المسألة الحادية والعشرون [الوعيد على ترك الصلاة]
هذه الآيات تدل على وعيد تارك الصلاة والزكاة ونحوهما؛ لأن الله تعالى رتب الفلاح على الاتصاف بتلك الأوصاف، وترتيب الحكم على الوصف يشعر بالعلية، فوجب عدم فلاح من لم يتصف بهذه الصفات مع ما في تعريف المفلحون من إفادة الحصر.
فإن قيل: إن الله حكم بالفلاح لمن اتصف بهذه الصفات وإن زنى وإن سرق.
قيل: إن من جملة هذه الصفات الإيمان بالقرآن، وقد قدمنا أنه لا يؤمن بالقرآن إلا من امتثل أمره، واجتنب نواهيه، والسرق والزنى مما نهى عنه في القرآن، ولأن الله تعالى وصفهم بالتقوى، وقد حققنا أنها الإتيان بالواجب، واجتناب المحرم.
فإن قيل: لا نسلم الحصر المستفاد من الألف واللام، وإنما تدل الآية على أنهم الكاملون في الفلاح، وذلك لا يوجب الوعيد لتجويز العفو عنهم.
قلنا: خلاف الظاهر، ولأن الله تعالى قابل الفلاح بالخسران في عدة آيات، والخاسر في النار بدليل قوله تعالى: {فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ، وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ}[المؤمنون:102،103].

المسألة الثانية والعشرون [في خواص تلك الآيات]
في خواص هذه الآيات الشريفة عن أبي بن كعب قال: كنت عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم فجاء أعرابي فقال: يا نبي الله إن لي أخاً وبه وجع، قال: ((وما وجعه؟)) قال: به لمم، قال: ((فائتني به)) فوضعه بين يديه، فعوذه النبي صلى الله عليه وآله وسلم بفاتحة الكتاب، وأربع آيات من أول سورة البقرة، وهاتين الآيتين: {وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ}[البقرة:163] وآية الكرسي، وثلاث آيات من آخر سورة البقرة، وآية من آل عمران: {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ}[آل عمران:18] وآية من الأعراف: {إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ}[الأعراف:54] وآخر سورة المؤمنين {فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ}[المؤمنون:116] وآية من سورة الجن:{ وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا}[الجن:3] وعشر آيات من أول سورة الصافات، وثلاث آيات من آخر سورة الحشر، وقل هو الله أحد، والمعوذتين، فقام الرجل كأنه لم يشك قط)).

وعن محمد بن علي المطلبي، عن خطاب بن سنان، عن قيس بن الربيع، عن ثابت بن ميمون، عن محمد بن سيرين قال: نزلنا بهم بسيرى، فأتانا أهل ذلك المنزل فقالوا: ارحلوا فإنه لم ينزل عندنا هذا المنزل أحد إلا أخذ متاعه، فرحل أصحابي، وتخلفت للحديث الذي حدثني ابن عمر، عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((من قرأ في ليلة ثلاثاً وثلاثين آية لم يضره في تلك الليلة سبع ضار، ولا لص طارئ، وعوفي في نفسه وأهله وماله حتى يصبح)). فلما أمسينا لم أنم حتى رأيتهم قد جاءوا أكثر من ثلاثين مرة مخترطين سيوفهم فما يصلون إلي، فلما أصبحت رحلت، فلقيني شيخ منهم فقال: يا هذا إنسي أم جني؟ قلت: بل إنسي، قال: فما بالك لقد أتيناك أكثر من سبعين مرة كل ذلك يحال بيننا وبينك بسور من حديد، فذكرت له الحديث، والثلاث وثلاثون آيةً: أربع آيات من أول البقرة إلى قوله: {المفلحون}، وآية الكرسي، وآيتان بعدها إلى قوله: {خالدون} والثلاث آيات من آخر البقرة: {لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ...}[ البقرة:284] إلى آخرها، وثلاث آيات من الأعراف: {إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي}[الأعراف:54] إلى قوله: {من المحسنين}[الأعراف:56] وآخر بني إسرائيل: {قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ...}[ الإسراء:110] إلى آخرها وعشر آيات من آخر الحشر: {لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ...}[ الحشر:21] إلى آخر السورة وآيتان من: {قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ}[الجن:1] {وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَاّ مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً}[الجن:3] إلى قوله: {شططا} فذكرت هذا الحديث لشعيب بن حرب فقال لي: كنا نسميها آيات الحرب، ويقال: إن فيها شفاء من كل داء، فعد علي الجنون، والجذام، والبرص، وغير ذلك.
قال محمد بن علي: فقرأتها على شيخ لنا قد فلج حتى أذهب الله عنه ذلك.

وفي (الوسائل العظمى) للسيد العلامة العابد يحيى بن المهدي عليه السلام ، عن جعفر بن محمد بإسناده إلى آبائه، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((من قرأ في صباحه أو مسائه ثلاثين آية من كتاب الله لم يضره لص طارئ، ولاسبع ضاري، وعوفي في نفسه وأهله وماله حتى يصبح، ولا في نومه حتى يمسي)) والثلاثون الآية:
الأولى: الفاتحة.
الثانية: أول البقرة إلى {المفلحون}.
الثالثة: آية الكرسي إلى قوله: {خالدون}.
الرابعة: أول سورة آل عمران إلى: {العزيز الحكيم}.
الخامسة: آيات من الأعراف من قوله: {إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ...} إلى قوله:{قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ}[الأعراف:54-56].
السادسة: آخر سورة بني إسرائيل: {قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيّاً مَا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى...}[ الإسراء:110] إلى آخرها.
السابعة: من أول الصافات: إلى قوله: {مِنْ طِينٍ لاَزِبٍ}[الصافات:11].
الثامنة: آيتان من الرحمن:{ يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلاَ تَنتَصِرَانِ، فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذّبَانِ}[الرحمن:35،36].
التاسعة: آخر سورة الحشر: {لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ}[الحشر:21].
العاشرة: آيتان من: قل أوحي إلى قوله: {شططا}.
قال عليه السلام : فمن قرأها وأراد أن يؤمنه الله من اللصوص، ويشفيه من الجذام والبرص وكل عاهة أمنه الله بها مما يخاف، وبلغه بها ما يطلب، هكذا في الوسائل، ونسبه إلى كتاب المكنون والسر المصون.
وعن ابن مسعود قال: من قرأ أربع آيات من أول سورة البقرة، وآية الكرسي، وآيتين بعد آية الكرسي، وثلاثاً من آخر سورة البقرة لم يقربه ولا أهله يومئذٍ شيطان، ولا شيء يكرهه في أهله ولا ماله، ولا يقرءان على مجنون إلا أفاق.

وعن ابن مسعود قال: من قرأ عشر آيات من سورة البقرة في ليلة لم يدخل ذلك البيت شيطان تلك الليلة حتى يصبح: أربع من أولها، وآية الكرسي، وآيتين بعدها، وثلاث خواتمها أولها: لله ما في السموات.
وعنه أيضاً قال: من قرأ عشر آيات من سورة البقرة أول النهار لم يقربه شيطان حتى يمسي، وإن قرأها حين يمسي لم يقربه حتى يصبح، ولا يرى شيئاً يكرهه في أهله وماله، وإن قرأها على مجنون أفاق، أربع آيات من أولها، وآية الكرسي، وآيتين بعدها، وثلاث آيات من آخرها.
وعن المغيرة بن سبيع، وكان من أصحاب عبد الله قال: من قرأ عشر آيات من البقرة عند منامه لم ينس القرآن: أربع آيات من أولها، وآية الكرسي، وآيتان بعدها، وثلاث من آخرها.
وعن ابن عمر قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: ((إذا مات أحدكم فلا تحبسوه وأسرعوا به إلى قبره، وليقرأ عند رأسه بفاتحة البقرة، وعند رجليه بخاتمة سورة البقرة في قبره)).
وعن عبد الرحمن بن العلا بن اللحلاح قال: قال لي أبي : يا بني إذا وضعتني في لحدي فقل: بسم الله وعلى ملة رسول الله، ثم سن علي التراب سناً، ثم اقرأ عند رأسي بفاتحة البقرة وخاتمتها فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول ذلك.

البقرة: 6، 7.
المسألة الأول‍ى [في ألفاظ العموم ودلالتها]
(الذين) من ألفاظ العموم وهي ظاهرة في الاستغراق، قال الرازي: والظاهر غير مراد؛ لأن كثيراً من الكفار أسلموا، وهذا يدل على أن الله تعالى قد يتكلم بالعام ويكون مراده الخاص، إما لقرينة، وإما لأن التكلم بالعام بإرادة الخاص جائز وإن لم يكن البيان مقروناً به عند من يجوز تأخير بيان التخصيص عن وقت الخطاب.
قال: وإذا ثبت ذلك ظهر أنه لا يمكن التمسك بشيء من صيغ العموم على القطع بالاستغراق لاحتمال أن المراد منها هو الخاص، وكانت القرينة الدالة على ذلك في زمان الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، ولا تلبيس في ذلك مع ظهور المقصود حينئذٍ، وإذا ثبت ذلك ظهر أن استدلال المعتزلة بعمومات الوعيد على القطع بالوعيد في غاية الضعف.
والجواب من وجوه:
أحدها: أنها إذا قد قامت القرينة على إرادة الخاص فلا حجة لكم في الآية على ما ادعيتم من ضعف استدلال المعتزلة بعمومات الوعيد؛ إذ لا نزاع في أن الخطاب بالعام الذي أريد به الخصوص مع نصب القرينة جائز، ولا يكون قدحاً في الدلالة.
الثاني: إنا لا نسلم أن تأخير التخصيص عن وقت الخطاب جائز، سيما في الأخبار لما في ذلك من التلبيس والإغراء بالقبيح؛ إذ السامع إذا أخبر بعموم اعتقد شموله، فيكون إغراء بالجهل فيقبح.
فإن قيل: المخاطب بالعام ممنوع عن اعتقاد شموله حتى يبحث عن المخصص فلا يجده.
قيل: هذا مسلم بعد شيوع ذلك ووقوعه، ولكنا لا نسلم منع التلبيس عند وقوع أول فرد وعند الجاهل لذلك، والتكليف في حق الجميع على سواء، وتخصيص البعض دون البعض يمنع الاعتقاد بحكم، نعم لا يمنع القول بهذا في الفرعيات لكثرة المخصص فيها وشيوعه، وهي غير محل النزاع.

الثالث: أنه قد حكى ابن بهران وغيره الإجماع على أنه لا يجوز، ولا يقع من الباري تعالى، ومن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم تأخير البيان للمجمل، ولا التخصيص للعام عن وقت الحاجة لما في ذلك من التكليف بما لا يعلم، وهو قبيح لا يجوز من الباري تعالى.
قلت: لعله أراد إجماع من يعتد به؛ إذ خلاف بعض أهل الجبر مشهور فإنهم يجوزون تكليف ما لا يعلم، فيجوز عندهم ذلك، وهم الذين قصدهم الرازي بقوله: عند من يجوز تأخير بيان التخصيص عن وقت الخطاب.
إذا عرفت هذا فنقول: وقت الحاجة فيما ليس المطلوب فيه إلا الاعتقاد هو وقت الخطاب، فلا يجوز تأخير بيان التخصيص عنه.
الرابع: ذكره بعض المحققين، وهو أنه لوجاز أن يخاطبنا الله بما أريد به غير ظاهره ولا يبين، لجاز أن يخاطب العربي بالزنجية، والزنجي بالعربية؛ لأن الإفهام لا يجب ولا يشترط في الحسن عند المخالف، بل يجوز مخاطبة الجماد.
الخامس: إن الخطاب إذا لم يقصد به ما يفيد ظاهره ولم يبين ذلك يكون عبثاً.
قلت: وفي كلام بعض العلماء ما يقضي بأنه يكفي في حسن الخطاب وإن تأخر البيان التفصيلي الإشعار الذي هو البيان الجملي، وهو جيد.
فإن قيل: الخطاب مع عدم البيان التفصيلي يكون عبثاً؛ لأنه لم يقع المقصود به وهو الإفهام.
قيل: لا عبث مع البيان الإجمالي المانع من اعتقاد ظاهره، فلسنا مدفوعين إلى اعتقاد جهل.
فإن قيل: وأي فائدة في الخطاب به ولا يعقل معناه مفصلاً؟
قيل: غير ممتنع أن يكون فيه مصلحة لا من حيث فهم المعنى، ولأن المكلف يوطن نفسه على العمل بحسب ما يرد عليه من البيان. والله أعلم.

المسألة الثانية [في الكفر]
اعلم أن الشرع ورد بأحكام تعبدنا الله بها في حق المؤمن، والفاسق، والكافر من وجوب الموالاة، والمعاداة، والدفن، والتوارث، والمناكحة، والصلاة، ونحو ذلك من الأحكام الشرعية، فيجب على كل من التزم الشريعة المطهرة معرفة الإيمان والفسق والكفر، ليمكنه القيام بما كلف من الأحكام المتعلقة بها؛ إذ ما لا يتم الواجب إلا به يكون واجباً كوجوبه.
فإن قيل: لا يلزمنا إجراء أحكامه عليهم إلا بعد معرفتهم، وتحصيل شرط الواجب ليجب لا يجب.
فالجواب: أن الله تعالى قد عرفنا أن في أفعالنا ما هو طاعة، وما هو معصية، وأن في المعصية ما هوكفر، وما هو فسق، وأن لكل واحد منهما أحكاماً يجب علينا العمل بها، وقد عرفنا وقوع الطاعات والمعاصي من العباد، ومكننا من تمييز بعضها من بعض، وأمرنا في المطيع بأحكام، وفي العاصي بأحكام، أمراً مطلقاً من غير شرط كما في قوله تعالى: {لاَ تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ}[الممتحنة:1] وقوله: {وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ}[المائدة:51].
وقال في المؤمنين والمؤمنات: {بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ}[الأحزاب:6] ونحوها، وفي السنة الشريفة في بيان الأحكام الواجبة في المؤمنين والفجار ما لا يسعه المقام، وسيأتي في محله إن شاء الله.
وأيضاً فقد قال تعالى في قصة إبراهيم عليه السلام {فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ}[التوبة:114] وقال: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى}[النساء:115] والتبيين لا يقع إلا بعد طلب البيان، وذلك بالنظر في أدلة العقل والنقل.

وإذا كان التبيين يستلزم الطلب كان ذلك دليلاً على أنه يجب علينا معرفة ما يصير به المؤمن مؤمناً، لنتبع سبيله، ونواليه، وما يصير به كافراً أو فاسقاً، لنتبرأ منه ونعاديه، وإلا فلا نأمن موالاة أعداء الله، ومعاداة أوليائه فنقع في المعصية، وأيضاً فإنا قد نعلم المعصية ولا نعلم حكمها هل هي مخرجة لمرتكبها من الإيمان أم لا؟ وهل هي فسق أم كفر؟ وحينئذٍ لا بد من النظر في شأنها ليمكنا أجراء حكمها الذي أمرنا بإجرائه على صاحبها أمراً مطلقاً، فوجب معرفة ذلك لأجل الأمر المطلق.
تنبيه [الخلاف في أسباب الكفر]
اعلم: أنه قد كثر اختلاف العلماء فيما به يصير الإنسان كافراً، وتوسع بعضهم في ذلك وعد جملاً مستكثرة جداً، وقد ثبت أن الكفر يترتب عليه الإحباط وفسخ النكاح حيث ارتكبه أحد الزوجين المسلمين، وقضاء ما فعل من الواجب حال التلبس به عند جماعة من العلماء منهم أبو حنيفة، وغير ذلك من الأحكام.
قالوا: فالواجب على كل من له مسكة في دينه أن يعرف اختلاف العلماء في ذلك حتى يجتنب ما عده بعضهم كفراً وإن خالفه الجمهور، احتياطاً لنفسه من إحباط العمل من حيث لا يشعر.
هذا وإن كان بعض الأقوال ضعيفة، لكن الاستبراء للدين والنفس المأمور به يوجب الاحتياط، ومراعاة الخروج من مسائل الخلاف هو الواجب مهما أمكن، كما حقق ذلك الإمام القاسم بن محمد عليه السلام في الإرشاد، سيما في مثل هذا الباب الضيق، الشديد الحرج في الدنيا والآخرة.
واعلم: أن غرضنا بهذا الحث على الاحتياط دون الاعتقاد، فإنه لا يجوز اعتقاد كفر أحد إلا بدليل قاطع، كما سيأتي إن شاء الله.
إذا عرفت هذا، فاعلم: أنا بعون الله تعالى نذكر فصولاً نبين فيها معنى الكفر لغة وشرعاً، وقسمته، وحصر فرقه، وبيان الدليل الذي يثبت به ليكون ذلك أقرب إلى تحصيل المسألة، وتوضيح الدلالة، ونسأل الله التثبيت والإعانة والتسديد.آمين.

الفصل الأول: في حقيقة الكفر
الكفر في اللغة: مشتق من التغطية يقال: كفر الرجل إذا لبس فوق درعه ثوباً، ويوصف عنده بأنه كافر، وكذلك الزراع يوصف به لأنه يستر البذر تحت الأرض، وهو في عرفها الإخلال بالشكر، قال الشاعر:
نبئت عمراً غير شاكر نعمتي .... والكفر مخبثة لنفس المنعم
وأما في الشرع فاعلم: أنه صعب على المتكلمين ذكر حد الكفر على وجه يسلم من المطاعن، ونحن نأتي من حدودهم بما عثرنا عليه.
قال الناصر الحسن بن علي عليه السلام : هو الجحد لنعم الله تعالى، والستر لها التي غمرت جيمع خلقه، واستدل على صحة هذا الحد بآيات من كتاب الله تعالى، وأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وأشعار العرب، ذكرها في البساط.
قلت: وهو مبني على ما ذهب إليه جماعة من الأئمة" من أن الفاسق يسمى كافر نعمة.
وقال الإمام (يحيى بن حمزة) عليه السلام : هو تكذيب الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في شيء مما جاء به مما يعلم ضرورة من دينه، وما يكون فيه دلالةٌ على تكذيبه، قال الإمام عز الدين عليه السلام : قوله تكذيب الرسول يعني به نفس التكذيب فإنه كفر لا محالة، وقوله: مما يعلم ضرورة من دينه يحترز به عن إنكار ما ليس من ضرورة الدين، كجحود من يجحد أنه ما كان يفضل عائشة على نسائه، ولا يحب أزواجه، وغير ذلك مما لا يكون من الدين في ورد، ولا صدر، وقوله: وما يكون فيه دلالة على تكذيبه يندرج فيه عدم تصديقه، ونحو سب الأنبياء، وتمزيق المصاحف، وإحراقها، ولبس الغيار، وشد الزنار، وغير ذلك من الأمور الكفرية، فإنها وإن كانت غير معدودة في صريح التكذيب لكنها دالة على التكذيب؛ لأن هذه الأشياء كلها لا تصدر إلا عن مكذب بالرسول.
وقال الإمام القاسم بن محمد عليه السلام : هو عصيان مخرج لمرتكبه من ملة الإسلام.
قلت: وفيه إبهام، وقال الباقلاني: هو الجحد بالله تعالى مع الجهل به.

121 / 329
ع
En
A+
A-