والجواب: أنا إذا علمنا بدليل سمعي في أمر أنه كفر، وعلمنا أن لا بد له من وجه لأجله كان كفراً، ثم حصرنا الوجوه التي يمكن كونها علة بطريقة تفيد العلم ضرورة، وهي الدائرة بين النفي والإثبات، وأبطلنا صحة تعليق الحكم بها بدليل قاطع حتى لم يبق إلا واحدٌ، فإنا نقطع أنه هو الموجب لكون ذلك الأمر كفراً، وإذا علمنا من حاله ذلك، ووجدناه في محل آخر، قطعنا بكونه كفراً لحصول موجب ذلك كما تقدم مثاله فيمن وصف الله تعالى بأنه ظالم، فإنا نعلم أنه لابد من وجه لأجله كان كفراً؛ إذ لا يجوز أن يتزايد عقابه لغير موجب، وحصرنا الوجوه التي يمكن كونها علة، بأن قلنا: لا يخلو إمَّا أن يكون كفراً لأمر أولا، الثاني باطل، وإلا كان تزايد عقابه ظلماً، والأول لا يخلو إمَّا أن يكون مجرد اللفظ أولا، والثاني لا يخلو، إما أن يكون لأجل معناه فقط، أو لأجل مجموع اللفظ والمعنى، أو لأمر آخر، فهذه قسمة حاصرة لا تحتمل قمساً آخر، فإذا بطلت الأقسام بدليل قاطع إلا واحداً، ووجدنا الحكم يثبت بثبوته، وينتفي بانتفائه تعين كونه العلة قطعاً، وإذا تعينت وجب اطرادها فحيث تحصل يحصل الحكم فيصح القياس.
قال الإمام المهدي عليه السلام : والخصم لاينازع في ذلك، وإنما ينازع في إمكان إبطال كل قسم، فإنه إذا ادعا في هذه الصورة أن العلة أمر آخر غير اللفظ والمعنى، أواللفظ والمعنى مع أمر آخر لا نعلمه، فإنه لا سبيل لنا إلى إبطال ذلك الأمر المجوز إلا بأنه لا طريق إليه، وما لا طريق إليه يجب نفيه، وهذه الطريقة غير صحيحة عندهم؛ لأن عدم العلم ليس علماً بالعدم، ورد بأن الأوصاف العقلية والشرعية مما لا يخفى على الباحث، وأما قولهم أنه يجوز تعلق المصلحة بأن لا يعلم وجه المفسدة كما جاز ذلك في وجه المصلحة، فقال الإمام المهدي عليه السلام : بل يمتنع ذلك؛ لأن في تجويز ثبوت أمر لا طريق لنا إليه قدحاً في كل علم مكتسب، بل في الضروريات، لكن قد لا يجب العلم بتفاصيله؛ لقيام العلم بجملته مقام العلم بالتفاصيل، كما قلنا إن وجه وجوب الصلاة كونها داعية إلى الواجبات العقلية، أو بعضها، وإن لم يعلم الواجب الذي تدعو إليه بعينه ولاكميته، فالعلم الجملي ناب مناب ذلك.
قلت: هذا بناءٌ على أصله عليه السلام في وجه وجوب الواجبات الشرعية، ومن حجج المانعين من التكفير بالقياس ما ذكره الموفق بالله عليه السلام من أنه يلزم إثبات اسم الكافر بالقياس، وأجاب عليه السلام بأنه ليس في ذلك ما ينكر إذا كان القياس دليلاً معلوماً، قاطعاً للعذر، مفضياً إلى اليقين.
قلت: أراد عليه السلام أن إثبات اسم الكافر بالقياس جائز؛ لأنه شرعي، وليس النزاع إلا في إثبات الأسماء اللغوية به قالوا: يلزم إثبات مقادير العقاب بالقياس وهي لا تثبت قياساً.
وأجاب الموفق بالله عليه السلام بأن هذا تحكم ودعوى، بل لا تثبت مقاديره إلا بالقياس، وإذا جاز القياس في إثبات الصانع وكونه عدلاً، فلأن يجوز في إثبات مقادير العقاب الذي يستند ثبوته إليه أولى.
قلت: وفي قوله بل لا تثبت مقاديره إلا بالقياس نظر، اللهم إلا أن يريد ما ذكره بعضهم من أنه لا طريق إلى إثبات الصانع إلا القياس العقلي، وثبوت مقاليد الثواب والعقاب متوقف على إثبات الصانع، فيصح الإطلاق بأنها لا تثبت إلا قياساً بهذا الاعتبار. والله أعلم.
ومن أدلة أصحابنا أنا إذا علمنا أنه يستحق هذا المقدار من العقاب أجري عليه اسم الكافر والفاسق، للإجماع الحاصل على أن المستحق لهذا القدر من العقاب كافر أو فاسق. ذكره في الإحاطة.
إذا عرفت هذا فاعلم: أنه قد تقدم أنه لا يجوز التكفير والتفسيق إلا بقاطع، وقد جعل أصحابنا من الدليل القاطع القياس الثابث بعلة مستنبطة بطريقة السبر، والتقسيم، وقد أطلعناك على عيون أدلتهم على ذلك، وأنت إذا أمعنت النظر وأرجعت البصر تجد بينها وبين إفادة القطع مراحل، كيف وقد قال بعض المحققين: إن في كون هذه الطريق تفيد ظن العلية نظر، ولم يعده صاحب التنقيح طريقاً، وكذلك تنقيح المناط، وقال علماؤنا لم يعتبروها، فأين إفادة القطع وهؤلاء الجهابذة لم يحصل لهم الظن؟.
تنبيه [في أنه لا كفر بلا دليل]
ولما كان منكرو التكفير بالقياس يجوزون ثبوت كفر لا دليل عليه، فكان الكلام عليه كالتتمة لما سبق، حسن منا ذكر الخلاف في ذلك فنقول:
قال الإمام الموفق بالله، والإمام المهدي"، وجمهور المعتزلة: لا يجوز ثبوت كفر لا دليل عليه في الخارج بأن تكون المعصية محتملة لأن تكون كفراً، وألا تكون، وذلك لأن الله قد تعبدنا بإجراء أحكام على الكافر، ولا يصح منا إجراؤها إلا بعد أن يعرف الكفر، وإلا كان تكليفاً بما لا يمكن العلم به وهو محال.
قال الموفق بالله عليه السلام : ألا ترى أن الله تعالى لما تعبدنا بإجراء حكم على السرقة، فلا بد من أن يكون على كل سرقة دليل تعلم أنها مما تعلق بها ذلك الحكم، وإلا أدى إلى ما يجري مجرى تكليف ما لا يطاق، ولأن المعلوم من دين النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن الكفر أعظم أنواع المعاصي، وأن أعظمها الجهل بالله والنبوة، والتكذيب، أو الاستخفاف حسبما تقدم في حد كفر التصريح، ومعنى كونه أعظم أنواع المعاصي أن عقابه أعظم أنواع العقاب، فثبت أن الكفر ما استحق عليه أعظم أنواع العقاب.
قال الإمام المهدي عليه السلام : فقطعنا أنه لاذنب يستحق عليه أعظم أنواع العقاب إلا ما تضمنته حقيقة الكفر التي قدمنا، فلا كفر حينئذٍ غيرها؛ إذ علمنا بالتتبع أنه لا معصية إلا وهي دونها، فلا كفر إلا ما دخل فيها.
قال عليه السلام : وبذلك يبطل إثبات كفر لا دليل عليه.
فإن قيل: أليس يجوز من الكافر أن يبطن كفره حتى لا نعلمه، ولا يمكننا إجراء الأحكام عليه، فكذلك لم لا يجوز أن يكون كفر لا دليل عليه أصلاً؟
فالجواب: أنا لو جوزنا كفراً لا دليل عليه، وقد أوجب الشرع إجراء تلك الأحكام على مرتكبه لكان تكليفاً بما ليس في الوسع، فلا يجوز إثباته بحال، فثبت أن هذا التكليف موقوف على ما يظهر لنا، وبهذا يتبين أنه ليس مراد أصحابنا إلا أنه يجب أن يكون على جنس كل كفر دليل بحيث يمكننا إجراء الأحكام عند ظهوره، وأنه لا يجوز أن نعلم ذنباً وهو في علم الله كفر ولا ينصب لنا عليه دليلاً، لا أنه يجب أن يعلم كل كفر ويظهر كالسرقة فإنه لا بد من أن يكون عليها دليل بحيث إذا علمنا وقوعها أمكننا إجراء الحكم على فاعلها، وإن كان يجوز منه أن يبطنها ولا يظهرها، وبهذا يظهر أن الفرق بين كفر يكتمه فاعله، وبين كفر لا دليل عليه. والله أعلم.
فإن قيل: الخطاب الوارد عن الله، وعن رسوله صلى الله عليه وآله وسلم في إجراء الأحكام على الكفار غير عام، وإنما هو متعلق بالكفر المعهود الذي قد عرفوه كقوله تعالى: {اقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ}[التوبة:5] والمعهود هو تكذيب النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، والاستخفاف به، أو بما جاء به، فأمرنا بإجراء الأحكام على من كان كفره بذلك دون من بلغ عقابه في ذنب درجة عقاب ذلك فإنه يكون كفراً؛ لاستحقاقه أعظم أنواع العقاب، ولا وجه لإجراء تلك الأحكام عليه؛ إذ لا دليل يقتضيه لانصراف الظواهر التي احتججتم بها إلى الكفر المعهود دون غيره، فصح تجويز ثبوت كفر لا دليل عليه؛ إذ لا مانع من كون ترك الصلاة يستحق عليه من العقاب كما يستحق على تكذيبه صلى الله عليه وآله وسلم ونحو ذلك، وإن لم يجب علينا إجراء أحكام المكذبين عليه لعلمه تعالى أنه لا مصلحة لنا في ذلك، هكذا أورده الإمام المهدي عليه السلام في (درر الفرائد).
قال عليه السلام : والجواب أن هذا سؤال واقع في هذا المقام لا خلاص لأصحابنا عنه إلا بتقرير ثلاث قواعد:
الأولى: كون الكفر صار اسماً لكل قبيح يستحق عليه أعظم العقاب.
قلت: قد تقررت هذه القاعدة بما تقدم، وقد روى الموفق بالله عليه السلام الإجماع على ذلك.
الثانية: تقرير كون هذه الأحكام التي أمرنا بإجرائها في حق الكافر متعلقة بكل أنواع الكفر.
قلت: وقد تقدم تقرير ذلك.
الثالثة: أنه لا يجوز من الله تعالى أن يعلم أن لنا لطفاً في فعل ولا يأمرنا به، ويعلمنا بوجوبه.
قلت: قد تقررت هذه القاعدة فيما تقدم بما لا مزيد عليه، وهي مبنية على القول بوجوب اللطف على الله تعالى، ومن لا يوجبه فإنه يقول: قد تقرر أن الخطاب بإجراء تلك الأحكام عام لجميع أنواع الكفر فلو لم ينصب لنا على كل نوع دليلاً لكان تكليفاً بما لا يعلم.
قال الإمام المهدي عليه السلام : فإذا تقررت هذه القواعد أمكنهم القطع حينئذٍ على أنه لا يجوز أن يكون في المعاصي ما هو كفر ولا يلعمنا الله تعالى أنه كفر، وإذا ثبت أنه لا يجوز كفر لا دليل عليه، فاعلم: أن الفسق يخالفه في ذلك.
قال الإمام المهدي عليه السلام : اتفق شيوخ المعتزلة مثبت كفر التأويل ونافيه على أنه يجوز فسق لا دليل عليه في الخارج، كما يجوز في المعاصي المحتملة أن تكون فسقاً، وأن يكون صغائر، ولا سبيل إلى العلم بأحدهما أصلاً، وإنما يعلم كونها معصية، وإلا لتعينت الصغائر؛ لأنه إذا كان كل فسق فعليه قطعنا أن ما لا دليل عليه فليس بفسق، وما قطعنا أنه ليس بفسق فهو صغير، وتعيين الصغائر قبيح إذ هو إغراء بها، والإغراء بالقبيح قبيح لا يجوز من الله، وهذا يستلزم القطع بجواز فسق لا دليل عليه.
قال الإمام المهدي عليه السلام : وهو موضع اتفاق، وإنما اختلفوا في الكفر فالمانعون من كفر لا دليل عليه قد تقدم ذكرهم، وبيان حججهم، وقال السيد(م) بالله أحمد بن الحسين، والإمام يحيى بن حمزة عليه السلام ، وأبوالقاسم البستي، وأبو رشيد: بل يجوز كفر لا دليل عليه، ولهم على ذلك دليلان:
أحدهما: أن الأحكام التي تعبدنا بها في حق الكافر والفاسق لا يلزمنا إلا حيث نعلم الفعل كفراً أوفسقاً، وإذا كان كذلك جاز ثبوت كفر لا دليل عليه، فيجوز أن يكون في العاصين من عقابه عقاب الكافر لأجل معصية فعلها وهي كفر، لكن ذلك الكفر لا مصلحة لنا في إجراء أحكام الكفر عليه، كما يجوز أن يبطن المسلم في الظاهر الكفر فيجري عليه في الدنيا حكم المسلمين، وله في الآخرة حكم الكفار.
وإذا ثبت هذا ثبت أنه لا يجب على الله أن يدلنا على كل كفر وفسق إذ لا مصلحة لنا متعلقة بما لا نعلمه كفراً أو فسقاً، ولا طريق إلى أن المصالح في تلك الأحكام ثابتة في كل كفر وفسق.
والجواب: أن هذا الدليل قد دخل فيما تقدم من الأسئلة الواردة على دليل الجمهور، فخذ جوابه من هنالك، والمعتمد في جوابه أن التعبد ورد بإجراء تلك الأحكام في كل أنواع الكفر، فلو جوزنا كفراً لا دليل عليه للزم التكليف بما لا يعلم.
الدليل الثاني: قالوا قد ثبت فسق لا دليل عليه، فيجب في الكفر مثله؛ إذ قد تعبدنا في الفساق بأحكام كالذم، واللعن، ووجوب التبري منهم، ورد الشهادة.
والجواب: أما التبري ونحوه فإنما يجب على التفصيل لمن علم فسقه، فمن لم يقطع بفسقه لم تجب معاداته، بل لم تجز، وأما رد الشهادة فقد أجاب القاضي عبد الجبار: بأنه ليس مما يختص الفسق، فقد ترد شهادة الصبي، والمجنون، والشريك، والعبد على مذهب الأكثر، ومن له فيه نفع أو دفع مضرة وإن كان صالحاً فاضلاً.
قال الموفق بالله عليه السلام : ولقائل أن يقول: أنه وإن رد في موضع لعلة، ففي هذا الموضع ردت شهادته لأمر يختص الفسق، وهو كونه فسقاً، فهذا حكم يختصه، ولا يمكن إجراؤه عليه إلا بعد معرفته، فيجب أن نعرفه حتى يكون على كل فسق دليل.
قال عليه السلام : ولي فيه نظر، وقال الإمام المهدي عليه السلام بعد ما أورد كلام القاضي: هذا الجواب غير مخلص؛ لأنه وإن ثبت له ذلك في الشهادة لم يستقم له في بقية الأحكام فإنها تختص به من غير تردد ولا نزاع، فبقي الإلزام كما هو، لكنا وإن سلمنا أن للفسق أحكاماً مخصوصة كالكفر وهي بوجوب تعيينهما معاً، لكن منع من تعيين كل فسق مانع، وهو استلزام تعيين الصغائر، وهو لا يجوز بخلاف الكفر فإنه لا يمنع من تعيينه مانع؛ لأنه لو التبس بغيره لما التبس إلا بالفسق لقربه منه، فيلزم من تعيينه تعيين بعض الفسق وهو جائز كالكبائر، وكان الدليل المقتضي لوجوب تعيين الكفر غير معارض، بل باق على إطلاقه، فوجب العمل بمقتضاه، وهو القول بالتعيين، بخلاف الدليل المقتضي لتعيين الفسق، فإنه معارض بما في تعيين الصغائر من المفسدة، فوجب العدول عما يقتضيه من وجوب تعيين الفسق إلى القول بجواز فسق لا دليل عليه.
(تتمة) لهذا الفصل في التكفير بالإلزام.
اعلم: أن من أثبت كفر التأويل فإنه يجوز التكفير بالإلزام وإن لم يلتزمه خصمه، واحتجوا بوجهين:
أحدهما: أن لزوم الكفر حينئذٍ ليس معلوماً ضرورة، بل دلالة، وإذا كان كذلك جاز أن لا يعلمه الخصم فينكر اللزوم، ولكن إنكاره لا يسقط الكفر عنه، كمن أنكر وجوب الصلاة فإنه يكفر اتفاقاً؛ إذ لزمه تكذيب النبي صلى الله عليه وآله وسلم وإن لم يلتزمه، بل ادعى أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لم يتحملها وليست من شرعه، فكما أن هذه الدعوى لا تسقط عنه الكفر إذ لزومها معلوم، فكذلك فيما علم لزوم التكذيب ونحوه فيه استدلالاً.
الوجه الثاني: إن سقوط الكفر عنه لا يخلو، إما أن يكون لأجل الشبهة التي تعلق بها، أو لأجل إنكار اللزوم لا غير الأول باطل وإلا لزم عدم كفر الفلاسفة واليهود والنصارى لأجل شبههم، والثاني باطل أيضاً وإلا لزم أن لا يكفر من أنكر ما علم من الدين ضرورة كالصلاة؛ حيث لم يلتزم كون قوله تكذيباً له صلى الله عليه وآله وسلم ، وأما من نفى كفر التأويل فقالوا: لا إكفار بإلزام إلا حيث الخصم يلتزم ما ألزم، ويعلم بدليل قاطع أن ذلك كفر.
قال الرازي: فأما الذي يعرف بالدليل أنه من دينه صلى الله عليه وآله وسلم مثل كونه عالماً بعلم أو لذاته، وأنه مرئي أو غير مرئي، وأنه خالق أعمال العباد أم لا، فلم ينقل بالتواتر القاطع للعذر مجيئه عليه السلام بأحد القولين دون الثاني، بل إنما تعلم صحة أحد القولين وبطلان الثاني بالاستدلال، فلا جرم لم يكن إنكاره ولا الإقرار به داخلاً في ماهية الإيمان، فلا يكون موجباً للكفر.
والدليل عليه: أنه لو كان ذلك جزء ماهية الإيمان لكان يجب على الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أن لا يحكم بإيمان أحد إلا بعد أن يعرف أنه نظر فعرف الحق في تلك المسألة، ولو كان الأمر كذلك لاشتهر في تلك المسألة بين جميع الأمة، ولنقل ذلك على سبيل التواتر، فلما لم ينقل ذلك دل على أنه عليه السلام ما وقف الإيمان عليها، وإذا كان كذلك وجب أن لا تكون معرفتها من الإيمان، ولا إنكارها موجباًللكفر.
قال: ولأجل هذه القاعدة لا يكفر أحد من هذه الأمة، ولا تكفر أرباب التأويل.
قلت: وكلامه هذا صريح؛ في أنه لا يصح الإكفار بالإلزام، وما احتج به الأولون فيجاب عنه: بأن قياس ما لزم فيه الكفر دلالة على ما لزم فيه ضرورة قياس مع وجود الفارق لما ورد من الآيات، والأخبار الدالة على رفع الخطاب ولم تفصل، وأما ما ذكر في الوجه الثاني من أنه يلزم عدم كفر من أنكر حدوث العالم كالفلاسفة، أو عدم كفر من أنكر ما علم من الدين ضرورة كالصلاة، فهو خارج عن محل النزاع؛ إذ النزاع فيمن لم ينكر ما علم ضرورة، وحدوث العالم وكون الصلاة من الدين أبي ن من الشمس، لا سيما بعد انتشار الأنبياء، والعلماء المنبهين على كيفية الاستدلال، وتعريف الشرائع.
واعلم: أن للإمام المهدي عليه السلام كلاماً هو أقرب إلى العدل وأسلم من الخطر، وهو أنه يصح التكفير بالإلزام إذا علم لزوم الكفر ضرورة وإن أنكره الخصم؛ لأن ما كان معلوم اللزوم ضرورة فالحكم في حق الملتزم له إنه وإن أنكر بلسانه فليس منكراً بجنانه لوجوب اشتراك العقلاء في الضروريات، فيجب صحة التكفير بالإلزام، وعدم التزام الخصم لا يدفع عنه الكفر حيث علم لزومه له ضرورة.
قال عليه السلام : وليس كذلك فيما علم لزوم التكذيب فيه استدلالاً، لا يعني تكذيب النبي صلى الله عليه وآله وسلم لتجويز كونه لم ينظر فلم يعلم أن مذهبه تكذيب، فليس بمكذب؛ إذ المكذب إنما هو من قال لغيره: كذبت، أو اعتقد كونه كاذباً، وهذا ليس كذلك.
قال عليه السلام : فلزم ثبوت التكفير بالإلزام الذي علم لزومه ضرورة وإن أنكره الخصم، وهذا القدر كاف هنا فيما يتعلق بالكفر وبيانه، وسيأتي الكلام إن شاء الله على أنواع الكفر المتفق عليه، والمختلف فيه مفصلاً في مواضعه.