المسألة الثالثة [في أن القرآن كلام الله]
احتجت المعتزلة بقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا...} ونحوها مما أخبرنا الله به عن شيء ماض كقوله تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذّكْرَ}[الحجر:9] {إنَا أَرْسَلْنَا نُوحاً}[نوح:1] على أن كلام الله محدث، سواء كان الكلام هذه الحروف والأصوات، أو كان شيئاً آخر، وينبغي قبل تحرير الدليل أن نذكر أقوال العلماء في المسألة، واختلافهم ليكون هذ الموضع مغنياً عن ذكر أقوال المخالفين في غيره من مواضع الاستدلال فنقول:
الذي حكاه السيد حميدان عليه السلام عن أئمة العترة"، ومن وافقهم، ورواه القاسم بن محمد عن العدلية وغيرهم، وذكره الإمام الحسين عن العدلية جميعاً، والإمام المهدي عليه السلام عن أكثر المعتزلة: أن القرآن محدث مخلوق، أوجده الله تعالى كما أوجد غيره من مخلوقاته.
وقال محمد بن شجاع البلخي البغدادي من علماء المعتزلة: بل يجوز أن يوصف بأنه محدث، ولا يجوز أن يوصف بأنه مخلوق.
قلت: ونحوه في الجامع الكافي عن جماعة من قدماء أهل البيت".
قال محمد: ذاكرت عبد الله بن موسى في قول من يقول: القرآن مخلوق فقد أدركت أحداً من آبائك يقول به؟ قال: لا، وفيه عن علي بن الحسين عليه السلام أنه سئل عن القرآن، فقال: كلام الله وكتابه لا أقول غير ذلك.
وعن أحمد بن سلام قال: سألت القاسم بن إبراهيم عليه السلام عن القرآن وأخبرته بما روي عن زيد بن علي عليه السلام : أنا لا نشبه بالله أحداً، ولا نقول لكلام الله مخلوق، فقال: هكذا أقول.
وعن جعفر بن محمد وسئل عن القرآن خالق أو مخلوق، فقال: لا خالق ولا مخلوق، ولكنه كلام الخالق، وقال عبد الله بن موسى بن عبد الله: القرآن كلام الله ليس بمخلوق، وقال محمد: سألت القاسم بن إبراهيم عن القرآن، فقال: كلام الله، ووحيه وتنزيله، لا يجاوز هذا إلى غيره، وهكذا كان أسلافنا. قال محمد: وكان يقول بخلق القرآن يضمر ذلك.
وعن يحيى بن أبي عطاء البزار أنه سمع الحسن بن يحيى يقول: ليس بمخلوق يعني القرآن، وقال الحسن أيضاً: وهو قول محمد، وسئلا عمن يقول القرآن مخلوق أو غير مخلوق، فقال: القرآن كلام الله ووحيه وتنزيله، نقول في ذلك ما قال الله، ولا نتعدى ذلك إلى غيره {خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ}[الأنعام:102] الأول قبل كل شيء، والباقي بعد كل شيء ووارثه، وكلما كان دون الله فهو مخلوق.
قلت: كلام الحسن هذا يدل على أنه يصح أن يقال: القرآن من جملة مخلوقات الله تعالى، ولا يقال القرآن مخلوق بهذا الإطلاق. والله أعلم.
وقالت الحشوية: بل القرآن قديم وهو هذا الذي نقرؤه في المصاحف، ونتلوه في المحاريب، وقالت الأشعرية والكرامية:أما هذا المتلو فيما بيننا المركب من الأصوات والحروف فهو محدث، وإنما القديم الكلام النفساني القائم بذات القديم تعالى.
وقالت المطرفية: إن هذا القرآن لا يوصف بقدم ولا حدوث، وقالوا: إنا لا نسمع القرآن وإنما نسمع القارئ، وقال بعضهم: ليس القرآن بحروف وإنما هو معنى في النفس.
وقالوا: لم يفارق قلب الملك، وقالوا: هذا القرآن إنما هو حكاية عنه ودليل عليه، فهذه خلاصة ما عثرنا عليه من أقوال الناس في حدوث القرآن وعدمه، وقد أتى كل فريق بحجج وشبه على دعواه، ونحن بعون الله تعالى نذكر في هذا الموضع ما سنح ليتبين الحق من الباطل، والمستقيم من المائل، فنقول: قال الأولون: أما الذي يدل على أنه محدث فهو أن هذا القرآن المتلو في المحاريب، والمعروف بين المسلمين قد وجد ونزل على النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وهذا معلوم ضرورة، فلا يخلو إما أن يكون لوجوده أول أو لا، إن كان لوجوده أول فهو محدث، وإن لم يكن لوجوده أول فهو قديم، ولا يجوز أن يكون قديماً؛ إذ لا قديم إلا الله، فتعين حدوثه إذ لا واسطة، ولأن الله تعالى أخبر عن الذين كفروا بصيغة الماضي كما مر، وهذا يقتضي كون المخبر عنه متقدماً على الخبر، وإلا كان كذباً، والقديم يستحيل أن يكون مسبوقاً بغيره، فهذا الخبر يستحيل أن يكون قديماً، فيجب أن يكون محدثاً، ولأنه سبحانه قد ذكر حدوثه ونزوله فقال: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}[الحجر:9] والمنزل محدث بدليل: {وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ}[الزمر:6] ، ونحوها، ولأن الله تعالى قد أشار إليه فقال: {لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ}[الحشر:21] ولا إشكال في حدوث هذا المشار إليه؛ لأنه فعل من أفعال الله تعالى، والفعل محدث؛ لأنه لا بد من تقدم فاعله عليه، وما تقدم غيره عليه فهو محدث بالضرورة، وأيضاً هو مرتب بعضه بعد بعض، منظوم من حروف مؤتلفة، وما تقدم من الأشياء على غيره دل على حدوث ما بعده؛ لأن المحدث ماسبقه في الوجود غيره.
قال في (شرح الأصول): يبين ذلك أن الهمزة في قوله تعالى: {الحمد لله} متقدم على اللام، واللام على الحاء، وذلك مما لا يثبت معه قدم، وهكذا الحال في جميع القرآن، ولأنه سور مفصلة، وآيات مقطعة، له أول، وآخر، ونصف، وربع، وسدس، وسبع، وما يكون بهذا الوصف كيف يجوز أن يكون قديماً، وقد دل الله على ذلك في محكم كتابه فقال: {مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ}[الأنبياء:2] والذكر هو القرآن بدليل قوله تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}[الحجر:9] فقد وصفه بأنه محدث، ووصفه أيضاً بأنه منزل، والمنزل لا يكون إلا محدثاً، وفيه دلالة على حدوثه من وجه آخر؛ لأنه قال: {وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}[الحجر:9] فلو كان قديماً لما احتاج إلى حافظ يحفظه، ويدل على ذلك أيضاً قوله تعالى: {الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ}[هود:1] بين كونه مركباً من هذه الحروف، وذلك دلالة على حدوثه، ثم وصفه بأنه كتاب أي مجتمع من كتب، ومنه سميت الكتيبة كتيبة لاجتماعها، وما كان مجتمعاً لا يجوز أن يكون قديماً، ووصفه بأنه محكم والمحكم من صفات الأفعال، وقد قال بعد ذلك: { ثُمَّ فُصِّلَتْ} وما كان مفصلاً كيف يجوز أن يكون قديماً، وأظهر من هذا قوله تعالى: {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُتَشَابِهاً مَثَانِيَ}[الزمر:23] وصفه بأنه منزل أولاً، والقديم لا يجوز عليه النزول، ثم قال: {أَحْسَنَ الْحَدِيثِ}، والحسن من صفات الأفعال، ووصفه بأنه حديث وهو والمحدث واحد، في أنه مناقض للقديم فهو صريح ما ادعينا، وسماه كتاباً وذلك يدل على حدوثه كما تقدم، وقال متشابهاً أي يشبه بعضه بعضاً في الإعجاز والدلالة على صدق من ظهر عليه، وما هذا حاله فلا بد من أن يكون محدثاً.
قال العلامة ابن أبي الحديد: وليس للمخالف أن يقول: ليس المراد بقوله أحسن الحديث ما ذكرتم، بل المراد أحسن القول، وأحسن الكلام؛ لأن العرب تسمي الكلام والقول حديثاً؛ لأنا نقول لعمري أنه هكذا، ولكن العرب ما سمت القول والكلام حديثاً إلا أنه مستحدث متجدد حالاً فحالاً، ألا ترى إلى قول عمرو لمعاوية: قد مللت كل شيء إلا الحديث، فقال: إنما يمل العتيق، فدل ذلك على أنه فهم معنى تسميتهم الكلام والقول حديثاً، وفطن لمغزاهم ومقصدهم في هذه التسمية، وإذا كنا قد كلفنا أن نجري على ذاته وصفاته وأفعاله ما أجرى سبحانه في كتابه، ونطلق ما أطلقه على سبيل الوضع والكيفية التي أطلقها، وكان قد وصف كلامه بأنه حديث، وكان القرآن في عرف اللغة إنما سمي حديثاً لحدوثه وتجدده فقد ساغ لنا أن نطلق على كلامه أنه محدث ومتجدد، وهذا هو المقصود، وبقي الكلام في صحة إطلاق لفظ مخلوق على القرآن، فنقول: إذا قد صح حدوثه فلا يمتنع وصفه بأنه مخلوق؛ لأن الخلق في اللغة هو التقدير، والمخلوق هو المقدر بالغرض، والداعي المطابق له على وجه مخصوص لا يزيد عليه ولا ينقص منه يقال: خلقت الأديم هل يجي منه مطهرة أم لا.
وقال الحجاج مفتخراً على غيره: إني إذا وعدت وفيت، وإذا خلقت فريت أي إني إذا قدرت قطعت، وقال زهير:
ولأنت تفري ما خلقت .... وبعض القوم يخلق ثم لا يفري
وقال غيره:
ولا ببط بأيدي الخالقين ولا .... أيدي الخوالق إلا جيد الأدم
وهذه الجملة تدل على أن الخلق إنما هو التقدير، ومثله قوله تعالى: {وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطّينِ}[المائدة:110].
وقوله: {فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ}[المؤمنون:14] أي المقدرين، وإذا كان الخلق بمعنى التقدير كان المخلوق بمعنى المقدر وأنه مشتق منه، وإذا كان هكذا صح وصف القرآن بأنه مخلوق؛ لأنه مقدر مرتب، منزل على مقدار معلوم، مطابق لمصالح العباد، وقد دل الكتاب والسنة على ذلك.
قال الله تعالى: {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ}[الرعد:16].
وقال: {خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا}[الفرقان:59].
قال الهادي عليه السلام : وكذلك القرآن لأنه شيء وهو بين السماوات والأرض، وليس من أعمال العباد التي أضافها الله إليهم في كتابه، ولا من صنعهم الذي نسبه الله إليهم، فهو داخل في الآيتين؛ لأن الله تعالى وصفه بالإنزال كما وصف الماء والحديد وغيرهما بالإنزال، وكل ذلك مخلوق، فيجب في القرآن مثله.
وقال تعالى: {وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُوراً}[الشورى:52] وقال: {وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ}[الأنعام:1] فأخبر أنه نور، والنور مخلوق، وقال: وجعلناه، وقال: {جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً}[الزخرف:3] وقال: {خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا}[الأعراف:189].
قال الهادي عليه السلام : وكذلك خلق القرآن إذ جعله قرآناً كما جعل الشمس ضياء والقمر نوراً بأنه خلقهما، وأيضاً قد أخبر تعالى أنه محدث، وإذا كان محدثاً فالله أحدثه، وهو مخلوق والله خلقه، وقد سماه الله روحاً، وسمى عيسى عليه السلام روحاً.
قال في آدم: {فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي}[الحجر:29] وفي مريم: {فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا}[التحريم:12].
قال الهادي عليه السلام : فأخبر أن القرآن كلامه، وروح من أمره، وأن عيسى كلمته، وروح منه، وأنه نفخ في آدم من روحه، وكذلك في مريم، ثم أجمل ذلك كله فقال: {إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ}[آل عمران:59] فأخبر أن معنى الكلمة والروح خلق من خلقه، وتدبير أمره، وأما السنة فقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم : ((ما خلق الله من سماء ولا أرض، ولا سهل ولا جبل أعظم من سورة البقرة، وأعظم ما فيها آية الكرسي)).
وقال صلى الله عليه وآله وسلم : ((كان الله ولا شيء ثم خلق الذكر)).
وروى أنس عن عمر بن الخطاب أنه قال: ((اقرأوا القرآن ما أتلفتم فإذا اختلفتم فكلوه إلى خالقه)).
قال الأمير الحسين عليه السلام : ولأن هذا القرآن لايخلو إما أن يكون خالقاً أو لا، بل هو مخلوق، وهذه قسمة صحيحة لترددها بين النفي والإثبات، ومعلوم أنه ليس بخالق، فلم يبق إلا أنه مخلوق، ومن قال: بأنه مخلوق بمعنى مكذوب فهو كافر برب العالمين، وحجة أهل القول الثاني أما على حدوثه فلما تقدم،وأما على أنه لا يوصف بأنه مخلوق وإن كان معنى الخلق حاصلاً فيه فلإيهامه أنه مكذوب؛ لأن الخلق قد استعمل في اللغة بمعنى الكذب نحو: {وَتَخْلُقُونَ إِفْكاًً}[العنكبوت:17] ونحو: {إِنْ هَذَا إِلاَّ اخْتِلاَقٌ}[ص:7].
وقال تعالى حاكياً: {إِنْ هَذَا إِلاَّ خُلُقُ الأَوَّلِينَ}[الشعراء:137] ويقال: قصيدة مخلوقة ومختلقة إذا كانت مشتملة على أكاذيب وأباطيل، ولأنه يوهم جواز الموت عليه كما في سائر المخلوقات وذلك محال، ولأن هذا اسم مبتدع، وقد سمى الله القرآن بأسماء، ووصفه بأوصاف لم يكن هذا منها، ومن سماه باسم لم يسمه الله به فلا يبعد أن يتناوله قوله تعالى: {إِنْ هِيَ إِلاَّ أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ}[النجم:23].
قال في (الجامع الكافي) بإسناده عن الحسين بن الحكم بن مسلم أن القاسم كتب إلى عبد الله بن موسى بن عبد الله بن الحسن يسأله عن القرآن، فكتب إليه عبد الله: نحن نرى أن الكلام في القرآن بدعة، يشترك فيها السائل والمجيب، فتعاطى السائل ما ليس له، وتكلف المجيب ما ليس عليه، فانته بنفسك، والمختلفون في القرآن إلى أسمائه التي سماه الله بها تكن في المهتدين، فلا تسم القرآن بأسماء من عندك فتكون من الذين يلحدون في أسمائه، سيجزون ما كانوا يعملون، وفيه قال محمد: قال لي القاسم: يقال للذين يقولون القرآن مخلوق: أليس قد علم الله أنه مخلوق؟ وإذا قال: نعم، قيل له: أليس قد علم الله أنه مخلوق، واجتزأ من الخليقة أن قال لهم مجعول؟ فإذا قالوا: نعم، قيل لهم: فلم لا تجتزون من خلق الله بما اجتزى الله به لخلقه.
وعن قاسم بن عبيد عن بنين بن إبراهيم قال: قلت لقاسم بن إبراهيم: قال لي ابن منصور عنك أنك قلت: من زعم أن القرآن مخلوق فقد ابتدع، فقال: نعم هما بدعتان لم يبلغنا أنهم قالوا مخلوق أو غير مخلوق، ولكنا نقول: كلام الله ووحيه، وقال الحسن بن يحيى عليه السلام : أجمع آل رسول صلى الله عليه وآله وسلم أن الله خالق كل شيء، والقرآن كلام الله ووحيه وتنزيله يسمى بما سماه الله في كتابه لا يجاوز ذلك إلى غيره، وقال الحسن وسئل عن القرآن: قد وجدنا الله سبحانه سمى القرآن بأسماء في كتابه لم يرد من خلقه أن يتكلفوا للقرآن اسماً غير ما سماه الله به، وقبل ذلك من أهل الإسلام في عصر نبينا صلى الله عليه وآله وسلم ، ومن القرون التي كانت من بعده حتى تكلم المتكلمون بالرأي، وتراقو في دينهم رجماً بالغيب إلى صفة ما لا يدركونه من نعت خالقهم، وحتى نحلو القرآن اسماً برأيهم لم يجدوه منصوصاً في آية محكمة يستغنى بها في التأويل، واحتجوا بأنهم لم يجدوا للمجعول معنى يصرفونه إليه إلا مخلوقاً،فسموا القرآن برأيهم مخلوقاً، ولم يسموه مجعولاً كما قال الله تعالى، ومنزلاً ومحدثاً كما قال الله، ولم يتراقوا رجماً بالغيب إلى تحديد القرآن من ذات الله تبارك وتعالى عن أن يدركه الواصفون إلا بما وصف به نفسه في كتابه بلا تحديد، ولا تشبيه، ولا تناهي ومعنى قوله: {إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً}[الزخرف:3] صيرناه، وقال تبارك وتعالى: {يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ}[ص:26] يعني إنا صيرناك خليفة في الأرض، ولسنا نقول أن القرآن خالق ولا مخلوق، ولكنا نسميه بالأسماء التي سماه الله بها في محكم كتابه قال الله تعالى: {وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً}[النساء:164] وقال: {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلّمَهُ اللَّهُ إِلاَّ وَحْياً أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا
يَشَاءُ}[الشورى:51]، وقال: {إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاَةَ لِذِكْرِي}[طه:14] فمن زعم أن الداعي لموسى إلىعبادته غير الله فقد ضل، وقال الله تعالى: {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلّمَهُ اللَّهُ إِلاَّ وَحْياً أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ}[الشورى:51] فقد بين الله لنا كيف جهة كلامه، فكلامه من كلامه أرسل به جبريل إلى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، ومن كلامه وحي بلا رسول، وقوله: {وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ}[القصص:7] {وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ}[النحل:68] فقد أوحى بلا رسول، ومنه الوحي إلى الرسل في النوم، ومن كلامه لموسى بلا كيفية، فليس لنا أن نكيف ما لم يكفيه الله، ولا نحد ما لم يحده الله، فمن حد ما لم يحدد الله فقد اجترأ على تأويل علم الغيب بلا حجة، والقرآن كلام الله ووحيه وتنزيله وكتابه، وقال: {قُرْآنٌ مَجِيدٌ، فِي لَوْحٍ مَحْفُوظ}[البروج:21،22] وقال: {إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ، فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ}[الواقعة:77،78] وقال: {كتاب عزيز {وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ، لاَ يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيد}[فصلت:41،42] وقال: {ومَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إِلاَّ كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ}[الشعراء:5] فأحدث في قلوب العباد بالرسل من تنزيل الكتاب ما لم يكونوا يعملون، وإنا وجدنا الله يقول في كتابه: {قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَد}[الكهف:109] وقال: {وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلاَمٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ