يلزم ما ذكروا من أنه يقال: إنما مدح على إنفاق ما كان رزقاً منه لا من غيره؛ لأنه قال: {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ} والحرام وإن سمي رزقاً فليس رزقاً منه، بل الغاصب هو المرتزق له الذي صيره رزقاً لنفسه، سيما على القول بالعدل، فلا يستقيم هذا الاحتجاج كما ترى، وكذلك احتجاجهم بقوله تعالى: {أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ}[البقرة:254] وهو سبحانه لا يأمر بإنفاق الحرام، يعترض بمثل ما ذكرنا.
والجواب: أنه إذا ثبت أن الله تعالى لا يفعل القبيح، ولا يأمر به، لزم أن الله تعالى لايرزقنا إلا الحلال؛ لأنه قد نهانا عن تناول الحرام والانتفاع به، فكيف يجعله لنا رزقاً وهو ينهانا عنه هل هذا إلا خلف، ومناقضة؟ وبيانه أن جعله رزقاً يقتضي جواز الانتفاع به وتناوله؛ لأن الخصم يقول: الرزق ماينتفع به والنهي يقتضي المنع من تناوله والانتفاع به، وهذا هو معنى التناقض والاختلاف، وحاشا أحكام الله من ذلك.
وأما قوله: يحتمل أن البعض الذي تعلق المدح بإنفاقه هو الحلال دون الحرام.فجوابه: أن المراد بالتبعيض الدلالة على أن الممدوح عليه إنفاق بعض الحلال لا كله، كما سيأتي إن شاء الله.
ومن حجج أصحابنا: أن الأشياء التي لا ينتفع بها كالسموم لا تسمى رزقاً اتفاقاً، فكذلك ما نهينا عن تناوله والانتفاع به كمال الغير، والجامع عدم جواز الانتفاع، ومنها: أن الله تعالى لم يسم رزقاً إلا ما أباحه دون ما حرمه، قال تعالى:{ وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً}[النحل:67] فسمى ما أباح الانتفاع به من ثمرات النخيل والأعناب رزقاً، ولم يسم المسكر رزقاً، ومنها: أن العرب لا تسمي ما تعتقد تحريمه رزقاً كالبحيرة، والسائبة، والوصيلة، والحام؛ لأن الرزق عندهم ما ينتفع به، وهذه لا ينتفع بها عندهم فلا تسمى رزقاً لهم، والقرآن نزل بلسانهم، ويقاس عليها ما أخذ ظلماً بجامع المنع من كل.
واعلم: أنا قد اتفقنا نحن والخصم على أن الحلال يسمى رزقاً، واختلفنا في الحرام فإن أتى بدليل صحيح صريح غير محتمل ولا مجازي من كتاب الله، أو من سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، أو من لغة العرب يدل على أن الحرام يسمى رزقاً سمعنا وأطعنا، وإلا اقتصرنا على ما قد علمنا، واتفقنا عليه، وقضت به قواعد العدل من أنه اسم للحلال دون غيره؛ إذ هو الذي صح نقله ولم يصح غيره.
فإن قالوا: حجتنا قوله تعالى: {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا}[هود:6] وقد يعيش الرجل طول عمره لا يأكل إلاَّ من الحرام، فلو لم يكن رزقاً للزم أن يقال: إن الله لم يرزقه طول عمره، ومن السنة ما روي عنه صلى الله عليه وآله وسلم في حديث عمرو بن قرة حين أتاه فقال: يا رسول الله إن الله كتب علي الشقوة فلا أرى أرزق إلا من دفي بكفي فأذن لي في الغناء من غير فاحشة، فقال صلى الله عليه وآله وسلم : ((لا آذن لك ولا كرامة ولا نعمة، كذبت أي عدو الله، والله لقد رزقك الله حلالاً طيباً فاخترت ما حرم الله عليك من رزقه مكان ما أحل الله لك من حلاله)).
وهذا صريح في أن الرزق قد يكون حراماً، وأما اللغة: فلأن الرزق في لسانهم هو الحظ والنصيب كما تقدم، فمن انتفع بالحرام فقد صار حظاً ونصيباً له فوجب أن يكون رزقاً له.
فالجواب: أما الآية الكريمة فمعناها أن الله تعالى مكن كل دابة من تناول رزقها وهداها إليه، وهذا التمكين لا يمنع اختيار الترك والعدول إلى الحرام، كما في قوله تعالى: {إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى}[الليل:12] وللحديث المذكور، وحينئذٍ فلا يلزم فيمن أكل الحرام طول عمره أن يكون غير مرزوق لتمكنه من رزقه، والحاصل أن الله تعالى لم يضمن تناوله للحلال الذي هو الرزق وانتفاعه به، بل وكله إلى اختياره، وإنما ضمن حصول الرزق وتمكينه منه. والله أعلم.
وأما الخبر فهو مع كونه أحادياً حجة لأصحابنا، وقد احتج به بعضهم لمذهبنا لأنه صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((والله لقد رزقك الله حلالاً طيباً)) والمراد مكنك منه، فاخترت ما حرم الله عليك من رزقه، وهذا موضع شبهة الخصوم، ولا حجة لهم في ذلك، فإنه لا مانع من أن يكون بعض رزق الله حراماً على قوم، فلا يكون رزقاً لهم، حلالاً لآخرين نحو مال الغير فإنه حلال لمالكه ورزق، وهو حرام على غاصبه، فيكون معنى الحديث أنك اخترت ما هو حرام عليك، وهو أخذ ما رزقه الله غيرك عوضاً عن ضربك وغناك، وهذا واضح.
وأما ما ذكروه عن أهل اللغة من أن الرزق هو الحظ والنصيب، فقد تقدم عنهم أنهم لا يسمون ما يعتقدون تحريمه رزقاً، ثم إن الرازي قد فسر الحظ بأنه نصيب الرجل وما هو خاص له دون غيره، وهذا يدل على أن مال الغير لا يسمى رزقاً عند أهل اللغة.
المسألة الثالثة عشرة [تفسير الانفاق المذكور في الآية]
النفقة التي في الآية قيل: هي الزكاة الواجبة، وهذا مروي عن ابن عباس لاقترانها بأختها وشقيقتها وهي الصلاة، ولتشابه أوائل هذه السورة بأوائل سورة النمل، وسورة لقمان، ولأن الصلاة طهرة للبدن، والزكاة طهرة للمال والبدن، ولأن الصلاة أعظم ما لله على الأبدان من الحقوق، والزكاة أعظم ما لله في الأموال، وقيل: بل المراد الصرف إلى سبيل الخير فرضاً كان أو نفلاً؛ لأن كل ذلك سبب لاستحقاق المدح، وقد جاء في فضل الزكاة الواجبة، والحث عليها، والوعيد على عدم إخراجها، وفضل صدقة التطوع كثير جداً، ولولم يكن إلا أن الله تعالى قرنها بالصلاة في أكثر المواضع التي ذكر فيها الصلاة لكفى.
وعن علي عليه السلام : (لا صلاة إلا بزكاة، ولا تقبل صدقة من غلول).
وعن أبي أيوب قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((من جاء الله يعبده ولا يشرك به شيئاً، وأقام الصلاة، وآتى الزكاة، وصام رمضان، واجتنب الكبائر فإن له الجنة)).
وعن بريدة الأسلمي أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((ما حبس قوم الزكاة إلا حبس الله عنهم القطر)).
ومن كلام علي عليه السلام : (ثم إن الزكاة جعلت مع الصلاة قرباناً لأهل الإسلام، فمن أعطاها طيب النفس بها فإنها تجعل له كفارة، ومن النار حجازاً ووقاية، فلا يتبعنها أحد نفسه، ولا يكثرن عليها لهفه، فإن من أعطاها غير طيب النفس بها يرجو بها ما هو أفضل منها فهو جاهل بالسنة، مغبون الأجر، ضال العمل، طويل الندم).
وعن أنس قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((تصدقوا فإن الصدقة فكاككم من النار)).
وعن علي عليه السلام قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((صدقة السر تطفئ غضب الرب، وإن الصدقة لتطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار)).
وعن علي عليه السلام قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((بادروا بالصدقة فإن البلاء لا ينحط إليها)).
وعن عمرو بن عوف الأنصاري قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((صدقة المرء المسلم تزيد في العمر، وتمنع ميتة السوء، ويذهب الله بها الفخر والكبر)) وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم : ((الصدقة تسد سبعين باباً من الشر)).
وعنه صلى الله عليه وآله وسلم : ((ما أحسن عبد الصدقة إلا أحسن الله إليه في مخلفيه)). وقال بعض الصالحين: الصلاة تبلغك نصف الطريق، والصوم يبلغك باب الملك، والصدقة تدخلك عليه بغير إذن، وقال الشعبي: من لم ير نفسه أحوج إلى ثواب الصدقة من الفقير إلى صدقته، فقد أبطل صدقته، وضرب بها وجهه.
المسألة الرابعة عشرة [في الاسراف والتقتير]
قيل: أدخل (من) التي للتبعيض صيانة لهم، وكفّاً عن الإسراف والتبذير المنهي عنه.
قال القاضي زيد: وقد ثبت أن إخراج الرجل جميع ما يملكه لا يكون قربة، بل يكون محظوراً؛ لأنا نعلم من دين المسلمين أنهم لا يختلفون فيمن تصدق بجميع ماله حتى لا يبقى ما يكسو به عورته، ويسد جوعته، ويكفي عيلته أنه لا يحمد على ذلك بل يذم، وقد نبه الله على ذلك بقوله: {وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً}[الإسراء:29] فنهى نبيه عن الإمساك حتى لا ينفق، وعن الإنفاق حتى لا يبقى، وقد مدح الله تعالى من وقف بين ذلك فقال: {وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً}[الفرقان:67] ولا يجوز أن يمدح الله أحداً إلا على فعل القرب.
فعلم أن الإفراط في إخراج ما يملكه لا يكون قربة، وعن مجاهد قال: كنت جالساً عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم فجاء رجل بمثل بيضة من ذهب فقال: يا رسول الله أصبت هذه من معدن فخذها فهي صدقة ما أملك غيرها، فأعرض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ثم أتاه من قبل يمينه فقال مثل ذلك، ثم أتاه من خلفه فأخذها صلى الله عليه وآله وسلم فحذفه بها، فلو أصابته أوجعته أو عقرته، ثم قال: ((يأتي أحدكم بما يملك فيقول هذه صدقة، ثم يقعد يتكفف الناس، خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى)).
وعن جابر قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((ابدأ بنفسك فتصدق عليها، فإن فضل شيء فلأهلك، فإن فضل عن أهلك شيء فلذي قرابتك، فإن فضل عن ذي قرابتك شيء فهكذا وهكذا)).
وعن حكيم بن حزام قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((ابدأ بمن تعول)).
وعن كعب بن مالك أنه قال: يا رسول الله إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله ورسوله، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : ((امسك عليك بعض مالك فهو خير لك)) قال: قلت: إني أمسك سهمي الذي بخيبر، وفي لفظ قال: قلت: يا رسول إن من توبتي إلى الله أن أخرج من مالي كله إلى الله ورسوله صدقة، قال: ((لا)) قلت: فنصفه، قال: ((لا)) قلت: فثلثه، قال: ((نعم)) قلت: فإني سأمسك سهمي الذي من خيبر.
وعن الحسين بن السائب بن أبي لبابة أن أبا لبابة بن عبد المنذر لما تاب الله عليه قال: يا رسول الله إن من توبتي أن أهجر دار قومي وأساكنك، وأن أنخلع من مالي صدقة لله عز وجل ولرسوله، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((يجزي عنك الثلث)).
وفي الجامع الكافي قال محمد: فإذا جعل الرجل ماله صدقة على لمسكين يريد به وجه الله على جهة القربة والشكر، فقد بلغنا عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال لأبي لبابة في مثل هذا: ((تصدق بثلث مالك)) ولم يأذن له النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يتصدق بماله كله ويدع نفسه وعياله عالة على الناس.
وقال علي عليه السلام : (كن سمحاً ولا تكن مبذراً، وكن مقدراً ولا تكن مقتراً).
وقال عليه السلام في وصيته للحسن: (وحفظ ما في يديك أحب لي مما في يدي غيرك).
قال العلامة ابن أبي الحديد: ليس مراد أمير المؤمنين عليه السلام وصايته بالإمساك والبخل، بل نهيه عن التفريط والتبذير، قال الله تعالى: {وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً}[الإسراء:29] وأحمق الناس من أضاع ماله اتكالاً على مال الناس، وظناً أنه يقدر على الاستخلاف، قال الشاعر:
إذا حدثتك النفس أنك قادر .... على ما حوت أيدي الرجال فكذب
وما أحسن قول أمير المؤمنين لولده الحسن عليهما السَّلام : (ومن الفساد إضاعة الزاد).
إذا عرفت هذا فقد دلت الآية، وما في معناها من الأخبار والآثار على أنه يشرع لمن أراد التصدق بجميع ماله أن يمسك بعضه، قيل: ولا يلزم من ذلك أنه لو نجزه لم ينفذ.
قلت: سيأتي في الأبحاث ما يتبين به الحق في هذا، وقيل: إن التصدق بجميع المال يختلف باختلاف الأحوال، فمن كان قوياً على ذلك يعلم من نفسه الصبر لم يمنع، وعليه يتنزل ما روي أن الحسن بن علي عليه السلام خرج من ماله مرتين، ولقوله تعالى: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ}[الحشر:9] ومن لم يكن كذلك فلا لما مر، ويمكن أن يقال: ظاهر أدلة المنع الإطلاق، وما روي عن الحسن بن علي فهو من أخبار الآحاد التي لا تصلح لمعارضة ما تقدم حتى يحتاج إلى الجمع بينها، مع ما فيه من احتمال المبالغة وتوهم الراوي، واحتمال كون ذلك فيما عدا الأراضي ونحوها من المستغلات، وأما آية الإيثار فمحمولة على الوجبة والوجبتين، كما في حديث ابن عمر وأبي هريرة، مع أن الذي في كتب التفسير المعتمدة أنها نزلت مدحاً للأنصار لما آثروا المهاجرين بالغنيمة.
قال في (مفاتيح الغيب): والصحيح أنها نزلت بسبب إيثارهم المهاجرين بالفيء، ويتعلق بهذه الجملة ثلاثة مباحث:
(البحث الأول): دلت الآية الكريمة وما طابقها على أنه لا ينبغي للإنسان أن يهب ماله كله؛ لأنه تعالى أمر بإنفاق بعض المال ومدح عليه، ونهى عن بسط اليد كل البسط وحذر منه، واختلفوا فيما إذا وهب جميع ماله هل ينفذ أم لا؟ فقال الهادي عليه السلام في المنتخب وهو ظاهر قول القاسم بن إبراهيم ومحمد بن منصور: لا يجوز للرجل أن يهب في دفعة واحدة أكثر من ثلث ماله.
قال في الجامع الكافي في تقرير مذهب القاسم عليه السلام : فإن وهب أكثر من الثلث كان له أن يرجع فيه، والحجة لهم ما تقدم من الآيات والأخبار فإنها دالة على النهي عن إنفاق جميع المال، وفي حديث كعب بن مالك، وأبي لبابة النهي عن مجاوزة الثلث، والنهي يدل على فساد المنهي عنه، فمن وهب أو تصدق بأكثر من الثلث لم تنفذ هبته ولا صدقته، وقد قال تعالى: {وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا}[الحشر:7] وقال صلى الله عليه وآله وسلم : ((ما كان على غير أمرنا فهو رد))، وقال صلى الله عليه وآله وسلم : ((لا قول ولا عمل ولا نية إلا بمطابقة السنة))، وقال الهادي عليه السلام في الأحكام، والمؤيد بالله، وأبو طالب، والفريقان: بل له أن يتصدق ويهب في حال صحته ما شاء.
قال القاضي زيد: وهو قول العلماء لآية الإيثار، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم : ((لايحل مال امرء مسلم إلا بطيبة من نفسه)) والمفهوم من هذا أنه إذا طابت به نفسه حل، ولأنه لا خلاف بين المسلمين أن المرء أولى بأن يتصرف في جميع ماله، وأن يخرجه عن ملكه بالأعواض وغيرها إذا لم يكن محظوراً، ذكر هذا في المنهاج وشرح القاضي زيد، قال القاضي زيد: وقد ثبت أن خياراً من السلف قد آثروا التخلي من أموالهم فلم ينكر عليهم منكر، قالوا: وأما حديث البيضة فلا يقدح فيما قلناه؛ لأنا لا نقول إن إخراج الإنسان جميع ماله مستحب وأنه يكون قربة إذا فعله على الإطلاق، وإنما نقول: أنه إذا فعله يملك عليه.
قلت: لقائل أن يقول: قد تقدم أن أدلة المانعين صريحة في النهي عن إنفاق الجميع، وعن مجاوزة الثلث، وحديث: ((لا يحل مال امرئ...)) إلخ، مطلق مقيد بأدلة المانعين، وآية الإيثار قد تقدم الكلام عليها، والإجماع غير مسلم مع خلاف القاسم والهادي" وقول الأحكام لعله يمكن تأويله، وقد صرح فيها في كتاب الحج بأن من جعل ماله في سبيل الله أو هدايا إلى الكعبة أنه يخرج الثلث من ماله، ويمسك الثلثين، وقد جمع بعض العلماء بين الأدلة بأنه يجوز له هبة جميع ماله حيث وثق من نفسه بعدم التكفف وإلا فلا، وهو قول الإمام الحسن بن يحيى القاسمي عليه السلام ، وولده علامة العصر عبد الله بن الإمام.