الثاني: باطل لأنه إذا لم يجب، بل جاز تراخيه كان وقوعه بعد التراخي لا لمرجح إذ لا وقت أولى من وقت فيلزم المحال، وهو حصول أحد المستويين لا لمرجح، فثبت أن عند حصول ذلك المرجح يستحيل أن يكون صدور ذلك الأثر جائزاً، وإما أنه لا يكون ممتنعاً فظاهر، وإلا لكان مرجح الوجود مرجحاً للعدم وهو محال، وإذا بطل القسمان ثبت أن عند حصول مرجح الوجود يكون الأثر واجب الوجود عن المجموع الحاصل من القدرة ومن ذلك المرجح.
وإذا ثبت هذا كان القول بالجبر لازماً؛ لأن قبل حصول ذلك المرجح كان صدور الفعل ممتنعاً وبعد حصوله يكون واجباً؛ وإذا عرفت هذا كان خلق الداعية الموجبة للكفر في القلب ختماً على القلب، ومنعاً له عن قبول الإيمان، فإنه سبحانه لما ذكر أنهم لا يؤمنون ذكر عقيبه ما يجري مجرى السبب الموجب له؛ لأن العلم بالعلة يفيد العلم بالمعلول، والعلم بالمعلول لا يكمل إلا إذا استفيد من العلم بالعلة.
واعلم: أن الرازي قد جعل هذا صدر أدلتهم وأقواها عنده حتى روي عنه أنه قال: لو اجتمع الأولون والآخرون لما تخلصوا عنه إلا بالتزام وقوع الممكن لا عن مرجح، وحينئذٍ يسد باب إثبات الصانع أو بالتزام أن الله يفعل ما يشاء، يعني أنه لا فعل للعبد، وأنه لا يقبح من الله قبيح، أجابت العدلية عن هذا من وجوه:
أحدها: أن مذهب المجبرة مخالف للأدلة القاطعة، وإذا كان المذهب معلوم البطلان لم يمكن إقامة الدليل على إثباته فيكون الدليل باطلاً، وقد استوفى أصحابنا الأدلة الناهضة القاطعة الدالة على كون أفعال العباد واقعة باختيارهم، وعلى حسب دواعيهم وإرادتهم في بسائط كتبهم بما لا يبقى معه شك ولا ريب، ونحن نذكر هنا ما يليق بالموضع تحقيقاً للدعوى، وإزاحة للعلة فنقول:

قال القاسم بن إبراهيم عليه السلام : الدليل على أن ما فعلوا من طاعة الله ومعصيته فعلهم، وأن الله جل ثناؤه لم يخلق ذلك إقبال الله تبارك وتعالى عليهم بالموعظة، والمدح، والذم، والمخاطبة، والوعد، والوعيد، وهو قوله: {فَمَا لَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ}[الإنشقاق:20] وقوله: {وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ}[النساء:39] ولو كان هو الفاعل لأفعالهم الخالق لها لم يخاطبهم ولم يعظهم، ولم يلمهم على ما كان منهم من تقصير، ولم يمدحهم على ما كان منهم من جميل وحسن، كما لم يخاطب المرضى فيقول: لم مرضت، ولم يخاطب العميان فيقول: لم عميتم، ولم يخاطب الموتى فيقول: لم متم، ولم يخاطبهم على خلقهم فيقول: لم طلتم ولم قصرتم، وكما لم يمدح ويحمد الشمس والقمر، والنجوم والرياح، والسحاب في مجراهن ومسيرهن، وإنما لم يمدحهن ويحمدهن؛ لأنه جل ثناؤه هو الفاعل ذلك بهم، وهو مصرفهن ومجريهن وهو منشؤهن وكان في ذلك دليل أنه لم يخاطب هؤلاء وخاطب الآخرين، فعلمنا أنه خاطب من يعقل ويفهم ويكسب، وإنما خاطبهم إذ هم مخيرون وترك مخاطبة الآخرين إذ هم غير مخيرين، ولا مختارين.
قال عليه السلام : فهذه الحجة، وهذا الدليل على فعله من فعل خلقه.
وقال الإمام المهدي عليه السلام : وأنا آتي في إبطال مذهبهم بطريقة غراء سهلة المسلك فأقول: لا إشكال أن الظاهر الذي تسبق إليه البدائه من العقلاء والصبيان أنهم المحدثون لأفعالهم يعتقدون ذلك، وينطقون، فلا ننصرف عن هذا الظاهر إلا لأمر يوجب الانصراف عنه من دلالة قاطعة واضحة البرهان؛ لأنهم مساعدون لنا أَنما ذكروه ليس معلوماً بالضرورة، بل بعض أصحابنا يدعي العلم الضروري بأنا الموجدون لأفعالنا.

وإذا كان كذلك فسبيلنا أن نتصفح أدلتهم العقلية والسمعية، فإذا أبطلنا كل ما أوردوه لم ننصرف عن ذلك الظاهر؛ إذ لا موجب حينئذٍ للانصراف عنه، ثم إنا ننظر في هذا الأمر الذي تسبق إليه البدايه، هل هو في نفس الأمر على ما سبقت إليه أم لا؟.
وإذا تأملنا أدنى تأمل أفادنا العلم الضروري بحسن المدح والذم، والأمر والنهي على أفعالنا، والعلم الضروري يقبحها في الخلق والألوان، والعلم الضروي بأنه لا فارق إلا كون الخلق والألوان اضطرارية.
قلت: ومن تأمل ما ذكره الإمامان( عليهما السَّلام ) علم بطلان ما أورده الرازي من المذهب ودليله، ونحن قد قفونا ما قاله الإمام المهدي عليه السلام من تصفح أدلتهم وإبطالها، وقد أبطلناها بحمد الله بما ذكرنا من تصحيح مذهبنا؛ لأنهما في طرفي نقيض إذا صح أحدهما بطل الآخر.
ولنعد إلى تمام الوجوه التي ذكرها العدلية في جوابهم فنقول:
الوجه الثاني: أن الرازي بنى تفسير بعض أصحابه للختم بخلق الكفر على أصل فاسد، وهو أن القدرة موجبة للمقدور، وبيان فساده من وجهين:
أحدهما: أن القدرة توجد ولا يوجد الفعل، ولو كانت موجبة لما تخلف ما توجبه عنها.
الثاني: أن كل عاقل يعلم ثبوت الاختيار للفاعل المختار في أفعاله وتروكه، فما شاء فعل وما شاء ترك، وذلك معلوم ضرورة والإيجاب ينافيهن وكلما نافى الضرورة وحكم بخلاف ما حكمت به فهو باطل قطعاً.

الوجه الثالث: أن الرازي بنى مسألة الداعي والمرجح على قاعدة قد أقر بأنها منهارة البنيان، متضعضعة الأركان، وأنها لو استقامت للزم قدم العالم، وذلك أنه قال في الجواب على شبهة الفلاسفة: أن الفاعل لا يفتقر إلى المرجح في إيجاد أحد المستويين عنده وصرح بذلك، وأنه يصح من الجائع أن يبتدئي بأي جوانب الرغيف لا لمرجح، وكذلك الملجأ إلى الهرب يسلك أحد الطريقين المستويين لمرجح، واحتج لذلك، وادعى أنا نعلم ضرورة أن شديد الجوع يتناول أحد الرغيفين لا المرجح، فكيف يبني مذهبه هنا على امتناع ما قد ادعى الضرورة على جوازه، ثم نقول: هب إنك قد رجعت عن ما قلته في جواب شبهة الفلاسفة لكنك قد صرحت بأنه لا محيص عما ذكرته الفلاسفة في قدم العالم إلا بتجويز أن الفاعل يصح منه فعل أحد المستويين عنده لا لمرجح، وإلا لزم قدم العالم.
فإما أن تكون قد التزمت ما قالوه، وهو قدم العالم فهذا هو الكفر الصريح؛ لأنك قد أنكرت الصانع المختار وحاشاك، وإما أنه قد حصل لك دفع شبهتهم بغير هذه الطريقة فكان عليك بيانها صيانة لكلامك من التناقض الظاهر الذي لا يمكن الخروج عن ظاهره، فإنك ادعيت هنا العلم الضروري باستحالة وجود أحد المستويين لا لمرجح، وثمة ادعيت العلم الضروري بأن شديد الجوع يتناول أحد الرغيفين المستويين لا لمرجح، ورفعاً لما قد ذكرته من اللبس، وهو أنه لا مخلص عنها إلا بما ذكرت، وإلا فقد أخللت بواجب قطعاً لأنك أوقعت الناظر في كلامك في اللبس، والفرض أنه قد ظهر لك دفعه بغير ما أظهرت وأنت أنت، وإما أنك قد رجعت عن حل شبهتم بما ذكرت مع بقائك عن العجز عن حلها، فهذا أكبر الجهلين، وأشنع القولين، فإن جهلك بحدوث العالم أعظم من جهلك بأنا المحدثون لأفعالنا.
الوجه الرابع: أن هذا الدليل قد ذكره ابن الحاجب، وابن القيم، وأبطلاه بأمور:

أحدها: أنا نفرق ضرورة بين الأفعال الاختيارية والاضطرارية، كالصعود والسقوط وحركتي الاختيار والرعشة، فيكون باطلاً لمقابلته الضرورة.
فإن قيل: الضروري هو أن للعبد قدرة في مثل الصعود دون السقوط، فإما أن تكون قدرته مؤثرة فيه فيكون اختيارياً فلا.
قيل: جعل الضرورة وجود القدرة لا تأثيرها ممنوع، فإنه لا طريق إلى العلم بوجودها إلا مع العلم الضروري باختيارنا في أفعالنا، وعدم توقفها على شيء سوى إرادتنا، ثم أنا إذا وجدنا مختاراً يتمكن من فعل دون آخر علمنا وجودها في الأول دون الثاني، ولولا تعلقها بأفعالنا وثأثيرها فيها لم نعلم وجودها أصلاً، على أن نفي تأثيرها في وقوع الفعل يرفع فائدة خلقها؛ إذ وجودها ولا أثر لها كعدمها.
ثانيها: أنه يلزمكم أن لا يكون الباري مختاراً في أفعاله، وذلك كفر، وبيانه أن يقال: إن لم يتمكن من الترك فهو الجبر، وإلا فإن لم يتوقف على مرجح فاتفاقي إلى آخر ما مر.
فإن قيل: ليس هذا بعينه جارياً في أفعال الباري تعالى؛ لأنا نختار أنه متمكن من الترك، وأن فعله يتوقف على مرجح،لكن ذلك المرجح قد تم وهو إرادته، فلا يحتاج إلى مرجح آخر حتى يلزم التسلسل في المرجحات، كما في فعل العبد إذا كان مرجحه صادراً عنه، إذ لا بد أن يكون الصادر عنه حادثاً محتاجاً إلى محدث آخر، فالمقدمة القائلة بأن مرجح الفعل إذا كان صادراً عن فاعله لزم التسلسل غير صادقة في حقه تعالى، بل في حق العبد.
قيل: هذا بناء على أصل فاسد، وهو أن إرادته تعالى من صفات الذات، وأنها معنى قديم، كما قالوا في القدرة والعلم، وسيأتي بطلانه في محله، وعندنا: أن إرادته تعالى من جملة أفعاله، إلا أن أصحابنا اختلفوا، فقال بعضهم: هي نفس المراد، وقال بعضهم: بل هي غيره مع اتفاقهم على حدوثها، وببطلان الأصل يبطل ما يتفرع عليه.

(سلّمنا) فنقول: ذلك المرجح القديم إن وجب معه الفعل انتفى الاختيار، وإلا جاز أن يصدر منه الفعل تارة، ولا يصدر أخرى، فيكون اتفاقياً كما مر، وهذا جواب لا مخلص لهم منه إلا بنفي الاختيار للباري تعالى، أو بالرجوع إلى الحق في معنى الإرادة، وقد التزم بعضهم نفي الاختيار في أفعاله تعالى حيث قال: في جواب هذا الإلزام لنا أن نختار الوجوب ولا محذور؛ لأن المرجح إرادته المستندة إلى ذاته، بخلاف إرادة العبد فإنها مستندة إلى غيره، فإذا كانت موجبة لزم الجبر منه قطعاً.
قلت: كيف تقول لا محذور وقد التزمت نفي اختيار الباري، فإذا لم يكن هذا مخذوراً فأي محذور سواه، وقد قال العضد: إن القول به كفر، وقال بعض المحققين من أهل حواشي شرح المختصر: الحق أن القول يتحقق بشوب من الإيجاب في حقه تعالى مما لا يجري عليه المؤمن، بل لا يبعد أن يقال: إنه كفر.
وقال في نجاح الطالب: إن القوم –يعني الأشعرية- معطلون لمعنى الاختيار في الباري تعالى وفي المخلوق.
أما في الباري تعالى، فلأن المرجح قديم كما ذكره العضد وغيره، مع قولهم: يجب الفعل عند حصول المرجح دفعاً للتسلسل، فصار مضطراً – أي ليس له أن لا يفعل- فلا يكون مختاراً، وأَما في حق العبد فلأن الاختيار بزعمهم مخلوق فيصير العبد عند خلقه مضطراً إذ يوجد الله فيه الفعل، وليس له دفعه، فقد عاد الوجود كله إلى الإيجاب والاضطرار وهو الفلسفة المحضة.
قلت: لعل هذا على سبيل الإلزام لهم وإلا فهم، لا سيما المحققين منهم لا ينفون الاختيار في أفعال الباري تعالى، وسيأتي أنهم إنما أوردوا هذا إلزاماً للمعتزلة، وإلا فهم يقولون بصحة صدور الفعل لا لمرجح، لكنا قد جرينا في إبطال ما أوردوه على ظاهر إيرادهم، سواء أوردوه إلزاماً أم التزاماً، وقد قال ابن القيم: يكفي في بطلان هذا الدليل أنه يستلزم كون الرب غير مختار.

ثالثها: أنهم إنما أوردوه ليبطلوا به مسألة التحسين والتقبيح العقلي، ورده أصحابنا، بل وبعض محققيهم كابن القيم بأنه لو صح الدليل المذكور لزم بطلان الحسن والقبح الشرعيين؛ لأن فعل العبد ضروري واتفاقي، وما كان كذلك فإن الشرع لا يحسنه ولا يقبحه؛ لأنه لا يرد التكليف به فضلاً عن جعله متعلق الحسن والقبح.
قلت: فما ظنك بدليل قد شهد بعض من يقول بمدلوله على بطلانه، والحق ما شهدت به الأعداء.
الوجه الخامس: ذكره الإمام المهدي عليه السلام وهو أن هذا الدليل مبني على أمرين باطلين:
أحدهما: أنه لا يصح الفعل إلا لداع، ومرجح، وقد ثبت أن يصح فعل أحد المستويين لا لمرجح كما مر.
الثاني: أنهم زعموا أن ذلك المرجح لا بد أن يكون موجباً، واستدلوا على ذلك بأنه إذا تراخى وقوعه عن وقوع المرجح كان وقوع الفعل عند وقوعه لا لمرجح؛ لأنه لا وقت أولى من وقت، ووقوع أحد المستويين لا لمرجح محال، فظهر لك أن دليلهم على خلق الأفعال مبني على استحالة الفعل من دون مرجح.
قال عليه السلام : وإذا كانت هذه القاعدة قد انهدمت بما قدمنا من الأدلة واعترافهم عند الرد على الفلاسفة بطل الدليل من أصله، وفي بطلانه بطلان المدلول.
قلت: أراد عليه السلام ما قدمنا من التزام الرازي في رد شبهة الفلاسفة وقوع أحد المستويين لا لمرجح، ولقد صرح شارح المقاصد بأن المقدمة القائلة بأن الفعل الواقع لا لمرجح اتفاقي لا اختياري، إنما هي مقدمة إلزامية بالنسبة إلى المعتزلة القائلين بأن قدرة العبد لا تؤثر في فعل إلا إذا انضم إليه مرجح يسمونه الداعي، ونحن لا نقول بها، فإن الترجيح بمجرد الاختيار المعلق بأحد طرفي الفعل لا لداع عندنا جائز.
ولا يخرج ذلك الفعل عن كونه اختيارياً كما تقدم في مسألة الهارب من السبع والعطشان الواجد للقدحين المتساويين.
قال: وإذا لم نقل بهذه المقدمة لم يرد علينا النقض بفعل الله تعالى.

وفي حواشي شرح الغاية عن المواقف ما حاصله: إن الأصل عند الأشعرية أن الفعل لا يحتاج إلى الداعي، وأن الترجيح للفعل أو الترك يقع بلا مرجح، فلا يلزمهم ما ذكر هنا من تطرق الإيجاب إلى فعل الله، وإنما لزمهم لما اعترفوا بلزوم المرجح ليتم لهم الزام المعتزلة بالجبر.
فانظر كيف اعترفوا ببطلان صدر أدلتهم، وأنهم لا يقولون به، وإنما أوردوه إلزاماً للمعتزلة، وإذا لما يقولوا به، فما بالهم ركبوا الاستدلال على صحته، وادعوا العلم الضروري على امتناع وقوع الممكن من دون مرجح، والحال أنهم يعتقدون خلاف ما اقتضته الضرورة، ولعمري إن هذا يكشف عن سوء اعتقادهم،وخبث سرائرهم،وأنهم لا يبالون بما ارتكبوا في تقويم مذهبهم، ورد خصومهم فالله المستعان.
وأما المعتزلة فهم لا يقولون بما حكوه عنهم، وإنما قال ذلك منهم أبو الحسين البصري، وقد عاب عليه الرازي، وألزمه القول بالجبر حيث قال: وأنا شديد العجب من أبي الحسين، وغلوه في الإعتزال مع غلوه في الجبر، فإنه ذهب إلى أن العباد محدثون لأفعالهم ضرورة، مع قوله: بأن الداعي موجب للفعل، ولا يفعل إلا لداع، والداعي ضروري من جهة الله تعالى.
وإذا كان كذلك فالفعل من جهة الله تعالى؛ لأنه فعل ما يوجبه .
قال: وعندي أنه يذهب إلى الجبر لكنه يتستر من أصحابه، ورد عليه الإمام المهدي عليه السلام ، فقال: الأقرب أن أبا الحسين إنما يجعل الداعي موجباً وجوب استمرار عادي، لا وجوب توليد.
كما أن المعتزلة كافة يقولون: إذا توفرت الدواعي، وانتفت الصوارف، والموانع وجب الفعل،ولا يعنون بالوجوب استحالة أن لا يفعل، بل إنه يصير ملجأ إلى الفعل،وقد علمنا أن الملجأ إلى الفعل لا يتخلف عن الفعل، وإن كان قادراً على تركه، فهذا هو مقصد أبي الحسين في كون الداعي موجباً، أعني كمقصد أصحابنا في وجوب الفعل من الملجأ. والله أعلم.

فلا يلزم ما ذكره الرازي من كونه يلزم أبا الحسين القول بالجبر، وفي حواشي شرح الغاية: وأما قول أبي هاشم أنه إذا وجد الداعي وانتفى الصارف وجب الفعل وصولة الرازي بهذا على المعتزلة، وإلزام أبي هاشم الجبر، فالتحقيق أن الداعي إلى الفعل لا ينفك عن الصارف عنه الذي هو داعي الترك، فإنه ما من فعل إلا وهو مشتمل على مصلحة ومفسدة، فالداعي والصارف متمانعان على الفعل والترك، ولا يترجح أحدهما إلا باختيار العبد.
قلت: وهذا يقوي قول الإمام المهدي عليه السلام أن قول أبي الحسين كقول سائر المعتزلة.
الوجه السادس: وهو التحقيق أنا نختار أن الفعل مفتقر إلى مرجح غير موجب وهو الإرادة والاختيار فلا يلزم كون العبد مجبوراً في أفعاله، والإرادة من فعل العبد ولا يلزم التسلسل؛ لأن الإرادة لا تحتاج إلى إرادة؛ لأن المحتاج إليها هو المتوجه إليه وهو المراد لا الإرادة.
قال الشريف: إن كل سليم العقل إذا اعتبر حال نفسه علم أن إرادته للشئ لا تتوقف على إرادته لتلك الإرادة، بل تحصل له تلك الإرادة، سواء أرادها أم لم يردها.
قلت: وكلامه يدل على أن إرادة الإرادة تصح، وهو مذهب البصرية، من المعتزلة كغيرها من الأفعال فإنها فعل حادث ، فصحت إرادتها.
وقال أبو القاسم البلخي وغيره: لا تصح إرادة الإرادة وكان أبو علي يقول بذلك ثم رجع عنه، وقال: بل تصح، واتفقت المعتزلة على عدم وجوبها؛ لأنها جنس فعل أي ليست فعلاً واقعاً على وجه بحيث يفتقر موجدها إذا أراد وقوعها على ذلك الوجه إلى الإرادة، وإنما هي مجرد فعل ولم يحك الإمام المهدي عليه السلام القول بوجوبها إلا عن العطوي من المجبرة، قال: كالأفعال الواقعة على وجوه، فيجب أن تراد كل إرادة حادثة حتى تنتهي إلى إرادة ضرورية يخلقها الله تعالى فينا.
ورده الإمام المهدي عليه السلام بأن الداعي إلى الفعل داعٍ إليها، ولا داعٍ إلى إرادة الإرادة فلا تجب إرادتها.

قال: لو جاز وقوع إرادة لا تراد لجاز وجود فعل لايراد؟
أجاب الإمام عليه السلام : بأن ذلك جائز من جهة الصحة مستحيل من جهة الداعي فإن من البعيد أن يدعو إلى الفعل داع ولا يدعو إلى إرادته، بل ما دعا إليه فهو بعينه داع إلى إرادته قطعاً، فالدعاء إليها إنما يثبت تبعاً للدعاء إلى الفعل، وحينئذٍ لا وجه يوجب إرادتها.
قال عليه السلام : ثم إن الواحد منا يجد نفسه مريدة للفعل ولا يجدها مريدة لإرادته، ثم إنها لو كانت ضرورية لم يمكنه الخروج عنها باختياره، ولوجب أن يجدها من نفسه، والمعلوم خلاف ذلك كله، وإذا ثبت بطلان هذا الدليل الذي جعله الرازي صدراً ورأساً، والآن بحمد الله لم يصلح أن يجعل عقباً ولا ذنباً، تبين لك بطلان قول الرازي: أن الختم على القلب هو خلق الداعية الموجبة للكفر مع أنه لا يعرف في اللغة كون الختم بمعنى الخلق والمنع، بل معناه سد الخرق قال تعالى: {يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ، خِتَامُهُ مِسْكٌ}[المطففين:25،26] أي مختوم الخرق الذي يخرج منه، ومنه ختم الكتاب أي سد الصدع الذي يخرج منه.
وبالجملة أن معناه الاستيثاق من الشيء بضرب الخاتم عليه لئلا يتوصل إليه، ولا يطلع عليه.
قال الناصر عليه السلام في البساط: ولا نعرف في اللغة أن الختم المنع من الشيء.
وأما قوله:إنه لما ذكر أنهم لا يؤمنون ذكر عقيبه ما يجري مجرى السبب وهو الختم، فالجواب أنا نقول: بل جعل كفرهم علة باعثة على الختم وسبباً فيه، ونقول: إن العلم بالعلة وهي الكفر تفيد العلم بالمعلول وهو الختم، والدليل على ذلك نظائرها من كتاب الله تعالى، قال الله تعالى: {بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ}[النساء:155]، فجعل الكفر علة باعثة على الطبع، ومثلها قوله تعالى:{ وَنُقَلِبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُون}[الأنعام:110].

129 / 329
ع
En
A+
A-