قلنا: هذه الأسماء الشرعية بلسان قومه، وبيانه أَنما هو بلسانهم على ضربين: أحدهما: حقيقة، والثاني: بينهما مشابهة فيجري عليه كما يجري الأسد على القوي الباسل، وهو بلسان العرب لما بينهما من المشابهة، وهي القوة، والجراءة التي لهما، وكذلك الصلاة لما كانت مشتملة على دعاء، وفي الأصل هي الدعاء جاز أن تُجرى على هذه الأفعال، وقيل: أنها من صلي الفرس، وهو عظم في وركه، وقيل: المصلي الفرس الذي يتلو صاحبه، فلما كان بعض المصلين يلي بعضاً شبه به، وكذلك الصوم هو الإمساك في الأصل، والآن فإنه إمساك مخصوص بينهما هذه المشابهة إلى ما شاكل هذه الألفاظ، فلا يكون ذلك خروجاً عن لغتهم ولسانهم.
قال الإمام (الموفق) بالله عليه السلام : ولذلك قال المحصلون من أصحابنا: لا يجوز أن يكون لفظ شرعي إلا وبينه وبين ما هو موضوع له في الأصل مناسبة.
قالوا: لو نقل لاشتهر وتواتر؛ إذ هو مما تتوفر الدواعي إلى نقله.
قلنا: قد بينا شهرته وتواتره بما لا مزيد عليه وأنتم لا تنكرون هذا، بل قد صرح الرازي بأن عرف الشرع استقر على أن الإيمان تصديق مخصوص، وبهذا أجبتم على من ألزمكم أنه لو كان الإيمان هو التصديق فقط للزم أن يوصف به كل مصدق لأمر من الأمور حتى بالجبت والطاغوت، ومن هاهنا قال الإمام المهدي: إن هذا رجوع من الرازي إلى مذهب المعتزلة لأنه قد صرح بأن الشرع الذي قصر هذا الاسم على التصديق المخصوص، وهذا عين مذهبنا وحينئذٍ صار النقل مجمعاً عليه والحمد لله.
قالوا: المعدى بالباء باق على الأصل اتفاقاً فوجب في غير المعدى أن يكون كذلك.
قلنا: لا نسلم الاتفاق بل المعتبر القرينة، ثم إنه قد فرق الدليل.
قالوا: كلما ذكر الله الإيمان أضافه إلى القلب كقوله: {مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ...}[المائدة:41] ونحوها.
قلنا: إنما دلت على أن القول بمجرده ليس بإيمان حتى ينضم إليه العمل والاعتقاد كما مر.

قالوا: وردت آيات كثيرة بعطف الأعمال الصالحة على الإيمان كقوله تعالى: {وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحاً...}[ التغابن:9] وأقرب شاهد عليه قوله تعالى: {وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ}[البقرة:3] والعطف يقتضي التغاير، وإلا كان تكراراً.
قلنا: هو في الآية الأولى حقيقة لغوية، ونحن لا نمنع استعمال المنقول في معناه الأول لقرينة، وهي هنا العطف، وأما الآية الثانية فيجوز أن يكون الإيمان فيها مستعملاً في معناه اللغوي كهذه، ويؤيده أن الرازي قد حكى الإجماع على أن الإيمان المُعدّى بالباء باق على أصل اللغة، ويجوز أن يكون من عطف الخاص على العام، أفرد الصلاة والزكاة بالذكر لفضلهما كأنهما من جنس آخر؛ لأنهما أُمَّا العبادات البدينة والمالية، وهما العيار على غيرهما، ألا ترى كيف سمى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الصلاة عماد الدين، وجعل الفاصل بين الإسلام والكفر ترك الصلاة، وسمى الزكاة قنطرة الإسلام، وقال الله تعالى: {وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ ، الَّذِينَ لاَ يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ}[فصلت:6،7] وقد ذكر أرباب المعاني أن التغاير في الوصف ينزل منزلة التغاير في الذات.
قالوا: قال تعالى: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا}[الحجرات:9] فسماهم مؤمنين مع أن فيهم من هو مستحق للعقاب.
قلنا: هما عند الخطاب مؤمنتان؛ لأنه أراد إذا اقتتلا في مستقبل وقت الخطاب،وأراد اللغوي،هذا وقد احتجوا بظواهر آيات كثيرة، وهي محمولة على المعنى اللغوي أو مؤولة، وستأتي في مواضعها إن شاء الله تعالى.

المسألة السابعة [استطراد في ذكر الإيمان]
قال الرازي: ليس من شروط الإيمان التصديق بجميع صفات الله عز وجل؛ لأن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم كان يحكم بإيمان من لم يخطر بباله كونه تعالى عالماً لذاته أو بالعلم، ولو كان هذا وأمثاله شرطاً معتبراً في تحقق الإيمان لما جاز أن يحكم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بإيمانه قبل أن يجربه في أنه هل يعرف ذلك أم لا.
قلت: لعله أراد أنه ليس من شروط الإيمان معرفة ما يذكره المتكلمون في تفاصيل الصفات كما يفيده قوله: إن الرسول كان يحكم بإيمان من لا يعرف كونه عالماً بعلم أو لذاته، وقد تقدم له نظير هذا.
ويؤيده ما في الجامع الكافي عن محمد بن منصور المرادي (رحمه الله) حيث قال: وإنما أجابت الرسل صلى الله عليهم، وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام عند ما سئلت عن الله بالدلالة عليه، فشهدت له بالوحدانية، ووصفته بالقدرة والتدبير، وأوجبت بذلك على من أرسلها الله إليه معرفة الله، وتوحيده، والإيمان به أنه إله، واحد، خالق، ليس كمثله شيء، وإنما أجابت الرسل" بغاية الحجة على من سألها بما بين الله لها، وأنزل في كتبه إليها، لم تعد ذلك إلى غيره، ولن تكون حجة أبلغ على الله من حجج أنبياء الله التي أبلغتها عن الله خلقه، ولا أهدى لهم إن قبلوها، قال الله تبارك وتعالى: {قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ}[إبراهيم:10].
وقال إبراهيم عليه السلام في محاجته قومه، ودعائه إياهم إلى الله عز وجل، وتعريفه إياهم رب العالمين: {أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ، أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الأَقْدَمُونَ، فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلاَّ رَبَّ الْعَالَمِينَ، الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ...}[الشعراء:75-78] إلى قوله: {والذي يميتني ثم يحينِ}[الشعراء:81] فدلهم عليه لا شريك له بالقدرة والتدبير.

وقال موسى عليه السلام عند مسألة فرعون إياه: إذ يقول: {فَمَنْ رَبُّكُمَا يَامُوسَى، قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى، قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الأُولَى، قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لاَ يَضِلُّ رَبِّي وَلاَ يَنسَى}[طه:49-52].
وقال فرعون أيضاً: {وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ، قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إنْ كُنتُمْ مُوقِنِين}[الشعراء:23،24]. {قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ}[الشعراء:28]، فلم يتعد موسى من الجواب عند مسألة فرعون إياه غير ما أنبأه الله في الكتاب، وفرعون اللعين أعمى العمين، وأعتى العاتين، وأخبث المتعنتين، أجابه موسى عن الله عز وجل بالدلالة من خلق الله عليه، وكذلك نبيئنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم حين سأله قومه عن الله سبحانه وتعالى إذ يقولون: {مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ}[الإسراء:51] وقال: لا شريك له: {أَوَلَمْ يَرَ الإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ، وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ، قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ ، الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الأَخْضَرِ نَاراً فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ}[يس:77-80] فلم يكلف الله نبينا صلى الله عليه وآله وسلم من الحجة والجواب غير ما قاله في الكتاب، وبلغنا أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال له قومه: انسب لنا ربك فنزل عليه جبريل عليه السلام بسورة: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، اللَّهُ الصَّمَدُ}[الإخلاص:1،2] ونحو هذا ذكره الإمام الحسن بن يحيى عليه السلام في البحث السديد ثم قال: والمذكورون " في مقام البيان عن الله ذي

الجلال.
قلت: وقد ورد في السنة ما يؤيد هذا قال صلى الله عليه وآله وسلم : ((تفكروا في الخلق ولا تفكروا في الخالق فإنكم لم تقدروا قدره)).
وعن ابن عباس جاء رجل إلى نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يا نبي الله، علمني من غرائب العلم، فقال له: ((وما صنعت في رأس العلم حتى تسألني عن غرائبه؟)) فقال الرجل: وما رأس العلم يا رسول الله؟ قال: ((معرفة الله حق معرفته)) فقال: يارسول الله، وما معرفة الله حق معرفته؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((أن تعرفه بلا مثل ولا شبيه، وتعرفه إلهاً، واحداً، صمداً، أولاً، آخراً، ظاهراً، باطناً، لا كفؤاً له ولا مثل)).
وعن ابن عباس قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((خمس لا يعذر بجهلن أحد: معرفة الله أن تعرف الله ولا تشبهه بشيء ومن شبه الله بشيء أو زعم أن الله يشبهه شيء فهو من المشركين، والحب في الله والبغض في الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، واجتناب الظلم)) فلم يزد صلى الله عليه وآله وسلم على هذا، وهو في مقام التعليم وبيان الواجب.

وروي أن رجلاً قام إلى علي فقال: يا أمير المؤمنين، كيف كان ربنا؟ فقال: (كيف لم يكن وربنا لم يزل تبارك وتعالى، وإنما يقال لشيء لم يكن كيف كان، فأما ربنا فهو قبل القبل، وقبل كل غاية، انقطعت الغايات عنده، فهو غاية كل غاية)، فقال: كيف عرفته؟ فقال: (أعرفه بما عرف به نفسه {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ}[الإخلاص:2،4] لا يدرك بالحواس، ولا يقاس بالناس، متدانٍ في علوه، عال في دنوه: {مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاَثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلاَ خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلاَ أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلاَ أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا}[المجادلة:7] قريب غير ملتصق، وبعيد غير متقصٍ، يعرف بالعلامات، ويثبت بالآيات، يوحد ولا يبعض، ويحقق ولا يمثل، لا إله إلا هو الكبير المتعال).
وروي أنه قام إليه عليه السلام رجل وهو في جامع الكوفة فقال: يا أمير المؤمنين، انعته لنا حتى كأنا نراه، وننظر إليه، فسبح عليه السلام ربه عز وجل وعظمه، وقال: (الحمد لله الذي هو أول، ولا بُدِئ منماء، ولا ممازج مع ما، ولا حال بما، ليس بشبح فيرى، ولا بجسم فيتجزى، ولا بذي غاية فيتناهى، ولا بمحدث فيتصرف، ولا بمستتر فيتكشف، ولا كان بعد أن لم يكن، بل حارت الأوهام أن تكيف المكيف للأشياء، من لم يزل لا بمكان، ولا يزول لاختلاف الأزمان، ولا يغلبه شأن بعد شأن، البعيد من تخييل القلوب، المتعالي عن الأشباه والضروب، علام الغيوب، فمعاني الخلق عنه منفية، وسرائرهم عليه غير خفية، المعروف بغير كيفية، لا يدرك بالحواس، ولا يقاس بالناس، لا تدركه الأبصار، وهو يدرك الأبصار، ولا تحيط به الأقدار، ولا تقدره العقول، ولا تقع عليه الأوهام).

فانظر إلى كلام أمير المؤمنين عليه السلام الصريح الدلالة في أن المعرفة الإجمالية كافية، وبالمراد من النجاة وافية، وكم له عليه السلام من هذا القبيل مما يورده مورد البيان، وتعليم الجاهل الحيران.
وفي الجامع الكافي عن الحسن بن يحيى عليه السلام أن سائلاً سأل علياً عليه السلام فقال: صف لنا ربك حتى نزداد به معرفة وله حباً، فقال عليه السلام : (عليك يا عبد الله بما دل عليه القرآن من صفته، وقدمك فيه لترسل بينك وبين معرفته، فأتم به واستغن بنور هدايته، فإنما هي نعمة وحكمة أوتيتها، فخذ ما أوتيت وكن من الشاكرين).
وقد تقدم قوله عليه السلام : (فما دلك القرآن عليه من صفته فأتم به...) إلى آخره.
وقال عليه السلام : (ومن تفكر في غير الذات وحد، ومن تفكر في الذات ألحد).
وقال عليه السلام : (العقل آلة أعطيها العبد لاستعمال العبودية، لا لإدراك الربوبية).
وقال عليه السلام : (كل ما خطر ببالك فهو على خلاف ما خطر ببالك).
وقال عليه السلام : (التوحيد أن لا تتوهمه).
فانظر إلى هذه الكلمات القصيرة، الجامعة النافعة، التي يوردها أمير المؤمنين عليه السلام تعليماً لأهل الحيرة والريب، أتظن أنه قصر في التعريف، أو أوقعهم في التلبيس، كيف وهو باب مدينة العلم، والمبين للأمة ما اختلفوا فيه من الحكم.
وقال زين العابدين عليه السلام : أسماؤه تعبير، وأفعاله تفهيم، وذاته حقيقة، وكنهه تفريق بينه وبين خلقه، وقال القاسم بن إبراهيم عليه السلام : إن سئل عن اسمه: فهو الله الرحمن الرحيم، وإن سئل عن صفته: فهو الله العليم القدير، وإن سئل عن ذاته: فهو الله الذي ليس كمثله شيء.
وقال (الناصر) عليه السلام : فلم يعرف الله سبحانه من وصف ذاته بغير ما وصف به نفسه، وسئل الإمام المطهر بن يحيى عليه السلام عن العامي الذي يعرف كون الله تعالى خالقاً رازقاً، وهو غير عالم بسائر الصفات، ومع ذلك أنه ناطق بالشهادتين آتٍ بالواجب، مجتنب للقبيح.

فأجاب عليه السلام : بأن هذا من خيار أهل الإيمان، وأن الإيمان الجملي كاف في حقهم، وأنه الذي كلفوا به، وهذا بحث نفيس فشد به يديك، وعض عليه بناجذيك تنج من عطب، وتتخلص من نشب، والحمد لله رب العالمين.

المسألة الثامنة [أقسام المعرفة]
من عرف الله تعالى بالدليل ولما تمت المعرفة مات، ولم يجد من الوقت ما يتلفظ فيه بكلمة الإيمان، ولا يأتي فيه بالعمل بالأركان، فهو مؤمن؛ لأن التمكين من تمام التكليف فلا يصح مع عدمه: {لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ مَا آتَاهَا}[الطلاق:7].
قال القاسم بن إبراهيم عليه السلام : العبادة تنقسم على ثلاثة أوجه:
أولها: معرفة الله.
والثاني: معرفة ما يرضيه وما يسخطه. والثالث: اتباع ما يرضيه، واجتناب ما يسخطه، فهذه الوجوه كلها هي كمال العبادة، وجميع العبادات غير خارجة منها، فمعرفة الله عبادة كاملة لمن ضاق عليه الوقت، وهي منفصلة عن العبادة الثانية لمن تراخت به الأيام إلى وصول التعبد، وهو الأمر والنهي الذي فيه رضى المعبود وسخطه، ثم العمل بما يرضيه، واجتناب ما يسخطه عبادة منفصلة من الوجهين الأولين لمن تراخى به الوقت إلى استماع كيفية العبادة على لسان الرسول الذي جاءت الشريعة على يديه. وكلامه عليه السلام نص في المقصود، وقد حكى بعض العلماء الاتفاق على أن من آمن بالله ورسوله ثم اخترم قبل أن يتعين عليه عمل من أعمال الجوارح فهو مؤمن، وإن لم يعمل.

المسألة التاسعة [الإيمان بالغيب]
اعلم: أن الله تعالى قد جعل من صفات المتقين الإيمان بالغيب، فينبغي إمعان النظر في معرفة المعنى المراد بالغيب المذكور، فقيل: المراد أنهم يؤمنون بالله حال الغيب كما يؤمنون به حال الحضور، لا كالمنافقين الذين {إِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ}[البقرة:14] وهذا قول أبي مسلم، ونظيره قوله تعالى: {ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ}[يوسف:52] فيكون المراد مدح المؤمنين بأن ظاهرهم موافق لباطنهم.
وقال عاصم بن أبي النجود: الغيب القرآن، وقال الضحاك كلمة التوحيد وما جاء به محمدٌ صلى الله عليه وآله وسلم ، وقال الكلبي ما لم ينزل من القرآن، وقال زر بن حبيش، وابن جريج، وروي عن ابن عباس أنه: علم الوحي، وقال عبد الله بن هاني: ما غاب من علوم القرآن، وقال الحسن: أمر الآخرة، وقال عطاء، وابن جبير وهو ظاهر كلام القاسم بن إبراهيم عليه السلام : أنه الله تعالى، وقيل: ما أظهره الله على أوليائه من الكرامات، وقيل: القضا والقدر، وقال جماعة من المحققين: الغيب ماغاب عن الحس والعقل غيبة كاملة بحيث لا يدرك بواحد منهما ابتداء بطريق البداهة، وهو قسمان:
قسم لا دليل عليه وهو الذي أريد بقوله تعالى: {وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ}[الأنعام:59]، وقسم نصب لنا عليه دليلاً، وعلى هذا فالمراد من الآية مدح المتقين بأنهم يؤمنون بالغيب الذي عليه دليل بأن يتفكروا ويستدلوا فيؤمنوا به، فيدخل فيه العلم بالله وصفاته، والإيمان بالملائكة، والأنبياء، والعلم بالأحكام والشرائع، والبعث والحساب، والوعد والوعيد، وغير ذلك.
قال الرازي: فإن في تحصيل هذه العلوم بالاستدلال مشقة فيصلح أن يكون سبباً لاستحقاق الثناء العظيم .

117 / 329
ع
En
A+
A-