قلت: وقد دخل في هذا كثير مما ذكره المفسرون في الأقوال السابقة، قال القاسم بن إبراهيم عليه السلام : واليقين بالغيب فإنما يكون بما يدركه الفكر لا بما تدركه العيون، فمن لم يفكر بقلبه فيما غاب عنه لم يوقن أبداً بشئ منه، والآية في كل ما كانت من الأشياء فيه، فهي الدلالة البينة المستدل بها عليه، ومن استدل بآيات الله على ما غاب صح يقينه وإن لم يره ولم تبصره عينه، وكان أصح عنده صحة، وأوضح له ضحة من كل وضيح من الأمور كلها فاستنار، وأيقن به كما يوقن بالليل والنهار، بل كان أصح عنده في الإيقان، من كل ما أدركه برؤية وعيان، لفضل درك اليقين، على درك الرؤية والعين، ومن لم يفكر لم يوقن ولم يبصر، وإنما يوقن من فكر، ويبصر من نظر كما قال الله سبحانه: {أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا}[الأعراف:184] {أَوَلَمْ يَنظُرُوا}[الأعراف:185] {أَوَلَمْ يَرَوْا}[الرعد:41] تنبيهاً من الله بذلك كله لهم على أن يوقنوا فلا يمتروا فيما عرفهم الله سبحانه من نفسه بآياته، ودلهم على معرفته من غيب أموره بدلالاته، فليس يوصل إلى معرفته، واليقين به، وما احتجب عن العباد من غيبه إلا بما جعل الله من الدلالات، وأبان من الآيات، كما قال سبحانه: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ، أَلاَ إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ أَلاَ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيط}[فصلت:53،54].

وقال عليه السلام وفي مدحة الله سبحانه للأبرار لما آمنوا به مما غاب عن الأبصار، واستدلوا عليها بالنظر والأفكار، من غيب المعرفة بالله سبحانه وإيقانه، وما لا يدرك أبداً من الله برؤيته جهرة ولا عيانه، ولا ما يصاب فيه أبداً حقيقة العلم واليقين، إلا بما جعل الله عليه من الشواهد والدليل المبين، الذي هو أحق حقيقة، وأوثق وثيقة، وأثبت يقيناً، وأنور تبييناً، من كل معاينة كانت أو تكون أورؤية، أو درك حاسة ضعيفة أو قوية، ما يقول الله سبحانه: {الم، ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ ، الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ}[البقرة:1-3] تبرية من لله لهم فيما غاب عنهم في جميع أموره من كل شك وريب.
وقال في البحر المحيط: الغيب متعلق بما أخبر به الرسول صلى الله عليه وآله وسلم من تفسير الإيمان حين سئل عنه، وهو الله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره.
فإن قيل: لو كان المراد بالغيب الأشياء الغائبة كما ذكرتم لكان قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ...}[البقرة:4] الآية تكراراً.
قلنا: قوله تعالى: {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ}[البقرة:3] يتناول الإيمان بالغائبات على الإجمال، وقوله: {وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ}[البقرة:4] يتناول بعضها فكان من عطف التفصيل على الجملة، وهو جائز كما في قوله تعالى: {وَمَلاَئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ}[البقرة:98].
فإن قيل: فيلزمكم أن يصح الإطلاق بأن الإنسان يعلم الغيب.
قلنا: قد بينا أن الغيب ينقسم إلى ما عليه دليل، وإلى ما ليس عليه دليل، ويختص الباري تعالى بالثاني، وأما الذي عليه دليل فلا يمتنع أن نقول: نعلم من الغيب ما لنا عليه دليل ويفيد الكلام ولا يلتبس، وعلى هذا الوجه قال العلماء: الاستدلال بالشاهد على الغائب أحد أقسام الأدلة.

فإن قيل: لفظ الغيب إنما يجوز إطلاقه على من يجوز عليه الحضور، فعلى هذا لا يجوز إطلاق لفظ الغيب على ذات الله تعالى وصفاته.
قلنا: أطلقه المتكلمون على من لا يجوز عليه الحضور فإنهم يقولون: هذا من باب إلحاق الغائب بالشاهد، ويريدون بالغائب ذات الله تعالى وصفاته وهم أعرف بما يجوز إطلاقه على الباري تعالى وما لا يجوز، وقيل: يجوز أن يكون قوله بالغيب في موضع الحال كما في قوله تعالى: {الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ}[الأنبياء:49] أي: يؤمنون غائبين عن المؤمن به، وهو النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، ويدل على هذا القول ما رواه أبو سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن رجلاً قال: يا رسول الله طوبى لمن رآك وآمن بك، قال: ((طوبى لمن رآني وآمن بي، وطوبى ثم طوبى ثم طوبى لمن آمن بي ولم يرني)).
وعن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((ليتني قد لقيت إخواني فقال له رجل من أصحابه: أولسنا إخوانك؟)) قال: ((بلى أنتم أصحابي، وإخواني قوم يأتون من بعدي يؤمنون بي ولم يروني، ثم قرأ: الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة)) وقيل: في إسناده أبو هدبة وهو كذاب.
قلت: للحديث شواهد ذكرها في الدر المنثور، وروي أن أصحاب ابن مسعود (رضي الله عنه) ذكروا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وإيمانهم، فقال ابن مسعود: إن أمر محمد كان بيناً لمن رآه، والذي لا إله غيره ما آمن مؤمن أفضل من إيمان بغيب، ثم قرأ هذه الآية، وقيل: المراد بالغيب القلب لأنه مستور، والمعنى يؤمنون بقلوبهم لا كالذين يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم.

قلت: ويجوز أن يراد به ماغاب عنا من سلطان الله وملكوته، كما قال علي عليه السلام : (سبحانك ما أعظم ما نرى من خلقك، وما أصغر عِظَمهِ في جنب قدرتك، وما أهول ما نرى من ملكوتك، وما أحقر ذلك فيما غاب عنا من سلطانك)، وقال عليه السلام : (وما الذي نرى من خلقك، ونعجب له من قدرتك، ونصفه من عظيم سلطانك، وما يغيب عنا منه، وقصرت أبصارنا عنه، وانتهت عقولنا دونه، وحالت ستور الغيب بيننا وبينه أعظم). ويجوز أن يكون الغيب ما جهلنا تفسيره من صفات الباري التي لم يدلنا عليها القرآن، كما قال علي عليه السلام : (واعلم أن الراسخين في العلم هم الذين أغناهم عن اقتحام السدد المضروبة دون الغيوب، الإقرار بجملة ما جهلوا تفسيره من الغيب المحجوب...) إلى آخره، وقد مر.
وقال بعض الشيعة: المراد بالغيب المهدي المنتظر.
قلت: هو مما غاب عن الحاسة، وقد قام عليه الدليل، فهو داخل في جملة ما تقدم، ولا وجه لقصر الآية عليه.

المسألة العاشرة [المراد بإقامة الصلاة]
إقامة الصلاة عبارة عن أدائها، عبر عنه بالإقامة لأن القيام بعض أركانها كما عبر عنها بالقنوت، وهو القيام، وبالركوع والسجود والتسبيح لوجودها فيها، وقيل: أراد تعديل أركانها، وحفظها من أن يقع في شيء من فرائضها وسننها وآدابها خلل، من أقام العود إذا قومه وعدله، وقيل: الدوام عليها والمحافظة عليها كما قال تعالى: {الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاَتِهِمْ دَائِمُونَ}[المعارج:23] {وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاَتِهِمْ يُحَافِظُونَ}[المعارج:34] من قامت السوق إذا نفقت، وأقمتها إذا جعلتها نافقة؛ لأنه إذا حوفظ عليها كانت كالشيء النافق الذي تتوجه إليه الرغبات، ويتنافس فيه المحصلون، وإذا عطلت وأضيعت كانت كالشيء الكاسد الذي لا يرغب فيه، وقيل: بل عبارة عن التجلد والتشمير لأدائها من غير فتور ولا توان، من قولهم: قام بالأمر وأقامه إذا جد فيه واجتهد.
قال الرازي: والأولى حمل الكلام على ما يحصل معه الثناء العظيم، وذلك لا يحصل إلا إذا حملنا الإقامة على إدامة فعل من غير خلل في شرائطها، ولذلك فإن القيم بأرازق الجند إنما يوصف بكونه قيماً إذا أعطى الحقوق من دون بخس ونقص، ولهذا يوصف الله تعالى بأنه قائم وقيوم؛ لأنه يجب دوام وجوده، ولأنه يديم إدرار الرزق على عباده.
قلت: ويؤيد هذا قول ابن عباس: يقيمونها بفروضها؛ ولأن إقامتها من صفات المتقين، وقد تقدم أنهم الذين يأتون بالواجب، ويجتنبون القبيح، وهي أم الواجبات، بل والناهية عن المقبحات، فلا يكون متقياً من لم يؤدها كاملة الأركان، تامة الشروط، سالمة من الخلل، وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم : ((الصلاة قربان كل تقي)) رواه علي عليه السلام .
وعن ابن عباس إقامة الصلاة: إتمام الركوع والسجود، والصلاة والخشوع، والإقبال عليها فيها.

وعن قتادة إقامة الصلاة: المحافظة على مواقيتها ووضوئها، وركوعها وسجودها، والصلاة في الشرع: عبارة عن أفعال وأذكار مخصوصة مع النية.
قال الجمهور: والمراد هنا الفرض والنفل؛ إذ الاسم يتناولهما، وقال ابن عباس: بل المراد الصلوات الخمس، ورجحه الرازي قال: لأنه الذي يقف عليه الفلاح؛ لأنه صلى الله عليه وآله وسلم لما بين للأعرابي صفة الصلاة المفروضة قال: والله لا أزيد عليها ولا أنقص منها، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((أفلح إن صدق)).

المسألة الحادية عشرة [الآثار الدالة على أهمية الصلاة]
في شيء من الآثار التي وردت في تأكيد أمر الصلاة وإعظامها.
اعلم: أنه قد جاء في فضلها الكثير الذي يعجزنا حصره، لو لم يكن إلا ما ورد في الكتاب العزيز من تكرار ذكرها، وتأكيد الوصاة بها، والمحافظة عليها لكان بعضه كافياً، وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : ((الصلاة عمود الدين فمن تركها فقد هدم الدين)).
وقال صلى الله عليه وآله وسلم : ((علم الإيمان الصلاة، فمن فرغ لها قلبه، وقام بحدودها فهو المؤمن))، وقالت أم سلمة: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يحدثنا ونحدثه، فإذا حضرت الصلاة فكأنه لم يعرفنا ولم نعرفه.
وروي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((الصلاة إلى الصلاة كفارة لما بينهما ما اجتنبت الكبائر)).
وقال علي عليه السلام : (تعاهدوا أمر الصلاة، وحافظوا عليها، واستكثروا منها، وتقربوا بها فإنها كانت على المؤمنين كتاباً موقوتا، ألا تسمعوا إلى جواب أهل النار حين سئلوا: {مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ، قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ}[المدثر:42،43]، وإنها لتحت الذنوب حت الورق، وتطلقها إطلاق الرِّبَق، وشبهها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالحمة تكون على باب الرجل، فهو يغتسل منها في اليوم والليلة خمس مرات، فما عسى أن يبقى عليه من الدرن، وقد عرف حقها رجال من المؤمنين الذين لا تشغلهم عنها زينة متاع، ولا قرة عين من ولد ولا مال، يقول الله سبحانه: {رِجَالٌ لاَ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاَةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ}[النور:37] وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نصباً بالصلاة بعد التبشير له بالجنة لقول الله سبحانه: {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاَةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا}[طه:132] فكان يأمر أهله ويصبر عليها نفسه).

وقال عمر: إن الرجل ليشيب عارضاه في الإسلام ما أكمل الله له صلاة، قيل له: وكيف ذلك؟ قال: لا يتم خشوعها وتواضعها، وإقباله على ربه فيها.
وقيل للحسن (رحمه الله): ما بال المتهجدين من أحسن الناس وجوهاً؟ قال: لأنهم خلوا بالرحمن، فألبسهم نوراً من نوره.
وقال بعض الصالحين: إن العبد ليسجد السجدة عنده أنه متقرب بها إلى الله، ولو قسم ذنبه في تلك السجدة على أهل مدينة لهلكوا، قيل: وكيف ذلك؟ قال: يكون ساجداً وقلبه عند غير الله، إنما هو مصغ إلى هواء أو دنيا.
وقال ابن مسعود: الصلاة مكيال فمن وفى وفي له، ومن طفف فويل للمطففين.

المسألة الثانية عشرة [في الرزق]
الرزق في اللغة: الحظ والنصيب، وأما في عرف الشرع فقد اختلفوا فيه.
فقالت العدلية: هو كل ما له الانتفاع به وليس لأحد منعه عنه، ومن ثم قالوا: الحرام ليس برزق، وقالت المجبرة: هو ما ينتفع به مطلقاً، وقيل: بل هو ما يؤكل أو يستعمل، ورد بأن الله تعالى قد أمرنا بالإنفاق من الرزق، فلو كان كما ذكرتم لما أمكن إنفاقه، وقيل: بل هو ما يملك، ورد بأن العالم ملك لله تعالى ولا يوصف بأنه رزقه، والكلأ رزق للبهيمة ولا يوصف بأنه ملكها، ويقول الإنسان: اللهم ارزقني ولداً صالحاً، وزوجة صالحة، وعقلاً أعيش به، ولا يوصف واحد منها بالملك.

قال الإمام المهدي عليه السلام : واعلم أن الرزق يفارق الملك بأن الرزق اسم للملك وغير الملك كالماء والكلاء، ولهذا قال ابن عباس في تفسير قوله تعالى: {وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ}[الذاريات:22] والله ما علمت لكم رزقاً في السماء إلا المطر، ومن ثم يقال: رزق البهيمة، ولا يقال: ملكها، وكذلك يفترق الحال بين الرزق والمال بأن الرزق قد يطلق على ما لا يسمى مالاً كالماء والكلأ، بخلاف المال، حجة العدلية أنه يجب الشكر على الرزق، ومن أخذ مال الغير فأعطاه آخر لم يحسن أن يشكر؛ لأنه ظلم وقبيح، فثبت أن الله لا يرزقنا مال الغير على وجه الظلم، وإذا ثبت في مال الغير ثبت في غيره مما منع الشرع من تناوله أنه لا يسمى رزقاً، ولو كان رزقاً لما عوقب أحد على تناول رزقه، ولذلك عبنا على من حد الرزق بما يغتذى به، ويتمكن من الإغتذاء به؛ لأن مال الغير يمكن الإغتذاء به، وليس برزق للغاصب ونحوه، ولأن الحرام لو كان رزقاً لجاز أن ينفق الغاصب منه لقوله تعالى: {أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ}[البقرة:254] وأجمع المسلمون على أن الغاصب لا يجوز له أن ينفق مما أخذه، بل يجب رده، فدل على أن الحرام لا يكون رزقاً، ولأن الله تعالى مدح المنفقين من أرزاقهم قال تعالى: {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ}[البقرة:3] وهو سبحانه لا يأمر بإنفاق مال الغير لأنه قبيح والله تعالى لا يفعل القبيح، فلو كان الحرام رزقاً لكان قد أمر بالإنفاق منه؛ لأن المدح على الفعل يتضمن البعث عليه، وقد اعترض الإمام المهدي عليه السلام هذا الاحتجاج بأنه إنما يلزم الخصم لو قال إنه لا يسمى رزقاً إلا الحرام، فأما مع قوله بأن الحلال يسمى رزقاً أيضاً، فهذا الاحتجاج لا ينتهض عليه لأنه في الآية لم يأت بلفظ يعم كل ما يسمى رزقاً، وإنما قال: {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ}[البقرة:3] ويحتمل أن البعض الذي تعلق المدح بإنفاقه هو الحلال دون الحرام فلا

118 / 329
ع
En
A+
A-