كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}[لقمان:27] وقال {إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ}[النحل:40] فإذا كان القرآن يكون بكن، ويكون كن بكن، فمتى يتناهى علم من رجم بالغيب في معرفة كينونة القرآن من ذات الله تعالى.
وقد قال علي صلى الله عليه: (يا بردها على الكبد إذا سئل المرء عمالم يعلم أن يقول الله أعلم) هكذا حكاه في الجامع الكافي عن الحسن عليه السلام ، ومن أدلتهم ما روي عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((من قال أنه مخلوق كفر)).
وأجيب بأنه قد ثبت بما تقدم أن الخلق هو التقدير، والمخلوق هو المحدث المقدر، وأما استعماله بمعنى الكذب فهو مجاز، وذلك لا يمنع من وصف القرآن بأنه مخلوق على الوجه الذي يصح ويسلم.
وأما قوله تعالى: {إِنْ هَذَا إِلاَّ خُلُقُ الأَوَّلِينَ}[الشعراء:137] فليس المراد به المكذوب، وإنما هو قول منكري البعث الذين قالوا: إن نحن إلا كالأولين ممن مضى.
وأما قولهم: قصيدة مخلوقة، فليس الغرض به أنها مكذوبة، بل المراد أنها منسوبة إلى غير قائلها، كما يقال: قصيدة منحولة ومصنوعة، أي منسوبة إلى غير قائلها، ألا ترى أنها لو اشتملت على الأوامر والنواهي لصح وصفها بأنها مخلوقة، كما يصح وصفها بأنها مصنوعة ومنحولة، مع أن الوصف بالصدق والكذب لا يتعلق بالإنشاء، وإما أنه يوهم جواز الموت عليه.
فالجواب: أنه لا يجب في كل مخلوق أن يموت، بل فيها ما يستحيل موته كالجمادات، وأما أنه اسم مبتدع، فغير مسلم، بل قد قام الدليل على جوازه من وجوه كما تقدم:
أحدها: عموم قوله تعالى: {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ}[الزمر:62].
والثاني: إطلاق كونه منزلاً محدثاً مجعولاً، ولا فرق بين المجعول والمخلوق.

والثالث: ما تقدم من الحديث والأثر، ولم يرد ما يمنع منه، وأما الآيات التي أوردها الحسن بن يحيى عليه السلام فهي حجة لنا، كما قرره الهادي عليه السلام من عدم الفرق بين المجعول، والمحدث، والمخلوق، وأما الحديث فمعارض بما مر، ثم إنه مؤول ومحمول على من قال أنه مخلوق يعني مكذوب، وهذا صحيح.
احتج أهل القول الثالث: وهم الحشوية بوجهين:
أحدهما: أن لكل واحد من هذه الحروف ماهية مخصوصة باعتبارها تمتاز عما سواها،والماهيات لا تقبل الزوال والعدم، فيجب أن تكون قديمة.
قلنا: فيلزمكم قدم جميع الماهيات، وهو معلوم البطلان.
الثاني: أنه قد ثبت أن القرآن كلام الله، والكلام صفة كمال فلو لم يكن قديماً لزم أن يقال: أنه تعالى كان في الأزل ناقصاً، وذلك باطل بإجماع المسلمين.
قالوا: وإنما قلنا: أنه ليس إلا هذه الحروف؛ لقوله تعالى: {وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللَّهِ}[التوبة:6] وللنقل المتواتر أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يقول: ((إن هذا القرآن المسموع المتلو هو كلام الله)) فمنكره منكر لما عرف بالتواتر من دين محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، فيلزمه الكفر؛ لأن من حلف على سماع كلام الله فإنه يتعلق البر والحنث بسماع هذه الحروف.
والجواب: أما قولهم بقدمه فهو باطل لما مر، وأما قولهم بلزوم النقص في حق الباري تعالى.
فجوابه: أنه قد ثبت بما تقدم أن الكلام من جملة أفعال الله، وأفعاله تعالى كلها محدثة بالإجماع، فإذا قالوا: بلزوم النقص بعدم إيجاد الكلام في الأزل لزم مثله في سائر الأفعال، وإنما يكون صفة نقص لو لم يكن قادراً ثم قدر، ويكفي في بطلان مذهبهم مخالفته للضرورة. بس بس

وأما أهل القول الرابع وهم الأشعرية، فمذهبهم مبني على أن الكلام معنى في نفس المتكلم، وذلك مما لا دليل عليه، ويلزمهم أن يسمى الساكت متكلماً لحصول الكلام من جهته، والمعلوم ضرورة أن أهل اللغة لا يسمونه متكلماً، بل يكذبون من وصفه بذلك في حال سكوته اتفاقاً، وقد رد عليهم السيد أبو طالب عليه السلام بأن كلامه تعالى لا يخلو من أن يكون من جنس الكلام المعقول فيما بيننا، وهو أن يتركب من جنس الأصوات والحروف أومخالفاً لذلك، فإن كان من جنس الأصوات والحروف فلا شبهة في حدوثه، وإن كان مخالفاً لذلك لم يصح أن يكون كلاماً، وأن يفهم به شيء، فالمثبت لكلام مخالف للكلام المعقول فيما بيننا فإنه في حكم من يثبت جسماً مخالفاً للأجسام المعقولة فيما بيننا، ويثبت مع الله تعالى جسماً قديماً مخالفاً لسائر الأجسام، ومن يزعم أن الكلام معنى في النفس، وأن الحروف المسموعة دلالة عليه فهو في التجاهل بمنزلة من يزعم أن الصوت معنى في النفس، وأن المسموع منه دلالة عليه، وأن اللون معنى في النفس، وأن المرئي دلالة عليه، ولنا عليهم ما مر في تقرير مذهب الحشوية من أن القرآن هو المسموع.
وقول علي عليه السلام : (وهذا القرآن إنما هو خط مخطوط مستور بين الدفتين، وإنما ينطق بحكمه الرجال) ويلزمهم هم والحشوية أن كلام الله لو كان قديماً لوجب أن يكون مثلاً لله تعالى؛ لأن القديم صفة من صفات الذات، والاشتراك في صفة من صفات الذات يوجب التماثل ولا مثل لله تعالى، وأيضاً فإن العدم مستحيل على القديم فلو كان قديماً لما جاز أن يعدم، ومعلوم أنه لا يمكن وقوعه على حد تحصل به الإفادة إلا إذا وجد عند عدم حرف.
يوضح ذلك أن أحدنا إذا قال: الحمد لله فإنه لا بد أن يعدم حال وجود اللام الهمزة، وحال وجود الحاء اللام، وحال وجود الميم والدال اللام والحاء حتى لا يلتبس بالمدح، ومعلوم أنما هذا سبيله لا يجوز أن يكون قديماً.

واعلم: أن الرازي قد أورد سؤالاً على ما احتج به أصحابنا من الآية التي نحن بصدد شرحها ونحوها مما أخبر الله به عن شيء ما ضٍ حاصله: أن الله عالم في الأزل بأن العالم سيوجد، فلما أوجده انقلب العلم بأنه سيوجد علماً بأنه قد وجد، ولم يلزم حدوث علم الله تعالى، فلم لا يجوز في الخبر مثله.
والجواب: أنا لا نسلم أن علم الله بأنه سيوجد انقلب بعد وجوده علماً بأنه قد وجد لقيام الدليل على أن علم الله لا يتغير، وأن علمه بوجود الشيء في المستقبل هو علمه بوجوده إذا وُجِد.
وإنما تختلف العبارة عنه فقط كما تختلف عن الوقت الواحد نحو: غداً إذا كان بعد يومك، واليوم إذا صار نفس يومك، وأمس إذا صار قبله، وكما نقول للسطح: أنه فوق إذا كنت تحته، وتحت إذا كنت فوقه، وكذلك يمين وشمال، وخلف وأمام، ونحو ذلك.
والدليل على ذلك أن علمه ذاته على مذهب قدماء العترة" أو هو عالم لذاته على مذهب المعتزلة، وعلى المذهبين فلا يمكن تغييره، بخلاف الخبر فإنه يتغير، وبيانه أن الخبر الموضوع للدلالة على الماضي غير الخبر الموضوع للدلالة على الاستقبال، كما أن صيغة الخبر في الجملة مخالفة لصيغة الأمر، وحينئذٍ لا يصح القياس، ثم إن السؤال مبني على قدم كلام الله، وأنه صفة ذاتية كالعلم، وقد عرفت بطلان ذلك كله مما مر.
فإن قيل: إن الرازي وأصحابه لم يقولوا بتغير العلم؛ لأنهم ذكروا في جواب السؤال الذي أوردوه أن أبا الحسين البصري وأصحابه يقولون: إن العلم يتغير عند تغيير المعلومات، ثم ردوه بأنا لو قلنا إن العلم يتغير بتغير المعلوم، لكنا إما أن نقول: أن العلم بأن العالم سيوجد كان حاصلاً في الأزل أو لا، إن كان الثاني فهو تصريح بالجهل وذلك كفر، وإن كان الأول فزواله يقتضي زوال القديم، وذلك سد باب إثبات جذور العالم.

والجواب: أما التغير فقد أثبتوه بقولهم: انقلب العلم بأنه سيوجد علماً بأنه قد وجد؛ إذ لا معنى للتغير إلاَّ هذا، وأما ما أوردوه في الرد على أبي الحسين فهو مبني على ما حكوه عنه من القول بتغير العلم، وهو غلط فإن أبا الحسين لم يقل بذلك، وإنما قال: إن العلم تبع للمعلوم على معنى البدلية، فإنك إذا فرضت مثلاً لعبد فعلاً عرفت أن الحاصل في علم الله هو ذلك الفعل، ومتى فرضت ضده بدلاً عنه عرفت أن الحاصل في علم الله هو ذلك الضد، فهذا فرض علم بدلاً عن علم آخر، لا أنه تغير العلم. والله أعلم.
وأما أهل القول الخامس، وهم المطرفية فقالوا: القرآن عرض، والعرض لا يجوز عليه البقاء، وأنه إجالة الألسن، ولا يقوم بنفسه، ولا يقطع المسافة، وإن الحروف كانت قد حصلت مع الناس قبل نزوله، قالوا: فصح أن الحروف هي الحكاية دون المحكي، واستدلوا على أنه لا يسمع الكلام، ويسمع المتكلم بقوله تعالى: {رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلْإِيمَان}[آل عمران:193] وبقوله تعالى: {سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ}[الأنبياء:60].
قال الإمام أحمد بن سليمان عليه السلام : والحجة عليهم من العقل أنهم مجمعون معنا على أن حجج الله على خلقه ثلاث وهي:
العقل، والكتاب، والرسول.
وهم أيضاً مجمعون معنا على أن الله تعبد المكلفين بمعقول ومسموع، فنقول: لا يخلو الكتاب والمسموع كله أن يكون الكلام أوالمتكلم، فإن قالوا: هو المتكلم نفسه أوجبوا أن كل متكلم بالمسموع حجة في ذاته فيصير كل إنسان ممن يتكلم بالمسموع حجة لله بذاته، وهذا ما لا يتكلم به عاقل، وإن قالوا: الحجة الملك الذي لم يفارق القرآن قلبه، أو القرآن الذي في قلبه لم يفارقه.
قلنا: فليس هو بمسموع لأنا لم نسمع الملك، وإذا لم ينزل القرآن ولم يفارقه فليس بحجة، فبطل أن يكون المتكلم حجة إلا الرسول، ونحن فلم نسمعه بذاته، لكنا سمعنا كلامه وما جاء به إذ لم نشاهده.

فصح أن الحجة هو الكلام المسموع، ومن الكتاب قوله تعالى: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ}[الأعراف:204] وأمثالها، فإن قالوا: ذلك المسموع مجاز عن الحقيقة وهي ما قلنا.
فالجواب: أن هذا خلاف المجمع عليه عند أهل اللسان العربي، فإنهم لا يطلقون لفظ متكلم إلا على من أوجد الكلام وفعله، ولأن المتبادر عند الإطلاق هو المسموع فلو كان مجازاً فيه لاحتاج إلى قرينة، ولكان المتبادر المعنى الذي ذكرتموه.
قال الإمام القاسم بن محمد عليه السلام : ولو سلم أن الكلام المسموع مجاز لزم أن يثبت للتفاسير ما له من تحريم اللمس والقراءة على الجنب؛ لأنها عبارة عن كلام الله الذي هو بزعمهم قائم بذاته، فكما أن المتلو عبارة عنه كذلك التفاسير فيستويان في الحكم ولا قائل به.
ويؤيد ما ذكرنا من أن كلام الله هو المسموع قوله صلى الله عليه وآله وسلم : ((إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا من بعدي أبداً كتاب الله وعترتي أهل بيتي، إن اللطيف الخبير نبأني أنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض)) ونحوه في السنة كثير.
ومعلوم عند كل عاقل أن المتروك ليس إلا هذا المسموع المكتوب في المصاحف، المتلو في المحاريب.
فائدة:
قال الإمام المهدي عليه السلام والعلم بهذه المسألة -أعني حدوث القرآن من فروض الأعيان- وإلا نقض التوحيد لتجويز قديم مع الله، وأما مجرد إجراء لفظ الخلق عليه فمن فروض الكفايات لفهم معاني خطاب الله تعالى.

المسألة الرابعة [في مسألة تكليف ما لا يطاق]
هذه الآية الكريمة مما استدل به على جواز تكليف ما لا يطاق، وكذلك ما أشبهها كقوله تعالى: {لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ}[يس:7] وقوله: {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ}[المسد:1] ومحل النزاع ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: المستحيل لذاته كالجمع بين الضدين والنقيضين، وإعدام القديم والحصول في آن واحد في حيزين.
القسم الثاني: ما يمكن تعلق قدرة المكلف به، ولكن علم الله أنه لا يقع كتكليف الكافر والعاصي بالإيمان والطاعة.
القسم الثالث: مالا يستحيل لذاته ولا أمكن تعلق قدرة المكلف به، بل امتنع تعلق القدرة به، إما لذاتها كخلق الأجسام أو عادةً، وإن أمكن تصوره كالطيران، أو نظرو مانع كتكليف الأعمى بنقط المصحف، والزمن بالمشي.
إذا عرفت هذا فالعدلية جميعاً، وحكاه في شرح الغاية عن الغزالي، وابن الحاجب والشافعي، يمنعون من تكليف ما لا يطاق، ويحكمون بقبحه مطلقاً، قالوا: وتكليف من علم الله عدم إيمانه ليس مما لا يطاق لما سيأتي، وجمهور الأشاعرة يجوزونه مطلقاً، وعدوا منه القسم الثاني، ومنعه الآمدي في الممتنع لذاته، وجوزه في غيره.
قال الإمام المهدي: وكانت المجبرة لا تلتزم القول بجواز تكليف ما لا يطاق وإن أنكروا القبح العقلي، بل يقضون بمنعه، ويعللون ذلك بعلل غير القبح العقلي حتى صرح أبو الحسن الأشعري بجوازه.
قال عليه السلام : وهو مطابق لقياس مذهبهم لأنهم إذا لم يحكموا بقبح إلا من جهة السمع لزمهم أن لا يستقبحوه قبل ورود السمع به، قال عليه السلام : والأقرب أنهم لا ينكرون استقباح العقل إياه، لكنهم يفسرون القبح بنفرة الطبع عنه، وأما الغزالي فعلل قبحه بأن طلبه فرع على تصوره، وتصوره من العاجز محال فطلبه منه محال، ولهذا يستحيل طلب الحركة من الشجرة.
واختلف أصحابنا في العلم بقبحه هل هو ضروري أم استدلالي؟

فقال أبو الحسين ومن تابعه: هو معلوم بالضرورة، في الشاهد والغائب فلا يحتاج إلى الاستدلال إلا على جهة البيان والتوضيح، لما حصل بالعلم الضروري نحو ما في شرح الأصول وغيره، وهو أن كل عاقل يعلم بكمال عقله قبح تكليف الزمن بالمشي، وتكليف الأعمى بنقط المصحف على وجه الصواب، قال: والدافع له مكابر جاحد للضرورة، ومن هذا سبيله لا يناظر، ولهذا فإن النظام لما ناظر مجبرياً فانتهى بهما الكلام إلى أن قال له المجبري: ما الدلالة على قبح تكليف ما لا يطاق سكت النظام، وقال: إن الكلام إذا بلغ إلى هذا الحد فإن الوجه أن يضرب عنه رأساً فإذاً لا كلام في ذلك، وإنما الكلام في وجه قبحه، فعندنا أنه إنما يقبح لكونه تكليفاً لما لا يطاق بدليل أنا متى عرفناه على هذه الصفة عرفنا قبحه، وإن لم نعلم شيئاً آخر، ومتى لم نعرفه بهذه الصفة لم نعرف قبحه، وإن عرفنا ما عرفنا فيجب قبحه أيضاً في حق الله تعالى لحصول العلة الموجبة لقبحه، لا يقال: لوكان ضرورياً لم يخالف فيه عاقل؛ لأنا نقول لا يمتنع في ما لم يعلم ضرورة بالجملة أن يشتبه حاله على بعض العقلاء في بعض الأعيان لعارض، وقال قاضي القضاة والبصرية: أما في الشاهد فهو ضروري، وأما في الغائب فبالرد إلى ما علم ضرورة.
قال الإمام المهدي عليه السلام : وهو الصحيح، وظاهر شرح الغاية أن ثمة قائل باحتياجه إلى الاستدلال مطلقاً، ثم بين أدلتهم فقال: منها أن المحال لا يمكن وجوده في الخارج من المكلف، وكل ما لا يمكن وجوده في الخارج من المكلف لا يطلب فالمحال لا يطلب، أما الصغرى فضرورية، وأما الكبرى فلأن الطلب عبث قبيح لايجوز على الله تعالى كما تقرر في مسألة الحسن والقبح، ومنها ما احتج به ابن الحاجب في مختصر المنتهى.
قال سيلان: وهو قوله لنا لوصح التكليف في المستحيل لكان المستحيل مستدعى الحصول، واللازم باطل... إلخ.

قال الحسين بن القاسم عليه السلام : لكنه لا يوافق عموم الدعوى كما لا يخفى، وقد استدل هنا بالسمع.
قيل: وفي الاستدلال به نظر؛ لأنه إنما ينفي الوقوع لا الجواز العقلي، ولأن الاستدلال به في المسائل التي تقف صحة السمع عليها لا يصح، وهذه منها؛ لأن نفي تكليف ما لا يطاق مبني على كون الله تعالى عدلاً حكيماً لا يكذب، وذلك يتوقف على الحسن والقبح العقلي، ولكن الأصحاب قد يوردون ذلك على سبيل المعارضة، ونحن نذكر هنا ما حكاه الرازي عن الصاحب بن عباد أنه قال: كيف يأمره بالإيمان وقد منعه منه، وينهاه عن الكفر وقد حمله عليه، وكيف يصرفه عن الإيمان، ثم يقول: {أَنَّى يُصْرَفُونَ}[غافر:69] ويخلق فيهم الإفك، ثم يقول: {أنى تؤفكون} وأنشأ فيهم الكفر، ثم يقول: لم تكفرون، وخلق فيهم لبس الحق بالباطل، ثم يقول: {لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ}[آل عمران:71] وصدهم عن السبيل، ثم يقول: {لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ}[آل عمران:99] وحال بينهم وبين الإيمان، ثم قال: {وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا}[النساء:39] وذهب بهم عن الرشد، ثم قال: {فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ}[التكوير:26] وأضلهم عن الدين حتى أعرضوا ثم قال: {فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ}[المدثر:49].
وأما القائلون بالجواز مطلقاً فمن حججهم هذه الآية وهي قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ...}إلخ[البقرة:6]، وما في معناها، وقد قرر الرازي الاستدلال بها من خمس طرق:
الطريق الأولى: أن الله تعالى أخبر بأنهم لا يؤمنون فظهر استحالة إيمانهم لاستلزامه المستحيل الذي هو عدم مطابقة إخباره تعالى للواقع، مع كونهم مأمورين بالإيمان، باقين على التكليف.

والجواب: أن الإخبار بوقوع الشيء أو عدمه لا ينفي القدرة عليه كإخباره تعالى عما يفعله هو أو العبد باختياره فإخباره تعالى أنهم لا يؤمنون حق مطابق للواقع؛ لأنه عالم الغيب، وقد علم أنهم يختارون عدم الإيمان، ولكن القدرة على الإيمان قائمة بالمأمور، فأمره بالإيمان بعد الإخبار باختياره عدمه ليس من باب تكليفه بالمحال؛ لأن القدرة على فعله حاصلة، وإنما هو من باب قوله عز وجل: {وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى}[فصلت:17].
الطريقة الثانية: أنه تعالى لما علم منه أنه لا يؤمن كان صدور الإيمان منه يستلزم انقلاب علم الله جهلاً، وذلك محال، ومستلزم المحال محال، ومع هذا فقد أمره بالإيمان فثبت أنه أمره بالمحال.
والجواب: أن انقلاب العلم جهلاً في نفسه محال وصحة الفعل من القادر ممكنة والكلام فيها، ولا يلزم من وجود الممكن في نفسه وجود المستحيل، وبيان كون الإيمان ممكناً، وعدم الملازمة من وجوه:
أحدها: أن الكافر أمر بالإيمان، والأدلة منصوبة، والعقل حاضر، والقدرة عليه موجودة، لكن علم الله أنه يترك ما يقدر عليه جحداً وعناداً، ولهذا فإن الآية نزلت ذماً للكافرين، وزجراً لهم، وتقبيحاً لفعلهم، فلوكانوا ممنوعين عن الإيمان غير قادرين عليه لما استحقوا الذم البتة، بل كانوا معذورين كما يعذر الأعمى عن الكتابة المفهومة.
إذا عرفت هذا فعلم الله بأنهم لا يؤمنون لا يوجب استحالة الإيمان في نفسه، ولا في القدرة عليه؛ لأنه سبحانه إذا علم كون الشيء مقدوراً لشخص وعلم تمكنه منه، وأنه متروك من جهته مع القدرة عليه لم يكن ذلك الشيء مستحيلاً في نفسه؛ إذ لو انقلب محالاً لانقلب العلم بأنه ممكن جهلاً، ولخرج عن كونه ممكناً ومقدوراً.

125 / 329
ع
En
A+
A-