاستكمال العقل بالمعارف، والبصر لا يوقفك إلا على المحسوسات، ولأن السمع متصرف في الجهات الست بخلاف البصر، ولأن السمع متى بطل بطل النطق بخلاف البصر، ومنهم من قدم البصر؛ لأن آلة القوة الباصرة أشرف؛ ولأن متعلق القوة الباصرة هو النور، ومتعلق القوة السامعة الريح.
قلت: ولأن المشاهدة تفيد العلم القطعي بخلاف الخبر فقد لا يفيده وإن أفاده كالخبر المقطوع بصدقه فليس كالمشاهدة، ولذا قال صلى الله عليه وآله وسلم : ((ليس الخبر كالمعاينة)) وعن ابن عباس مرفوعاً: ((ليس الخبر كالمعاينة إن الله أخبر موسى بما صنع قومه في العجل فلم يلق الألواح، فلما عاين ما صنعوا ألقى الألواح فانكسرت)).
وقال علي عليه السلام : (الباطل أن تقول سمعت، والحق أن تقول رأيت).
وأما قوله: إن التقديم دليل التفضيل، فليس على إطلاقه فإن من التقديم ما هو جار مجرى التثنية لا يترجح فيه جانب على جانب كما في قوله: {تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ}[الحجر:1] وفي أخرى: {تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ}[الحجر:1].
وأما قوله: بأنه كان في الأنبياء" من هو أعمى، ففيه نظر فإن الذي عليه المعتزلة الاتفاق على أنه لا يجوز من الله تعالى أن يبعث نبياً إلا معصوماً عن المنفرات من القبول منه، وجعل منها الإمام المهدي عليه السلام ذهاب البصر أو السمع، وأما ابتلاء بعضهم بالعمى، فقال عليه السلام : إن امتناع هذه العلل في حق النبي إنما يكون في أوائل بعثته، فأما بعد أن بلغ الرسالة، وأظهر المعجز على يده، واستقر في قلوب أمته صدقه فلا يبعد جواز أنواع البلاوي على النبي بعد ذلك.
قلت: والظاهر أن وقوع العمى بمن وقع به منهم ليس إلا بعد البعثة، وثبوت النبوة كما في يعقوب عليه السلام ، وظاهر كلام الإمام المهدي عليه السلام جواز الصمم عليهم بعد ذلك، فلا يكون استمرار السلامة منه شرطاً في النبوة، فلا يدل على التفضيل. والله أعلم.
المسألة الثانية عشرة [استطراد في السمع والبصر]
اعلم أن تشبيه قلوب الكفار، وأسماعهم في عدم قبول الحق، والإصغاء إليه بالأشياء المختوم عليها، وأبصارهم لعدم الانتفاع بها في باب الهداية بالأبصارالتي عليها غشاوة، يدل على أنه لا يتوصل إلى معرفة الفرق بين الحق والباطل، والصحيح والفاسد على وجه الكمال إلا بكمال العقل، وسلامة السمع والبصر، وإلالم يكن للتشبيه فائدة، فيستنبط من ذلك أحكام منها:
أنه يشترط في الإمام أن يكون عاقلاً سليماً من العمى والصمم.
قال في المنهاج: والوجه في ذلك الإجماع، ولأن هذه تنافي القصد بالإمامة؛ إذ ليس المراد بها إلا إصلاح أمور المسلمين، ولن يكمل من كان ذا عاهة ممن ذكرناه لإصلاح حال نفسه، فكيف حال الأمة؟
قلت: فأما النقصان الذي لا يختل معه القيام بثمرة الإمامة فإنه لا يضر، ولا يقدح فيها كالعور وثقل السمع، وقد كان في الناصر للحق الحسن بن علي الأطروش (رحمه الله) طرش في أذنيه، حدث به قبل دعوته من ضرب المأمون له، ومنها: أنه يجب في القاضي أن يكو وثيق العقل جيد التمييز غير طائش؛ إذ لا يميز الحق من الباطل إلا بذلك.
وفي (الجامع الكافي) قال محمد: ينبغي للإمام أن لا يولّي على القضاء إلا رجلاً ورعاً فقيهاً، عفيفاً عن أموال المسلمين، حليماً إذا استجهل، عاقلاً فطناً، وينبغي أن يكون عالماً بما نطق به الكتاب، وحرزته السنة من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وبما أجمع عليه المسلمون، ولا ينبغي أن يستقضى من كان في علمه مقصراً.
قلت: وللوصي عليه السلام في عهده للأشر كلام يدل على ما قلناه من اشتراط العقل الكامل، والفهم الثاقب، ويؤيد ذلك ما روي علي عليه السلام أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((يا علي لا تقض بين اثنين وأنت غضبان)).
وعن أبي بكرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: ((لا يقض حاكم بين اثنين وهو غضبان)).
قال بعض العلماء: سبب هذا النهي أن الحكم حالة الغضب قد يتجاوز بالحاكم إلى غير الحق فمنع، وبذلك قال فقهاء الأمصار، وقيل: إنما منع من ذلك لما هو مظنة لحصوله، وهو تشويش الفكر، وشغلة القلب عن استيفاء ما يجب من النظر، فلا يحصل استيفاء الحكم على وجهه، وهذا ظاهر كلام أصحابنا، ولهذا قاسوا عليه كلما يحصل به تغير الفكر، كالجوع، والعطش، والبول، والنعاس المفرط، وغير ذلك بجامع ما يحصل بسببها من تشويش الفكر، وهو قياس مظنة على مظنة، على أنه قد روي عن أبي سعيد مرفوعاً: ((لا يقض القاضي إلا وهو شبعان ريان)).
وروي أن شريحاً كان إذا جاع أو غضب قام ولم يقض، وعلى الجملة أنه يجب أن يتوقى في قضائه كلما يوجب شغل الفكر، أو اختلاط الأمر، ولذا قال أصحابنا: إذا كان حضور العلماء يورثه الضجر، أو استشغال الفكر نحاهم عن نفسه.
تنبيه: [في القضاء حال الغضب]
اختلف العلماء في القضاء حال الغضب ونحوه، فقال في البحر: وهو المذهب بتحريمه، وهو قول بعض الحنابلة لظاهر النهي، ولا موجب لصرفه عن معناه الحقيقي، وظاهر كلام الجمهور حمله علىالكراهة نظراً إلى العلة المستنبطة لذلك وهي ما تقدم، قالوا: ومثل ذلك قد يؤدي إلى الخطأ في الحكم، ولكنه ليس بمطرد مع كل غضب، ومع كل إنسان.
قال في (الروض النضير):فإن أفضى الغضب إلى عدم تميز الحق من الباطل فلا كلام في تحريمه، وجعل بعضهم دليل الكراهة قضاؤه صلى الله عليه وآله وسلم للزبير بعد أن أغضبه الأنصاري، وفتواه في لقطة الإبل حال غضبه، وقال: ((مالك ولها دعها)).
قال: وفي هذا جمع بين الأدلة، ورد بأنه لا يصح إلحاق غيره صلى الله عليه وآله وسلم به في مثل ذلك؛ لأنه معصوم عن الحكم بالباطل في رضاه وغضبه، بخلاف غيره فلا عصمة تمنعه عن الخطأ، وقيد إمام الحرمين، والبغوي الكراهة بما إذا كان الغضب لغير الله، وفيه بعد لمخالفته لظاهر الحديث، ولأن العلة التي لأجلها وقع النهي حاصلة في الجميع.
وقال في (البدر التمام): الأولى أن يقال:إنه يختص النهي بما إذا
أدى الغضب إلى عدم تميز الحق من الباطل، فهو سبب النهي وإن كان الغضب دون ذلك.
فإن قلنا:بتحريم الحكم مع هذا كان اعتبار الغضب المطلق؛ لأنه منضبط وهذا غير منضبط فتعلق الحكم بالمظنة، وسواء وجد معها المئنة أم لا، فلا فرق بين مراتب الغضب، كالسفر المعتبر للقصر وإن لم توجد المشقة، واعترضه في الروض بأن حكمه صلى الله عليه وآله وسلم في فتواه في حال الغضب وإن كان خاصاً به، فإنما هو لأجل عصمته عن الخطأ، فلو كان النهي معلقاً بالمظنة لما كان للخصوصية وجه كما في السفر المعتبر للقصر في أنه يشترك فيه جميع المكلفين.
قلت:الأولى الجمع بين الأدلة بما ذكره صاحب البدر من اختصاص النهي بما إذا أدى الغضب إلى عدم تميز الحق من الباطل، وهو ظاهر كلام صاحب المنتقى فإنه قال في ترجمة الباب باب النهي عن الحكم في حال الغضب إلا أن يكون يسيراً لا يشغل.
وأما القول بالخصوصية لأجل العصمة، فغير مسلم لنهيه صلى الله عليه وآله وسلم علياً كرم الله وجهه عن القضاء حالة الغضب وهو معصوم.
واعلم: أنهم قد اتفقوا على أنه إذا حكم في حال غضبه وصادف الحق نفذ حكمه وصح، سواء كان النهي للتحريم أو للتنزيه، إلا أنه إذا أقدم عليه جرأة بطل حكمه على القول بالتحريم لاختلال عدالته فقط، ولم يخالف في نفوذ حكمه إلا بعض الحنابلة، قالوا: لأن النهي يقتضي الفساد، وفصل بعضهم بين أن يكون الغضب طرأ عليه بعد أن استبان له الحكم فلا يؤثر، وإلا فهو محل الخلاف، قال ابن حجر: وهو تفصيل معتبر.
قال في (نيل الأوطار): وقد تعقب القول بالتحريم وعدم انعقاد الحكم بأن النهي المفيد لفساد المنهي عنه هو ما كان لذات المنهي عنه، أو لجزئه أو لوصفه الملازم له، لا المفارق كما هنا، وكما في البيع حال النداء للجمعة، وهذه قاعدة مقررة في الأصول مع اضطراب فيها، وطول نزاع، وعدم اطراد.
قلت: وكما دلت الآية على عدم صحة قضاء ناقص العقل، أعني النقصان الذي لا يحصل معه تميز الحق من الباطل، كذلك تدل على عدم صحة قضاء الأعمى والأصم لعدم كمالهما في استيفاء الحكم.
وقد روى (م) بالله، وأبو طالب عليهما السَّلام الإجماع على أنه لا يجوز قضاء الأعمى.
قال في البحر: وأما العور وثقل السمع، وتغيير اللسان كالفأفاة ونحوها فغير مانع إذ لا دليل.
ومنها: أن شهادة ذي السهو الكثير والغفلة لا تصح؛ إذ هما دليل عدم كمال العقل الذي به يقع التمييز والمعرفة على وجهها، والشهادة لا تصح إلا عن علم ويقين عند عامة أهل البيت"، والحنفية؛ لقوله تعالى: {وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ}[الإسراء:36] وقوله تعالى: {إِلاَّ مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ}[الزخرف:86]وقوله صلى الله عليه وآله وسلم : ((إن عرفت مثل هذه الشمس فاشهد وإلا فدع)).
وعن ابن عباس قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن الشهادة، فقال: ((هل ترى الشمس؟)) قال: نعم، قال: ((على مثلها فاشهد أو دع)) وناقص العقل المعتبر لا يهتدي إلى العلم واليقين، وحفظ الشيء على وجهه، وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم : ((لا تقبل شهادة خصم ولا ظنين)) ونحوه عن علي عليه السلام .
وروى أبو جعفر الاتفاق على أنها لا تقبل شهادة من عرف بكثرة السهو والنسيان والغفلة، ويستنبط من الآية أيضاً عدم صحة شهادة الأصم والأعمى فيما يفتقر إلى السماع والرؤية.
قال في (البحر): ولا تصح من الأعمى فيما يفتقر إلى الرؤية عند الأداء إجماعاً.
وعن علي عليه السلام : أنه رد شهادة الأعمى في سرق. رواه في الجامع الكافي.
فأما ما لا يفتقر إلى الرؤية، فقال القاسم، والناصر، والمرتضى، وأبو العباس، وأبو طالب، وأبو يوسف: والشافعي: تصح إذ لا مانع، وإذ المعتبر حصول العلم.