تنبيه [في الوهبية بأكثر من الثلث]
قال الهادي عليه السلام في المنتخب: وإن وهب أكثر من ثلث ماله كان له الرجوع فيه، فإن لم يرجع حتى هلك كان لورثته الرجوع إلا أن يكون وهب ما وهبه على عوض معلوم فليس له ولا لورثته إلا العوض، ووجهه أن هذه الهبة لم تكن صحيحة فجاز له ولورثته الرجوع فيها.
قال القاضي زيد: يعني فيما زاد على الثلث، قال القاضي أيضاً: ولكن هذا إذا كان الموهوب قائماً بعينه، فأما إذا صار مستهلكاً فليس له أن يرجع؛ لأنه سَلَّطَهُ على استهلاكه، وأقل ذلك أن يكون قد أباحه.
قلت: وفيه نظر، فإن الإباحة نوع من الإنفاق، وقد ثبت أن إنفاق ما زاد على الثلث منهي عنه، فتكون إباحة ما زاد على الثلث كهبته، أما أن الاستهلاك بمعنى الرجوع فمبني على صحة هذه الإباحة، وهي في الزائد على الثلث غير صحيحة.والله أعلم.
وما قاله الهادي عليه السلام من أنه ليس للواهب ولا لورثته الرجوع إذا كانت الهبة على عوض معلوم؛ فلأن الهبة على العوض المعلوم تجري مجرى البيع.
(البحث الثاني): اختلف العلماء فيمن نذر بجميع ماله، فقال أهل المذهب: إنما ينفذ من الثلث.
قال في (شرح الأزهار): وهو الصحيح من روايتين عن القاسم، والهادي، وهو قول مالك. قال في الثمرات: لأن الاستغراق منهي عنه؛ لإجماع العقلاء على أن من تصدق بجميع ماله حتى لا يبقى له ما يسد جوعته، ويواري عورته، أنه لا يحمد بل يذم، وخصوا الثلث لما مر، ولأنه في أصل شرعه قربة تعلقت بالمال فأشبه الوصية، وقال المؤيد بالله وهو إحدى الروايتين عن القاسم والهادي: يلزمه جميعه.
قال في (الثمرات): لكن يبقي ما يسد جوعته، ويستر عورته، ومتى استغنى أخرجه لما مر من آية الإيثار ونحوها.
وعن ابن عباس: عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم : ((ومن نذر نذراً أطاقه فليف به)).

وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((من نذر نذراً سماه فعليه الوفاء به)) ولقائل أن يقول: أما آية الأيثار فقد تقدم الكلام عليها، وأما الحديثان فمطلقان مقيدان بما سبق من الآيات والأخبار.
وروي عن سحنون من المالكية: أنه يلزمه أن يخرج ما لا يضر به، وللإمام الحسن بن يحيى، وولده التفصيل السابق في الهبة.
(البحث الثالث): ما تقدم من النهي عن إنفاق جميع المال يدل على أنه ليس للرجل أن يوصي بجميع ماله، قيل: وقد استقر الإجماع على منع الوصية بأزيد من الثلث، لكن اختلف فيمن ليس له وارث خاص، فقال أحمد بن عيسى، والحسين بن زيد، ومحمد بن منصور، والحنفية، وإسحاق، وشريك، وأحمد في رواية وهو المصحح للمذهب: إن له أن يوصي بماله كله، وحكاه في البحر عن العترة، واحتجوا بأن الوصية مطلقة في الآية، فقيدته السنة بمن له وارث، فبقي من لا وارث له على الإطلاق.
قال في (الجامع الكافي): وهو قول علي عليه السلام ، وابن مسعود، بلغنا عنهما أنهما سئلا عن رجل لا وارث له أوصى بماله كله لأجنبي فأجازا ذلك، وقالا: هو ماله يضعه حيث يشاء، وقال المنصور بالله، وقديم قولي الشافعي، وهو قول زيد بن ثابت، ونسبه في فتح الباري إلى الجمهور: ليس له الزيادة على الثلث؛ لأن بيت المال وارث حقيقة؛ لقوله صلى الله عليه وآله وسلم : ((إن الله تصدق عليكم بثلث أموالكم عند وفاتكم زيادة في حسناتكم ليجعلها لكم زيادة في أعمالكم)) وقوله صلى الله عليه وآله وسلم : ((الثلث والثلث كثير))، ولم يفصل، وأجيب: بأن بيت المال غير وارث حقيقة، والأحاديث مقيدة كما مر، ثم إن هذا قول الوصي عليه السلام وهو حجة.
قلت: فإن كان له وارث وأوصى بأكثر من الثلث وأجازه الوارث.
فقال محمد بن منصور: إن أجازه الوارث جاز، وفي نجوم الأنظار: ولا خلاف أن الوصية لا تصح إلا في الثلث، إلا أن يجيزها الورثة، والمسألة محل نظر.

المسألة الخامسة عشرة [في لوازم الإيمان]
في قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ}[البقرة:4].
قال ابن عباس: أي يصدقونك بما جئت به من الله، وما جاء به من قبلك من المرسلين لا يفرقون بينهم، ولا يجحدون ما جاؤوهم به من ربهم.
قال السيد حميدان: أما القرآن فيجب الإيمان به قولاً، وعملاً، واعتقاداً، لأجل كونه حجة الله بعد العقل باقية لا يجوز مخالفته، وكونه معجزاً لا يقدر أحد على الإتيان بمثله لا في الفصاحة، ولا في ما تضمن من الإخبار بالغيوب الماضية والمستقبلة، ولا في كونه محفوظاً لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ولا في ما وصفه الله سبحانه، نحو كونه تبياناً لكل شيء، ونوراً، وروحاً، وشفاء، وبصائر وهدى، وبشرى للمؤمنين.
قلت: وبالجملة أن الإيمان به لا يتم إلا مع العمل به، وتحليل حلاله، وتحريم حرامه، كما قال صلى الله عليه وآله وسلم : ((ما آمن بالقران من لم يحل حلاله ويحرم حرامه)).
قال الرازي: وهذا الإيمان واجب؛ لأنه قال في آخره: {وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}[البقرة:5] فثبت أن من لم يكن له هذا الإيمان وجب أن لا يكون مفلحاً، وإذا ثبت أنه واجب وجب تحصيل العلم بما نزل على محمد صلى الله عليه وآله وسلم على سبيل التفصيل؛ لأن المرء لا يمكنه أن يقوم بما أوجبه الله عليه علماً وعملاً، إلا إذا علمه على سبيل التفصيل؛ لأنه إن لم يعلمه كذلك امتنع عليه القيام به، إلا أن تحصيل هذا العلم واجب على سبيل الكفاية.

قلت: لأن في وجوبه على الكل عيناً حرجاً بيناً، وإخلالاً بأمر المعاش، وأما ما قبل القرآن من كتب الأنبياء" فيجب على الجملة التصديق بكونها قول الله صدقاً، وديناً حقاً، وإن كانت لا يجب التعلم فيها، ولا معرفة تفاصيلها؛ لأن الله تعالى ما تعبدنا الآن بها حتى يلزمنا معرفتها على التفصيل، بل إن عرفنا شيئاً من تفاصيلها، فحينئذٍ يجب علينا الإيمان بتلك التفاصيل.

المسألة السادسة عشرة [في الإيمان بالآخرة]
في الإيمان بالآخرة، والمراد الدار الآخرة لتصريحه بذلك في غير هذا الموضع.
واعلم: أن الله تعالى مدحهم على إيقانهم بالآخرة، ولا يكون موقناً بها إلا من عرفها بالدليل، وقد نبه الله على ذلك، والحاصل أن الطرق الموصلة إلى اليقين بالآخرة أربع، وكلها تدل على البعث، ويترتب على ذلك معرفة الجزاء والحساب، وغير ذلك مما أخبر الله تعالى به، وإلا كان البعث عبثاً:
الطريق الأولى: قياس المعاد على المبدأ كما قال تعالى: {قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ}[يس:79].
الطريق الثانية: قياس بعض الصيغ على بعض كما قال تعالى: {إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى}[فصلت:39] وما أشبه ذلك مما نبه به سبحانه على أنه لا فرق بين إحياء الأرض بعد موتها، وإحياء الناس بعد موتهم.
والطريق الثالثة: المشاهدة نحو ما شاهده إبراهيم عليه السلام من إحياء الطير، والذي مر على القرية من إحياء حماره، وما شاهده بنو إسرائيل من إحياء المضروب ببعض البقرة، قال تعالى: {كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُون}[البقرة:73].
والطريق الرابعة: خبر الحكيم الذي يجب تصديقه وهو الله تعالى، وقد أخبرنا بالنشر والحشر، والحساب والشفاعة، وأن الجنة للمطيع، والنار للعصاة، وغير ذلك، ومعرفة وجوب تصديقه فرع على معرفة حكمته، وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم : ((يا عجباً كل العجب من الشاك في الله وهو يرى خلقه، وعجباً ممن يعرف النشأة الأولى ثم ينكر النشأة الأخرى، وعجباً ممن ينكر البعث والنشور وهو في كل يوم وليلة يموت ويحيا -يعني النوم واليقظة- وعجباً ممن يؤمن بالجنة وما فيها من النعيم ثم يسعى لدار الغرور، وعجباً من المتكبر الفخور وهو يعلم أن أوله نطفة مذرة، وآخره جيفة قذرة، وهو فيما بين ذلك يحمل البول والعذرة)).

المسألة السابعة عشرة [في اليقين]
اليقين: هو العلم بالشيء بعد أن كان شاكاً فيه، ولذلك لا يقال: تيقنت وجود نفسي، ولا أن السماء فوقي؛ لأن العلم بذلك غير مستدرك، وإنما يقال ذلك في العلم الحادث بالأمور، سواء كان ضرورياً أو استدلالياً، ولذلك لا يوصف الله تعالى بأنه يتيقن الأشياء؛ لأنه يفيد حصول العلم بعد الشك.
واعلم: أن اليقين مقام جليل ولو لم يكن فيه إلا هذه الآية الكريمة، ألا ترى أنه جعله من صفات المتقين، ورتب على ذلك الفلاح.
وقال علي عليه السلام : (ألا وبالتقوى تقطع حُمَة الخطايا، وباليقين تدرك الغاية القصوى) وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((ياعلي إن من اليقين أن لا ترضي أحداً بسخط الله، ولا تحمد أحداً على ما آتاك الله، ولا تذم أحداً على ما لم يؤتك الله، فإن الرزق لا يجره حرص حريص، ولا تصرفه كراهة كاره، إن الله بحكمته وفضله جعل الروح والفرح في الرضا واليقين، وجعل الهم والحزن في الشك والسخط)) رواه علي عليه السلام ، وروي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لابن مسعود نحوه.
وعن ابن مسعود قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((الصبر نصف الإيمان، واليقين الإيمان كله)) وروي موقوفاً، وذكر للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ما يقال عن عيسى بن مريم أنه مشى على الماء، فقال: ((لو ازداد يقيناً لمشى على الهواء)).
واليقين إحدى دعائم الإيمان، قال علي عليه السلام : (الإيمان على أربع دعائم: على الصبر، واليقين، والعدل، والجهاد).
فإن قلت: فما الطريق إلى تحصيل اليقين وما حقيقته عند أهله؟

قلت: أما الطريق إلى تحصيله فقد بينها أمير المؤمنين عليه السلام في قوله: (واليقين منها -أي من دعائم الإيمان السابقة- على أربع شعب: على تبصرة الفطنة، وتأول الحكمة، وموعظة العبرة، وسنة الأولين، فمن تبصر في الفطنة تبينت له الحكمة، ومن تبينت له الحكمة عرف العبرة، ومن عرف العبرة فكأنما كان في الأولين).
وقال سهل بن عبد الله: حرام على قلب أن يشم رائحة اليقين، وفيه شكوى إلى غير الله.
وأما حقيقته: فقال سيد الموقنين: (اليقين هو التصديق، والتصديق هو الإقرار، والإقرار هو الأداء، والأداء هو العمل). رواه في النهج.

المسألة الثامنة عشرة
معنى الاستعلاء في قوله: {عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ}[البقرة:5] بيان تمكنهم من الهدى واستقرارهم عليه؛ حيث شبهت حالهم بحال من اعتلى الشيء وركبه.
قال الرازي: وتحقيق القول في كونهم على الهدى تمسكهم بموجب الدليل؛ لأن الواجب على المتمسك بالدليل أن يدوم على ذلك، ويحرسه عن المطاعن والشبه، فكأنه تعالى مدحهم بالإيمان بما نزل عليه أولاً، ومدحهم بالإقامة على ذلك والمواضبة على حراسته عن الشبه ثانياً، وذلك واجب على المكلف؛ لأنه إذا كان متشدداً في الدين خائفاً وجلاً فلا بد من أن يحاسب نفسه في علمه وعمله، ويتأمل حاله فيهما، فإذا حرس نفسه كان ممدوحاً بأنه على هدىً وبصيرة، وإنما نكر هذا ليفيد ضرباً مبهماً لا يبلغ كنهه، ولا يقدر قدره، كما يقال: لو أبصرت فلاناً لأبصرت رجلاً.
قال عون بن عبد الله: الهدى من الله كثير، ولا يبصره إلا بصير، ولا يعمل به إلا يسير، ألا ترى أن نجوم السماء يبصرها البصراء، ولا يهتدي بها إلا العلماء.
قال في الكشاف: ومعنى هدىً من ربهم أي منحوه من عنده، وأتوه من قبله، وهو اللطف والتوفيق الذي اعتضدوا به على أعمال الخير، والترقي إلى الأفضل فالأفضل.

المسألة التاسعة عشرة [في حقيقة المفلح]
المفلح هو الفائز بالبغية من السعادة الأبدية، والنجاة من الشقوة السرمدية، ولن يكون كذلك إلا من اتصف بهذه الصفات الكريمة، ورقى ذروة العمل بما دلت عليه هذه الآيات العظيمة، فقد جمعت لك الطاعات بأسرها، وحذرتك عن المعاصي جميعها، انظر ماذا تحت قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ}[البقرة:4] من المعاني والأحكام، وبيان العقائد، ومسائل الحلال والحرام، فإن من آمن بالقرآن على ما تقدم من بيان كيفية الإيمان به، وأنه لا يؤمن به إلا من أحل حلاله، وحرم حرامه، فهو لا شك من المفلحين لقيامه بأحكام رب العالمين، وتأسيس عقائده على قواعد اليقين.
واعلم:أنه لا يحصل الإيمان بالقرآن على وجهه إلا بالرجوع إلى مشكلاته، وبيان غامض علومه إلى من أمر الله بالرجوع إليهم، وهم علي بن أبي طالب وَوَلده عترة النبي صلى الله عليه وآله وسلم فإنه لا فلاح لمن خالفهم، ولا نجاة لمن عاندهم، كما نطقت بذلك الآثار، وتواترت به الأخبار، وفي الحديث عن علي عليه السلام قال لي سلمان: قلما اطلعت على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعنده علي عليه السلام إلا ضرب بين كتفيه فقال: ((يا سليمان هذا وحزبه هم المفلحون)).
وقال صلى الله عليه وآله وسلم : ((إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا من بعدي...)) الخبر، وقال علي عليه السلام : (نحن آل محمد نجاة كل مؤمن).

المسألة العشرون
قال في الكشاف: انظر كيف كرر الله عز وجل التنبيه على اختصاص المتقين بنيل ما لا يناله أحد على طرق شتى، وهي ذكر اسم الإشارة وتكريره، وتعريف المفلحين، وتوسط الفصل بينه وبين أولئك؛ ليبصرك مراتبهم، ويرغبك في طلب ما طلبوا، وينشطك لتقديم ما قدموا، ويثبطك عن الطمع الفارغ، والرجاء الكاذب، والتمني على الله ما لا تقتضيه حكمته، ولم تسبق به كلمته.

120 / 329
ع
En
A+
A-