الوجه الثاني: أنه إنما يلزم ما ذكرتم لو كان علم الله تعالى بأن الكافر لا يؤمن سائقاً له إلى الكفر ومؤثراً في وقوعه، وليس كذلك، وإنما هو سابق للفعل غير سائق إليه، ولا مؤثر فيه، فما اختاره العبد من طاعة أو معصية علمه الله سبحانه منه قبل حصوله، بل قبل حصول العبد وحدوثه فلا تأثير لعلمه تعالى في حدوث الفعل أوتركه البتة، وإنما مثل علم الله تعالى في إحاطته بالمعلومات وأنه لا يمكن الخروج عن علمه كمثل السماء والأرض، فإنا نعلم أنه لا يمكن أحدنا الخروج عنهما كما قال تعالى: {يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ فَانفُذُوا..} الآية[الرحمن:33].
وهما لا يحملان أحداً على فعل طاعة أو معصية، كذلك علمه تعالى لا يمكن الخروج منه، ولا يحمل على شيء، ونظيره في الشاهد أن أحدنا لو علم قيام شخص أو قعوده فإنا نعلم ضرورة أن علمه غير مؤثر في ذلك القيام أو القعود، والفرق تحكم، وأيضاً لو كان العلم يؤثر في المعلوم للزم أن يؤثر علم الله تعالى في ذاته تبارك وتقدس؛ إذ هو يعلم ذاته، وهذا مما لا يقول به قائل، فنعوذ بالله من قول يؤدي إلى مثل هذه المحالات، ويدخل في هذه الضلالات.
الوجه الثالث: أن العلم يتعلق بالمعلوم على ما هو عليه، فإن كان ممكناً علمه ممكناً، وإن كان واجباً علمه واجباً، ولا شك أن كل واحد من الإيمان والكفر بالنظر إلى ذاته ممكن الوجود.
قال سعد الدين في شرح العقائد: وأما ما يمتنع بناء على أن الله علم خلافه كإيمان الكافر وطاعة العاصي فلا نزاع في وقوع التكليف به؛ لكونه مقدوراً للمكلف بالنظر إلى نفسه، فلو صار واجب الوجود أو العدم بسبب العلم كان العلم مؤثراً في المعلوم، وقد بينا بطلانه فيما تقدم، ويلزم أيضاً أن نجمع على الشيء الواحد كونه من الممكنات وليس من الممكنات، وهو محال.

الطريقة الثالثة: إن وجود الإيمان يستحيل مع العلم بعدمه؛ لأنه لا يكون علماً إلا إذا طابق المعلوم، ولا يطابق إلا إذا عدم الإيمان؛ إذ لو وجد مع العلم بعدمه لزم أن يكون الإيمان موجوداً معدوماً، وهو محال فالأمر به والحال هذه أمر بالجمع بين الضدين، بل بين الوجود والعدم، وقد وقع الأمر به، فثبت ما قلنا وهو التكليف بما لا يطاق، وأنتم توافقون على أن الجمع بين الضدين مستحيل لذاته.
والجواب من وجوه:
أحدها: أن التكليف بالشيء فرع على تصوره؛ لأنه مطلوب الحصول، وكل مطلوب حصوله لا بد من تصوره، والجمع بين الضدين مما يستحيل تصوره؛ لأنه لا يتصور إلا مثبتاً، ويلزم منه تصور الأمر على خلاف ماهيته، فإن ماهيته وهي كونه جمعاً بين الضدين تنافي ثبوته، وإلالم يكن ممتنعاً لذاته فما يكون ثابتاً متصوراً فهو غير ماهيته، وحاصله أن تصور ذاته مع عدم ما يلزم ذاته لذاته وهو عدم تصوره فإنه لازم للمستحيل لذاته، يقتضي أن تكون ذاته غير ذاته، ويلزم قلب الحقائق.
قال في شرح الغاية: وتوضيحه أنا لوتصورنا أربعة ليست بزوج وكلما ليس بزوج ليس بأربعة، هذا خلف.
قلت: وتكليف الكافر بالإيمان ليس مما يستحيل تصوره فوجب أن يصح التكليف به، ويبطل قول الرازي: أن التكليف به من التكليف بالجمع بين الضدين.

الوجه الثاني: إن العلم بعدم الإيمان لوكان موجباً لعدم الإيمان لوجب أن لا يكون الله تعالى قادراً على شيء؛ لأن الذي علم وقوعه يكون واجب الوقوع، والذي علم عدمه يكون ممتنع الوقوع، والواجب لا تتعلق به القدرة بأنه إذا كان واجب الوقوع فسواء حصلت القدرة أم لا إذ ليس للقدرة فيه أثر، وأما الممتنع فلا قدرة عليه، وعلى هذا فيلزم أن لا يكون الله تعالى قادراً على شيء أصلاً وذلك كفر بالاتفاق، ويلزم أيضاً أن لا يكون العبد قادراً على شيء لهذا التقرير فتكون حركات العبد وسكناته كحركات الأشجار وسكناتها، وهذا هو الجبر المحض، والأشاعرة يفرون منه، وكل ما أدى إلى هذه اللوازم الباطلة وجب أن يكون باطلاً.
الوجه الثالث: أن العلم بالعدم لوكان مانعاً للوجود لكان أمر الله تعالى للكافر بالإيمان أمراً بإعدام علمه تعالى، واللازم باطل؛ لأنه سفه، ولأن إعدام ذات الله تعالى وصفاته -تعالى عن ذلك علواً كبيراً- محال، وببطلان اللازم يبطل الملزوم.
الطريق الرابعة: أن الله تعالى أخبر عن هؤلاء أنهم لا يؤمنون، وكلفهم بالإيمان البتة، والإيمان يعتبر فيه تصديق الله تعالى في جميع ما أخبر به، ومما أخبر به أنهم لا يؤمنون قط فقد صاروا مكلفين بأن يؤمنوا بأنهم لا يؤمنون قط، وهذا جمع بين النفي والإثبات.
والجواب من وجوه:
أحدها: أنهم لم يكلفوا بالإيمان بتفاصيل ما نطق به القرآن حتى يلزم أن يكلفوا بالإيمان بعدم إيمانهم المستمر، بل بالإيمان بجميع ما جاء به النبي صلى الله عليه وآله وسلم إجمالاً، على أن كون الموصول عبارة عنهم ليس معلوماً لهم.
الوجه الثاني: ذكره الإمام المهدي عليه السلام وهو أن هذا خطاب للرسول صلى الله عليه وآله وسلم لا لهم، فلا يكونون مكلفين باعتقاد مضمون هذا الخطاب؛ لأنه خطاب لغيرهم.

قال عليه السلام : وهذا الجواب أولى من جواب أصحابنا بالتسليم أنه أخبرهم بأنهم لا يؤمنون ولم يكلفهم العلم بذلك؛ لأن من البعيد أن يخاطب الله العبد بما لا يريد منه اعتقاد مضمونه. ذكر معنى هذا في درر الفرائد.
الوجه الثالث: أن السبب في الإخبار بعدم إيمانهم هو كفرهم؛ إذ لو لم يكونوا كفاراً لما أخبر به، وذلك معلوم ضرورة، فإن كل عاقل يعلم بضرورة عقله أن كل من كان على حالة، وأخبر مخبر أنه عليها أن سبب الإخبار بذلك كونه عليها، لا كما زعمتم من أن الإخبار المذكور سبب للكفر، وإذا لم يكن سبباً للكفر لم يلزم التكليف له بالكفر مع الإيمان حتى يلزم ما ذكرتم من الجمع بين النفي والإثبات، بل غايته أنه كلفهم بالعلم بحالتهم التي اقتضت الإخبار بأنهم عليها، وقبحها وزجرهم عنها، وهي كفرهم الحاصل منهم المتقدم على الأخبار، وبالإيمان بالله والإيمان يحصل بأن يخرج من هذه الحالة إلى غيرها، وذلك داخل تحت مقدوره لا استحالة فيه كما مر، فبطل بذلك ما زخرفه والحمد لله.
الوجه الرابع: أن تكليفهم بالعلم بأنهم كفار باطل لحصوله عندهم بسبب كفرهم فإنهم يعلمون بأنهم جاحدون لما جاء به النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وإذا كان حاصلاً فتكليفهم به عبث لا فائدة فيه؛ إذ هو أمر بتحصيل الحاصل، وهو محال، والحكيم لا يأمر بالمحال؛ لأنه ينافي الحكمة، والآية إنما وردت للإخبار بحالهم التي كانوا عليها من التمادي في الكفر والإصرار عليه، والتكليف إنما هو بالإيمان الذي يخرجون به من ذلك الكفر الذي أخبرهم به هم وغيرهم. والله أعلم.

الطريقة الخامسة: أن الله تعالى أخبر عن الكفار بأنهم يحاولون فعل شيء على خلاف ما أخبر الله عنه، وعابهم على ذلك في قوله تعالى: {يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ فَانفُذُوا}[الرحمن:33] فثبت أن القصد إلى تكوين ما أخبر الله تعالى عن عدم تكوينه قصد لتبديل كلام الله تعالى، وذلك منهي عنه.
ثم هاهنا أخبر بأنهم لا يؤمنون البتة فمحاولة الإيمان منهم تكون قصداً إلى تبديل كلام الله، وذلك منهي عنه، وترك محاولة الإيمان تكون أيضاً مخالفة لأمر الله تعالى، فيكون الذم حاصلاً على الفعل والترك.
والجواب: أن الآية واردة فيمن حاول تغيير حكم الله ورده، وهو جعله غنائم خيبر لأهل الحديبية خاصة، وسياق الآية يدل على ذلك كما نوضحه في محله إن شاء الله.
فإنهم أنكروا أن يكون ذلك من حكم الله بدليل: {بَلْ تَحْسُدُونَنَا}[الفتح:15] ورد أحكام الله معيب على الإطلاق، بخلاف الإيمان فإنه مطلوب ومأمور به في جميع الأحوال، ولا يكون محاولته قصداً إلى تبديل كلام الله في حال من الأحوال، ولا يعيب الله من حاوله قط، ثم إنك قد قررت أن محاولة الإيمان منهي عنها، وهذه هفوة عظيمة منك لا يقولها عاقل، وحسبك الله والله المستعان، وأكدت النهي عن الإيمان بالذم عليه، فرحم الله من تدبر كلامه قبل النطق به، فلسان العاقل وراء قلبه.

[مناقشة مسألة القضاء والقدر]
واعلم: أن هؤلاء القوم يحتجون بأحاديث يروونها في تأييد مذهبهم، ونحن نعارضهم بروايات من كتبنا وكتبهم في إبطال ما ذهبوا إليه، ونتأول ما رووه على فرض صحته، ونرده إلى دليل العقل، ومحكم الكتاب والسنة كما هو الواجب في ذلك، والتأويل أولى من التعطيل.
قال الرازي: واعلم أن في الأخبار التي يرويها الجبرية والقدرية كثرة.
قلت: هي مع كثرتها لا تخلو إما أن تكون متناقضة لا يمكن الجمع بينها أولا، بل يمكن رد بعضها إلى بعض، إن كان الأول وجب إطراحها والرجوع إلى غيرها من الأدلة الصحيحة عقلاً ونقلاً، وإن كان الثاني فلم نجدها إلا حجة لنا؛ لأنها إما صريحة في ما ذهبنا إليه أو محتملة للتأويل، فتأويلها بما يؤدي إلى تصحيحها من الرد إلى الكتاب والسنة الصحيحة أولى، بل هو الواجب، وأنت لا تجد في الكتاب الكريم والسنة الشريفة دليلاً صريحاً على أن علم الله تعالى يؤثر في المعلوم، أو يرفع القدرة، أو يدفع الإمكان، وقد أورد الرازي حديثين في هذا الموضع يؤيد بهما مذهبه:
أحدهما: ما روي عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهوالصادق المصدوق: ((إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل الله إليه ملكاً فينفخ فيه الروح فيؤمر بأربع كلمات: فيكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقي، أو سعيد، فوالله الذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها)).
قلت: ولعل وجه دلالته على تكليف ما لا يطاق أن الله قد كلف المكلفين بالتكاليف مع أنه لا يتخلف المقضي عليهم به في الكتاب.

قال بعض شراح هذا الحديث: وفي الحديث أن الذي سبق في علم الله لا يتغير ولا يتبدل، وإن الذي يجوز عليه التغيير والتبديل ما يبدو للناس من عمل العامل، ولا يبعد أن يتعلق ذلك بما في علم الحفظة والموكلين بالآدمي، فيقع فيه المحو والإثبات كالزيادة في العمر والنقص منه، وأما ما في علم الله فلا يتغير ولا يتبدل.
قلت: وهذا الحديث قد أورده فقيه الخارقة في مسألة القضاء والقدر، وأجاب عنه الإمام المنصور بالله عليه السلام ، ونحن نذكر جوابه عليه السلام لأنه مبني على فرض صحة الحديث، وإن كان عمرو بن عبيد قد نفى صحته لمخالفته الأصول الصحيحة، فنقول: قد جعل المنصور بالله عليه السلام الكلام على الحديث في موضعين:
قال عليه السلام : أحدهما: ما ذكر صلى الله عليه وآله وسلم من ترتيب الخلقة وذكر أوقاتها، وهذا كلام حق، وقول صدق لا يخالف فيه مسلم، وإن وقع النزاع من الطبائعية في إضافة ذلك إلى تركيب الأرحام، وطبائع الأجسام وقوالبها، وخروج النطفة من الحي من سائر أطرافِهِ مشاكلة لمن خرجت منه، أو من تراكيب الأغذية والأهوية، وغير ذلك من الأقاويل الباطلة التي خالفت العقل والسمع.

الموضع الثاني: في إرسال الله تعالى الملك فينفخ فيه الروح، وهذا صحيح عند من عرف عدل الله وحكمته، وعلم أن مصلحة الملائكة" وتكليفهم العلم بما فعله سبحانه على ذلك الوجه الذي وقع عليه من ترتيب وتدريج، فأما على مذهب الجبرية فإن اعتقادهم بأن كل قبيح، وكذب، وعبث، وزور ففعله تعالى واحداثه وحده لا شريك له، فلا تتم لهم الكلمة بحكمته تعالى، فيقال لهم: ما الوجه في خلق ابن آدم على وجه الترتيب والتدريج، ولِمَ أمر الله تعالى الملك ينفخ فيه الروح وهو تعالى المحيي المميت ولم يتولَّ الله سبحانه جميع ذلك، وما فائدة إرسال الملك؟ والملك لا يفعل فعلاً أصلاً لا حسناً ولا قبيحاً عند المجبرة القدرية، فلا يمكنهم جواب إلاَّ تسليم حكمته عز وجل، وأنه فعل ذلك لمصلحة المكلفين.
أما الملائكة فبالمشاهدة والخبر، وإما لسائر المكلفين فبالخبر لهم بذلك، وحكمته تعالى لا تعلم مع اعتقاده أنه تعالى خالق لكل قبيح من كذب، وظلم، وزور، وفجور في الدنيا من أولها إلى آخرها.
قلت: كلام الإمام عليه السلام من باب الإلزام للمجبرة بنفي الحكمة على قول مذهبهم، وإلا فهم لا ينفونها، وقد تكلم بعضهم في شرحه لهذا الحديث وبين وجه الحكمة في التدريج، فقال: وفيه التنبيه على أن الله تعالى قادر على البعث بعد الموت؛ لأن من قدر على خلق الشخص من ماء مهين، ثم نقله إلى العلقة، ثم المضغة، ثم نفخ فيه الروح قادر على أن يخلقه دفعة واحدة، ولكن اقتضت الحكمة الإلهية نقله في الأطوار رفقاً بالأم؛ لأنها لم تكن معتادة، فكانت المشقة تعظم عليها فهيأه في بطنها بالتدريج إلى أن تكامل، ومن تأمل أصل تخلقه من نطفة، وتنقله في تلك الأطوار إلى أن صار إنساناً جميل الصورة، مفضلاً بالعقل والفهم والنطق كان عليه أن يشكر من أنشأه وهيأه، ويعبده حق عبادته، ويطيعه ولا يعصيه.
قلت: وهذا كلام صحيح باهر، جار على قواعد العدل والحكمة.

قال المنصور بالله عليه السلام : وأما قوله صلى الله عليه وآله وسلم : ((ويؤمر بأربع كلمات يكتب أجله ورزقه وعمله وشقي أو سعيد)) فالكلام منه أن هذا قول حق وقول صدق، لكن يلزم عليه مثل ما تقدم من أن الله تعالى حكيم في جميع أفعاله، وأنه المتولي للبقاء كما هو المتولي للإحداث، وأنه تعالى يقسم الأرزاق على الضيق والسعة، ويعدل فيها بحسب المصالح، وأنه سبحانه يكتب الأعمال ويأمر الملك بكتبها، وكذلك الشقا والسعادة؛ لأنه سبحانه عالم بجميع المعلومات المعدوم منها والموجود، والحسن منها والقبيح، والطاعة منها والمعصية؛ لأنه سبحانه عالم لذاته، فيجب أن يعلم جميع المعلومات؛ لأن ذاته مع المعلومات على سواء بخلاف العبيد فإنهم عالمون بعلوم محصورة، والمعلومات تحصر بانحصار العلوم، ولهذا لا يجوز أن يكون تعالى عالماً بعلم يعلم به لهذه العلة وهي انحصار معلوماته، أو يعلم بعلوم لا نهاية لها، وذلك باطل عند الجميع لأنها إن كانت قديمة كانت أمثالاً له سبحانه، وإن كانت محدثة فذلك باطل؛ لأن حدوث ما لا يتناهى في أوقات متناهية محال ولأن العلم لا يحدثه إلا من هو عالم فيقف كل واحد منهما على الآخر وهو باطل، فصح لك بما ذكرنا أن الله تعالى عالم بكل شيء على الوجه الذي هو عليه دون أن يعلم الشيء على غير ما هو عليه؛ لأن ذلك يكون جهلاً تعالى الله عنه، ولعل المخالف يريد أن علم الله والكتابة وما في معناها هو الذي أوجب حصول المعلومات على ما هي عليه، ولهذا عقبه بما في آخر الخبر على ما سنذكره إن شاء الله تعالى.
قلت: هذا الذي أراده الرازي من الخبر بعينه فخذ جوابه من أهله ومحله.
قال عليه السلام : فإن أراد ذلك، فهو باطل لما قدمنا من أن العلم لا يؤثر في المعلوم، وإنما يتعلق به على ما هو به، والدليل على ذلك وجوه:

منها: أن العلم كالرؤية في هذا الباب، فإن الرائي إذا رأى الشيء يرى الشيء على ما هو به، وكذلك العالم فكما أن الرؤية لا توجب المرئي ولا يسوق الرائي إلى حصول الشيء لأجل الرؤية، فكذلك العلم، ولهذا فإن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لو علم بأن زيداً يدخل الدار غداً، أو علم غيره بذلك لم يصح وصف علمه بأنه سائق لزيد إلى الدخول، ولا ينسب دخوله إلى من علم وقوعه بوجه من الوجوه؛ لأن العلم يتعلق بالمعلوم على ما هو به، وفي هذا المعنى ما روي عن عبد الله بن عمر أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((مثل علم الله فيكم كمثل السماء التي تظلكم والأرض التي تقلكم)) فكما لا تخرجون مما بين السماء والأرض لا تخرجون من علم الله، وكما لا تحملكم السماء والأرض على الذنوب لا يحملكم علم الله عليها.
ومما يبين لك أن العلم ليس بموجب للمعلوم أنه لو كان موجباً للمعلوم للزم أحد محالين:

126 / 329
ع
En
A+
A-