أحدهما: أن الله لما كان عالماً فيما لم يزل بعلم قديم على مذهبك وجب أنه يوجد العالم فيما لم يزل، ويكون العالم قديماً وذلك محال، وإما أن يكون تعالى عالماً بعلم محدث وجب حدوث العالم عند وجوده، وذلك محال آخر، ولا مخلص من هذين المحالين إلا القول بأن العلم غير موجب للمعلوم، وأيضاً فلو كان العلم موجباً للمعلوم، وقد يشترك العالمون في العلوم فتكون علومهم موجبة لوجوده، ويكون مضافاً إلى جميعهم؛ لأن الموجبات لا تختلف في إيجابها بالفاعلين، وإلا جاز أن يتحرك الجسم بحركة وسكون من زيد وعمرو، ولأن إيجاب العلل مما يرجع إلى ذواتها، فلو وجدت غير موجبة لخرجت عن صفة ذاتها، وذلك لا يجوز كما لا يخرج القديم عن كونه قديماً، ويلزم على هذه القاعدة أن توجب علومنا حصول المعلومات ويبطل اختصاصها بالباري تعالى دوننا، بل يبطل اختصاصها بمن قدر عليها؛ إذ لو كانت مختصة بالقادر عليها لبطلت فائدة إيجاب العلم للمعلوم وإن كان المقدور مختصاً بمن قدر عليه، ومختصاً بمن علمه كان تأثيراً لمؤثرين كثيرين، وذلك محال إلى غير ذلك من الوجوه التي تلزم على قول من يجعل العلم مؤثراً في المعلوم، فلنقتصر على ما ذكرنا ففيه كفاية وتنبيه لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.
قال عليه السلام : وأما قوله صلى الله عليه وآله وسلم : ((فوالذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة..)) إلخ، فالكلام منه أنه كلام حق وقول صدق، صدر من الحكيم الذي لا يكذب، وفيه فائدتان:

اأحداهما: أن العبد هو الذي يعمل أعماله الحسن الذي ينتهي به إلى الجنة ويستحقها به، والقبيح الذي ينتهي به إلى النار ويستحقها به، ويبطل بذلك مذهب المجبرة القدرية المجورة لرب البرية؛ من أنه تعالى الخالق للأعمال، وإن أحداً لا يستحق على عمله ثواباً، ولا عقاباً، وقد صرح صلى الله عليه وآله وسلم بأن العبد هو الذي يعمل العمل الذي به يدخل الجنة أو النار، وفي ذلك بيان صحة ما ذهبنا إليه.
والفائدة الثانية: أن علم الله تعالى لا يتبدل ولا يتغير، وهذا هو مذهبنا، وإليه دعونا؛ لأنه سبحانه عالم لذاته فلا يجوز تغير علمه لأنه يقتضي خروجه عما هو عليه في ذاته، ولو صح ذلك للزم أن يكون محدثاً تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، فإن رام المخالف الاستدلال بالخبر على أن العلم هو الموجب للفعل والملجئ إلى فعل الحسن والقبيح، فقد بينا بطلان قوله هذا بما لا سبيل له إلى دفعه، فإنما هو تعالى يعلم ما يكون على الوجه الذي يكون عليه.
قبل كونه والوجه الذي وقع عليه هو سوء اختيار العاصي لفعل المعصية وحسن اختيار المطيع بإيثار الطاعة، فقد علمه الله من المتعبدين ما علم، فلينظر في ذلك فهو أصل كبير في هذا الباب. والله الموفق للصواب.
وقد استوفينا كلام المنصور بالله عليه السلام وإن كان فيه ما لا يتعلق بالمسألة وبعضه قد تقدم معناه في الردعلى الطرق الخمس لما فيه من شرح معنى الحديث، وتقرير ما سبق وتوكيده.
الحديث الثاني: ما روي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((احتج آدم وموسى فقال موسى: يا آدم أنت أبونا أخرجتنا من الجنة، فقال آدم: أنت يا موسى اصطفاك الله بكلامه وخط لك التواراة بيده أتلومني على أمر قدره الله علي قبل أن يخلقني بأربعين عاماً، فحج آدم موسى)).

وفي رواية لمسلم: ((قال آدم: بكم وجدت الله كتب التوراة قبل أن أخلق، قال موسى: بأبعين سنة، قال: فهل وجدت فيها فعصى آدم ربه فغوى، قال له: نعم، قال: فهل تلومني على أن عملت عملاً كتب الله علي أن أعمله قبل أن يخلقني بأربعين سنة، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : فحج آدم موسى)) قوله: احتج المحاجة: المجادلة والمخاصمة يقال: حاججته فحججته أي جادلته فغلبته.
والجواب أن هذا الخبر مخالف لدليل العقل، ومحكم الكتاب والسنة، وقد تقدم من ذلك ما فيه الكفاية.
ومن الأدلة الصحيحه والبراهين الصريحة في إبطال مذهب هؤلاء، وبيان بطلان هذا الخبر ما روي عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه لما قفل من صفين قال له شيخ ممن كان معه: أترى يا أمير المؤمنين أن مسيرنا إلى الشام كان بقضاء الله وقدره؟
فقال عليه السلام : ( والذي فلق الحبة وبرأ النسمة ما علونا تلعة ولا هبطنا وادياً إلا بقضاء الله وقدره) فقال الشيخ: عند الله أحتسب عنائي ما أرى لي من الأجر شيئاً، فقال علي عليه السلام : مه أيها الشيخ لعلك ظننت قضاء لازماً، وقدراً حتماً لو كان كذلك لبطل الثواب والعقاب، وسقط الأمر والنهي، ولما كان محمدة لمحسن، ولا مذمة لمسيء، ولما كان المحسن بثواب الإحسان أولى من المسيء، ولما كان المسيء بعقوبة الذنب أولى من المحسن، تلك مقالة عبدة الأوثان، وجنود الشيطان، وخصماء الرحمن، وشهود الزور، وأهل العمى في الأمور قدرية هذه الأمة ومجوسها إن الله تعالى أمر تخييراً، ونهي تحذيراً، وكلف يسيراً، لم يعص مغلوباً، ولم يطع مكرهاً، ولم يرسل الرسل عبثاً {ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ}[ص:27].
قال الشيخ: فما القضاء والقدر اللذان ما سرنا بهما، فقال علي عليه السلام : الأمر من الله والحكم، وتلا: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ}[الإسراء:23] فنهض الشيخ مسروراً، وأنشأ يقول شعراً:

أنت الإمام الذي نرجوا بطاعته .... يوم النشور إلى الرحمن رضوانا
الأبيات، العناء: التعب والنصب، والتلعة هنا: ما ارتفع من الأرض، وهذا الأثر نص صريح فيما ذهبنا إليه، وفيه أن المجبرة هم القدرية وغير ذلك من الفوائد، ثم إني أنشدكم الله هل أمرنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالرجوع عند الاختلاف إلى علي بن أبي طالب أو إلى أبي هريرة الدوسي؟ إن كان قال هذه الرواية؟ ومن الذي أخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأنه باب مدينة علمه وعيبته، وأن الحق معه، وأمرنا بالأخذ بحجزته، والسلوك في واديه، وقال فيه: ((هذا وحزبه هم المفلحون)) ؟ الحمد لله الذي جعلني من ولده، ونظمني في حزبه، ورزقني حبه، وهداني إلى معرفة حقه، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه.

وبعد: فهذا الخبر معارض لما حكاه الله عن آدم من اعتذاره، ونسبة الظلم إلى نفسه وإلى زوجه: {قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ}[الأعراف:23] هذا دين أبي البشر آدم عليه السلام ، ودين الأنبياء والصالحين من ولده عليه السلام ، قال الله حاكياً عن موسى عليه السلام : {رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي}[النمل:44] وقال لما وكز القبطي: {هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ}[القصص:15] وقال يعقوب: {بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْراً}[يوسف:18] وقال يوسف: {مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي}[يوسف:100] وقال يونس: {لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ}[الأنبياء:87]، وقال نبينا صلى الله عليه وآله وسلم : {إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي}[سبأ:50] إلى غير ذلك مما حكاه الله عن أنبيائة وأوليائه، من إضافة المعاصي إلى أنفسهم وإلى الشيطان الرجيم، ولا يتخرج مذهب هؤلاء القدرية وخبرهم هذا إلا على مذهب إبليس اللعين الذي قال: {رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي}[الحجر:39].

قال القاسم بن إبراهيم عليه السلام : خالفت القدرية المجبرة كتاب الله تعالى ووافقت الشيطان قلة معرفة منهم بعدل لله في خلقه، ورحمته لهم، وانتفائه من ظلمهم في كتاب الله {إِنَّ اللَّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُنْ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً}[النساء:40] وما أدري ما تقول القدرية فيما أورده الله من العتاب لآدم وحوى في قوله: {أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ}[الأعراف:22] وهلا أجاب بمثل ما أجاب به على موسى عليه السلام بل أقر بالخطيئة {قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا}[الأعراف:23]ومن العجب أنهم يعتقدون أنه لا يؤمن من لا يؤمن بالقدر الذي يزعمونه، وقد حكوا عن موسى أنه لم يؤمن به لأنه إما عالم به فلم وبخ آدم وعاتبه على ما لم يستطع مخالفته، وهذا يستلزم عدم الإيمان به، وإما جاهل، والإيمان بالشيء فرع على العلم به، مع ما فيه من تجهيل نبي الله صلوات الله عليه في مسألة هي مما لا يعذر أحد بجهلها.
وبعد: فإن معاصي الأنبياء" صغائر، فكيف يوبخه موسى هذا التوبيخ على ارتكاب صغيرة، وفي هذا تجهيل موسى عليه السلام .

واعلم: أنا قد بينا بطلان هذا الخبر بما لا مزيد عليه، وبقيت أمور مما يدل على بطلانه منها أن موسى قال: أنت الذي أشقيت الناس، وأخرجتهم من الجنة، فعلى مذهبكم إما إن يكون موسى عالماً بأن الله الذي أخرجهم وأشقاهم، فيكون كاذباً، أو جاهلاً لذلك، وهو غير جائز في حقه، وما أدى إلى الباطل فهو باطل؛ إذ الكذب والجهل غير جائزين في حق الأنبياء"، ومنها: أنه لو صح احتجاج آدم بما ذكر لكانت الحجة لسائر الكفار والعصاة على الله، وعلى من نهاهم عن كفرهم ومعصيتهم؛ إذ لا مخصص لآدم بهذه الحجة، ومنها: أن هذا الحديث يدل على مقتضى مذهبهم أن العاصي إذا قال في دار التكليف: هذه المعصية قدرها الله عليه أنه سقط عنه اللوم، وهم لا يقولون بهذا. ذكره النووي في شرح مسلم.
وفرق بأن العاصي في دار التكليف جار عليه أحكام المكلفين من العقوبة، واللوم والتوبيخ، وغيرها وفي لومه، وعقوبته زجر له ولغيره عن مثل هذا الفعل، وهو محتاج إلى الزجر ما لم يمت، وأما آدم فميت خارج عن دار التكليف، وعن الحاجة إلى الزجر، فلم يكن في القول المذكور له فائدة، بل فيه إيذاء وتخجيل.
قلت: ولقائل أن يقول: إذا كانت المعصية مقدرة عليه فما فائدة العقوبة والزجر، وكيف يزجر عن الأمر الذي لا يمكن دفعه، وما هو إلا كما لو زجرت المتردي وهو في الهواء عن السقوط، ولمته وتوعدته.
وأما قوله: وأما آدم فميت إلخ فيلزمه أن تكون الحجة للأموات من سائر العصاة على من أراد عقابهم أو ذمهم؛ إذ لا فارق بينهم وبين آدم، ويلزمه أن يكون عاصياً بأذيته لآدم، فإن قال: لا معصية في غير دار التكليف لزمه أن يكون جاهلاً؛ لأنه جهل عدم الفائدة في التوبيخ سوى الأذية، ويلزم أيضاً تجهيل آدم عليه السلام لأنه ما اهتدى إلى ما اهتدى إليه النووي من عدم الفائدة والنهي عن الأذية، بل اعتذر بالقدر.
واعلم: أن بعض المعتزلة قد تأول الخبر على أحد ثلاثة وجوه:

أحدها: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم حكى ذلك عن اليهود فتوهم الراوي أنه حكاه عن نفسه.
الثاني: أن آدم المفعول وموسى الفاعل، وهذا يدل على أن ما أتى به آدم ليس بحجة، وهذا ضعيف؛ لأنه يلزم منه تجهيل آدم عليه السلام .
الثالث: أنه ليس المراد من المناظرة الذم ولا الاعتذار بعلم الله وإنما سأله عن السبب الذي حمله على الزلة حتى خرج من الجنة، فأجاب بأن الزلة ليست سبب الخروج من الجنة، وإن السبب أن الله قد كان كتب علي الخروج من الجنة إلى الدنيا، وأكون خليفة فيها، وهذا المعنى كان مكتوباً في التوراة، وحينئذٍ صارت حجة آدم قوية.
قلت: ويدل على هذه قوله تعالى: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً}[البقرة:30].والله أعلم.
تنبيه: [في مناقشة المجبرة لمسألة القضاء والقدر]
قد تقدم للمجبرة أنه لو صح إيمان من علم الله أنه لا يؤمن لانقلب علمه جهلاً، وتقدم الجواب عليهم، ولكنه يورد على أصحابنا سؤالاً وهو أنا لو قدرنا وقوع ما علم الله أنه لا يقع، هل كان يكشف عن الجهل ويدل عليه؟ واختلفوا في جوابه، فقالت: البهشمية وحكاه الرازي عن أبي علي، والقاضي عبد الجبار، وقواه الإمام المهدي عليه السلام إذا سئل عن هذا السؤال وجب الإمساك عن جوابه، فلا يجاب بلا ولا بنعم؛ إذ بأيهما أجيب نقض أصل قد تقرر؛ لأنا إن قلنا يكشف نقض ما قد تقرر من أنه عالم لذاته لا يجوز عليه الجهل، وإن قلنا لا يكشف نقض ما قد تقرر من أن وقوع خلاف المعلوم يكشف عن الجهل وإذا كان الجواب بنعم أو لا يستلزم المحال لم يجب بأيهما، بل بإحالة السؤال، فيقال: هذا السؤال لا يقدر لما فيه من نقض الأصول المقررة بالبراهين القطعية.

قال النجري: وهذا الجواب هو الذي أجاب به الشيخان، قال أبو علي: ومثاله أن يقال: لو كذب النبي أكان يدل على أنه ليس بنبي أم لا؟ فكما أنا نقول هذا محال كذلك ما نحن فيه، فإن قيل: هذا الجواب ليس مطابقاً، قيل: بل مطابق؛ لأن السائل فرض فرضاً لا يستحق عليه جواباً، فلم يكن الجواب على خلاف ما فرض، ولأنه غاية ما يمكن أن يقال في جواب مثل هذا السؤال.
فإن قيل: إنكم إذا قلتم بوجوب الإمساك فلا يخلو إما أن يكون قصدكم أن أحد الطرفين حق، لكن لا يتلفظ به، فهذا لا ينفعكم، وإما أن تريدوا أن الطرفين كليهما باطلان خرجتم عن القسمة الدائرة بين النفي والإثبات، والخروج عنها محال، فلا يستقيم جوابكم.
قيل: ليس المحال إلا إثبات قسم ثالث بين النفي والإثبات، وأما الامتناع عن الجواب فليس بمحال، وليس الامتناع لأجل أن ثم قسماً ثالثاً، بل لأن السؤال ورد عن حكم المتفرع على أمر مقدر، والإجابة عليه تستلزم أحد محالين، ولما كان ذلك المقدر غير محقق ولا واقع،لم يلزمنا الإجابة عليه إذ إجابة ما لا ثبوت له إذا أدت إلى المحال حسن الامتناع منها، ولأن تكلف الجواب عن مثل ذلك من المنهي عنه، وقد تقدم ما يدل على ذلك من قول علي عليه السلام ، وليس الامتناع حكماً بأمر غير النفي والإثبات، بل هو بيان أن الإجابة عن فرع الأمر المقدر الذي لا ثبوت له تستلزم محالاً. والله أعلم.
وقد أورد الإمام المهدي عليه السلام إشكالاً على مذهب البهشمية، هذا وأجاب عنه، وحاصله أنكم إذا لم تجعلوا وقوع ما علم أنه لا يقع مستحيل، فقد جعلتم ما يدل على جهله سبحانه وتعالى ممكناً، ويلزم منه أن يكون جهله ممكناً وذلك ينقض الأصل المقرر، وهو أنه عالم لذاته.

والجواب: أنه لا يلزم ذلك؛ لأن العلم بالإمكان لا ينفك عن العلم بأن ذلك الممكن لا يقع أبداً وإن كان يصح وقوعه من جهة القدرة، وإذا كان لا ينفك عن العلم بأنه لا يقع، فلا يلزم من إمكان وقوع ما علم الله، عدم وقوعه كون جهله تعالى ممكناً؛ لأن العلم بأنه لا يقع يدفع العلم بإمكان الجهل، مثاله أن يقول: إذا علم الله أنه لا يقيم القيامة غداً، وعلمنا أنه يمكن إقامتها غداً، فإنه لا يلزم من ذلك إمكان مصير علمه جهلاً لما تقدم من أن العلم بذلك الإمكان لا ينفك عن العلم بأن إقامتها لا تقع أبداً، وحاصل الجواب: أن الملازمة بين الأمرين إذا كانت بطريقة الاقتضاء استحال انفكاك أحدهما عن الآخر؛ لأن المقتضى الذي يتميز به المقتضي كالوصف الذاتي له، ألا ترى أن الحيية تقتضي صحة العلم والقدرة، ويستحيل انفكاك صحة القادرية عن ثبوت الحيية، ويستحيل انفكاك ثبوت الحيية عن صحة القادرية، وأما إذا لم يكن بطريقة الاقتضاء فإن انفكاك أحدهما عن الآخر لا يستحيل كملازمة وقوع القبيح لجهل فاعله أو حاجته، إليه فليس بين الأمرين طريقة اقتضاء، فيقال: إن وقوع القبيح يقتضي الجهل أو الحاجة، وإنما هي ملازمة عادية فلا يستحيل وقوع القبيح ممن ليس بجاهل ولا محتاج إليه، ويمكن أن يكون جاهلاً لا يقع منه قبيح، وكذلك وقوع المعلوم مطابقاً للعلم ليس مقتضي عن العالمية، بل وقوعه باختيار الفاعل، ولا وقوعه كذلك يقتضي كون العلم علماً، لكن لما هو عليه في ذاته لا يكون إلا مطابقاً، وإذا كان كذلك لم يلزم من إمكان وقوع الفعل غير مطابق للعلم مع القطع بأنه لا يقع كذلك إمكان جاهيلة العالم؛ لأن طريقة الاقتضاء غير ثابتة بين هذين المتلازمين، فلا يلزم من إمكان أحدهما إمكان الآخر.
قال الإمام المهدي عليه السلام :وهذه طريقة إغراء رافعة للإشكال من أصله.

127 / 329
ع
En
A+
A-